اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رسالة إلى مصلٍ للشيخ : سعيد بن مسفر


رسالة إلى مصلٍ - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
تكلم الشيخ في هذه المادة عن أهمية الصلاة ومكانتها، وأهمية الخشوع فيها، مبيناً أن الخشوع هو روح الصلاة، وأن الصلاة بدون خشوع كالجسد الميت الذي لا روح له، ثم تحدث بعد ذلك عن الأسباب التي تعين على الخشوع، فبدأ بالأسباب التي تكون قبل الصلاة، ثم ذكر الأسباب التي تكون أثناء الصلاة، وختم الشيخ موضوعه بذكر نماذج من صور الخشوع في الصلاة عند السلف.
أهمية الصلاة وموقعها في الدين
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:أيها الإخوة في الله: هذه الليلة سنوجه رسالة إلى المصلي، أي: إلى كل مسلم، إذ ليس بمسلم من لا يصلي، فأهل العلم يجمعون على أن تارك الصلاة كافر؛ للأدلة الصريحة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وبين الله، إذا قطعها الإنسان وتركها قطع صلته بالله، وهي آخر موقع يتركه الإنسان من الإسلام، يقول عمر رضي الله عنه: [أما إنه لا حظ في الإسلام لمن أضاع الصلاة].
 ضرورة استشعار عظمة الله في الصلاة
يقول ابن رجب الحنبلي في كتابه لطائف المعارف وفي كتابه الذي نوصي كل مسلم بشرائه وهو كتاب: جامع العلوم والحكم فهذا لا ينبغي أن يخلو منه بيت؛ لأنه شرح الأربعين النووية وأضاف من عنده عشرة صحيحة وشرحها شرحاً وافياً لم يسبقه أحد إلى ذلك، ولم يأت بعده أحد يشرح مثل شرحه، فكل حديث علق عليه أكثر من خمس أو ست صفحات وجمع فيه كل ما قيل في الموضوع الذي يتناوله هذا الحديث.ولذا نوصي كل مسلم أن يشتري هذا الكتاب وثمنه أظن (12) ريالاً أو (10) ريالات، جامع العلوم والحكم لـابن رجب الحنبلي رحمة الله عليه، يقول: إن الخشوع لين القلب ورقته وسكونه وانكساره وحرقته وحضوره في الصلاة، وهو يحصل بالتأمل في أسماء الله وصفاته، فإذا ما أدرك العبد عظمة من يقف بين يديه وعظمة الموقف الذي يمارسه فإنه يحصل له الخشوع، ثم يدلل على هذا ويقول: إذا وقفت بين يدي ملك فاسأل نفسك كيف تكون في مثل هذا الموقف، لا أحد يستطيع أن ينظر إلى أنفه بين يدي الملك أو يحك ظهره؟ أيستطيع أن يفكر في شيء غير ما يتكلم فيه مع الملك، إذا قام بين يدي الملك أو الأمير أو المسئول وقدم له مطلبه هل يمكن أن يخطر في باله غير الكلام الذي ينادي به الملك؟ لا. سوف تضيع كل الأفكار إلا هذا الموضوع لأن الموقف جليل، فهل أعظم من أن تقف بين يدي الملك الجليل، ملك السماوات والأرض، لا إله إلا الله!حقيقة إنه موقف مخزٍ أن يقف الإنسان بين يدي الله ثم ينصرف بقلبه عن الله، ولذا ورد في الأثر: "أن العبد إذا وقف بين يدي الله نصب الله وجهه له في الصلاة، فإذا صرف العبد قلبه صرف الله عنه وجهه، وينادي: أإلى خيرٍ مني"، تقف بين يدي وتفكر في الدنيا وتذهب، ضع قلبك معي عشر دقائق، ثم اذهب وسوس من العشاء إلى الفجر كم ساعة الآن من بعد العشاء، إلى الفجر لو صلينا الساعة الثامنة فكم إلى صلاة الفجر ساعات فراغ، أكثر من تسع ساعات لا يوسوس الواحد فيها! لكن إذا صلى جاءت الوسوسة، فهذا يدل على أنك محارب ومطارد من قبل قوة وهي قوة الشيطان بتضييع الصلاة عليك، إذ لا يفكر الإنسان أبداً وهو على الأكل لا يفكر، إذا كان في الدوام لا يفكر، إذا جلس أمام الفيلم إذا كان ممن يرى الأفلام لا يفكر إلا في الفيلم، حتى لو سرقت فلوسه من جيبه ولو جاءت مكالمة لو كلمته امرأته يقول: صه صه، لأنه معلق مشدود لا يفكر في شيء غير هذا، لماذا تجلس ساعات أمام الفيلم لا تفكر إلا به، وعشر دقائق ما قعدت تفكر بين يدي الله، لماذا؟ لأن الصلاة ترضي الله والشيطان يريد أن يسحبك منها.أما الفيلم فيبغضه الله، والشيطان يريد أن يركز ذهنك فيه ويضيع حياتك في هذه الخزعبلات والخرافات والأكاذيب، كلها كذب في كذب فلا تتابع الكلام الفارغ، المسلسل هذا كذب كتبه كذاب ومثله عشرون كذاباً وأنت تعيش عليه وتحزن، وبعضهم لا ينام في الليل، ماذا بك؟ يقول: والله النهاية المؤلمة التي صارت للبنت، ولا توجد نهاية وكلها كذب في كذب، كن رجلاً واحتفظ بعقلك، لكن!! إنا لله وإنا إليه راجعون ضاعت عقول الأمة وراء هذه الأفلام والفيديو الذي يشتريه بعض الناس بخمسين أو ستين ريالاً ليري أولاده ويدربهم على المفاسد والحب والعشق والغرام والجرائم والأفلام البوليسية، هذه مصيبة والله من أعظم المصائب؛ لأن الله استرعاك هذه الرعية وأنت خنت هذه الرعية، والله يسألك يوم القيامة، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93]، سيسألك الله هل حفظت هذه الرعية وهم زوجتك وأولادك، أم ضيعتهم؟ بعضهم يبكي مع دموع زوجته ودموع أولاده إذا منعهم من الفيلم قاموا يبكون، قال: إذاً دعهم ينظرون، دعهم يتفرجون، دعهم ينظرون إلى الكراتين من أجل أن يكون ولده (كرتوناً) يربيه على الكراتين من صغره، لا حول ولا قوة إلا بالله! وإنا إليه راجعون!
الأسباب التي تبذل قبل الصلاة لتحقيق الخشوع فيها
لما كان العبد يتقلب بالليل والنهار بين نعم الله عز وجل، وآلاء الله لا تنقطع عنه؛ فإنه يصاب بالتبلد والفتور والغفلة فيحتاج بناءً على هذا إلى شيء يجدد فيه هذه المفاهيم وهذه المعاني، وكان أعظم مجدد لها هو هذه الصلاة التي هي عمود الإسلام، والتي لا تنفك عن المسلم ولا تسقط عنه بأي حال من الأحوال، فالصوم مرة في السنة، والحج مرة في العمر، والزكاة مرة في السنة، وإذا لم يوجد مال ولا توجد زكاة، وإذا كنت مسافراً، فقد تفطر وتقضي يوماً عنه، أو إذا كنت مريضاً كذلك، وإذا كنت فقيراً ليس عليك حج، لكن الصلاة لا بد أن تقيمها سواء كنت مسافراً أو مقيماً، أو مريضاً أو معافى، حتى لو كنت في الحرب، وعلى أي وضع لا بد أن تصلي، لماذا؟ لأنها صلة، كيف تعيش وقد قطعت صلتك بالله تبارك وتعالى.ولما كانت هذه الصلاة صلة كان لا بد من الخشوع فيها وهذا لا يتأتى إلا بأسباب، والأسباب كثيرة منها ما هو قبل الصلاة، وما هو في الصلاة، وما هو بعد الصلاة، فالأسباب التي قبل الصلاة كثيرة منها:إذا أردت أن يحصل لك الخشوع فاتبعها واحدة واحدة:
 الاستعداد لقضاء الضروريات قبل الصلاة
سادساً: الاستعداد لقضاء الضروريات قبل الصلاة، يجب أن تمارس الصلاة وقد قضيت كل الضروريات من حياتك مثل: قضاء الحاجة، فلا تخشع وأنت حاقن، ولا تأتِ وأنت جائع، ولا تحاول أن تورد الطعام في وقت الصلاة كما يفعل بعض الناس فلا يقدم العشاء إلا إذا أذن قال: أريد أن أتعشى حتى يضع الناس في خيارين: إما أن يصلوا وعقولهم في الطعام، أو يأكلوا ويضيعوا الصلاة.لا. يا أخي! قدم أو أخر، ولهذا جاء في الحديث يقول عليه الصلاة والسلام -والحديث في مسلم -: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) يعني: البول أو الغائط، عليك أن تستعد للصلاة قبلها، وبعضهم يقول: أصلي الآن من أجل ألا أعيد الوضوء، لماذا؟ هل الوضوء يكسر ظهرك؟! إنما هو نشاط يا أخي، فإذا عرفت أنك إذا صليت وأنت غير خاشع فليس لك صلاة، والحديث صحيح في مسلم : (لا صلاة -يعني: ليس له صلاة كاملة- وهو يدافع الأخبثان) بعضهم يتلوى من بداية الصلاة! اخرج يا أخي! قبل الصلاة وتوضأ وأخرج الأذى ثم تعال وقلبك معك، وكل جوارحك معك حتى تؤدي صلاتك كما ينبغي.
الأسباب التي تبذل أثناء الصلاة لتحقيق الخشوع فيها
أما الأوامر التي تعينك على الخشوع أثناء الصلاة فهي كثيرة:
 الركوع والسجود باستسلام وخضوع لله
سادساً: إذا انتهيت فاركع، وفي الركوع ارفع يديك حذو منكبيك، ثم كبر مستسلماً منقاداً له حيث أمرك بالركوع، واحن ظهرك له، وتفكر كيف أنك لا يمكن أن تعمل هذا العمل إلا لله، وهذا الركوع عبادة، والذي يصنعها لغير الله وقع في الشرك، كما يفعل بعض الناس في التحية عند بعض الأمم الكافرة أسلوب التحية عندهم الانحناء، وهذا لا يجوز، فالركوع لله وحده؛ لأن هذا الإنسان عزيز، فكل الحيوانات ظهورها إلى أسفل إلا الإنسان فظهره إلى أعلى، لا يحنيه إلا لله، فتحني ظهرك في الركوع مستسلماً لعظمة الله تبارك وتعالى.ثم أيضاً تفكر وأنت تقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، فأنا ما حنيت ظهري ولا ركعت إلا لله؛ لأنه عظيم، لا أركع لأحد في الأرض، لا أركع لملك ولا لسلطان ولا لزوجة ولا لأي قوة على وجه الأرض؛ لأن العظيم الوحيد هو الله الذي لا إله إلا هو، وأنا أعبر عن هذا وأعلن هذا وأقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً أو خمساً أو عشراً أو سبعاً ما استطعت وأقل شيء ثلاث، ثم إن أردت أن تزيد فقد ورد دعاء آخر في الصحيحين وهو أن تقول: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي).ثم ترفع ظهرك من الركوع وتفكر وأنت ترفع ظهرك من الركوع وتستشعر أنك مقصر فتقول: سمع الله لمن حمده، ويطمئن قلبك بأن عز وجل يسمع حمدك وثناءك فلا تبخل، أن تقول: ربنا ولك الحمد، الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والجماعة كلهم يقولون: (ربنا لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت).ثم تسجد: فإذا سجدت عبرت بالسجود بعد الركوع على مقتضى ومنتهى العبودية والخضوع لله سبحانه وتعالى؛ لأنك تمكن محاسن الوجه وأعز شيء محترم فيك أنفك وجبهتك .. كل مكان فيك ترضى أن تضرب فيه إلا في أنفك؛ لأنه عزيز ولهذا عندما قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16] يعني: أقتله، والخرطوم: هو الأنف، فإذا سجدت لله عز وجل على هذا الأنف الذي هو أعز وأكرم منطقة فيك وجلست ومرغته على الطين احتراماً لله رب العالمين ذلاً وخضوعاً فأنت تعلم نعمة الله عليك بهذه النعمة، ثم تقول: سبحان ربي الأعلى، فجبيني هنا في الأرض والله هو الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، ثم تقول أيضاً إن شئت وهو في الصحيحين : (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي).ثم تجتهد في الدعاء بما استطعت من خيري الدنيا والآخرة؛ لأنه جاء في الحديث والحديث في مسلم : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء فيه فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم) لأنك دعوت إلى الله وأنت ساجد وهذا موطن تقديم العريضة على الله، فإذا دعوت الله وأنت ساجد فإنه أقرب موقف يمكن أن تقرب من الله فيه، وإنه لقمن إن شاء الله وجدير أن يستجاب لك، ثم تفعل ذلك في جميع صلاتك كلها، فتواصل كل هذا الكلام في كل ركعة من صلواتك.وبعد ذلك إذا أتيت في التشهد الأخير تتشهد وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله بعد أن تقدم التحيات.انظروا إلى آداب الصلاة يا إخواني! استئذان، وبعد ذلك فاتحة فيها ثلاث لله وواحدة بينك وبين الله وثلاث لك، وبعد ذلك ركوع فيه تعظيم، وبعد ذلك تسبيح في السجود، ثم جلوس بين السجدتين واستغفار عما يكون من الخطأ، وقبل أن تنتهي لا بد أن تحيي ربك وتسلم على الله فتقول: التحيات أي: بجميع أنواعها لله، التحيات لله سبحانه وتعالى وهو المستحق لها وحده، التحيات والصلوات والطيبات لله من أقوال وأفعال وخطرات وأفكار وظاهر وباطن.ثم تسلم على الرسول، فتقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي! بصيغة الخطاب المباشر كأنه أمامك، يقول ابن مسعود كما في الصحيحين (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا التحيات كما يعلمنا السورة من القرآن) وسألوه مرة فقالوا: (يا رسول الله! قد عرفنا كيف نحييك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد) فتحيي الله ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عباد الله الصالحين من جن وإنس على سطح الأرض.ثم تقول: (أشهد -بعد التحيات تؤكد وتعلن- أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله) ثم تصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان في التشهد الأخير، فتقول: اللهم صلِّ على محمد، وبعض العلماء يرى أنك تصلي على الرسول حتى في التشهد الأول ولكن لا تطيل تقول: اللهم صلِّ على محمد، ولا تأت بالصلاة كاملة؛ لأنها قد تطول عليك وبالتالي تعارض الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في التشهد الأول كأنه على الرضف يعني: على الحجارة المحماة، فتصلي استجابة لأمر الله؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].وصلاتك على النبي دعاء له واعتراف بفضله حيث كان سبب هدايتك، ولولا الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله لهذه الأمة ما اهتدينا وما عرفنا كيف نعبد الله تبارك وتعالى، فصلوات الله وسلامه عليه.وبعد الصلوات تستعيذ بالله من أربعة أشياء عظيمة: تستعيذ بالله عز وجل من عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ثم تسأل الله من خيري الدنيا والآخرة تقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] وإذا بقي معك وقت فاسأل الله المغفرة لك ولوالديك، ولما تريد في الدنيا وفي الآخرة.وبعد هذا تسلم ولا تجعل الدعاء خارج الصلاة، فإن الصلاة دعاء والدعاء داخلها وبعدها ذكر وثناء على الله تبارك وتعالى، والذي يجعل الدعاء بعد السلام هو خلاف السنة، يقول ابن القيم رحمه الله: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة تكون في داخلها لا خارجها.وهذا هو اللائق في حال المصلي؛ فإنه مقبل على الله عز وجل يناجيه ما دام بين يديه، فإذا سلم انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف العظيم فكيف يترك سؤاله في حال كونه بين يديه ثم يسأله بعد أن ينصرف من بين يديه؟!! عندما تقف بين يدي مسئول تقدم العريضة، لكن إذا ودعته وانصرفت فهل تقدم العريضة وأنت في الخلاء؟ وتخيل وأنت تسلم أنك تسلم على كل مسلم من جهتك اليمنى، وأن كل من يسمعك يرد عليك؛ لأنك تقول: السلام عليكم ورحمة الله، من الذي تسلم عليه؟ لا يوجد أحد تسلم عليه، عليكم بصيغة الخطاب أي: على كل مسلم من الجن والإنس، وأنهم كلهم يردون عليك يقولون: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم تلتفت إلى الشمال وتقول: السلام عليكم ورحمة الله، وكلهم أيضاً يردون عليك مثلما رددت عليهم.تخيل هذا ثم قل بعده: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
الأذكار المسنونة عقب الصلاة
يسن لك أن تقرأ آية الكرسي لحديث صححه ابن حبان وقال فيه شعيب الأرنؤوط : إنه صحيح، وهو عند ابن ماجة وفي سنده عند بعض الأئمة ضعف وقد صححه بعض العلماء، والحديث يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) ثواب عظيم جداً، فاجعل آية الكرسي من لوازم صلاتك بعد الفراغ منها.وهناك حديث في صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (من قال عقب كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفر الله له ذنوبه ولو كانت كزبد البحر) فثوابه عظيم جداً، ولكن لا يحافظ عليها إلا موفق، فإن الإنسان يأتيه الشيطان بعد الصلوات فيذكره بأعماله وأشغاله حتى يخرجه قبل أن يقول هذا الكلام، أو يجعله يقولها بطريقة غير لائقة ويسرع فيها، إنما المطلوب أن تقولها وأنت متأننٍ ومحسن التلاوة لها والذكر بها مفصلاً لها عارفاً لمعانيها: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، سبحان الله والحمد لله والله أكبر، وهذه لا تستغرق دقيقتين.أحد الإخوة وجد أنها تستغرق دقيقة وأربعين ثانية لكن قلنا: نترك عشرين ثانية، فتكون دقيقتين تقول فيها هذا الكلام عقب كل صلاة يعني: في خمس صلوات عشر دقائق يغفر الله لك ذنوبك ولو كانت كزبد البحر.وبهذا أيها الإخوة! تكونوا إن شاء الله إذا صليتم هذه الصلاة قد صليتم صلاة خاشعة صحيحة كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استجبتم لأمره، فقد ذكر البخاري حديثاً عن مالك بن الحويرث يقول عليه الصلاة والسلام (صلوا كما رأيتموني أصلي).
 الركوع والسجود باستسلام وخضوع لله
سادساً: إذا انتهيت فاركع، وفي الركوع ارفع يديك حذو منكبيك، ثم كبر مستسلماً منقاداً له حيث أمرك بالركوع، واحن ظهرك له، وتفكر كيف أنك لا يمكن أن تعمل هذا العمل إلا لله، وهذا الركوع عبادة، والذي يصنعها لغير الله وقع في الشرك، كما يفعل بعض الناس في التحية عند بعض الأمم الكافرة أسلوب التحية عندهم الانحناء، وهذا لا يجوز، فالركوع لله وحده؛ لأن هذا الإنسان عزيز، فكل الحيوانات ظهورها إلى أسفل إلا الإنسان فظهره إلى أعلى، لا يحنيه إلا لله، فتحني ظهرك في الركوع مستسلماً لعظمة الله تبارك وتعالى.ثم أيضاً تفكر وأنت تقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، فأنا ما حنيت ظهري ولا ركعت إلا لله؛ لأنه عظيم، لا أركع لأحد في الأرض، لا أركع لملك ولا لسلطان ولا لزوجة ولا لأي قوة على وجه الأرض؛ لأن العظيم الوحيد هو الله الذي لا إله إلا هو، وأنا أعبر عن هذا وأعلن هذا وأقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً أو خمساً أو عشراً أو سبعاً ما استطعت وأقل شيء ثلاث، ثم إن أردت أن تزيد فقد ورد دعاء آخر في الصحيحين وهو أن تقول: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي).ثم ترفع ظهرك من الركوع وتفكر وأنت ترفع ظهرك من الركوع وتستشعر أنك مقصر فتقول: سمع الله لمن حمده، ويطمئن قلبك بأن عز وجل يسمع حمدك وثناءك فلا تبخل، أن تقول: ربنا ولك الحمد، الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والجماعة كلهم يقولون: (ربنا لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت).ثم تسجد: فإذا سجدت عبرت بالسجود بعد الركوع على مقتضى ومنتهى العبودية والخضوع لله سبحانه وتعالى؛ لأنك تمكن محاسن الوجه وأعز شيء محترم فيك أنفك وجبهتك .. كل مكان فيك ترضى أن تضرب فيه إلا في أنفك؛ لأنه عزيز ولهذا عندما قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16] يعني: أقتله، والخرطوم: هو الأنف، فإذا سجدت لله عز وجل على هذا الأنف الذي هو أعز وأكرم منطقة فيك وجلست ومرغته على الطين احتراماً لله رب العالمين ذلاً وخضوعاً فأنت تعلم نعمة الله عليك بهذه النعمة، ثم تقول: سبحان ربي الأعلى، فجبيني هنا في الأرض والله هو الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، ثم تقول أيضاً إن شئت وهو في الصحيحين : (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي).ثم تجتهد في الدعاء بما استطعت من خيري الدنيا والآخرة؛ لأنه جاء في الحديث والحديث في مسلم : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء فيه فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم) لأنك دعوت إلى الله وأنت ساجد وهذا موطن تقديم العريضة على الله، فإذا دعوت الله وأنت ساجد فإنه أقرب موقف يمكن أن تقرب من الله فيه، وإنه لقمن إن شاء الله وجدير أن يستجاب لك، ثم تفعل ذلك في جميع صلاتك كلها، فتواصل كل هذا الكلام في كل ركعة من صلواتك.وبعد ذلك إذا أتيت في التشهد الأخير تتشهد وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله بعد أن تقدم التحيات.انظروا إلى آداب الصلاة يا إخواني! استئذان، وبعد ذلك فاتحة فيها ثلاث لله وواحدة بينك وبين الله وثلاث لك، وبعد ذلك ركوع فيه تعظيم، وبعد ذلك تسبيح في السجود، ثم جلوس بين السجدتين واستغفار عما يكون من الخطأ، وقبل أن تنتهي لا بد أن تحيي ربك وتسلم على الله فتقول: التحيات أي: بجميع أنواعها لله، التحيات لله سبحانه وتعالى وهو المستحق لها وحده، التحيات والصلوات والطيبات لله من أقوال وأفعال وخطرات وأفكار وظاهر وباطن.ثم تسلم على الرسول، فتقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي! بصيغة الخطاب المباشر كأنه أمامك، يقول ابن مسعود كما في الصحيحين (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا التحيات كما يعلمنا السورة من القرآن) وسألوه مرة فقالوا: (يا رسول الله! قد عرفنا كيف نحييك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد) فتحيي الله ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عباد الله الصالحين من جن وإنس على سطح الأرض.ثم تقول: (أشهد -بعد التحيات تؤكد وتعلن- أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله) ثم تصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان في التشهد الأخير، فتقول: اللهم صلِّ على محمد، وبعض العلماء يرى أنك تصلي على الرسول حتى في التشهد الأول ولكن لا تطيل تقول: اللهم صلِّ على محمد، ولا تأت بالصلاة كاملة؛ لأنها قد تطول عليك وبالتالي تعارض الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في التشهد الأول كأنه على الرضف يعني: على الحجارة المحماة، فتصلي استجابة لأمر الله؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].وصلاتك على النبي دعاء له واعتراف بفضله حيث كان سبب هدايتك، ولولا الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله لهذه الأمة ما اهتدينا وما عرفنا كيف نعبد الله تبارك وتعالى، فصلوات الله وسلامه عليه.وبعد الصلوات تستعيذ بالله من أربعة أشياء عظيمة: تستعيذ بالله عز وجل من عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ثم تسأل الله من خيري الدنيا والآخرة تقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] وإذا بقي معك وقت فاسأل الله المغفرة لك ولوالديك، ولما تريد في الدنيا وفي الآخرة.وبعد هذا تسلم ولا تجعل الدعاء خارج الصلاة، فإن الصلاة دعاء والدعاء داخلها وبعدها ذكر وثناء على الله تبارك وتعالى، والذي يجعل الدعاء بعد السلام هو خلاف السنة، يقول ابن القيم رحمه الله: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة تكون في داخلها لا خارجها.وهذا هو اللائق في حال المصلي؛ فإنه مقبل على الله عز وجل يناجيه ما دام بين يديه، فإذا سلم انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف العظيم فكيف يترك سؤاله في حال كونه بين يديه ثم يسأله بعد أن ينصرف من بين يديه؟!! عندما تقف بين يدي مسئول تقدم العريضة، لكن إذا ودعته وانصرفت فهل تقدم العريضة وأنت في الخلاء؟ وتخيل وأنت تسلم أنك تسلم على كل مسلم من جهتك اليمنى، وأن كل من يسمعك يرد عليك؛ لأنك تقول: السلام عليكم ورحمة الله، من الذي تسلم عليه؟ لا يوجد أحد تسلم عليه، عليكم بصيغة الخطاب أي: على كل مسلم من الجن والإنس، وأنهم كلهم يردون عليك يقولون: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم تلتفت إلى الشمال وتقول: السلام عليكم ورحمة الله، وكلهم أيضاً يردون عليك مثلما رددت عليهم.تخيل هذا ثم قل بعده: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
نماذج من خشوع السلف في الصلاة
ومن المناسب أن نذكر بعض قصص السلف الذين كانوا يخشعون في صلاتهم:
 صور لعباد يخشون ربهم من فوقهم
وعن ميمون بن مهران قال: نظر رجل من المهاجرين إلى رجل يصلي وكان يسرع فيها فعاتبه، قال: إني ذكرت ضيعة لي، يعني: مزرعتي ذكرتها، قال: ضيعته الضيعة من صلاته؛ لأنه استعجل فيها.وكان أبو وائل إذا صلى في بيته يسمع له نشيج، وكان يقول وهو ساجد: اللهم اغفر لي، رب اعف عني، إن تعفو عني ففضلاً من فضلك، وإن تعذبني غير ظالم لي ولا مسبوق، ثم يبكي حتى يسمع نحيبه وراء المسجد.وكان إبراهيم التيمي إذا سجد تأتي العصافير وتستقر على ظهره كأنه حائط.وكان أحد السلف في مسجد من البصرة انهدم المسجد واحترق وهو في طرف المسجد فلم يشعر، وجاءوا وأطفأوا النار، ولما أكمل صلاته قال: ماذا هناك؟ فقد كان قلبه بين يدي الله.وهذا عروة بن الزبير أصابته الآكلة التي يسمونها في الطب (الغرغرينا)، فأوصاه الأطباء بقطع رجله، فقطعوا رجله بدون تخدير، قالوا: نخدرك، قال: لا. والله لا أشرب مسكراً، تريدونني أغفل عن ذكر الله، ولكن إذا دخلت في الصلاة فاقطعوا رجلي، ولما دخل في الصلاة جاءوا إلى رجله وقطعوا اللحم ثم نشروا العظم ثم أحضروا الدهن المحمي، ثم وضعوا رجله فيه حتى يكف الدم وبعد ذلك سلم.وبعد ذلك دخل على عبد الملك بن مروان أو أحد السلف، فلما دخل عليه وإذا بذلك الرجل العبسي فيأتي من بلاده وقد عميت عيناه وليس معه شيء، قال: ما شأنك؟ قال: أمسيت وما في عبس أعظم غنىً مني، كان لي وادٍ مملوء بالغنم والإبل والأولاد والأهل، فجاء سيل على غير مطر لا أدري من أين جاء، يقول: فحمل جميع مالي وأهلي وما أبقى لي إلا طفلاً رضيعاً في شجرة معلق وبعير. يقول: فأخذت الطفل وتركت البعير أريد أقطعه، يقول: فنفخني برجله فأذهب عيناي، يقول: فعدت إلى الطفل أن آخذه؛ لأنه قد أخذه من الشجرة ووضعه في الأرض، يقول: فوجدت الذئب قد لقطه، فأصبحت بغير ولد ولا عين ولا امرأة ولا مال، وما أصبح في الأرض أشقى مني، فدعا بـعروة ، وقال: تعال يا عروة ! لتعلم أن في الأرض من هو أعظم مصيبة منك.كذلك كان سعيد بن جبير يردد إذا قرأ قول الله عز وجل: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]، وكان إذا أتى على قول الله عز وجل: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:70-72]، قال: كان يرددها مرتين أو ثلاثاً ثم يبكي.هذه بعض قصص السلف ونحن نذكرها ونشكو أمرنا إلى الله، ولكن يا إخواني! هذه وصية والله ما اخترتها إلا لحاجتي إليها فأنا من أشد عباد الله غفلة في الصلاة، وأسأل الله أن يتوب عليَّ وأن يأخذ بي إلى ساحل النجاة، قلت: أعظ نفسي أولاً ثم أعظكم، وأرجو أن ينفعني الله بها وينفعكم بها في صلواتنا والحمد لله، فقد عزمنا على أن نكون عباداً الله، ولكن ما دمنا نصلي فلماذا لا نجاهد أنفسنا حتى نكون في جهاد وصلاة، أو نكون مقربين، أو مثابين.أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعيننا وإياكم على شكره وذكره وحسن عبادته إنه ولي ذلك والقادر عليه.والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رسالة إلى مصلٍ للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net