اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإيمان حقيقته وشعبه للشيخ : سعيد بن مسفر


الإيمان حقيقته وشعبه - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
لقد بعث الله بالإيمان الرسل، وأنزل به الكتب، إلا أن من حكمة الله أن هذا الإيمان لا يمثل حقيقته كل أحد، إذ أن حقيقته لا تتحصل إلا بتحقيق لوازمه اللفظية، والقلبية، والعملية.وكما أن لهذا الإيمان حقيقة، فله أيضاً شعب بعضها قوليّ، وبعضها قلبي، أو عملي، وعلى قدر الإتيان بهذه الشعب يزيد الإيمان وينقص.
الإيمان زاد الرحيل إلى الآخرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:أيها الأحبة في الله: أعظم ما يملكه الإنسان ويحرص على تحصيله في هذه الحياة هو الإيمان.. الإيمان الذي تتحقق به للإنسان سعادة الدارين، والفوز والفلاح في الحياتين، فلا سعادة في الدنيا إلا بالإيمان، ولا فلاح من العذاب في الآخرة إلا بالإيمان؛ بالإيمان تعرف حقيقة الخلق وحكمة الوجود، وتشعر بلذة وطعم الحياة، وتتصل بخالق الأرض والسماء، ويستقيم سيرك على درب الحياة، وتعرف كيف تتعامل مع الكون والحياة من حولك.وحينما تغادر الحياة في الرحلة الإلزامية، والسفر الإجباري الذي كتبه الله تعالى على كل مخلوق -لا بد من الرحيل إلى دار القبور، لا أحد يستطيع أن يمنع نفسه من الموت- حينما تلزم بالارتحال، وتخرج من الدنيا رغم أنفك.لهوت وغرتك الأماني وحينما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر والآخر يقول: ما للمقابر لا تجيب إذا رآهن الكئيب حفر مسقفة عليهن الجنادل والكثيب فيهن أطفال وولدان وشبان وشيب كم من حبيب لم تكن عيني لفرقته تطيب غادرته في بعضهـن مجندلاً وهو الحبيب في تلك الرحلة لا تنتفع بشيء: لا مال، ولا ولد، ولا جاه، ولا منصب، ولا رتبة، ولا مرتبة، ولا ينفعك في تلك اللحظات الحرجة وفي تلك الأيام الصعبة إلا الإيمان، في بيت الوحشة والظلمة والدود، لا ينفع هناك أحد.يا مـن بدنياه اشتغل وغرَّه طول الأمل وقـد مضى في غفلـة حتى دنا منه الأجل المـوت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل لا ينفعك في القبر وعرصات القيامة إلا الإيمان: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2] لا ينجو من تلك الأهوال إلا أهل الإيمان.يوم تزفر جهنم، وتتزين الجنة: وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ [ق:31-34].هنا الفخر والمجد والشرف والعزة، هنا الفوز والفلاح أيها الإخوة! لكن لمن؟لمن آمن وعمل صالحاً، ولكن: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].
 

حقائق الإيمان الثلاث
هذه الكلمة: (الإيمان) لها حقيقة وصورة، ولكن الصورة لا تغني عن الحقيقة شيئاً، فالصورة تعطي فكرة عن الحقيقة لكن لا تؤدي دور الحقيقة، إذا رأيت صورة سيارة، تعرف من الصورة أن هذه سيارة، لكن هل تستطيع أن تقطع بها مسافة؟ أو أن تركب عليها وهي في الورق؟ الجواب: لا.إذا أريتك صورة عمارة، تعرف من الصورة أنها عمارة، لكن هل تسكن في شقة في الورق؟ الجواب: لا.إذا أخذت فئة خمسمائة ريال -ورقة مالية- وصورتها وكانت الصورة طبق الأصل: الرقم، والتوقيع، والفئة، وكل شيء، هل تستطيع أن تشتري بالصورة حزمة كراث بريال؟ الجواب: لا. لماذا؟لأنها صورة.وإذا أعطيتها صاحب المخبز، وتريد رغيفاً، يقول: اذهب، هذه صورة لا تنفع، لكن أظهر الخمسمائة الريال الحقيقية، تشتري بها حمولة سيارة، لماذا؟لأن هذه حقيقية وتلك صورة.والإيمان له حقيقة، وله صورة، صورته النطق باللسان، والادعاء والبيان دون أن تقيم على هذا الادعاء والبيان دليلاً من العمل الصالح لا ينفع، أما حقيقة الإيمان فهي: حقيقةٌ غالية ذات قيمة باهظة، وتكاليف ثقيلة، الإيمان له ثلاث حقائق عند أهل السنة والجماعة:حقيقة لفظية، وحقيقة قلبية، وحقيقة عملية، ولا بد من توفر الثلاث، وإذا نقصت واحدة فسد الإيمان وتحول إلى إيمان صوري.
 التكاليف الشرعية امتحان لإثبات الإيمان
حتى تربح الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، لا بد أن تحقق هذه الثلاثة الأمور: أن تقول بلسانك، وتعتقد بقلبك، وتطبق بجوارحك، وهذا الأمر ليس أمراً سهلاً بل هو صعب، ولهذا رد الله عز وجل على من يظن أن هذا الأمر سهل، وقال في أول سورة العنكبوت: ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2] أي: كيف لا يفتنون ويختبرون، وقد قالوا: آمنا؟ إذ لا بد من الاختبار والابتلاء.وقد فتن الله واختبر العباد بالتكاليف الشرعية، أما تدري أن هذه التكاليف التي فرضها الله علينا نوع من الامتحان؟ صلاة الفجر امتحان؛ لأن الله جعلها في وقت النوم والراحة، صيام رمضان امتحان، خاصة عندما يأتي في فصل الصيف، الحج جزء من الامتحان، المداومة على الصلاة في المسجد وبرمجة الحياة على أساس الصلاة، هذا من الامتحان.كذلك تحريم المحرمات والشهوات نوع من الامتحان، كونك ترى شيئاً وقلبك يتطلع إليه، وعندك ميل إليه، لكنه محرم فتمتنع عنه؛ ابتلاء، يقول الله تعالى: ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2] ويقول عز وجل: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].فلا تتصور أن السلعة بسيطة، لا، السلعة غالية ولهذا فثمنها غالٍ، يقول الشاعر:تهون علينا في المعـالي نفوسنا ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر فأنت تخطب الجنة، ولهذا لا تتصور أن السلعة رخيصة، يقول ابن القيم في النونية :يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنتِ غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنان من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في جهنم وواحد إلى الجنة، فليست حظيرة بقر، كل من جاء دخل، لا. لا يدخلها إلا واحد من الألف:يا سلعة الرحمن كيف تصبَّر الـ خُطَّاب عنكِ وهم ذوو إيمان يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسد بين الأراذل سفلة الحيوان هذا أيها الإخوة هو الشق الأول من عنوان المحاضرة، الإيمان .. حقيقته.
شعب الإيمان
أما الشق الثاني فهو: (شعبه) أي: طرقه ومجالاته، وجاءت هذه الشعب محددهً في صحيح البخاري وصحيح مسلم ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضعٌ وستون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). (بضع وستون) هذه رواية البخاري ، أما رواية مسلم : (بضع وسبعون) والبضع هو: من الواحد إلى التسعة، يقال للواحد، أو الاثنين، أو الثلاثة .. إلى التسعة: بضع، قال الله تعالى: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42] أي مجموعة من السنين: من واحد إلى تسعة.شعبة: أي مجالاً، أو طريقاً، أو فجاً، أو معنىً، أو مفهوماً، ثم ذكر صلى الله عليه وسلم ثلاث شعب، فذكر أعلى شعبة وأدنى شعبة، وذكر شعبة تضم كل الشعب، وهي: (الحياء).يقول أهل العلم: لماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أعلى شعبة وأدنى شعبة، ثم ذكر الحياء من بين سائر الشُعب؟قالوا: أما ذكره لأعلى شعبة وهي: (لا إله إلا الله) فهذا واضح، من كون العقيدة أهم ما في الدين؛ لأنها الأساس الذي يبنى عليه الدين، فلا يقبل الله عملاً إلا إذا كان التوحيد صحيحاً، فلو قمت في المسجد قيام هذا العمود، ولو حججت طوال الأزمنة، ولو أنفقت ما في الدنيا والعقيدة فاسدة؛ فإن الله لا يقبل هذا العمل مطلقاً.يقول الله سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65] ويقول عز وجل: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] ويقول عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] فأهم شيء في دين الله هو العقيدة والتوحيد، وهي الأساس، إذا وجدت العقيدة؛ وجد إعمار، وقامت بناية الدين، وإذا لم توجد عقيدة، أي: ليس عند الإنسان دين، حتى ولو كان عنده وَهْمٌ أنه صلى صلاة ولكنها باطلة، أو زكاة لكنها مردودة، أو حج لكنه باطل، لماذا؟لأنه منسوف من أساسه، لا يوجد له أساس، ولا قاعدة، إذ القاعدة هي: الدين، فذكر صلى الله عليه وسلم أعلى شيء في شُعب الإيمان، وهي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله): أي لا معبود بحق إلا الله، تنفي جميع الآلهة، وتثبت الألوهية الحقة، والعبودية؛ لله سبحانه وتعالى.أما ذكر أدنى شعبة من شعب الإيمان، وهي: إبعاد الأذى عن الطريق، فلبيان أن هذا الدين منهج حياة، وأنه ينتظم كل شئون الحياة في الدنيا والآخرة، حتى عملية بسيطة من أعمال الناس، وهي تنظيف الشوارع، بالرغم من أن هذا العمل من أعمال البلديات، لكن الإسلام يجعله من شُعب الإيمان، ومن مسئوليات المؤمنين، إذا مررت في الشارع ورأيت منديلاً، أو قرطاساً، أو مسماراً، أو زجاجة، أو أي أذىً يؤذي المسلمين؛ من الإيمان أن ترفعه وتبعده، أما إذا رميت به في الشارع فأنت بهذا تخالف شعبة من شعب الإيمان.والشعبة الثالثة: الحياء: قالوا: لأن الحياء يمثل ستاراً يستطيع الإنسان أن يغطي به جميع شعب الإيمان، إذا فقد الحياء فقد الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: (الإيمان والحياء مقرونان، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر) (وكان صلى الله عليه وسلم أشد وأعظم حياءً من العذراء في خدرها) والحياء يحجزك عن المعاصي، وتستحي أنك تعصي الله، وأن تتأخر عن الفريضة، وأن تهجر القرآن، وألا تقوم إلى طاعة الله، وأن تنظر وتسمع ما حرم الله، لكن من هو الذي يأتي هذه المحارم ويترك الطاعات؟ هو قليل الحياء السيء، الذي لا يستحي من الله -والعياذ بالله- ولهذا فإن الحياء شعبة من شُعب الإيمان.الآن عرفنا ثلاث، وبقي ست وستون شعبة لم يحددها النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أهل العلم -رحمة الله عليهم- غاصوا في نصوص الشرع في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلما يستخرج الغواص اللؤلؤ من أعماق البحار؛ استخرج العلماء الشُعب من بطون الكتب والمراجع، وحددوها بتسع وستين شعبة، وقد ذكرها الإمام ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري ، نقلها عن الإمام ابن حبان ثم قسمها ثلاثة أقسام: قسم يتعلق باللسان، وقسم يتعلق بالقلب، وقسم يتعلق بالجوارح.تسع وستون شعبة: منها سبع شُعب يقولها اللسان، ومنها أربع وعشرون شعبة يعتقدها القلب، ومنها ثمان وثلاثون شعبة تتعلق بالجوارح، المجموع كله تسع وستون شعبة، ثم ذكرها بالتفصيل، وسوف نتكلم عنها على سبيل الإجمال، لن نفصل في سردها؛ لأن كل واحدة من هذه الشعب تحتاج إلى محاضرة، ولكن على سبيل الإجمال والإيضاح المقتضب.ونبدأ بالسبع التي تتعلق باللسان:
 علاقة شعب الإيمان بزيادته أو نقصانه
هذه أيها الإخوة! هي مجموع شُعب الإيمان التسع والستين، من حققها كلها فقد حقق الإيمان كاملاً، ومن نقص منها نقص من إيمانه بقدر ما أنقص من هذه الشعب، إلا أن يكون النقص في الأركان؛ لأن الأركان التي ذكرت في صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث جبريل: (أخبرني عن الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله) فهذه الستة إذا نقص منها واحد بطل الإيمان كله، لا بد من الأركان، وبقية الشُعب إذا نقص منها شيء إن كان من أركان الإسلام مثل الصلاة فقد بطل الإيمان كله، وإن كان غير ذلك خدش وجرح في الإيمان، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعاً حقيقة الإيمان، وأن يوفقنا إلى القيام بتكاليف الإيمان وبشُعب الإيمان، كما أسأله سبحانه وتعالى أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء.اللهم احفظ لنا ديننا وأمننا واستقرارنا ونعمك علينا، اللهم من أرادنا في ديارنا أو غيرنا من ديار المسلمين، بسوءٍ، أو شرٍ، أو كيدٍ، أو مكرٍ، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم احفظ ووفق ولاة أمورنا وعلماءنا ومشائخنا ودعاتنا، وشبابنا، وشاباتنا، وجميع المسلمين، وفقهم للعمل بهذا الدين، والدعوة إليه، ومناصرته، إنك ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم.وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة

 حكم الاستهزاء بالدين
السؤال: ما رأيك يا شيخ في الذين يستهزئون بالدين، وخاصة أن هناك من إذا رأوا الملتزمين الذين لا يسبلون ثيابهم غمزوهم وسخروا منهم، وتراهم في المجالس لا يذكرونهم بخير أبداً، بل يغتابونهم آناء الليل وأطراف النهار، فأصبح أمرهم كذلك؟الجواب: هذا العمل سماه الله تعالى إجراماً، وسمى الله الذين يقومون به مجرمين، فقال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين:29]، وعده الله سبحانه وتعالى كفراً، وأثبت كفر مرتكبه في القرآن إلى يوم القيامة، الذي قال في غزوة تبوك قال: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -أي الرسول وأصحابه- أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء، فقائل هذا الأمر يمزح وليس بصادق، فهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعف الناس بطناً وأشجع الناس صلى الله عليه وسلم، ولكن قالها مزحاً فنزل القرآن من السماء: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة:65] يعني نمزح ما كنا جادين، كما يقولون، قال الله: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] فالله سبحانه وتعالى أثبت لهم إيماناً ثم نفاه عنهم، وأثبت لهم الكفر بكلمة تكلموا بها.فلا تقل: أنا أمزح، لا. كل شيء تمزح فيه إلا الدين؛ لأن الدين له حصانة، والذين يمثلون الدين هم العلماء، والدعاة، والملتزمون؛ ولهم حصانة، وإذا استهزأت بهم استهزأت بالله؛ لأن هذا الرجل ما استهزأ بالله، بل استهزأ بالرسول وأصحابه، ولكن الله سبحانه جعل هنا الاستهزاء به وقال: قُلْ أَبِاللَّهِ [التوبة:65] رغم أن الرجل ما قال شيئاً في الله، بل قال في الرسول وأصحابه فقط، فجعلها الله سبحانه استهزاءً به.فلما تهزأ باللحية، فأنت لا تهزأ بالشخص الذي أطلقها، بل تستهزئ بالنبي الذي أمر بها؛ لأن هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما تهزأ من رجل قصر ثوبه واتبع السنة، فأنت لا تستهزئ بالرجل، ولكن تستهزئ بالذي أمره بهذه السنة، ولذلك انتبه يا أخي! عليك أن تقف عند حدك فيما يتعلق بشيء من ذلك، فلا تستهزئ بالأئمة، ولا بالمؤذنين، ولا بالدعاة، ولا بالقضاة، ولا بالعلماء..، ولا بأي شيء فيه دين الله، حتى أن بعض الناس عندهم نكت، يأتون بها على بعض الآيات، أو الأحاديث، أو الأئمة، لا. النكت ابحث لها عن مكان آخر؛ لأن دين الله حق، ولا يقبل الاستهزاء ولا السخرية.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإيمان حقيقته وشعبه للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net