اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب حامل القرآن للشيخ : سعيد بن مسفر


آداب حامل القرآن - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
أنزل الله القرآن ليكون مصدر تشريع ومنهج حياة ولكن لابد لهذا الدستور ممن يحمله، ومن ثم لابد لهذا الحامل من التحلي بصفات وآداب تخوله القيام بهذا الواجب على أكمل وجه، وقد وردت هذه الآداب والأخلاق في هذه المادة بشيء من التفصيل.
شرح القصيدة البائية للإمام الصنعاني
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعـد:اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تبق معنا ولا منا ولا فينا ولا إلينا شقياً ولا محروماً؛ إنك أنت أرحم الراحمين.يقول الإمام الصنعاني في قصيدته البائية:يتحدث فيها عن كتاب الله عَزَّ وَجَلّ ويقول: أما آن عما أنت فيه متاب وهل لك من بعد البعاد إياب تقضت بك الأعمار في غير طاعةٍ سوى عمل ترضاه وهو سراب
 هجر القرآن والإعراض عنه
إن هجر القرآن والإعراض عنه، وعدم تعلمه وتعليمه، وعدم العمل به، كل هذا من أسباب الدمار، ومن أسباب عذاب القبر؛ لأن المعاصي الكبيرة يرتب الله عليها عذاباً في الدنيا والآخرة، ومن ضمن المهالك الكبيرة التي توعد الله عَزَّ وَجَلّ أصحابها بالعذاب: هجر القرآن والإعراض عنه. وفي هذه الليلة نذكر لكم حديثاً في صحيح البخاري وهذا الحديث الذي معنا في موضوع أسباب عذاب القبر هو حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، والذي فيه: أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انطلق مع اثنين من الملائكة، ثم سار معهم ورأى مناظر ومشاهد مما يحصل للمعذبين في دار البرزخ في القبور، ومن ضمن ما رأى (رأى رجلين: رجلٌ مستلقٍ على قفاه -أي: على ظهره- وآخر واقفٌ على رأسه ومعه حجرٌ كبير يحمل الحجر فيرضخ به رأسه، ثم يتدهده هذا الحجر، فيذهب هذا الرجل ويأتي به فلا يعود إلى صاحبه إلا وقد أعاد الله رأسه كما كان فيضربه الضربة الثانية ويتدهده الحجر -وهكذا-).أي: أنه يرضخ رأسه والله يعيده، فتعجب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا المنظر وقال: (ما هذا؟ -ما هو سبب هذه المصيبة العظيمة؟ فقالا له: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا -وفي نهاية الرحلة أخبراه- فقالا له: أما الرجلان المستلقي على قفاه والآخر يضرب رأسه ويرضخ رأسه في الحجر: هو الرجل يعلمه الله القرآن ثم ينام عنه في الليل ولا يعمل به في النهار).إذاً: ينام عن القرآن في الليل، ولا يتشرف بأن يقوم لله عَزَّ وَجَلّ ولو بركعتين في جوف الليل، وتعرفون منزلة القيام، فالقيام: هو المطية التي يمتطيها أهل الآخرة إلى الله عَزَّ وَجَلّ إذا نام الغافلون: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء:79].وقال تعالى: كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [الذاريات:17]* وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18].وقال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ركعتان في جوف الليل خير من الدنيا وما عليها).وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بجلاله فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه سؤله، هل من تائبٍ فأتوب عليه، هل من مستغفرٍ فأغفر له) فمن صادفها ولقيها فهنيئاً له؛ لأن قيام الليل مركب الصالحين، وهو ضمان لأداء صلاة الفجر، إذ أن الذي يقوم الليل لا يمكن أن يضيع صلاة الفجر إلا إذا كان مخذولاً لعب عليه الشيطان وأقامه في الليل، ثم نام بعد قيام الليل وأضاع صلاة الفجر، فهذا من لعب الشيطان على الإنسان أن يقيمك للقيام ويضيعك عن الفريضة؛ لأن الفريضة أهم عند الله في الميزان من النافلة: (فهو الرجل ينام عن القرآن في الليل، ولا يعمل به في النهار) أي: لا يتخلق بأخلاق القرآن ويسير في الطرق التي حرمها القرآن، ولا يسير في الأوامر التي أمر بها القرآن، فالقرآن مهجورٌ في قلبه، مهجورٌ بالتلاوة، ومهجورٌ بالتدبر، ومهجورٌ بالعمل، ومهجورٌ بالانصياع والانقياد، ومهجور بالحكم والتحاكم، فقد هجر القرآن من كل جانب، ويوم القيامة يكون خصمه القرآن، ومن كان خصمه القرآن قهره، كما جاء في الحديث: (واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك).إن القرآن يأتي يحاج صاحبه يوم القيامة أو يحاج له، فإن كان من أهله يحاج عنه حتى يدخله الجنة، وإن كان ليس من أهل القرآن، فإنه يحاجه عن كل معصية عملها ويقول له: لماذا عملتها وأنا في جوفك وقد قلت لك، ثم يحاجه حتى يدخله النار والعياذ بالله، وإن شاء الله سوف نذكر شيئاً من التفصيل في بعض الأشياء المتعلقة بكتاب الله عَزَّ وَجَلّ.قال الله عَزَّ وَجَلّ: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:29-30] وهذه الآية يسميها المفسرون: آية القراء وهي آية في سورة فاطر. يتلون كتاب الله أي: يملئون حياتهم به؛ لأن ما يعانيه الناس اليوم من جفافٍ في القلوب وقسوة؛ سببه هجر القرآن، وعدم تلاوة القرآن، وأنتم تعرفون إذا دخل رمضان وأقبل الناس على القرآن، وبدأ كل واحد يقرأ، تدخل المسجد وتجد الناس لهم دوي في التلاوة، وتجد الشخص في المكتبة يقرأ، وقبل الصلاة يقرأ، وبعد الصلاة يقرأ، وفي الليل يقرأ، كيف تتحول أخلاق الناس؟أما ترون أثراً في سلوك الناس، وليناً في قلوبهم، واستقامة في حياتهم، وصفاءً في أرواحهم بسبب القرآن؟ فإذا انتهى رمضان ودعوا المصاحف وعادوا إلى حياتهم، فيأتي بعدها قسوة القلوب والهجر للقرآن وهجر المساجد ونسيان الآخرة، وعدم ذكر الله عَزَّ وَجَلّ. فما من مشكلة يعاني منها الناس اليوم إلا وسببها هجر القرآن، هل يمكن للإنسان التالي لكتاب الله أن يزني؟! أن يغني؟! أن ينظر إلى الحرام؟!فالقرآن حاجز بينك وبين المعاصي، فإذا هجرت القرآن استغل الشيطان الفراغ، وملأه بالمعاصي والعصيان، ولذلك يقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ [الكهف:27] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة). فهذه آية القراء فيها وعدٌ عظيم، وبشرى عظيمة: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29] يرجون، أي: يأملون ويرغبون بالتجارة مع الله، الذي من تاجر معه ربح. (لن تبور) لن. يسميها علماء اللغة: لن الأبدية الزمخشرية، فتجارتك لا تبور مع الله أبداً، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والحرف من القرآن بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أقول: (ألم ) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) هذه تجارة رابحة مع الله، لا تبور ولا تخرب ولا تتعرض أبداً لأي خسارة؛ لأنك تتاجر مع غني، والذي يتاجر مع الغني لا يخسر، كل التجارات معرضة للربح والخسارة إلا التجارة مع الله، فإنها تجارة رابحة، قال الله عَزَّ وَجَلّ وهو يبين تفاصيل التجارة: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ [فاطر:30] أي: يعطيهم ثواب أعمالهم، وهذا كافٍ، إن التجارة الرابحة هي أن تجعل ثمناً لعملك. وقال عز وجل: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:30] يزيدك من فضله وفضل الله واسع، ففضل الله عظيم إذا ما تعرضت لفضله.
أحاديث في فضل تعليم القرآن وتعلمه
عن عثمان والحديث في البخاري ومسلم قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) أي أن أشرفكم وأعلاكم منزلةً وأعظمكم مكانة عند الله في الدنيا والآخرة: من تعلم هذا القرآن أو علمه.وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة) فالذي ليس عنده صعوبة فيه، وطوع نفسه ولسانه، وأمضى جهداً كبيراً في سبيل تذليل عقبة الهضم والإجادة لكتاب الله على الطريقة الشرعية بالتجويد حتى أصبح ماهراً فيه، هذه هي منزلته عند الله عز وجل. وعنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الملائكة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه وهو عليه شاقٌ له أجران).وهنا وقفة بسيطة حتى لا يتصور بعض الناس الذين يتعتعون في القرآن أن هنالك أجرين إذا كان هناك تعتعة، قال العلماء: إن التعتعة هذه التي يعاني منها الإنسان وله فيها أجرين، هي التي تكون أثناء تعلم العلم، أو أثناء تحسين وضعك في التلاوة، تجلس إلى العلماء وأنت تتعتع ويردك العالم فتذهب وتذاكر، ثم يردك فتذاكر، وهكذا حتى تصبح ماهراً، فأثناء فترة التعليم لك أجران: أجر المشقة، وأجر التلاوة، أما شخص لا يتعلم القرآن ولا يجوده، بل يلحن فيه اللحن الجلي، وإذا قلت له: يا أخي! اتقِ الله، واطلب العلم، واجلس مع العلماء ومع المشايخ ومع القراء.. قال: أريد أجرين، فهذا ليس له أجران؛ لأنه مهمل ولا يريد أن يقرأ القرآن كما أمر الله، وقد قال الله عز وجل: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4]. لما سئل علي رضي الله عنه عن الترتيل قال: [هو إخراج الحروف، ومعرفة الوقوف] فتعرف كيف تقف، وكيف تبدأ، وتخرج الحرف من مخرجه الشرعي. أما أن تقف على ما تريد، وتخرج كما تريد، فترفع المنصوب، وتنصب المرفوع، وتقول: إن لك أجراً فلا، بل ربما يكون عليك وزر العياذ بالله.والحديث أيضاً رواه البخاري ومسلم في الصحيحين ، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بلفظ: (من يقرأ القرآن وهو ما هرٌ به ...).
 قراءة القرآن كنز من الحسنات
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (أ) حرف، و(ل) حرف، و(م) حرف) والحديث رواه أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيح.هذا الحديث فيه بشرى عظيمة لمن يقرأ القرآن، فبإمكانك أن تدخل المسجد وتقرأ وتخرج وأنت مليونير حسنات، فإذا كانت سورة الفاتحة فيها (150) حرفاً إذا قرأتها مرةً سجَّل الله لك في موازينك (1500) حسنة، وهذه أصغر سورة في القرآن هي (الإخلاص) فيها (66) حرفاً، إذا قرأتها سجل الله لك (660) حسنة، وأنا قرأت مرة صفحة من الصفحات وعددت حروفها، وكانت من الصفحات التي فيها (15) سطراً فوجدت في الصفحة الواحدة أكثر من (450) حرفاً، اضربها في عشرة ستكون (4500) حسنة، من يترك هذه التجارة؟والله لا يتركها إلا خاسر، تقرأ الجريدة أو المجلة والقرآن عندك؟!! مد يدك إلى القرآن واقرأ وتاجر تجارة رابحة مع الله، حتى تكون عبداً ربانياً بإذن الله عز وجل.وفي الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وقد وافقه النووي في تحسينه، قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (يقول الله عَزَّ وَجَلَ: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه).وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الذي ليس في جوفه شيءٌ من القرآن كالبيت الخرب) والتشبيه هنا تشبيهٌ رائع؛ لأن الذي لا يحفظ شيئاً من القرآن شبهه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبيت الخرب، والبيت الخرب الذي لا يعمر لا يمكن أن يسكن فيه أحد، فيعمره الغربان والبوم والحيوانات السائبة، ويدخل فيه الناس لقضاء الحاجة، وكذلك القلب الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب الذي لا تنزله الملائكة ولا الرحمة، فيسكن فيه الشياطين تتغوط فيه وتتبول. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها).وقد اختلف العلماء هنا في معنى (آخر آية تقرؤها) هل هي آخر آية تحفظها؟ أم هي آخر آية تتقن قراءتها وتقرأها باستمرار؟فقال بعضهم: إن منزلتك عند آخر آية تحفظها من القرآن الكريم؛ ليتم بهذا التفاضل بين من يحفظ القرآن وبين من لا يحفظه؛ لأن حفظ القرآن من أعظم المنازل ومن أعظم الدرجات، يقول الله عَزَّ وَجَلّ: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] ويقول عليه الصلاة والسلام: (إن أناجيل أمتي في صدورهم) أي: القرآن معهم في صدورهم. وقال بعض العلماء: لا. إن فضل الله واسع، والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال: حديثٌ حسن صحيح، لم يتضمن الحفظ وإنما تضمن القراءة، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها أي: عند آخر آية تتقن قراءتها ولو بالنظر، ففضل الله واسع، فالذي يقرأ القرآن كله وهو ماهر به يقال له يوم القيامة: اقرأ من أول القرآن إلى آخره، وآخر منزلة لك في الجنة عند آخر آية تقرؤها. وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من قرأ القرآن وعمل بما فيه..) وهذه بشرى للآباء الذين يوفقهم الله لإلحاق أبنائهم بمدارس القرآن، سواءً الرسمية أو الخيرية، وبشرى للأبناء الذين يحفظون القرآن ثم يوفقون للعمل به، أما الذي يحفظ ولا يعمل، فهذه لعنة في جبينه والعياذ بالله، وهنا شرط يقول: (من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجاً يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا) فما ظنكم بمن عمل بهذا، وهذا الحديث رواه الحافظ أبو داود .
فضائل قارئ القرآن
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (اقرءوا القرآن فإن الله تعالى لا يعذب يوم القيامة قلباً وعى القرآن) فالله لا يعذب قلباً يعي القرآن الكريم: (وإن هذا القرآن مأدبة الله -أي: الوليمة، والضيافة التي جعلها الله لعباده- فمن دخل فيه فهو آمن، ومن أحب القرآن فليبشر) فإذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله فاعرف منزلة القرآن في قلبك، إن كنت تسمع القرآن فتفرح به وتستأنس فاعلم أن الله يحبك، وإن كانت الأخرى، وهي إنك إذا سمعت القرآن انقبضت أو سمعت الذكر أعرضت عنه: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36] فاعلم أن الله يبغض الأخرى والعياذ بالله، وهذا الحديث رواه الدارمي بإسناده.وعن الحميدي قال: سألت سفيان الثوري عن الرجل يغزو أحب إليك أو يقرأ القرآن؟ قال: يقرأ القرآن لحديث البخاري ومسلم : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ولكن يوفق ابن القيم رحمه الله ويقابل بين هذا الحديث وبين حديث معاذ بن جبل (الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام)-فهي أعلى مكانة- فيقول: لا شك أن المجاهد في سبيل الله في أرفع المنازل، ولكن إذا جمع مع منزلة الجهاد منزلة القرآن كان في أعلى شيء، ولكن الذي يقرأ القرآن أفضل من الذي لا يجاهد، والذي يجاهد أفضل من الذي لا يقرأ القرآن، والذي يقرأ القرآن ويجاهد أفضل من الذي يقرأ القرآن ولا يجاهد، هذا نوع من التفضيل، والتفاضل بين الأعمال بحسب قوة الأدلة وبحسب مدلولاتها الشرعية.وثبت أيضاً في الحديث الذي رواه مسلم -وفي هذا تفضيل وترجيح لأهل القرآن- قال عليه الصلاة والسلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى) فدل الحديث على أن أهل القرآن مفضلين، ودليل تفضيلهم أن أقرأهم هو الذي يؤمهم في الصلاة، إذ لا يمكن أن يؤم القوم في الصلاة ويتقدم بهم إلا أفضلهم ديناً وقرآناً وعلماً وسلوكاً.وعن ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه قال: [كان القراء أصحاب مجلس عمر وأهل مشورته] كان لا يجالس إلا أهل القرآن ويشاورهم، وقال الإمام النووي : واعلم أن المذهب المختار الذي عليه اعتماد أكثر العلماء. أن قراءة القرآن أفضل عند الله في الميزان من التسبيح والتهليل وغيرهما من سائر الأذكار.وقد ورد في الشرع الحث على إكرام صاحب القرآن، ففي الحديث الذي رواه أبو داود وهو حديث حسن، قال: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن) إذا عظمت وأجللت ذا الشيبة المسلم وقدمته وأكرمته وقربته واحترمته، فإنك تجل بهذا وتكرم الله عَزَّ وَجَلّ؛ لأن ما من مسلمٍ يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نوراً على الصراط يوم القيامة، معنى هذا أن له خبرة وله أقدمية في خدمة الدين، ولذا كان له منزلة، وهذا واقع لدى كل الناس حتى في الدوائر الحكومية، فالذي عنده خبرة طويلة يكون له منزلة في الإدارة، ويكون له منزلة في العمل، فيقدم ويرقى ويعطى فرص أكثر؛ لأنه قديم وعنده خبرة طويلة، كذلك الشيبة المسلم الذي عنده أقدمية وأهلية كبيرة وقدم راسخة في الدين حتى شاب رأسه في دين الله، فهذا يقدم ولكن متى؟ هل الشيبة المسلم الطائع، أما الشيبة المسلم الفاجر والعياذ بالله، فهذا ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ففي الحديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، منهم: شيخ زانٍ) وفي بعض الروايات: (أُشيمط زانٍ) أي: عمره ستين سنة أو سبعين سنة وهو لا يزال ينظر في النساء ويتتبعهن، ويتمنى الزنا، بل إن بعضهم شيخ كبير ويسافر إلى الخارج ليزني والعياذ بالله.فالشيبة المسلم التقي الورع الملتزم يجب أن تكرمه، لكن كيف تعرف أنه شيبة؟بعضهم لا تعرف أنه شيبه؛ لأنه يحلق لحيته فكيف تدري أنه شيبة؟ وبعضهم ينتف الشيب، كلما ظهرت شعرة بيضاء انتزعها لا يريدها حتى لا يقال: إنه شيبة، وبعضهم إذا كثر الشيب لا يستطيع أن ينتفه كله، فيصبغه بالسواد وكلما صبغ وجهه بالسواد وجلس يومين أو ثلاث أيام ظهرت الشعر الأبيض فيصبغها.وهناك حديث كنت متوقفاً عنه ولكن بعد أن راجعته عليه ظهر لي أنه صحيح، أخرجه وذكره الإمام السيوطي في صحيح الجامع قال: (يأتي أقوام آخر الزمان يصبغون لحاهم بالسواد كحواصل الطير لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها). الأمر ليس سهلاً فلا تسود وجهك يا أخي! فيسود الله وجهك في الدنيا والآخرة، اترك الشيب في وجهك وإذا أردت تغييره فغيره بما جاءت به السنة بالحناء والكتم، والكتم موجود، تطحنه ثم تخلطه مع الحناء فتخضب به لحيتك.أما أن تصبغ وجهك بالسواد من أجل أن تخدع النساء وتخدع الناس وتخدع نفسك، وتقول: أنا شاب وأنت شايب فهذا لا ينبغي.ولذا قال العلماء: من صبغ وجهه بالسواد ثم خطب امرأة وقبلته بناءً على ما رأت من ظاهره، ثم بعد ذلك اكتشفت أن شيباً فيه فإن لها فسخ العقد، وله أن يطلقها بالقوة؛ لأنه بنى عقده على غرر وخداع وكذب، فاترك الشيب في وجهك يا أخي! الشيب في رأس الفتى لوقـاره فإذا تعلاه المشيب توقرا فإن من إكرام الله إكرام الرجل ذي الشيبة المسلم، وإكرام حامل القرآن غير الغالي فيه أو الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط، وهو الرجل الذي مكنه الله بسلطته، والسلطة لا نتصور أنها على مستويات سلطة الملك أو الوزير، لا. السلطة مقسمة من الملك إلى آخر مسئول في الدولة، فكل شخص يلي أمر المسلمين ولو أمر اثنين، لو كنت رئيس قسم وعندك اثنان، أو مدير مدرسة وعندك خمسة مدرسين، أو كاتب وعندك كاتب آخر، فأنت مسئول ولديك سلطة يجب أن تكون عادلاً فيها، فإذا كنت ذا سلطة في أي مستوى وعدلت في هذا الأمر ينبغي إكرامك؛ لأن إكرامك إكرام لله عَزَّ وَجَلّ.وعن جابر رضي الله عنه (أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يجمع بين الرجلين في قتلى بدر وأحد ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن، فإن أشير إلى أحدهما قدمه وجعله الأول في اللحد)؛ لأنه الأقرب إلى الله عَزَّ وَجَلّ.
 قراءة القرآن كنز من الحسنات
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (أ) حرف، و(ل) حرف، و(م) حرف) والحديث رواه أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيح.هذا الحديث فيه بشرى عظيمة لمن يقرأ القرآن، فبإمكانك أن تدخل المسجد وتقرأ وتخرج وأنت مليونير حسنات، فإذا كانت سورة الفاتحة فيها (150) حرفاً إذا قرأتها مرةً سجَّل الله لك في موازينك (1500) حسنة، وهذه أصغر سورة في القرآن هي (الإخلاص) فيها (66) حرفاً، إذا قرأتها سجل الله لك (660) حسنة، وأنا قرأت مرة صفحة من الصفحات وعددت حروفها، وكانت من الصفحات التي فيها (15) سطراً فوجدت في الصفحة الواحدة أكثر من (450) حرفاً، اضربها في عشرة ستكون (4500) حسنة، من يترك هذه التجارة؟والله لا يتركها إلا خاسر، تقرأ الجريدة أو المجلة والقرآن عندك؟!! مد يدك إلى القرآن واقرأ وتاجر تجارة رابحة مع الله، حتى تكون عبداً ربانياً بإذن الله عز وجل.وفي الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وقد وافقه النووي في تحسينه، قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (يقول الله عَزَّ وَجَلَ: من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه).وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الذي ليس في جوفه شيءٌ من القرآن كالبيت الخرب) والتشبيه هنا تشبيهٌ رائع؛ لأن الذي لا يحفظ شيئاً من القرآن شبهه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبيت الخرب، والبيت الخرب الذي لا يعمر لا يمكن أن يسكن فيه أحد، فيعمره الغربان والبوم والحيوانات السائبة، ويدخل فيه الناس لقضاء الحاجة، وكذلك القلب الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب الذي لا تنزله الملائكة ولا الرحمة، فيسكن فيه الشياطين تتغوط فيه وتتبول. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها).وقد اختلف العلماء هنا في معنى (آخر آية تقرؤها) هل هي آخر آية تحفظها؟ أم هي آخر آية تتقن قراءتها وتقرأها باستمرار؟فقال بعضهم: إن منزلتك عند آخر آية تحفظها من القرآن الكريم؛ ليتم بهذا التفاضل بين من يحفظ القرآن وبين من لا يحفظه؛ لأن حفظ القرآن من أعظم المنازل ومن أعظم الدرجات، يقول الله عَزَّ وَجَلّ: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] ويقول عليه الصلاة والسلام: (إن أناجيل أمتي في صدورهم) أي: القرآن معهم في صدورهم. وقال بعض العلماء: لا. إن فضل الله واسع، والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال: حديثٌ حسن صحيح، لم يتضمن الحفظ وإنما تضمن القراءة، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها أي: عند آخر آية تتقن قراءتها ولو بالنظر، ففضل الله واسع، فالذي يقرأ القرآن كله وهو ماهر به يقال له يوم القيامة: اقرأ من أول القرآن إلى آخره، وآخر منزلة لك في الجنة عند آخر آية تقرؤها. وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من قرأ القرآن وعمل بما فيه..) وهذه بشرى للآباء الذين يوفقهم الله لإلحاق أبنائهم بمدارس القرآن، سواءً الرسمية أو الخيرية، وبشرى للأبناء الذين يحفظون القرآن ثم يوفقون للعمل به، أما الذي يحفظ ولا يعمل، فهذه لعنة في جبينه والعياذ بالله، وهنا شرط يقول: (من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجاً يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا) فما ظنكم بمن عمل بهذا، وهذا الحديث رواه الحافظ أبو داود .
من آداب حامل القرآن
هناك آداب لحامل القرآن ينبغي مراعاتها.
 حامل القرآن والحذر من النسيان
ينبغي لحامل القرآن أن يتعاهد القرآن وأن يحذر من أن ينساه؛ لأنه ثبت في الصحيح عند البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها).فالبعير إذا رأيته معقلاً هل يرغب بالعقال أم يريد أن ينفك منه؟الجواب: لا يمكن أن يرضى إلا أن يفك القيد وينطلق.فكذلك القرآن في قلب من يحفظه أشد تفلتاً من الإبل من عقلها، ولكن عليك أن تلتزم به وبتلاوته المستمرة وبتدبره، أما إذا لم تعمل به أو لم تقرأه أو تتلوه فإنه يذهب ولا يبقى معك منه حرف واحد والعياذ بالله. وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: [إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها رباطها وعقالها أمسكها وإن أهملها أطلقت نفسها وذهبت].فالقرآن إن تعاهدته فإنك تحتفظ به، وإن تركته فإنه ينفلت منك.وعن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: [من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله عَزَّ وَجَلّ يوم القيامة وهو أجذم] والحديثان كلاهما في الترمذي وفيهما مقال، ولكن كما يقول أهل العلم: لهما شواهد، أي: بعضها يعضد بعضاً، قال صلى الله عليه وسلم: (عرضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أر فيها ذنباً أعظم من رجل أوتي شيئاً من القرآن ثم نسيه) فحاول يا أخي المسلم! يا من وفقت للقرآن أَلا تنسى كلام الله؛ لأن نسيانك له يدل على الحرمان والخيبة -والعياذ بالله- وعلى سوء المنقلب والمصير.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 حكم ترك صلاة الجماعة
السؤال: ماذا تقول في الذين يصلون جميع الفروض في البيت؟الجواب: الذي يصلي جميع الفروض في البيت ولا يصلي في المسجد هذا والعياذ بالله على خطرٍ عظيم، وقد قال بعض أهل العلم بأن صلاته غير صحيحة، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد ذكر في الاختيارات الفقهية أن صلاة الجماعة شرطٌ في صحة الصلاة، ووضح الأحاديث التي في الصحيحين أن صلاة الرجل مع الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبعٍ وعشرين درجة، فقال بعض أهل العلم: ما دام أن صلاة الإنسان في بيته بدرجة فإنها مقبولة، قال: لا. إن المفاضلة هنا بسبعة وعشرين درجة، ودرجة لمن صلى في البيت لعذر، صلى في البيت لإنه كان نائماً، أو صلى في البيت لأنه كان مريضاً، أو صلى في البيت لأنه كان خائفاً، فهذا له درجة، أما من صلى في المسجد فله سبعة وعشرون درجة، وليس هناك مجال للمفاضلة بين ما هو واجب وبين ما هو محرم؛ لأن علماء الأصول يقولون: المفاضلة بين الأمور المستوية بالحكم، أو تفاضل في الواجبات، أو تفاضل في المستحبات، تفاضل في المسنونات، أما تفاضل بين واجب ومحرم فلا.فالواجب هو إتيان الصلاة في المسجد، والمحرم هو إتيان الصلاة في البيت، فلا يمكن أن نقول: إن صاحب المحرّم له درجة، وصاحب الواجب له سبعة وعشرون درجة، فالذي لا يصلي جميع الفروض في المسجد فهذا عطل سنة الله، والحديث في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث يُنادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق).والله عَزَّ وَجَلّ يقول: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] أي: مع المصلين، ويقول عَزَّ وَجَلّ: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [النور:36]* رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37]* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:38] ويقول الله عَزَّ وَجَلَ حكايةً عن أهل النار حينما يسألهم أهل الجنة: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر:42]* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:43].يقول المفسرون: يمكن أنهم كانوا يصلون ولكن لم يكونوا مع المصلين، فلا ينبغي لمسلم يخاف الله أَلا يصلي الفريضة إلا في المسجد، وإلا لماذا بنيت المساجد؟وحديث الأعمى في الصحيحين : (قال: يا رسول الله! إني رجل أعمى شاسع الدار -أي: بعيد- ليس لي قائد يقودني، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، فهل أجد رخصة أصلي في بيتي، قال: أتسمع النداء قال: نعم. قال: أجب، فلا أجد لك رخصة) من يقوده؟ ومن يمنعه؟ فكيف تصلي في بيتك والمساجد تحيط بك من كل جانب، وتسمع النداء يخرق أذنك من كل مأذنة والشوارع مزفلتة ومضاءة كأنك تخرج في النهار ولست بأعمى، وأنت شابع في بطنك، آمن في وطنك، معافى في جسدك، تقوم من غرفتك إلى حمامك.. الماء حار.. تغسل في إناء نظيف.. تلبس من أحسن الملابس.. تخرج إلى المسجد.. فهل لك عذر أن تصلي في البيت؟ إذا كان الله لم يعذر هذا الأعمى ولا رسوله فكيف يعذرك إلا النفاق؟ أما المنافق: فلا يريد الصلاة في المسجد ولكنهم جنوا على أنفسهم يوم القيامة، سوف يندم ندامة لا يمكن أن يخرج منها والعياذ بالله.هذا وأسأل الله لي ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب حامل القرآن للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net