اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التزمت ولكن!! للشيخ : سعيد بن مسفر


التزمت ولكن!! - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
أصبح الالتزام بالدين والرجوع إليه ظاهرة ملموسة بين شباب الأمة، إلا أن هذا الالتزام قد يصل بصاحبه إلى مفترقات من الحيرة والتيه إذا لم يؤخذ بيده، ويوجه الوجهة الصحيحة، ويجاب عن أسئلته واستفساراته، حتى يستطيع مواصلة طريقه، ولا يبقى يراوح مكانه مهدداً خلال ذلك بالانتكاس، والنكوص عن طريق الالتزام.
مقدمة عن الالتزام والهداية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره وسار على دربه، واتبع شريعته ودعا إلى ملته.أما بعد:أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله سبحانه وتعالى كما جمعنا في هذا المكان الطاهر، وفي هذه الليلة الشريفة وجمعنا على طاعته، وعلى ذكره بعد أداء فريضته، أسأله بأسمائه الحسنى، وبصفاته العلى أن يجمعنا في جناته جنات النعيم، وآبائنا وأمهاتنا، وإخواننا وأخواتنا، وزوجاتنا وذرياتنا، وجميع إخواننا المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين.التزمت ولكن!! عنوانٌ مثيرٌ للتساؤل، يبحث في مشكلة ويقدم الحلول المناسبة لها، هي في الأصل ليست مشكلة بل هي بارقة أمل، وصحوة قلب، ودليل عافية، وعملٌ لا بد منه.الالتزام هو: التمسك بطاعة الله، وأداء فرائض الله، والبعد عن محارم الله، والاستقامة على منهج الله، هذا المعنى العام لكلمة الالتزام. وظاهرة الالتزام: ظاهرة منظورة وملاحظة ومشهودة، ليس أدل عليها من حضوركم، فهذا الحضور الغفير، وهذا الجمع الكبير يبعث على الأمل، لا سيما إذا عرفنا أن معظم الجالسين من الشباب الذين سلكوا طريق الهداية إلى الله، وتركوا خلفهم كل طرق الغواية والضلال، ولم يستجيبوا لكل نداءات الشهوة والحرام، ولبوا نداء ربهم: لبيك اللهم لبيك، وبرهنوا على ذلك بتمسكهم بأوامر الله، والتزامهم بشريعة الله، واستقامتهم على منهج الله.لكن، ماذا بعد الالتزام؟ وماذا يعني الالتزام؟وماذا يطلب من الملتزم إذا التزم؟ وما هو البرنامج العملي الذي يجب أن يسير عليه حتى يصل إلى ساحل النجاة وبر الأمان، وحتى يدخل إلى جنة الرضوان، وينجو من عذاب النيران؟ أسأل الله سبحانه وتعالى كما هدانا أن يرزقنا الثبات حتى الممات، وأن يجعل لنا بصيرةً في أمرنا، ونوراً في قلوبنا، وعقولنا، وأبصارنا، وأسماعنا، وجوارحنا، ونوراً من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ومن تحتنا، فإنه لا نور إلا نوره، ولا توفيق إلا من عنده، هو الموفق يوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يهب الخير إذا طُلب (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) اللهم اهدنا يا رب العالمين!فقد كان سيد الهدى يطلب الهدى، ويقول فيما روته عائشة في الصحيحين : (كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول: اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم) وهو سيد الهدى، فاللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بعلمك وبإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم.فإن هناك موفق وهناك مخذول، وهناك مضل وهناك مهدي، فلا مهدي إلا من هدى الله، ولا موفق إلا من وفقه الله.اشترى قاضٍ من قضاة البصرة جارية -في عهد السلف - وفي أول ليلة وهي في بيته قام آخر الليل يتفقدها؛ لأنه لا يعرف أخلاقها، فلما دخل غرفتها إذا هي ليست في الغرفة، فأساء الظن. أين ذهبت؟ وحينما بحث وجدها في زاوية غرفتها وهي تناجي ربها في آخر الليل، وتقول وهي ساجدة: اللهم إني أسألك بحبك لي أن تغفر لي، -تسأل الله في حبه لها أن يغفر لها- فلم يستسغ الشيخ هذه العبارة وقال: إن الأولى أن تقول: اللهم إني أسألك بحبي لك -لأن الإنسان يتوسل بفعله وعمله- أن تغفر لي، فانتظرها حتى سلمت ثم قال لها -وهو عالم-: لا تقولي اللهم إني أسألك بحبك لي؛ وإنما قولي: اللهم إني أسألك بحبي لك، قالت له: ليس المهم أن تُحِب، لكن المهم أن تُحب، لولا حبه لي ما أيقظني وأغفلك، أي: حبه لي هو الذي جعلني أقوم. وليس المهم أن تحب.. قد تحب شخصاً لكنه لا يحبك، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله حبه: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عملٍ يقربني إلى حبك، اللهم اجعل حبك إلي أحب من الماء البارد على الظمأ، -ثم يقول- اللهم ما أعطيتني مما أحب؛ فاجعله لي عوناً على ما تحب، وما زويت عني مما أحب؛ فاجعله لي فراغاً فيما تحب) انظروا الكلام العظيم! (اللهم ما أعطيتني مما أحب) لأن الإنسان يعطى أشياء يحبها، يعطى المال وهو يحبه، ويُعطى الزوجة وهو يحبها، ويُعطى المنصب وهو يحبه، ويُعطى الولد وهو يحبه، فيقول صلى الله عليه وسلم: (اللهم ما أعطيتني مما أحب -من هذه الأشياء- فاجعله عوناً لي على ما تحب) اجعل الزوجة عوناً لي على محبتك، واجعل المال عوناً لي على محبتك، واجعل الأولاد عوناً لي على محبتك، واجعل المنصب عوناً لي على محبتك؛ لأن من الناس من يُعطى مما يحب؛ فيكون ما يُحب قاطعاً له عن محبة الله، الزوجة التي يحبها تقطع الطريق بينه وبين الله، المال الذي يحبه يقطع الطريق بينه وبين الله، فيصبح حبه لهذه الأشياء مانعاً له من محبة الله عز وجل.
 

حقيقة الالتزام
الالتزام -أيها الإخوة- يحتاج من الإنسان إلى فهم لمعناه، ولحقيقته ولمقتضياته.أما معناه: فهو التمسك والاستقامة على دين الله ظاهراً وباطناً، التزامٌ في المعتقد، والتزامٌ في العبادة، والتزامٌ في السلوك والأخلاق، والتزامٌ في التعامل، هذا هو الالتزام الكامل، التزامٌ في الباطن، والتزامٌ في الظاهر، التزامٌ في المسجد، والتزامٌ في العمل، والتزامٌ في السوق، والتزامٌ في البيت، لماذا؟ لأنك خضعت: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]. فالدخول في الدين والالتزام يجب أن يكون دخولاً كاملاً، ليس دخولاً جزئياً تشليحياً، يشلح الدين، يأخذ من الدين لحية وثوباً فقط، وذاك يأخذ من الدين صلاة فقط، لا. الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] ما رأيكم! برجل ذهب للتشليح وأخذ له (دركسوناً) ووضع فوق رأسه (بوري) ومشى بالشارع ويضرب (بوري) هل هذه سيارة؟ لا. (بوري) و(دركسون) فقط؛ لكن أين السيارة؟ السيارة لها أجزاء لا بد من توفرها، كذلك الدين له أجزاء لا بد من توفرهما، لا تأخذ من الدين (البوري) ولا تأخذ فقط (الدركسون) و(الإشارة)، خذ الدين كاملاً كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة:208].
 

بعض المشاكل التي تقع للملتزم بعد التزامه
هذه الظاهرة والحمد لله التي نشهدها في شباب الأمة رغم جهود أعداء دين الله، وضراوة الهجمات، وشراسة الأساليب التي تسلط على الشباب من أجل إبعادهم عن دينهم، وزعزعة عقيدتهم من قلوبهم، ولكن والحمد لله تواجه كل هذه الجهود بالالتزام والتمسك، والعودة إلى الله، غير أن الشباب الملتزم بعد الالتزام يواجهون ببعض المشاكل.منها أولاً: الجهل بما يجب أن يفعله بعد التزامه، يقول: التزمت؛ لكن ماذا أعمل الآن؟! ليس لديه منهج، وليس له برنامج، وليس عنده خطوات يمشي عليها، مجرد أنه التزم ثم أين يذهب؟ فيرتب له هذا الجهل الوقوع في بعض المعضلات، أهمها:الانتكاس؛ لأنه إذا التزم ومشى فترة ولا يعرف ماذا يفعل، ماذا يعمل بعد ذلك؟ يرجع إلى ما كان عليه والعياذ بالله.ومنها: الالتزام الأعوج، بدل أن يلتزم التزاماً مستقيماً؛ يلتزم التزاماً أعوجاً، أعوج في أخلاقه، أعوج في تصرفاته، أعوج في فهمه للنصوص، أعوج في تعامله مع نفسه، أعوج في تعامله مع زوجته وأولاده، أعوج في تعامله مع والده ووالدته، أعوج في تعامله مع مديره وزملائه في العمل، لماذا؟ لأنه التزام خاطئ، ما عرف الالتزام، ويظن أنه على هدى بسبب جهله بمعنى الالتزام، وبما تقتضيه عملية الالتزام من عملٍ بعد ذلك.وفيها: الالتزام الأجوف، ونعني بالالتزام الأجوف: أن يلتزم الإنسان في الشكل، ولا يلتزم في المضمون، فيكون أجوف، ظاهره طيب، لكن باطنه خراب، هذا لا ينفع، لا بد من الالتزام الكامل الذي يشمل الظاهر والباطن.ومنها: الفهم المغلوط للدين، لم يفهم الدين كما أراد الله، ولم يتلقاه عن كتاب الله، وسنة رسول الله؛ لكن فهمه فهم مغلوط، أو أحياناً يتلقى بعض الأفكار الضالة، والعقائد المنحرفة، كعقيدة الخوارج، أو كعقيدة المعتزلة ، أو كعقيدة الأشاعرة ، أو كعقيدة -والعياذ بالله- القدرية ، أو عقيدة المرجئة ، هذه عقائد كانت واندثرت؛ لكن بقيت مضامينها موجودة في الناس، قد يقول أحدكم: كيف؟أقول: عقيدة الإرجاء تعتمد على: أن الإيمان ليس لـه علاقة بالعمل، إذ لا يضر مع الإيمان عندهم معصية ، ولا ينفع مع الكفر عمل، فيقولون: أنت تؤمن بالله، وتصدق بلسانك، أما العمل ليس من الدين وليس من الإيمان، هذه العقيدة ضيعت دين الله، وأذهبت شريعة الله، ولكنها الآن موجودة في كثيرٍ من الناس، عندما تأتي تكلمه عن أوامر الله مثل الصلاة في المسجد، وإطلاق لحيته، قال: يا شيخ! ربنا رب قلوب، إن الله لا ينظر إلى صوركم، الله ينظر للقلوب، أنا مؤمن بربي بس فقط، هذه العقيدة موجودة عند خمسين أو ستين في المائة من الأمة، يقول: يا شيخ! الدين في القلوب، الدين ليس في اللحية، ولا في الصلاة في المسجد، الدين في القلب، أنا قلبي طيب، بل بعضهم لا يعمل عملاً قط ويقول: قلبه طيب.كنت مرة قبل فترة في قطر وأثناء وجودي في الفندق سمعت أزيز الموسيقى يكاد الفندق يرقص بآلة صاخبة لها ضجيج وأنا أطلع في المصعد أنظر من أين الصوت، وإذا هناك رجلٌ أبيضٌ، رأسه كبير وأصلع، عنده أجهزة موسيقى ضخمة، وهو الذي رج الفندق كله بدقته على هذه الأجهزة، قلت: إنه غربي، ثم بعد فترة نزلت أصلي وبينما أنا أنظر إذا به واقف عند العلاقات العامة للفندق فدعاني صاحب العلاقات يعطيني رسالة، فجئت وإذا بهذا يسلم علي، نفس الرجل الطويل الكبير الذي رأيته يعزف الموسيقى، قلت: أنت عربي؟ قال: نعم. قلت: مسلم؟ قال: نعم. قلت: من أهل السنة؟ قال: نعم. قلت: من أي بلاد الله؟ قال: من لبنان ، قلت له: أنت الذي كنت تدقدق وتغني؟ قال: نعم، هل أعجبك غنائي؟ قلت: أسألك سؤالاً بالله عليك، هل هذا الغناء والطرب وهذا اللعب ينفعك بعد الموت يوم تقف بين يدي الله؟ قال: لا والله يا شيخ! -باعترافه يقول: والله يا شيخ! ما ينفعني، وفعلاً لا ينفع- قلت له: فكيف تعيش على عمل لا ينفعك بعد الموت؟ قال: والله يا شيخ! أنا مؤمن بقلبي وهذه عقيدتي، قلت: يعني أنك لا تصلي، قال: لا والله لا أكذب عليك، قلت: لماذا؟ قال: أمي تصلي. أمه تصلي بالنيابة، انظر العقيدة! يعني: كون أمه تصلي إذاً سقط عنه التكليف، وكونه يؤمن بالله بقلبه؛ فلا يوجد تكليف.هذا نموذج من الناس من مئات الملايين من المسلمين ليس في بلادنا فقط، الملايين من المسلمين ألف مليون مسلم، ليس في بلادنا إلا ستة عشر مليوناً من المسلمين، والبقية في العالم وهذه عقيدة أكثر الناس. عقيدة الخروج والخوارج تأتي عند المتدينين الذين يفهمون الدين ويتحمسون لـه ويندفعون إليه، ثم يكبر في قلبهم الحماس حتى يتجاوزونه، ولهذا سموا المارقة، لماذا؟لأنهم يمرقون من الدين، يقول عليه الصلاة والسلام فيهم: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وعبادته إلى عبادتهم، ثم قال: يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه) يقرءون القرآن؛ لكن لا يجاوز حناجرهم، حظهم من القرآن التلاوة، لكن لا يفهمون منه شيئاً، ولا يدخل في قلوبهم منه شيء، موجودة هذه في كثير من المجتمعات تراه يتوقد ويحترق حماساً للدين، لكن ليس هذا هو الدين، الدين ما شرع الله، وشرع رسوله صلى الله عليه وسلم. من أين تأتي مثل هذه الأشياء؟ تأتي من الخطأ في الالتزام، الالتزام يحتاج إلى ضوابط، وإلى موازين بحيث لا ينحرف الملتزم فيضل أكثر من ضلال ذاك المفلوت؛ لأن المفلوت في الشر، والواقع في الغناء والزنا والمعاصي منحرف ويعرف أنه منحرف، ولذا يمكن أنه في يوم من الأيام يتوب، أما الملتزم خطأ، يمشي في الخطأ ويظن أنه على هدى، ولذا ليس هناك أمل أنك تصلحه؛ لأنه يحسب أنه على الهدى زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ [التوبة:37] فتأتي الخطورة في انحراف الملتزم من هذا الجانب.
 

الواجب على الملتزم بعد التزامه
يبدأ السؤال: ما الواجب عليَّ بعد الالتزام؟ هذا السؤال يتردد في ذهن كل شخص، ماذا أعمل بعد الالتزام؟العمل بعد الالتزام كالتالي:
 قطع الصلة بالحياة السابقة
أيضاً هناك شيء مهم وهو: أن تقطع الصلة بالحياة السابقة، وهذا فعل الصحابة، كان الرجل منهم يدخل في الإسلام، ويخلع على عتبة الدين كل ملابس الجاهلية، ولا يلتفت إليها، ولا يحن إليها، ولا يبقى في قلبه أي رغبة فيها، فتقطع صلتك بالحياة الأولى، القرين السيئ، زميل السوء، أماكن السوء التي كنت تذهب وتسمر فيها خلاص، شريط السوء الذي كنت تسمعه، فيلم السوء الذي كنت تراه، أي مكان له علاقة بوضعك الأول قبل الالتزام اقطع الصلة به؛ لأن استمرار الصلة به معناه الحنين إليه، والرغبة في العودة إليه، وهذه بداية الانهزام، وإنما تسلك الطريق ولا تنظر إلى الخلف، إذا نظرت إلى الخلف خارت قواك.يقول ابن القيم رحمه الله: انظر إلى الظبي وكلب الصيد، فالظبي إذا رأيته كأنه خلق للطيران -بطن الظبي لاصقة بظهره- وإذا أسرع في المشي تظن أنه لا يمس الأرض وأنه يسبح في الهواء، وكلب الصيد ليس سريعاً كالظبي، ولكن لماذا يمسك بالظبي؟ السبب أن الظبي يجري ويلتفت، يريد أن يتأكد هل الكلب وراءه أم لا؟ والكلب يجري ولا يلتفت وعينه إلى الأمام، فكلما التفت الظبي خارت قواه درجة، وزادت في قوى الكلب درجة؛ لأن الكلب يُعرف أنه لا يلتفت إلا وهو متعب، فذاك يشد وذاك يضعف، إلى أن يمسك به، لكن يقول ابن القيم : لو أن الظبي مشى ولم يلتفت؛ لا يطلبه الكلب ولا يصل إليه.وأنت تمشي إلى الله مسرعاً، يقول الله: وَسَارِعُوا [آل عمران:133] أي: سابقوا؛ لأن وراءك كلب يريد أن يمسك بك، وهو الشيطان، فإذا مشيت ولم تلتفت، لا يستطيع أن يقبض عليك؛ لأن الله يقول: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42] لكن إذا التفت إلى الأغنية التي كنت تسمعها، ومرت عليك في الراديو قلت: أريد أن أسمعها قليلاً، أمسك بك الشيطان، التفت إلى المرأة، التفت إلى القهوة التي كنت تسمر فيها، والاستراحة التي كنت تقعد فيها على الدش، قلت: سأذهب هذه الليلة، هذه بداية الانتكاس، فاقطع صلتك بالماضي، وافطم نفسك عنه بالكلية، حتى ولو للدعوة؛ لأن الشيطان قد يأتي بك بطريق مبرر، ويقول لك: زملاءك، أقرانك، أحبابك، إن الله هداك؛ فلماذا لا تذهب لتهديهم؟أنت في هذا الطور لا تستطيع أن تهدي، بالكاد تتعافى فقط، ما نريدك أن تهديهم، اهد نفسك فقط؛ لأنك إذا رجعت إليهم تريد أن تهديهم؛ سحبوك، وأرجعوك إلى ما كنت عليه؛ لأنك لست مؤهلاً لعلاجهم؛ لأن العلاج لا يأتي إلا على طريق الأطباء، أما المرضى إذا تعافى المريض يعافي نفسه، أما أن يتحول من مريض إلى طبيب فإنه سيرجع مريضاً.
المعوقات في طريق الالتزام
مما يعين على الثبات وعلى الالتزام: أن يعرف الإنسان أن طريق الالتزام فيه كثيرٌ من المعوقات، ليس طريقاً سهلاً، وليس طريقاً مفروشاً بالورود، بل طريق صعب وشاق، يقول عليه الصلاة والسلام: (حفت الجنة بالمكاره) وأنت ما هدفك من الالتزام؟ الجنة. كل شخص يلتزم لكي يحصل على الجنة، وينجو من النار، حسن (حفت الجنة بالمكاره) كيف تصل إلى الجنة؟ لا تصل إلا عبر تجاوز هذه المكاره، فوطن نفسك؛ لأنك ما دمت تريد الجنة لا بد أن تتجاوز المكاره، مثل الذي يريد أن يتخرج من الجامعة، حفت الجامعة بالمكاره، ما هي المكاره؟ الدروس، ولا بد أن تدرس ست سنين، وثلاث متوسط، وثلاث ثانوي، وتدخل في الجامعة، وتأخذ كتباً وتدرسها حتى تتخرج، شخص يقول: أريد شهادة جامعية؛ لكن لا أريد أن أدرس، أريد أن أجلس في البيت، الدروس تعقيد ومشاكل، ودوام في الصباح، وأربعين دقيقة حصة، ومدرس يضربنا، ومراقب يلطخنا، وامتحانات يمتحنونا، والله ما أريد أن أدرس، أنا أريد فقط الشهادة في آخر السنة، ولكن من غير دراسة! هل أحد يعطيه هذا؟! لا.ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبسِ الذي يريد الجنة يصبر على المكاره. وما هي المكاره التي تقف في طريق الملتزم؟ أولاً: الضعف عن مقاومة الإغراءات، يوجد في الطريق إغراءات، وفي النفس شهوات طبع الإنسان عليها، مثل: شهوة النساء، وشهوة المال، وشهوة النوم، وشهوة اللعب، فيها حلال وفيها حرام، مغريات، النفس البشرية تدعوك إلى هذه المغريات، والعقل والقلب الإيماني يدعوك إلى الترفع عنها، فلا بد أن توطن نفسك على ألا تستجيب لهذه الإغراءات ولهذه الشهوات حتى تسلم، أما إذا ظننت أن بإمكانك أن تكون ملتزماً مع الاستجابة للشهوات، فتسمع الحرام، وتشرب الحرام، وتمشي وتسهر على الحرام، وتظن أنك ستبقى ملتزماً، هذا غير صحيح! ولا يمكن أن يكون، ولا يقبل.أيضاً الضعف عن ممارسة واستمرار أداء العبادات؛ لأن العبادات فيها تعب، يقول الله: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] جعلنا الله وإياكم منهم، الصلاة والعبادة ليست عملاً تؤديه مرة فقط، لا. بل تؤديه وتؤديه وتؤديه إلى أن تموت، تصلي الآن العشاء وغداً تصلي الفجر، وبعد الفجر تصلي الظهر، وبعد الظهر تصلي العصر، وبعد العصر المغرب، وبعد المغرب العشاء، إلى متى؟ إلى أن تموت، فوطن نفسك على أنه لا بد أن تقوم بهذا العمل، فإذا جاء رمضان لا بد أن تصوم، وإذا جاء الحج جاء لا بد أن تحج، عندك مال لا بد أن تزكي، عندك والد لا بد أن تطيعه، عندك أم لا بد أن تبرها، عندك رحم لا بد أن تصلها، عندك أخ في الله لا بد أن تكرمه وتزوره، رأيت منكراً لا بد أن تغيره، القرآن لا بد أن تحفظه وتقرأه، الذكر لا بد أن تؤديه، فوطن نفسك على القيام بها وعدم التثاقل عنها؛ لأنك إن لم توطن نفسك، سيأتي يوم من الأيام تقول إلى متى؟ ثم وطن نفسك على مواجهة الضغوط الأسرية التي قد تواجه بها، قد يستقيم الشاب ويأتي البيت وإذا بالأسرة ليست معه، الأب له وضع، والأم لها وضع، والإخوان لهم وضع، والأخوات لهن وضع، وهو مستقيم فيجد أن أمامه أسرة تواجهه، وتحد من نشاطه، وتقف في طريقه وتمنعه، وربما تسخر منه وتستهزئ به، وربما يضربونه وربما يمنعون عنه المصروف، وربما يقولون له: أنت أخبل! أنت مجنون! أنت متطرف! أنت..وأنت..، وطن نفسك على هذا!ولهذا ذكر الله لنا قصصاً في القرآن من أجل تربيتنا، أخبرنا الله عز وجل عن إبراهيم وأن ممن كفر به أبوه، حتى إذا جاء أبوك يردك تتذكر أن إبراهيم رده أبوه، فيكون لك قدوة.وأخبرنا عن نوح أن ممن كفر به ولده، وأخبرنا عن لوط أن من ضمن من كفر به زوجته، وأخبرنا عن محمد صلى الله عليه وسلم وأن من ضمن من كفر به عمه. إذاً إذا أبوك ما أعانك؛ لك قدوة وهم الأنبياء، وإذا ولدك ما استجاب لك؛ لك قدوة وهم الأنبياء، وهكذا...فيجب أن توطن نفسك على مواجهة الضغوط الأسرية التي تريد منك أن تترك الالتزام، وأن تعود إلى وضعك الحياتي الأول في الأسرة؛ لأنك تدخل الأسرة ولك أسلوب جديد، ولك منهج جديد، وتريد أن تجري تغييراً في البيت، وهم لا يريدون التغيير، يريدونه على ما كان عليه، فيضغطون عليك حتى ترجع؛ لكن لا ترجع؛ لأنك على الحق وهم على الباطل، فقط غير بالأسلوب الذي سوف نذكره إن شاء الله.أيضاً وطن نفسك على مواجهة نظرة المجتمع إليك؛ لأن نظرة المجتمع تختلف من مجتمع إلى مجتمع، نحن في مجتمعنا والحمد لله، ينظر إلى الملتزم والمتدين نظرة إكبار، وتكريم، وتقدير، وحب؛ فإذا رأوا الرجل، أو الشاب تدين؛ قدره كل شخص، لكن في بعض المجتمعات المسلمة، لا. إذا التزم وتدين بدءوا يمقتونه، ويخافون منه، ويصفونه بالإرهاب والتطرف، وكل شخص إذا رآه يقول: انظروه! انظروه! بل في بعض الدول يعتبر مجرماً، فهذه تضغط على الإنسان، وتؤدي به في لحظة من اللحظات إلى أن يترك الالتزام ويرجع؛ لأن المجتمع له هيمنته، وله ضغطه الذي يمارسه على الإنسان.
 قطع الصلة بالحياة السابقة
أيضاً هناك شيء مهم وهو: أن تقطع الصلة بالحياة السابقة، وهذا فعل الصحابة، كان الرجل منهم يدخل في الإسلام، ويخلع على عتبة الدين كل ملابس الجاهلية، ولا يلتفت إليها، ولا يحن إليها، ولا يبقى في قلبه أي رغبة فيها، فتقطع صلتك بالحياة الأولى، القرين السيئ، زميل السوء، أماكن السوء التي كنت تذهب وتسمر فيها خلاص، شريط السوء الذي كنت تسمعه، فيلم السوء الذي كنت تراه، أي مكان له علاقة بوضعك الأول قبل الالتزام اقطع الصلة به؛ لأن استمرار الصلة به معناه الحنين إليه، والرغبة في العودة إليه، وهذه بداية الانهزام، وإنما تسلك الطريق ولا تنظر إلى الخلف، إذا نظرت إلى الخلف خارت قواك.يقول ابن القيم رحمه الله: انظر إلى الظبي وكلب الصيد، فالظبي إذا رأيته كأنه خلق للطيران -بطن الظبي لاصقة بظهره- وإذا أسرع في المشي تظن أنه لا يمس الأرض وأنه يسبح في الهواء، وكلب الصيد ليس سريعاً كالظبي، ولكن لماذا يمسك بالظبي؟ السبب أن الظبي يجري ويلتفت، يريد أن يتأكد هل الكلب وراءه أم لا؟ والكلب يجري ولا يلتفت وعينه إلى الأمام، فكلما التفت الظبي خارت قواه درجة، وزادت في قوى الكلب درجة؛ لأن الكلب يُعرف أنه لا يلتفت إلا وهو متعب، فذاك يشد وذاك يضعف، إلى أن يمسك به، لكن يقول ابن القيم : لو أن الظبي مشى ولم يلتفت؛ لا يطلبه الكلب ولا يصل إليه.وأنت تمشي إلى الله مسرعاً، يقول الله: وَسَارِعُوا [آل عمران:133] أي: سابقوا؛ لأن وراءك كلب يريد أن يمسك بك، وهو الشيطان، فإذا مشيت ولم تلتفت، لا يستطيع أن يقبض عليك؛ لأن الله يقول: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42] لكن إذا التفت إلى الأغنية التي كنت تسمعها، ومرت عليك في الراديو قلت: أريد أن أسمعها قليلاً، أمسك بك الشيطان، التفت إلى المرأة، التفت إلى القهوة التي كنت تسمر فيها، والاستراحة التي كنت تقعد فيها على الدش، قلت: سأذهب هذه الليلة، هذه بداية الانتكاس، فاقطع صلتك بالماضي، وافطم نفسك عنه بالكلية، حتى ولو للدعوة؛ لأن الشيطان قد يأتي بك بطريق مبرر، ويقول لك: زملاءك، أقرانك، أحبابك، إن الله هداك؛ فلماذا لا تذهب لتهديهم؟أنت في هذا الطور لا تستطيع أن تهدي، بالكاد تتعافى فقط، ما نريدك أن تهديهم، اهد نفسك فقط؛ لأنك إذا رجعت إليهم تريد أن تهديهم؛ سحبوك، وأرجعوك إلى ما كنت عليه؛ لأنك لست مؤهلاً لعلاجهم؛ لأن العلاج لا يأتي إلا على طريق الأطباء، أما المرضى إذا تعافى المريض يعافي نفسه، أما أن يتحول من مريض إلى طبيب فإنه سيرجع مريضاً.
وسائل الثبات على الالتزام
مما ينبغي للشاب الملتزم أن يتعرف على وسائل الثبات حتى يثبت، وهذه ضرورية ومطلوبة جداً؛ لأن الحياة التي يعيشها الملتزم حياة كثيرة المطبات، كثيرة الحفر، فإذا مارسها وليس عنده وسائل تثبيت كلما جاء مطب أو حفرة؛ وإذا به يشد (صواميله)، فيستمر في الطريق، وإذا لم يكن عنده ما يشد به (صواميله) ترجه حفرتان أو ثلاث أو أربع ثم يسقط، نظراً لعدم وجود وسائل الثبات التي تعينه على السير في طريق الله.ومن أهم وسائل الثبات:أولاً: تحديد الغاية والهدف، وهي رضوان الله ودخول الجنة والنجاة من النار، وأنت تلتزم هكذا تقول: لماذا ألتزم؟ من أجل دخول الجنة والنجاة من النار، إذاً في سبيل هذا الهدف وهذه الغاية أستصغر كل صعب، وأتحمل كل بلاء، وأصبر على كل تضحية، لماذا؟ لأن هدفي الوصول، هذا أول شيء.الأمر الثاني: تحقيق أركان الإيمان على الحقيقة بقول اللسان، واعتقاد القلب، وعمل الجوارح، فإن الإيمان إذا خلا من واحدة من هذه نقص، وإذا نقص ذهب، فلا بد أن يكون إيمانك مبني على الحقائق الثلاث، قولٌ باللسان تظهره، واعتقادٌ بالقلب توقن به، وعملٌ بالجوارح تذعن وترضخ له، فيكون إيمانك صحيح وأصيل وقوي ومتين، لا تزعزعه الأحداث، ولا ترده المناسبات وإنما يثبت؛ لأنه حقيقي.أيضاً من وسائل الثبات حضور مجالس العلماء، وطلب العلم، وسماع الأشرطة الإسلامية، واستماع إذاعة القرآن الكريم، وقراءة الكتب الإسلامية، والمداومة على العمل، وعدم الحماس الزائد، وهو الذي يعبر عنه العلماء بالغلو؛ لأن الغلو هو عملية ردة فعل، فإذا غلوت في جانب؛ كان على حساب الوسطية، فتمشي في الغلو ثم لا ترجع غلى الوضع الطبيعي، وترجع إلى الانتكاس؛ لأن من أسباب الانتكاس الغلو في الدين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن هذا الدين عميق فأوغلوا فيه برفق، فإنه لم يشاد الدين أحد إلا غلبه) فلا تتحمس الحماس الزائد للدين، وإنما اجعل حماسك منضبطاً بالكتاب، وبالسنة الشريفة.أيضاً مجالسة الصالحين، هذا مثبت من مثبتات الإيمان.البعد عن قرناء السوء.قراءة القرآن وحفظه.مراجعة كتب السنة وحفظها.الحرص على مزاولة عمل أو دراسة. ما دمت متلزماً احرص على العمل، أو واصل تعليمك، لماذا؟ لتثبت أن الالتزام مظهر عملي جاد، وليس مظهر فراغ؛ لأن بعض الشباب من يوم أن يلتزم يترك الدراسة ويقول: ماذا فيها هذه الدروس يا شيخ؟! فيها مشغلة وفيها منكرات، وفيها معاصي، أو عمل وضيفي، إذا كان عندك عمل أبدع فيه، كنت تأتي الساعة التاسعة، ولكن من يوم أن التزمت لا بد أن تكون منذ السابعة والنصف وأنت عند الباب، والساعة الثانية والنصف وأنت تخرج آخر واحد، تتواجد باستمرار، كنت وأنت غير ملتزم شاب مقصر في الدراسة مهمل؛ لكن بعد الالتزام أصبحت الأول، لماذا؟ حفظت وقتك، وشعرت بمسئوليتك، فتثبت على دين الله عز وجل.الحذر من الذنوب ومن المعاصي فإنها تحجزك عن الله، وتردك عن طريق الله، وبالتالي تبعدك عن الالتزام.ثم آخر شيء من وسائل الثبات: الدعاء، تدعو الله في كل وقت، وفي كل لحظة، وفي أماكن الاستجابة، وتقول: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] وتقول كما كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك). اللهم ثبت قلوبنا على طاعتك رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].اللهم احفظ لنا ديننا، وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، ووفق ولاة أمورنا، وعلمائنا، ودعاتنا، ومشايخنا، وشبابنا، وشاباتنا، وجميع المسلمين وفقهم لما تحبه وترضاه، من الدعوة إلى دينك، وإلى مناصرة شريعتك، وإلى العمل بأحكام كتابك وسنة نبيك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 قطع الصلة بالحياة السابقة
أيضاً هناك شيء مهم وهو: أن تقطع الصلة بالحياة السابقة، وهذا فعل الصحابة، كان الرجل منهم يدخل في الإسلام، ويخلع على عتبة الدين كل ملابس الجاهلية، ولا يلتفت إليها، ولا يحن إليها، ولا يبقى في قلبه أي رغبة فيها، فتقطع صلتك بالحياة الأولى، القرين السيئ، زميل السوء، أماكن السوء التي كنت تذهب وتسمر فيها خلاص، شريط السوء الذي كنت تسمعه، فيلم السوء الذي كنت تراه، أي مكان له علاقة بوضعك الأول قبل الالتزام اقطع الصلة به؛ لأن استمرار الصلة به معناه الحنين إليه، والرغبة في العودة إليه، وهذه بداية الانهزام، وإنما تسلك الطريق ولا تنظر إلى الخلف، إذا نظرت إلى الخلف خارت قواك.يقول ابن القيم رحمه الله: انظر إلى الظبي وكلب الصيد، فالظبي إذا رأيته كأنه خلق للطيران -بطن الظبي لاصقة بظهره- وإذا أسرع في المشي تظن أنه لا يمس الأرض وأنه يسبح في الهواء، وكلب الصيد ليس سريعاً كالظبي، ولكن لماذا يمسك بالظبي؟ السبب أن الظبي يجري ويلتفت، يريد أن يتأكد هل الكلب وراءه أم لا؟ والكلب يجري ولا يلتفت وعينه إلى الأمام، فكلما التفت الظبي خارت قواه درجة، وزادت في قوى الكلب درجة؛ لأن الكلب يُعرف أنه لا يلتفت إلا وهو متعب، فذاك يشد وذاك يضعف، إلى أن يمسك به، لكن يقول ابن القيم : لو أن الظبي مشى ولم يلتفت؛ لا يطلبه الكلب ولا يصل إليه.وأنت تمشي إلى الله مسرعاً، يقول الله: وَسَارِعُوا [آل عمران:133] أي: سابقوا؛ لأن وراءك كلب يريد أن يمسك بك، وهو الشيطان، فإذا مشيت ولم تلتفت، لا يستطيع أن يقبض عليك؛ لأن الله يقول: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42] لكن إذا التفت إلى الأغنية التي كنت تسمعها، ومرت عليك في الراديو قلت: أريد أن أسمعها قليلاً، أمسك بك الشيطان، التفت إلى المرأة، التفت إلى القهوة التي كنت تسمر فيها، والاستراحة التي كنت تقعد فيها على الدش، قلت: سأذهب هذه الليلة، هذه بداية الانتكاس، فاقطع صلتك بالماضي، وافطم نفسك عنه بالكلية، حتى ولو للدعوة؛ لأن الشيطان قد يأتي بك بطريق مبرر، ويقول لك: زملاءك، أقرانك، أحبابك، إن الله هداك؛ فلماذا لا تذهب لتهديهم؟أنت في هذا الطور لا تستطيع أن تهدي، بالكاد تتعافى فقط، ما نريدك أن تهديهم، اهد نفسك فقط؛ لأنك إذا رجعت إليهم تريد أن تهديهم؛ سحبوك، وأرجعوك إلى ما كنت عليه؛ لأنك لست مؤهلاً لعلاجهم؛ لأن العلاج لا يأتي إلا على طريق الأطباء، أما المرضى إذا تعافى المريض يعافي نفسه، أما أن يتحول من مريض إلى طبيب فإنه سيرجع مريضاً.
الأسئلة

  مصيبة الأمة في فقد علمائها
السؤال: في هذا العام أفلت نجومٌ من العلماء الذين كان لهم خدمةٌ لهذا الدين وكان من آخرهم سماحة الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه، ومصيبة الأمة في وفاة العلماء، وقد ينطبق علينا في هذا العام أنه عام الحزن، فهل من كلمة يا فضيلة الشيخ! على مكانة علماء الأمة، وعلى مصيبة الأمة في فقدهم، وعلى حث الشباب على نهج طريقتهم وسيرتهم، التي كانوا ينهجون بها طريق نبينا صلى الله عليه وسلم، فحدثنا حفظك الله حول هذه القضية؟الجواب: أيها الإخوة! إن أعظم مصاب تصاب به الأمة هو فقد علمائها؛ لأن علماءها مصابيح الدجى فيها، هم الأنوار في الأرض، هم الشموس، هم البدور، إذا انقطعت الكهرباء.. الآن في هذا المسجد هل يقوم أحد يبحث عن الكهرباء؟ هل نستطيع أن نسرج العمود ونقول: أسرج يا عمود؟! العالم مثل النور، فإذا مات العالم أظلمت الأرض، وقد سمي فعلاً هذا العام بعام الحزن؛ لأن الأمة فقدت فيها أبرز العلماء، ماتوا بقضاء الله وقدره، وبآجالهم، وكلهم قد تجاوز السبعين والثمانين بل بعضهم وصل التسعين، منهم سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز طيب الله ثراه، ونور الله ضريحه، وقدس الله روحه، وليست هذه -يا أخوان- عبارات بدعية، هذه يقولها شيخ الإسلام ، ومعنى قدس وأنا كان في نفسي منها شيء بحكم الجهل، ولما سمعت شيخ الإسلام يقول: قدس الله روحه قلت: الله يقدس؟ التقديس يكون من العبد، رجعت إليها في اللغة وإذا معنى قدَّس أي: طهر، ليس عظم، فـشيخ الإسلام يقول: قدس الله روحه، يعني: طهر الله روحه، ادخلوا الأرض المقدسة، يعني: الأرض المطهرة، فالتقديس لـه معنى عندنا وهو التعظيم، ولكنه لـه معنى في الشرع وهو التطهير، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لسماحة الوالد الشيخ.بليت الأمة به بلاءً عظيماً، بل والله لقد تغير الجو، وتغير الليل والنهار في أنظار وأبصار كثير من طلبة العلم، وأنا حينما بلغني الخبر وكنت ذلك اليوم قد خرجت من المسجد الحرام وذهبت إلى البيت، ونمت قليلاً، ورأيته في المنام في ذلك اليوم نفسه وأننا نتجه إلى مكان نصلي الجمعة.. موكب من السيارات، والمشايخ، وطلبة العلم، وفجأة توقف موكب الشيخ، ووقف معه بعض طلبة العلم، فمشى أناس وأنا وقفت، وقلت: ما للشيخ وقف هنا لا يصلي؟ ونزلت وإذا بأحد العساكر المكلفين بحراسة الشيخ يقابلني، قلت له: ما به الشيخ لا يصلي معنا؟ فقال لي: الشيخ لن يصلي معكم هذه الجمعة، أي والله بهذا النص، واستمريت في المنام قليلاً، وإذا بالتليفون يضرب عند رأسي، ويتصل بي أحد الإخوة من منطقة الزلفي ، يقول لي: عندك خبر عن الشيخ؟ -صباح الخميس 28/ 1/- قلت: نعم. عندي خبر، الحمد لله خرج من المستشفى، وأمس استقبل الناس وهو طيب ووضعه تمام، قال لي بصراحة: أحسن الله عزاءك فيه، وحين قالها شعرت أن شيئاً كالرمح استقر في كبدي، ألم ما شعرت به في حياتي، فوضعت يدي على صدري وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجبرنا في مصيبتنا وأبدلنا خيراً منها، مصيبة يا إخواني، مات رحمة الله عليه، ولكن لم يمت علمه، فعلمه موجود، وكتبه منتشرة وآثاره ظاهرة، وما علينا إلا أن نتعرف على سيرته وعلى منهجه، وعلى حياته؛ لنأخذ منه عبرة.ثم بعد ذلك تبعه العلماء مات الشيخ علي الطنطاوي ، ثم مات الشيخ صالح المنصوب ، وقبله مات الشيخ عطية سالم بـالمدينة ، مات الشيخ مناع القطان في الرياض ، وآخر من سمعنا من موت العلماء الشيخ محمد ناصر الدين الألباني غفر الله لـه ورحمه وجمعنا به في جنات النعيم فقد كان خادم السنة، ومحقق الحديث، الذي قضى حياته كلها في خدمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على منهج السلف الصالح رضي الله عنهم، فهذه مصيبة. ولكن أيها الإخوة! الخير في هذه الأمة، وهذه الأمة كالغيث؛ لا يدرى الخير في أوله، أو في آخره، يموت عالم، ويعيش ألف عالم، ها نحن نرى الآن والحمد لله طلبة العلم يملئون الجامعات، ويملئون المساجد، ويهزون المنابر بالخطب، ونرى منهم عودة صادقة إن شاء الله، فالدين باقٍ، والخير في هذه الأمة باق، ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرحم ويغفر لعلمائنا، وأن يعوضنا منهم خيراً في أبنائنا وشبابنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التزمت ولكن!! للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net