اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الجور بالقول [1] للشيخ : سعد البريك


الجور بالقول [1] - (للشيخ : سعد البريك)
العدل غريب في هذه الدنيا، لكننا نجد تمام العدل والإنصاف في كتاب الله، وقد ذكر الشيخ هنا أسباب الجور في الحكم وقلة الإنصاف، ثم عرج إلى الأدلة الشرعية في الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات مع بيان حال السلف في ذلك.وبعد ذلك بيّن عواقب انعدام التوازن في منهجية الحكم على الآخرين، كما ركز على أهمية التعاون في تنمية الخير والتناصح لإزالة الشر وإصلاحه.وفي الأخير تطرق إلى موضوع مهم، وهو خطر ترك أقوال العلماء الكبار المشهود لهم بالخير والصلاح والعلم عند وقوع النوازل والخطوب والأخذ بأقوال غيرهم.
واقع العدل والإنصاف
الحمد لله القائل في محكم كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعد:فيا عباد الله.. اتقوا الله تعالى حق التقوى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].معاشر المؤمنين.. إن العدل والإنصاف في هذا الزمان بات عزيز المنال لدى الكثيرين إلا من رحم الله وقليل ما هم، فالمسلم مأمور أن ينصف من نفسه ومأمور أن يعدل في قوله وحكمه وفعله، لا أن تأخذه الحمية أو العاطفة، أو يغلبه التقليد والتبعية، أن يرى ما يراه الآخرون، أو يصدق ما ينقله الناقلون من غير دليل وبرهان فيكون كما قال القائل:وما أنا إلا من غزية إن غـوت غويت وإن ترشد غزية أرشد بل الواجب العدل في كل حال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام؛ وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الدين من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة.وفي هذا الزمان -أيها المسلمون- الذي عز فيه العدل والإنصاف، يحتاج المسلم إلى الرجوع إلى منهج السلف ، ليقيس الأمور بمقياس الكتاب والسنة، حيث أصبحت الأهواء هي التي تتحكم بآراء الناس وأقوالهم، حتى أن الإنسان قد يتغاضى عن أخطاء من يحب مهما كانت كبيرة، بل يبررها، بل تتحول هذه الأخطاء إلى محاسن ويجعل محبوبه في أعلى المنازل، ولا يقبل فيه نقداً أو مراجعة، وفي المقابل ترى بعض الناس إذا أبغض أحداً لهوى في نفسه أو تقليداً لغيره، جرده من كل فضائله، ولم ينظر إلى حسناته، أما زلاته فيفخمها وينسى أو يتناسى محاسنه الأخرى مهما كانت بينة، وليس هذا غريباً، وليس غريباً أن توجد العداوات من أهل الأهواء والضلالة، قال ابن الوردي رحمه الله: ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل وقال الآخر: لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاً لقالت الناس هذا غير معتدل وقال الثالث:إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل لكن المسلم الذي يحاسب نفسه يزن بميزان الشرع ويحكم بالقسط، إن سيئات الفرد لا تمنع ذكر حسناته، إن سيئات المجتمع لا تمنع ذكر حسناته، إن سيئات الدولة لا تمنع ذكر حسناتها، وإن حسنات الفرد أو المجتمع أو الدولة لا تمنع من إصلاح سيئاتها، إذا كان سياقها لمصلحة على وجه النصيحة لا التعيير، وعلى وجه الإرشاد لا الشماتة، ما لم يبلغ الفساد والخلل حد الكفر، فليس بعد الكفر ذنب ولا ينفع مع الكفر حسنة.
 السرعة في إطلاق الأحكام
أيها الأحبة.. العجب كل العجب مما نراه اليوم ونسمعه من التسرع في إطلاق الأحكام، من التسرع في الحكم على الأمور قبل بحثها وإدراك أبعادها ومضامينها، وأسوء من هذا خوض الصغار في المعضلات، وخوض الجهلة في المشكلات، خوض الكثير في المعضلات بغير علم، فتجد النازلة المحيرة التي تتزاحم فيها المفاسد والمصالح وتتقابل، وتنوء بها عقول الجهابذة من العلماء، سرعان ما ترى صغيراً أو قليل علم يتحدث فيها برأي أو هوى، وأسوء من هذا أن يعيب الجاهل العالم، أو ينتقد القاصر الوافر بحكمته وتجربته، قاصر قليل التجربة ينتقد عالماً وافراً في حكمته وتجربته، فترى صوراً من التطاول وألواناً من التقدم بين يدي العلماء، ناهيك عن الخوض في أعراضهم، فيا سبحان الله! كيف يتجرأ صغير على كبير، وجاهل على عالم؟! إذا عير الطائي بالبخل مادرٌ وعير قساً بالفهاهة باقل وطاولت السحب السماء سفاهة وفاخرت الأرض الحصى والجنادل وقال السهى للشمس أنت ضئيلة وقال الدجى يا صبح لونك حائل فيا موت زر إن الحيـاة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل وأسوء من هذا أن تجد الفئام من الطغام، يردون الوحل والسبخات، ويتركون الأنهار العذبة الزلالة من علمائهم الذين لا يشك في ورعهم وصلاحهم وتقواهم، فهل يجد هؤلاء الطغام غناءً عند أولئك الجهلة؟متى تصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحار من الركايا ومن يثني الأصاغر عن مراد إذا جلس الأكابر في الزوايا وإنّ ترفع الوضعاء يوماً على الرفعاء من أقسى البلايا إذا استوت الأسافل والأعالي فقد طابت منادمة المنايا
أسباب الجور في القول والتسرع في الحكم
لو تأملنا هذه المسألة حق تأملها وهي الجور في القول والتسرع في الحكم بلا علم ولا حلم وحكمة وتجربة لوجدنا لهذا أسباباً..
 التقليد والتبعية والمحاكاة
معاشر المؤمنين.. ربما كان الجور في الحكم وفوت العدل ووضوح الميل، بسبب التقليد والتبعية والمحاكاة، وهذا مرض أخبث من الذي قبله، إذ فيه تعطيل آلات العلم وتقديم الآراء والأهواء على الحجج الواضحات والبراهين الساطعات، ولا تعجب يوم أن ترى كثيراً من الناس يرى رأياً أو يقول قولاً لأن فلاناً قاله أو رآه، وأعظم من هذا تعصبه له وإصراره، ألا يفكر بعقله وألا يعمل عقله في قول من قلده وحاكاه، وقد يكون لدى المقلد عقل لا بأس به لو أعمله وتدبر به ونظر ببصيرته لتبين له خطأ من اتبعه، وتبين له خلاف ما ذهب إليه ورآه من التقليد، ناهيك عما فيه من تقديم عقول الرجال وآرائهم على العدل الذي شرعه الله ورسوله.وأدهى من هذا وأمر، أن تجد بعض الجائرين في القول والرأي والحكم والنظر إذا دعوته للمناقشة أو للمناظرة، أو إذا دعوته لمناقشة ومناظرة قائده وسيده الذي علمه هذا القول، جبن ورجع القهقرى وعاد خائفاً وقد امتقع لونه، ثم بعد ذلك يقول: أويعقل أن أناقش فلاناً؟! أويعقل أن أتكلم مع فلان؟! وهذا دليل الضلال إذ أن صاحب الحق والدليل لا يتورع عن طلب الحق، فإن كان على ضلالة تبين خطأ نفسه وسلك الحق، وإن كان الذي يقابله على الضلال والخطأ أقام له الحجة وأبان له المحجة، ثم دعاه إلى ترك ما ذهب إليه بهواه وأمره باتباعه.والعجب أيها الأحبة أن من الناس من إذا ناقشته في رأي أو في قول قال لك من يقلد ويتبع: سبحان الله.. أيشك في فلان؟! أيشك في علان؟! إن المناظر لا يشكك ولا يسيء الظن ولكن يقول: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ [البقرة:111].. هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] ائتوني بأثارة من علم أو كتاب أو حجة أو بينة، ولو رد عليهم المناظر بقوله: وماذا يضير فلان لو حاورته وناظرته، فإن كان على صواب زادني صواباً، وإن كان على ضلال بسطت له من لآلئ الحجة ما يضيء له المحجة، ولكن قل أن ترى شجاعاً ينبذ التقليد والمتابعة. إن الجبن ليس في الخوف من الإقدام في المعارك، بل إن شجعاناً على الإقدام في المعارك تراهم جبناء لا يقدمون على السؤال وعلى البحث والمناظرة وإقامة الحجة، ولكن قل أن ترى شجاعاً ينبذ التقليد والمتابعة، ويسأل ويناقش ويستفسر بصريح الخطاب والعبارة عن الغاية والوسيلة والنهاية، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر] . وقال سفيان بن عيينة : [اضطجع ربيعة مقنعاً رأسه وبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: رياء ظاهر، وشهوة خفية، والناس عند قادتهم كالصبيان في حجور أمهاتهم ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم به ائتمروا] .وقال أحمد بن حنبل: [من قلة علم الرجل أن يقلد دينه الرجال -وقال أيضاً- لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا..] وهذا واضح، إذ أن من أصر على التبعية والتقليد والمتابعة بغير سؤال أو جواب، أو طلب للدليل كالذي يقول: إني أتبع معصوماً لا يزل. ومن استنكف أو انزعج أو بدا قلقاً يوم أن طلب منه الحوار والمناظرة لمن قلده واتبع هواه فكأنه يقول: اتبعه بلا دليل، وإن من الثابت أن صاحب الدليل لا يتورع عن بيان ما استند إليه.هذا هو المنهج الذي سار عليه أئمة الإسلام وعلماؤه الكرام بصفائه ونقائه، والعجيب كل العجب أنه مع وضوح هذه المسألة وتواترها عن علماء الأمة إلا أنك ترى طائفة ليست هينة تعاني من داء التقليد والمتابعة على التخليط في أمور بعضها جلي، وبعضها خفي، وبعضها واضح، وأكثرها غامض، وفي هذا يقول الغزالي رحمه الله: وهذه عادة ضعفاء العقول يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق. والعاقل يقتدي بسيد العقلاء، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: [لا تعرف الحق بالرجال بل اعرف الحق تعرف أهله].أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من المتجردين لمرضاته، وفي الحديث الذي يروى: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)لهذا الموضوع بقية نبسطها في الجمعة القادمة.أسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يدمر أعداء الدين، وأن يبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم اجمع شملنا وحكامنا ودعاتنا وعلماءنا، ولا تجعل فينا دخيلاً ولا عميلاً ولا فاجراً يريد بنا سوءاً، اللهم من أراد بهذا الجمع فرقة، وأراد بهذه الطمأنينة فزعاً، وأراد بهذا الأمن خوفاً، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، وأرنا فيه عجائب قدرتك يا جبار السماوات والأرض.اللهم سخر لنا ولعلمائنا ووالدينا وحكامنا ودعاتنا ملائكة السماء برحمتك وجنود الأرضين بقدرتك، واجعل اللهم ذلك في طاعتك واتباع كتابك وسنة نبيك، وباباً إلى الخضوع والاهتداء بهديك يا رب العالمين.اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم اهزم النصارى، اللهم اهزم الكفار والمشركين والشيوعيين والوثنيين، وأقم علم الإسلام، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الكفر والزيغ والعناد، اللهم فرج هم المهمومين، اللهم فرج هم المهمومين في السجون، ونفس كرب المكروبين في الزنازين، وفك أسر المأسورين في الحبوس يا حي يا قيوم، اللهم فرج لهم، اللهم فرج لهم، اللهم فرج لهم، اللهم إن أنينهم لا يخفى عليك، وصرخاتهم لا تعزب عن علمك، اللهم فرج لهم ما هم فيه، واجعل العاقبة لهم يا رب العالمين.اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان ميتاً فاجمعنا اللهم به في جنتك، وجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، ربنا لا تدع لنا في هذا المقام الشريف ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا مدمناً للمخدرات إلا عافيته منها وشفيته منها، وبغضتها إلى نفسه يا رب العالمين، لنا ولأحبابنا ولجميع إخواننا المسلمين.اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الجور بالقول [1] للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net