اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هم الآخرة [2] للشيخ : سعد البريك


هم الآخرة [2] - (للشيخ : سعد البريك)
إننا لو نظرنا إلى حالنا وحال سلفنا الصالح لوجدنا الفرق الشاسع فيما بيننا وبينهم تجاه الآخرة والاهتمام بها، إن الهم الأكبر الذي كان عند الصحابة والتابعين هو النجاة من عذاب الله، وإن الهم الأكبر عندنا في هذه الحياة هو تحصيل المال، والاشتغال بالدنيا، ونسيان الآخرة، وهذا يرجع إلى أسباب ذكرها الشيخ حفظه الله.
دلائل الاهتمام بالآخرة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعــد: عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18]. معاشر المؤمنين: كان الحديث في جمعة ماضية حول القصد إلى الدنيا والقصد إلى الآخرة، والاهتمام بالدنيا والاهتمام بالآخرة، والاشتغال بالدنيا والاشتغال بالآخرة، وما المحمود من ذلك والمذموم، وما الصحيح في ذلك وما الخطأ فيه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20] ومر بنا ذاك الحديث الجامع من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه ابن ماجة بسند صحيح؛ يقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم: (من كانت الآخرة همه؛ جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ فرق الله عليه أمره، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له).أيها الأحبة في الله: هذا حديث عظيم عجيب، فيه دلائل على أن من اهتم واشتغل بأمر الآخرة فإن الله جل وعلا لن يضيعه ولن ينساه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً [مريم:64] .. وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] ويقول جل وعلا: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا [العنكبوت:60] هل رأيتم حشرة معها سلة تجمع في سلتها غذاءها؟ هل رأيتم يرقة معها خزينة تحمل في خزينتها طعامها؟: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا [العنكبوت:60] من الذي يرزقها؟ من الذي يعطيها؟ من الذي يسقيها؟ من الذي يحميها؟ من الذي من السقم يعافيها؟ اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت:60].دخل رجل يقال له بهلول على أحد الخلفاء فقام يحدثه ويعظه؛ فتأثر ذاك الخليفة، وكأنه طمع أن يعطيه وأن يحذيه وأن يمنحه من المال شيئاً، فقال: خذ، فقال: لا حاجة لي به، فقال الخليفة: يا بهلول! من الذي يعطيك طعاماً وشراباً؟ ومن أين تأتي بالمال؟ فالتفت إليه ذلك الذي يظن أنه من المجانين وهو من أعقل العقلاء، التفت إلى الخليفة قائلاً: أتظن أن الذي أعطاك الملك والخلافة ينساني؟
 الحزن للآخرة والاهتمام بها
أيها الأحبة: إن من دلائل الاهتمام والاشتغال بالآخرة التي يجزي ربنا جل وعلا عليها، ويجزي بها إقبالاً من الدنيا على صاحبها، واجتماعاً لأمره ولو كان متشتتاً، أن يحزن للآخرة ويتذكر الآخرة ويهتم بها، أن يتذكر الآخرة، أن يهتم بالآخرة، أن يكون عمله دءوباً للآخرة، فإذا رأى في الطريق شوكة أو أذى أو قذى أماطه، وقال: لعل بهذه الحسنة ترجح موازين الحسنات على السيئات، وما يدريك بعد رحمة الله أن تكون تلك الحسنة فيصل في حال العبد إما إلى جنة وإما إلى نار.أن إذا أقبل إلى قوم بش وهش وابتسم إليهم يريد بذلك صدقة تزحزحه عن النار، إذا رأى محتاجاً أغاثه يريد بذلك حسنة ينجو بها من النار، إذا دعي إلى بذل بذله يريد أن ينجو بعد رحمة الله من النار، أن يهتم للآخرة، لا توفر حسنة ولا تدخرها، ولا تتهاون بمعصية ولا تقم عليها:خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى أن تحزن للآخرة أو أن تهتم للآخرة، فإذا أظلم عليك ليل تذكرت ظلمة الآخرة، وإذا أسفر صبح تذكرت أنوار الجنة، وإذا لبست خزاً، إذا لبست ناعماً تذكرت ثياب أهل الجنة، وإذا رأيت خشناً تذكرت سرابيل أهل النار، أن تحزن للآخرة وأن تهتم بها وأن تحاسب نفسك أولاً بأول؛ يقول عز وجل: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2] ومر معنا كلام الحسن أنها نفس المؤمن، تلومه إن قصر في حسنة عاتبها على التقصير، وإن فرط في معصية حاسبها على التفريط.
الأسباب الحائلة بيننا وبين الاهتمام بالآخرة
أيها الأحبة: إن من واجبنا أن نتعود محاسبة النفس، والحزن من أجل الآخرة، فإن القلوب إذا خلت من الاشتغال والاهتمام والحزن لأمر الآخرة باتت يباباً خراباً يسكنها البوم، وتنعق فيها الغربان، ومن ثم تأوي إليها الهوام من ألوان الشهوات والشبهات، أما إذا ساكن القلب الحزن للآخرة فإن ذاك النوع من الحزن يطرد ألوان الهوام المختلفة بشبهاتها وشهواتها، إننا مرضى ولسنا بصحاح، لكن الواحد منا يبصر أسقام بدنه ولا يدرك أمراض قلبه، فيا ترى ما الذي يحول بيننا وبين تذكر الآخرة والاهتمام بها؟
 الاغترار بالصحة والعافية
أيها الأحبة: ومما يحول بيننا وبين الاشتغال والاهتمام بأمر الآخرة أننا نغتر بالصحة، أن الواحد ربما حمل أثقالاً على رأسه، وحمل على يديه أوزاناً ثقيلة، وتنافس مع القوم في مصارعة ومطارحة مغتراً بعافية بدنه، وما علم أن العافية عارية ربما أخذت ولا يزال الروح باق في البدن، كم من أناس كانوا يهزون الأرض حينما يعدون، وكانوا يسابقون الخيل حينما يستبقون، وكانوا يأكلون ويشربون وينكحون، أتاهم من أقدار الله ما جعلهم معوقين لا يتحركون، فالعاقل لا يغتر بصحته: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].إن الله جل وعلا قادر أن يسلب هذه الصحة ويبقي البدن؛ ليتدبر الإنسان بنفسه من نفسه، وبقلبه من حاله، وبفكره من مآله، حتى ينظر في أي شيء يغتر الواحد:فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر أيها الأحبة في الله! العاقل لا يغتر بما عنده ولا بما أوتي ولا بما بين يديه:إذا الرجال ولدت أولادها وبليت من كبر أجسادها وجعلت أسقامها تعتادها تيك زروع قد دنا حصادها إذا الرجل أنجب أولاده، وأصبح جداً بعد أن كان أباً، ثم بات جسده بالياً أو أوشك أن يبلى، وأصبحت الأسقام تعاوده، فليعلم أنه زرع قد دنا حصاده، ولأجل ذلك قال أحد السلف: يا أهل الستين! قد أعذر الله إلى امرئ بلغه الستين من عمره، ويا أهل السبعين! زرع قد دنا حصاده: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقليل من يجاوز ذلك) ويا أهل الأربعين! علام الانتظار والأجل قد دنا: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ [الأحقاف:15]؟العاقل يدرك -أيها الأحبة- أن ما مضى من أيام الغفلة لا يلتفت إليه، وما بقي من أيام العمر لا يعلم ما الله صانع به. ما مضى فات والمؤمـل غيب ولك الساعة التي أنت فيها بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.
السلف واهتمامهم بالآخرة
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعــد: فيا أيها الأحبة: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضو بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.وخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وأن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
 سفيان الثوري وتذكره للموت
وهذا سفيان الثوري يقول الإمام الذهبي عنه: سفيان الثوري ، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمنه، كان سفيان رضي الله عنه لشدة تعلقه بالآخرة، واستيلاء هَم الآخرة على فكره كأنه جاء من الآخرة، يحدث الناس عن الآخرة كأنما رآها رأي العين، ويقول أبو نعيم: كان سفيان إذا ذكر الموت لم ينتفع بالطعام والشراب أياماً، ويقول ابن مهدي : كنا نكون عند سفيان فكأنما وقف للحساب بين يدي الله جل وعلا، ويروي أحد أتباعه يوسف بن أسباط عن مدى تعلق سفيان بالآخرة قال: قال لي سفيان وقد صلينا العشاء الآخرة: ناولني المطهرة، أي: إداوة أو إناء فيه ماء يتوضأ منه، قال: فناولته المطهرة فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده، قال: فنمت، فاستيقظت وقد طلع الفجر، فنظرت إلى سفيان والمطهرة بيمينه ويده اليسرى على خده فقلت: يا أبا عبد الله ! هذا الفجر قد طلع فقال: لم أزل منذ ناولتني هذه المطهرة أتفكر في أمر الآخرة حتى الساعة.وهذا عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما عاشرت في الناس رجلاً أرق من سفيان ، وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعاً مرعوباً ينادي النار النار! شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ ويقول على إثر وضوئه: اللهم إنك عالم لحاجتي غير معلم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي! إن الجزع قد أرقني وذلك من نعمك السابغة علي، إلهي! لو كان لي عذر في الخلوة ما أقمت مع الناس طرفة عين، ثم يقبل على صلاته وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى يقول عبد الرحمن بن مهدي : إن كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه، وما كنت أقدر أنظر إليه استحياءً وهيبة منه، وإنما أرمقه ببصري رمقاً. وهذا الحسن البصري يتقلب ويخشى عند فراق روحه البدن، لما بكى بكاءً شديداً قالوا له: أو لست الإمام العالم الزاهد المحدث؟ فقال: أخشى أن يطرحني في النار ولا يبالي، ويرددون عليه فيقول: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].أما نحن -أيها الأحبة- فإننا قد يبدو لنا ما نحسبه ونحتسبه، وقد يبدو لنا ما نعرفه عن أنفسنا وزلاتنا وهفواتنا وأخطائنا.كم ليلة أودعتها مآثماً أبدعتها في غفلة أطعتها لشهوة ومطمع نحن أدرى بعيوبنا وذنوبنا وما أقل ما نذكر الآخرة، وإذا مرت الآخرة علينا مرت مرور الكرام. فيا أيها الأحباب: تذكروا واستعدوا وأعدوا وكما قال عمر بن الخطاب : [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا] وتأهبوا للعرض الأكبر على الله: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18] .. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65].أيها الأحبة: ما عذرنا أمام ربنا؟ أولم يجعل لنا بصراً فلماذا نظرنا إلى الحرام؟ أولم يجعل لنا سمعاً؛ فلماذا سمعنا الحرام؟أولم يجعل لنا أقداماً؛ فلماذا مشينا إلى الحرام؟أو لم يجعل لنا قلوباً وألباباً وأفئدة؛ فلماذا نفكر بالحرام؟هل من توبة؟ هل من عودة؟ هل من رجعة؟ هل من مبادرة إلى التوبة قبل أن يحل بنا الأجل؟ قبل أن تخطفنا سهام المنون؟صادفن منها غرة فأصبنها إن المنايا لا تطيش سهامها
دعوة إلى استغلال الإجازة الصيفية
أيها الأحبة: وقبل ختام هذه الخطبة أوصيكم ونفسي بتقوى الله في الإجازة التي نحن قادمون عليها، إن كثيراً من الناس قد أعدوا وتجهزوا لقضاء وقت الإجازة، فإن كان في مباح فلينووا بذلك المباح أن يكون عوداً ونشاطاً وقوة من جديد لطاعة الله سبحانه وتعالى، وإن كانوا قد أعدوا إلى سفر لا يرضي الله، فليتقوا الله ولينـزجروا ولينتهوا؛ فإن الله جل وعلا سيحاسبهم على وقتهم وعمرهم وشبابهم: (ولن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ..).أيها الأحبة في الله: أوصيكم ونفسي باستغلال واغتنام هذه الإجازة فيما ينفع، والحذر والحذر أن تكون بوابة إلى معصية الله والوقوع في الغفلة، كما أوصي الذين يتنـزهون في البرية والخلاء أن ينتبهوا لنسائهم، وأن يحفظوا عوراتهم، وأن يستروا بناتهم وزوجاتهم؛ فإن مما يلاحظ على كثير من الناس أنهم إذا خرجوا في الإجازات ونصبوا المخيمات تنزهاً بالخلاء والبرية؛ أن تجدهم ربما أهملوا بناتهم وأولادهم، وذئاب تحوم حول مخيماتهم، ذئاب من الشباب الفاسدين أصلحهم الله وهداهم، يرمقون النساء بمقربات الرؤية بما يسمى بالمنظار أو الدربيل، يرمقون النساء حتى إن بعضهم من خسته ودناءته ليتتبع المرأة حال بعدها لقضاء حاجتها. فالعاقل ينتبه لأهله، وليعد مكاناً طيباً، وليحفظ به أولاده وأهله، ولسنا بذا نحرم أن يخرج أحد بذريته ليتنـزه، ولكن إذا خرجت فاحفظ نفسك، واحفظ بيتك وأهلك، وأما أناس جعلوا من البرية سهراً بالطبول إلى آخر الليل ونوماً عن صلاة الفجر، فوالله ليأتين يوم يندمون على سفرهم هذا وخروجهم.اللهم اهدهم وردهم ونفسي وإياكم إلى الحق رداً جميلاً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم أصلح ذات بين المسلمين في أفغانستان، اللهم من كان باغياً فاقطعه، وأرح المسلمين من شره وتسلطه، اللهم احفظ عوراتهم وآمن روعاتهم، واستر ذرياتهم، وعجل وحدتهم، وأقم على الكتاب والسنة دولتهم، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك وفي طاجكستان وفي البورما وأرامو والفليبين، اللهم انصر المسلمين في فلسطين واخذل اليهود أعداء الدين، يا رب العالمين!ربنا لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عيباً إلا سترته، ولا حاجة إلا قضيتها، بمنك وكرمك يا رب العالمين! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اهد إمامنا وأصلح بطانته وقرب له من علمت فيه خيراً له، وأبعد عنه من علمت فيه شراً له، واجمع شمله وإخوانه وأعوانه والعلماء والدعاة على ما يرضيك يا رب العالمين! إن الله وملائكته يصلون على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
 سفيان الثوري وتذكره للموت
وهذا سفيان الثوري يقول الإمام الذهبي عنه: سفيان الثوري ، شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمنه، كان سفيان رضي الله عنه لشدة تعلقه بالآخرة، واستيلاء هَم الآخرة على فكره كأنه جاء من الآخرة، يحدث الناس عن الآخرة كأنما رآها رأي العين، ويقول أبو نعيم: كان سفيان إذا ذكر الموت لم ينتفع بالطعام والشراب أياماً، ويقول ابن مهدي : كنا نكون عند سفيان فكأنما وقف للحساب بين يدي الله جل وعلا، ويروي أحد أتباعه يوسف بن أسباط عن مدى تعلق سفيان بالآخرة قال: قال لي سفيان وقد صلينا العشاء الآخرة: ناولني المطهرة، أي: إداوة أو إناء فيه ماء يتوضأ منه، قال: فناولته المطهرة فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده، قال: فنمت، فاستيقظت وقد طلع الفجر، فنظرت إلى سفيان والمطهرة بيمينه ويده اليسرى على خده فقلت: يا أبا عبد الله ! هذا الفجر قد طلع فقال: لم أزل منذ ناولتني هذه المطهرة أتفكر في أمر الآخرة حتى الساعة.وهذا عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما عاشرت في الناس رجلاً أرق من سفيان ، وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعاً مرعوباً ينادي النار النار! شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ ويقول على إثر وضوئه: اللهم إنك عالم لحاجتي غير معلم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي! إن الجزع قد أرقني وذلك من نعمك السابغة علي، إلهي! لو كان لي عذر في الخلوة ما أقمت مع الناس طرفة عين، ثم يقبل على صلاته وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى يقول عبد الرحمن بن مهدي : إن كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه، وما كنت أقدر أنظر إليه استحياءً وهيبة منه، وإنما أرمقه ببصري رمقاً. وهذا الحسن البصري يتقلب ويخشى عند فراق روحه البدن، لما بكى بكاءً شديداً قالوا له: أو لست الإمام العالم الزاهد المحدث؟ فقال: أخشى أن يطرحني في النار ولا يبالي، ويرددون عليه فيقول: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].أما نحن -أيها الأحبة- فإننا قد يبدو لنا ما نحسبه ونحتسبه، وقد يبدو لنا ما نعرفه عن أنفسنا وزلاتنا وهفواتنا وأخطائنا.كم ليلة أودعتها مآثماً أبدعتها في غفلة أطعتها لشهوة ومطمع نحن أدرى بعيوبنا وذنوبنا وما أقل ما نذكر الآخرة، وإذا مرت الآخرة علينا مرت مرور الكرام. فيا أيها الأحباب: تذكروا واستعدوا وأعدوا وكما قال عمر بن الخطاب : [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا] وتأهبوا للعرض الأكبر على الله: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18] .. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65].أيها الأحبة: ما عذرنا أمام ربنا؟ أولم يجعل لنا بصراً فلماذا نظرنا إلى الحرام؟ أولم يجعل لنا سمعاً؛ فلماذا سمعنا الحرام؟أولم يجعل لنا أقداماً؛ فلماذا مشينا إلى الحرام؟أو لم يجعل لنا قلوباً وألباباً وأفئدة؛ فلماذا نفكر بالحرام؟هل من توبة؟ هل من عودة؟ هل من رجعة؟ هل من مبادرة إلى التوبة قبل أن يحل بنا الأجل؟ قبل أن تخطفنا سهام المنون؟صادفن منها غرة فأصبنها إن المنايا لا تطيش سهامها

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هم الآخرة [2] للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net