اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مفهوم (لا إله إلا الله) للشيخ : سعد البريك


مفهوم (لا إله إلا الله) - (للشيخ : سعد البريك)
(لا إله إلا الله) هي العروة الوثقى، وهي الكلمة التي جعلها إبراهيم عليه السلام باقية في عقبه لعل قومه يرجعون، وهي الكلمة التي إذا نطق بها العبد عُصِم عرضه وماله ودمه، وهي أول ركن من أركان الإسلام، وأعلى شعبة من شعب الإيمان.وقد ورد لها في الكتاب والسنة ثمار وشروط ونواقض، يجب على العبد معرفتها حتى يبقى في دائرة (لا إله إلا الله).
معنى لا إله إلا الله
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، هو الأول ليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس دونه شيء، وهو على كل شيء قدير، قدر فهدى، ودفع عنا سائر النقم، وأسبغ علينا ألوان النعم، وما من خير إلا ودلنا عليه في كتابه، وما من شر إلا وحذرنامنه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فله الحمد في الآخرة والأولى، وله الحمد حتى يرضى: يا رب أنت المستعان وإننا أبداً لجودك عالة فقراء أنت الغني وما لجودك منتهـى بيديك سر الخلق والإحياء ما كان أو سيكون أو هو كائن يفنى وليس لما سواك بقاء أبدعت هذا الكون في صنع وفي يدك التصرف فيه كيف تشاء لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، وعلى آله وأزواجه وأصحابه الطيبين الطاهرين ومن اهتدى بهديه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد:فيا أحبتي في الله: شرف عظيم وأي شرف أن نجتمع سوياً في بيت من بيوت الله، نتلو شيئاً من كلام الله، وطرفاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الملائكة تستغفر لنا وتقول: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم. اجتمعنا على غير ما صلة ولا قرابة، ولا طمع ولا مصلحة، ولا غاية إلا طلب ما عند الله عز وجل.فإني أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، إنه سميع مجيب.هذا الفضل العظيم لا يوجد في أي مقام من مقامات الدنيا إلا في هذه الأماكن، وقد يقول قائل: إن الإنسان لو ألقى محاضرة عبر التلفاز، أو عبر الإنترنت، أو عبر الإذاعة لخاطب ملايين الناس، وهذا حق وصواب، ولكن الخطاب والحديث في كلام الله وسنة رسول الله على وجه التذكر والتعبد والتذلل في بيوت الله عز وجل له مزية لا توجد في سواه، ألا وهي مزية تنزل الملائكة وغشيان الرحمة، وذكر الله عباده في الملأ الأعلى. أحبتي في الله: المقام لفضيلة الشيخ صالح بن غامد السدلان ، ولي موعد تضارب مع هذا الموعد وهو موعد دعوي -أيضاً- في منطقة تبعد عن الأرطاوية كما أخبرني أحسن الله إليه وإليكم، في أمر دعوي -أيضاً- توجه حفظه الله، وطلب مني أن أقوم مقامه وأن أنوب منابه، وقد قال الله عز وجل: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43].وأهل اللغة يقولون: نائب الفاعل يقوم مقام الفاعل، فلعلي أن أسد شيئاً من مسده وخطابه وكلامه، سائلاً الله عز وجل أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والعمل.عنوان هذه المحاضرة: (معنى لا إله إلا الله): كلمة التقوى والعروة الوثقى لا إله إلا الله، جعلها إبراهيم عليه السلام كلمة باقية في عقبه، لعل قومه يرجعون وبمقتضاها يعملون. هذه الكلمة العظيمة التي إذا نطقها العبد موقناً بها، دخل في هذا الدين العظيم، قد عصم بذلك عرضه وماله ودمه، وإذا أبى فلا كرامة لعرضه ولا عصمة لدمه ولا لماله. هذه الكلمة التي أمر صلى الله عليه وسلم أن يعلمها حيث قال عز وجل: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19].هذه الكلمة، أول ركن من أركان الإسلام، وأعلى شعبة من شعب الإيمان، يقول صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). كلمة لا إله إلا الله، أول واجب على المكلف، وآخر ما يجب على المكلف عند الذكر أن يخرج بها من الدنيا، أن يقولها إذا فارق الحياة أو إذا أوشك أن يفارق الحياة. هذه الكلمة لا: نفي، إلا الله: إثبات، النفي والإثبات، نفي الألوهية عن غير الله، فحينما نقول: لا إله، معناه: أننا ننفي جميع ما يعبد من دون الله، وقولنا: إلا الله، معناه: حصر العبودية وإثبات العبودية لله وحده لا شريك له، وهذا أسلوب الحصر والقصر، الذي هو في أقطع الدلالة وأبلغ الدلالة على حصر العبادة فيمن أثبتت العبادة له، وحصرت عليه في باب الاقتضاء، قال ابن رجب : الإله هو الذي يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا ينسى، هيبة وإجلالاً، ومحبة وخوفاً ورجاءً وتوكلاً وسؤالاً ودعاءً؛ وكل ذلك لا يصلح إلا لله عز وجل، فمن صرف شيئاً من هذه الأمور، أو أشرك مع الله فيها غيره سبحانه، فقد مرق من الدين وارتكب أمراً من أمور الشرك، إذ أنَّ لا إله إلا الله تقتضي ألا يعبد إلا الله، ولا يذكر إلا الله، ولا يشكر إلا الله، ولا يسأل إلا الله، ولا يدعى إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يستعان إلا بالله، ولا يذبح إلا لوجهه سبحانه وتعالى، ومن خلط في هذه الأمور فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الشرك. الله علم على ذات الله عز وجل، الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، الله محيط بكل شيء والناس لا يحيطون به علماً: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] الله مستحق أن يوحد في ربوبيته، فهو المدبر المتصرف الرازق الباسط المعطي المانع المحيي المميت، كل شيء بيده له الخلق والأمر، لا مدبر في هذا الكون إلا هو سبحانه، إقرارنا بأنه وحده المتفرد بالتصرف في كل الأمور، هذا توحيد الربوبية الذي لا يجوز لعبد أن ينصرف عنه، ولا يجوز لأحد أن يلتفت عنه.كانت العرب إذا اشتد بها الخطب لجأت إلى الله في هذا، كانوا إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، كانوا يعبدون من دون الله آلهة أخرى، لكن إذا اشتدت الكربات وتتابعت المدلهمات، نادوا في الظلمات: لا إله إلا الله، أما في الرخاء فيعبدون اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ووداً ويغوث وسواعاً ونسراً.أحبتنا في الله: إن شأن لا إله إلا الله، ومعنى لا إله إلا الله تضيق عن بيانه المجلدات، وتفنى دونه الأقلام، وتكل عنه الألسنة، لا يحصره بمقتضاه ومعناه، وما يجب وما ينبغي وما يليق إلا لله عز وجل؛ لأنها متضمنة الثناء، ومن الذي يحصي على الله الثناء؟! لأنها متضمنة الشكر، ومن الذي يحصي على الله الشكر؟! وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27].. قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً [الكهف:109].العظمة كل العظمة في هذه الكلمة وفي معناها، ولذا كان أسعد الناس من وفقه الله إلى أن يجعلها ذكراً دائباً دائماً لا ينقطع من لسانه، يجعلها نفساً وشهيقاً وزفيراً، لا إله إلا الله، إنك تستطيع أن تقول: لا إله إلا الله وأنت مع الناس في المجالس، وقد أطبقت شفتك على الأخرى، ولسانك يتحرك بها، دون أن يشعر الحاضرون أنك ذاكر لله عز وجل، فمن جعلها دأبه وذكره، وجعلها أنسه وسعة قلبه ولذة فؤاده أنس بها، يموت عليها، ويبعث عليها، وتشفع له، وتحاج له، وتجادل له عند الله عز وجل يوم القيامة.
 

ثمار لا إله إلا الله
أمر لا إله إلا الله عظيم، جاء صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبي طالب ، والعم الذي أبى أن يدخل في الإسلام، لكن قدم للإسلام ما قدم من الدعم والحصانة والصيانة، والرعاية للنبي صلى الله عليه وسلم، فجاء صلى الله عليه وسلم وأبو طالب في النزع الأخير وروحه تغرغر، قال صلى الله عليه وسلم: (يا عم: قل لا إله إلا الله، كلمة أجادل للك بها عند الله عز وجل) لولا أنها تنفعه ما قال صلى الله عليه وسلم قلها عند الموت، لولا أنها تشفع له، ولولا أنها تدخل الجنة، ولولا أنها تخرجه من النار، وتجادل عن صاحبها، لما كان في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عم: قل لا إله إلا الله أحاج لك -أجادل- بها عند الله عز وجل) فائدة. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن الغلام اليهودي قد حضره الموت، فدخل عليه صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى لا إله إلا الله، وقد يقول قائل: وماذا تنفع لا إله إلا الله في يهودي آذى نبي الله، وكفر بدين الله، فهل قوله لها قبل فراق الدنيا بلحظات تنفعه؟! الجواب: نعم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه وقال: (يا غلام! قل لا إله إلا الله، فأخذ الغلام ينظر في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وينظر في وجه أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام اليهودي: لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، ثم فاضت روحه، فأخذ صلى الله عليه وسلم يكبر) فرحه بنطقه بها أنساه فجيعة موته أمام عينه، تهلل وجهه فرحاً كأنه مذهبة، كأن وجهه قطعة ذهب، فرحاً لما نطق بها؛ لأن أمر النطق بها أعظم حتى لو فارقت الأرواح الأبدان، أو فارقت الأنفس الحياة.كلمة لا إله إلا الله، العروة الوثقى لا انفصام لها فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا [البقرة:256].كلمة لا إله إلا الله، أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده، هي العهد العظيم: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً [مريم:87] قال ابن عباس : هي شهادة أن لا إله إلا الله. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، والبراءة من الحول والقوة إلا بالله، وألا يرجو إلا الله.كلمة لا إله إلا الله هي الكلمة الطيبة: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذنِ رَبِهَا [إبراهيم:24-25]. ثمار لا إله إلا الله، يقول الله: إنها تؤتي أكلها كل حين، لا إله إلا الله لها ثمار حتى ولو تسلط أعداء الإسلام على المسلمين. لا إله إلا الله لها ثمار حتى ولو انتشرت القنوات الفضائية، بالفسق والفجور والمجون. لا إله إلا الله لها ثمار حتى ولو استطال الشر وعرض في الشبكات الإلكترونية عبر ما يسمى بالإنترنت. لا إله إلا الله لها ثمار حتى لو أدبر الناس عن الدين، أو غفلوا عن العبادة، أو أغروا في المعصية؛ لأن الله قال في لا إله إلا الله: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ [إبراهيم:25]. فمن ذا الذي يقول: أن لا إله إلا الله لا تنفع اليوم في عصر القنوات الفضائية؟! من الذي يقول: أن لا إله إلا الله لا تنفع أمام شبكات الإنترنت؟!من الذي يقول: لا إله إلا الله لا تنفع أمام هذا الجِبل العظيم الذي أضله الشيطان وأغواه، وجعله في المحافل والمنتديات والسهرات واللهوات؟!بلى. لا إله إلا الله لها أثر، وهذه بشارة، والدعاة العاملون الصادقون متعلقون بهذا الوعد من الله، مادام الله قال: أن لا إله إلا الله لها ثمرة: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم:25] فإننا ينبغي أن نكون ماضين عازمين مستمرين على البلاغ بها، والدعوة إليها، ونشرها، والجهاد بها ولأجلها، ولو مات من مات من الناس دونها؛ لأن الله قال: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ [إبراهيم:25-26] هي ضد الكلمة الطيبة، الكلمة الطبية لا إله إلا الله، والكلمة الخبيثة هي الضد لهذا: (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم:26] ما الأمر بين هذا الفريق وهذا الفريق، ما الأمر في هذا الجدال وهذا الجدال، ما الأمر في هذا الخلاف وهذه المطاولة والمصاولة؟! يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27]. كلمة لا إله إلا الله، شجرة طيبة: أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:24].
 سبب لدخول الجنة
لا إله إلا الله سبب دخول الجنة، (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة) كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم. وقال أيضاً: (من شهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) رواه البخاري ومسلم .وروى البخاري ومسلم -أيضاً- من حديث عتبان رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله). لا إله إلا الله تعصم دم الإنسان وماله وعرضه، قال صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم الله ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل) رواه الإمام مسلم.وكلمة لا إلا الله، الكلمة الفاصلة بين الكفر والإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم).
شروط لا إله إلا الله
وكلمة لا إله إلا الله هي مفتاح الجنة، والمفتاح لا يفتح إلا بأسنان، وأسنان لا إله إلا الله هي شروطها فأول شروطها:
 المحبة لهذه الكلمة
ومن شروطها: المحبة لهذه الكلمة. حب لا إله إلا الله، يعني: أن تجعلها على لسانك دائماً، حب لا إله إلا الله، إذا سمعت المنادي ينادي بها تركت فراشك اللذيذ، والحضن الدافئ، وكل لذة أنت فيها، لتركع وتسجد وتخشع قياماً بمقتضى لا إله إلا الله، أما أن ندعي المحبة لكن النوم أحب إلينا من لا إله إلا الله، والشهوة أحب من لا إله إلا الله، والمعصية أحب من لا إله إلا الله. تعصي الإله وأنت تزعم حبـه هذا عجيب في القياس بديع لو كنت تصدق حبه لأطعتـه إن المحب لمن يحب مطيع وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165] قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) رواه البخاري ومسلم . قال عمر بن الخطاب لما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) اسأل نفسك يا عبد الله: هل الله عز وجل أحب إليك من نفسك ومالك وولدك ووالدك؟ قال عمر : (يا رسول الله! إنك لأحب إليّ من مالي وولدي، فقال صلى الله عليه وسلم: ومن نفسك يا عمر!) وعمر هو ممن يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه ونفسه، ولكن هذا سؤال اسمه السؤال التقريري؛ لأن الأسئلة أقسام: فهناك سؤال إخباري، وسؤال إنكاري، وسؤال تقريري، فأما السؤال الإنكاري: أن تسأل عن شيء بصيغة إنكار الجواب، والسؤال الإخباري: أن تسأل وتريد أن يخبر الناس بالجواب، والسؤال التقريري: أن تسأل عن شيء تريد أن يتأكد وأن يتقرر، وأن يتعمق ويتثبت الناس في معنى وصميم وفهم الجواب، فـعمر رضي الله عنه لا يسأل إنكاراً ولا ينكر معانداً، وإنما يسأل سؤالاً تقريرياً، ليقول صلى الله عليه وسلم: (ومن نفسك يا عمر!) أي: لابد أن يكون الله ورسوله أحب إليك من نفسك ومالك وولدك ووالدك، فقال عمر: (ومن نفسي، قال: الآن يا عمر!) رضي الله عن عمر .يقول الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله ناظماً شروط لا إله إلا الله: العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبـه وفقك الله لما أحبه ونظمها بعضهم بقوله:علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها فهذه سبعة شروط لها، وأضاف بعضهم شرطاً ثامناً وهو الكفر بالطاغوت، في قول الناظم: وزيد ثامنها الكفران منك بمـا سوى الإله من الأوثان قد ألها وشرط الكفر بالطاغوت مأخوذ من قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا [البقرة:256].انظروا في لا إله إلا الله نفي الألوهية ثم إثباتها لله، انظروا في هذه الآية: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ [البقرة:256] قدم الكفر بالطواغيت ثم جيء بالإيمان بالله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا [البقرة:256] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه) رواه الإمام مسلم.
نواقض لا إله إلا الله
وكما أن لا إله إلا الله لها من الشروط ما سمعتم، فإن أقواماً يجهلون نواقضها، نعم أنت تقولها، ويقولها بعض الناس ويدعي أو يظن أنه قائم بشروطها، وإذا تأملت حاله وجدته واقع فيما يناقضها، حتى تنفعك لا إله إلا الله، وتنفعك الأحاديث التي جاءت فيها: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة)، (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)، (أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً مخلصاً من قلبه) يقول الشيخ/ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، حفيد إمام الدعوة قدس الله روحه في الجنان، قال: ومن شروط قولها: أن يثبت عليها حتى يموت عليها. يقولها اليوم وبعد سنة يرتد ويكفر، يقول: نفعتني أنا قبل سنتين قلت: لا إله إلا الله، لا. يقولها ويثبت عليها ويموت عليها، وزيادة على ذلك: ألا يأتي بما يناقضها، فما هي نواقض لا إله إلا الله؟ من قال: لا إله إلا الله وأخذ يطوف بالقبور، فيدعوها ويتوسل إليها، ويسألها ويتبرك بها، ويرجوها أن تدفع الكربات وتغيث اللهفات وتجيب الدعوات، هل تنفعه لا إله إلا الله؟
 الاستهزاء بأمور الدين
كذلك أحبتي في الله: الاستهزاء بأمور الدين، هذا من نواقض لا إله إلا الله، فرب أقوام يقولون: لا إله إلا الله ويستهزئون بمن يطيعون الله عز وجل، ويستهزئون بما شرع الله عز وجل، فيخرجون من الإسلام وتحبط أعمالهم، ويكونون كفرة، وهم لا يشعرون، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:65-66] معلوم أن هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين الذين قالوا وهم يتضاحكون ويسخرون ويستهزئون، قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً -أي: بطونهم كبار يحبون الأكل- ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فأنزل الله هذه الآية، فلما علموا أن الوحي قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم، جاءوا وناقة النبي صلى الله عليه وسلم تضرب في الأرض، والمنافق ممسك بزمامها والناقة مسرعة والحجارة تنكب قدم هذا المنافق وهو يركض، يريد أن يجاري الناقة، يقول: يا رسول الله! يا رسول الله! كنا نخوض ونلعب، أحاديث الركب، نستمتع بالسواليف والنكت والطرائف في الطريق، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على قوله: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ [التوبة:66].فلذلك ينبغي للإنسان أن يحفظ دينه وأن يحفظ عمله، وكثير من الناس اليوم يعمل عملاً ويضيعه، الناس كثير منهم في جنون، يجمع المال من الفجر إلى غروب الشمس، فإذا أوشكت الشمس أن تغرب أمسك الريالات يحرقها ريالاً تلو الآخر، أمسك الحسنات يحرقها حسنة تلو الأخرى. يصلي الفجر، ويقرأ القرآن ويتصدق، ويجلس في المسجد، ويأتي بالأذكار، ويستغفر، ويسبح، لكن مشكلته أنه يغتاب، يحرق الحسنات واحدة واحدة، يقول كلاماً يخرجه من الملة، يستهزئ بالمتدينين وباللحى، ويستهزئ بالدين، وبرجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويستهزئ بالحسبة، وبالحدود وبالقصاص، وبالحرمات وبالآداب وبالحجاب، وبالعفاف وبالطهر وبالحياء، ويستهزئ بما أوجب الله احترامه ومحبته، فيمرق من الدين وقد جمع من الحسنات ما جمع، فتحبط ويضيع العمل ولا ينفعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.فما بالك إذا أضفت على ذلك الصغائر التي يحتقرها العبد، فإذا جاء يوم القيامة وجدها كالجبال، تحرق الأعمال فلا يجدهن.الحقيقة أن كثيراً من الناس اليوم لا يشكون من قلة الحسنات، ولكنهم يشكون من كثرة السيئات، عندهم حسنات: صلوات، وقراءة قران، وصدقات، وكفالة أيتام، وأعمال خير وجود، لكن يقابل الخير شر أكثر، والموازين يوم القيامة، كفة حسنات وكفة سيئات، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:6-11].لذا كان لزاماً على العبد إذا عمل الصالحات أن يحفظها من لسان تحرقها، ومن ردة تفسدها، ومن شرك يحبطها، ومن غيبة تفنيها، ومن حسد يتلفها، احفظ أعمالك -يا أخي المسلم- فإنها تنفعك بإذن الله عز وجل.ولا غرابة أن نرى كثيراً من العلمانيين وكثيراً من الذين يقع بعضهم في مثل هذه المهلكات العظيمة، بالاستهزاء والسخرية والعبث. أحد الشباب يطلعني على قصاصة من مجلة كتب فيها الكاتب -يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك- كان هذا الكاتب متديناً صالحاً -أنا لا أعرفه شخصياً ولكني سألت عنه- قالوا: كان على منهج وعلى خير، ولكن يبدو أنه ابتلي بداء لم يكشفه إلا ذنبه هذا، وهو يريد أن يشتهر، ويريد أن يعرف فلم يعرف، فاتجه إلى الجرأة على القضايا الخطيرة الكبيرة، من كلامه اليوم حول كلام ابن مسعود رضي الله عنه: [إن الغناء ينبت النفاق في القلب] يقول: ولعل الذي قال هذا الكلام كان رجلاً صالحاً من السلف الصالح قد ابتلي بحب الغناء في السر، فعاش انفصاماً وازدواجاً بينه وبين نفسه أورثه أن يقول هذا الكلام. سبحان الله العلي العظيم! يقال هذا لـعبد الله بن مسعود الذي قال صلى الله عليه وسلم في ساقه لما ضحك الصحابة من ضعفها ودقتها قال: (أتضحكون من ساقه، فإنها أثقل عند الله يوم القيامة من جبل أحد ) هذا الصحابي الذي قرأ سورة ق على سطح الكعبة فضرب، فتحمل الأذى والبلاء في سبيل الله في العهد المكي، هذا الصحابي الجليل يقول عنه هذا الكاتب المسكين: ولعل القائل كان مبتلىً بحب الغناء أو باستماع الغناء سراً، فأورثه ذلك انفصاماً وازدواجية في شخصيته -فأورثه عقدة نفسيه- وقال: [إن الغناء ينبت النفاق]. وفرق بين أن يبتلى الإنسان بمعصية وأن يتطاول بالكلام عمن ينهى عنها وينكرها، بعض الناس قد يبتلى بمعصية كشرب خمر، فعل منكر، ولكن تجده يقر ويستغفر: يا رب اغفر لي، يا رب استر عليّ، يا رب تجاوز عني، اللهم تقبل هذه الصدقة واجعلها كفارة عن هذه المعصية ويقول: يا رب إني تائب، وأرجع عن هذه المعصية ولا أعود، ولو فعل ثانية ذنباً عاد ثالثة ورابعة بالتوبة، فهذا يرجى له التوبة، وباب التوبة مفتوح، لكن المصيبة في إنسان يرتكب ذنباً ثم يحلل للناس فعل الذنب، يقول: من قال إنه حرام، يبتلى بفعله ويتحمل أوزار الناس الذين يفعلونه بجرأته على الكلام فيه، وجرأته على علماء الإسلام الذين حرموه ونهوا عنه، إذا كان الأنبياء وأولو العزم من الرسل يقول الواحد منهم يوم القيامة: (يا رب! سلم سلم، يا رب! سلم سلم، يا رب! سلم سلم) من هول المطلع، وشدة الفزع، وعظم الأمر، والناس في حال عظيم، والعرق يلجم الناس، أو إلى ثديهم، أو إلى ركبهم، أو إلى الكعبين منهم، الأمر عظيم جداً، ويأتي من الناس من يقول: لا. سجلوا عليه، اسمعوا ما شئتم من الأغاني وعلى حسابي، أنا أفتيكم بها، افعلوا ما شئتم من الربا وسجلوها على حسابي، أنا أفتيكم فيه، ويفتي الرجال ويفتي النساء بالمسائل والأمور والعظائم والجلائل ويقول: قيدوا على حسابي، لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل:25] وهذا من الأمر الخطير الجليل. أقول: الذين يسخرون بالدين وأهله، لا غرابة في شأنهم، فقد أخبر الله عز وجل عنهم من قبل، كما قال في محكم كتابه: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين:29-33].أحبتي في الله: نختصر ما تبقى من موضوع كلام هذه الليلة، مؤكداً أن ما يردده الجاهلون والحاقدون والمغرضون من عبارات السخرية والاستهزاء بالصالحين والدعاة، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ينبغي ألا يفت في عضد العاملين، وألا يجعلهم في ضعف أو شك من أثر الدعوة إلى الله عز وجل، إن أناساً يقولون: ماذا تنفع الخطب والمحاضرات والكلمات، والندوات والأشرطة والكتيبات وهذه اللقاءات، ماذا تنفع أمام القنوات الفضائية التي تخاطب الملايين -ملايين البشر يخاطبون عبر القنوات الفضائية والإنترنت- وأنتم قابعون في هذه المساجد، ونقول: هذه المساجد تهز الجبال هزاً، هذه المساجد تغير وجه الأرض، المساجد هي التي طردت الفرنسيين من الجزائر ، المساجد هي التي جعلت أجهزة المخابرات الغربية تحسب ألف حساب لكل مسلم متدين صالح تقي نقي عامل، حلقات تحفيظ القرآن الآن تزعج الغرب إزعاجاً لا يخطر على بال، ليس شرطاً أن يوجد عندنا قنابل نووية بعدد القنابل التي تنام عليها إسرائيل الآن في فلسطين.ومعلوم أن عبد القدير خان الذي صنع القنبلة النووية في باكستان الذي هدد بالاغتيال قال: يوجد ألف عبد القدير خان مثلي قد علمتهم سر صناعة القنبلة النووية فلا أخشى لو قتلتموني، وتريد دول الغرب أن تنظف المنطقة تماماً من السلاح النووي في الوقت التي تنام إسرائيل على مائة قنبلة نووية، وأكثر من ذلك، لكن والله إن حلقات تحفيظ القرآن، وهذه الندوات والمحاضرات، وخطب المنابر، وهذه الأشرطة، والخطاب الدعوي، والله إنه يقض مضاجعهم، فلا تستهينوا بالسلاح الذي في أيديكم، ولا تتهاونوا بالخير الذي بين يديكم، ولا تظنوا أنكم ضعفاء وقد آتاكم الله من وسائل القوة ما يعجز عنه أولئك، ليست المسألة آلة وجماد وعدة وسلاح، القضية كلمة التوحيد... وإثباتها لشيء واحد وهو الله سبحانه وتعالى، ألوهية وتفرد في الربوبية، فلا تدبير ولا تصرف في كل شأن إلا له وحده سبحانه، ولا عبادة صغرت أو كبرت، جلت أو دقت إلا له وحده لا شريك له، وأتم الصفات وأجمل الأسماء وأكمل السمات لله عز وجل، أكمل الأوصاف وأجل الأسماء لله عز وجل، لا شبيه ولا ند ولا مثيل ولا نظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].لا إله إلا الله، ما أثبته الله نثبته، وما نفاه الله ننفيه عن نفسه، وما أثبت النبي صلى الله عليه وسلم نثبته، وما نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه ننفيه.إذا سئلنا عن أمر ليس عندنا فيه دليل فلا نتقول: على الله بغير علم: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] إن سئلت عن شيء أثبته الله أثبته في ذات الله وصفاته، وإن سئلت عن شيء نفاه الله في ذاته وصفاته فانفه، أو شيء أثبته النبي صلى الله عليه وسلم لربه أثبته، أو نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عليك أن تنفيه، فإن كان أمراً لم يرد فيه نفي ولا إثبات فلا تعجل بالقول على الله بغير علم؛ لأن الله قال: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].إذاً ماذا نقول فيما لم يرد فيه نفي ولا إثبات؟ نقول: إن كان يتضمن كمالاً وجمالاً يليق بالله أثبتناه، وإن كان يتضمن نقصاً لا يليق بالله نزهنا الله عنه وسبحنا الله وقدسناه، هذا معنى لا إله إلا الله.
فقدان الولاء والبراء عند كثير من المسلمين
وهنا مقتضىً عظيم: محبة أهلها الناطقين بها، العاملين بمقتضاها، وهو الولاء والبراء، قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4]. الولاء والبراء يذوب ذوبان الملح بالماء في هذا الزمان، وكثير من المسلمين أصبح لا يقدر للأمر قدره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] ما الدليل على أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض؟ ما من دولة كافرة إلا واعترفت بإسرائيل ولها سفارة وتبادل تمثيل، والذين والوها قبلوا ذلك، وجعلوا لهم سفارة في إسرائيل ولإسرائيل سفارة عندهم، وتعامل تجاري، وتعاون عسكري واقتصادي وإعلامي في كل المجالات.والدليل العملي الحسي المشاهد الذي يقول: إن الكفار بعضهم أولياء بعض أقول لك عنه: هناك اتفاقية اسمها اتفاقية الشنجن، اتفاقية الشنجن هي دليل على أن الكفار بعضهم أولياء بعض، عشر أو إحدى عشرة دولة نصرانية إذا حصلت على فيزة من إحدى هذه الدول، تكفي الفيزة أن تطوف بها كل البلدان، أي: لو أردت أن تسافر إلى لوكسمبورج وهولندا وألمانيا وأسبانيا وفرنسا والنرويج والسويد وغيرها .. لا يحتاج أن تمر على سبع سفارات، بل تكفي تأشيرة دولة واحدة، وهذه الدولة بتأشيرتها تسمح لك أن تطوف في كل الدول، هذا معنى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:73].ومن معناه: اليورو؛ العملة الأوربية المتحدة، والناتو الحلف العسكري المتحد، والسوق الاقتصادي؛ الأسواق الأوروبية المشتركة، ولاء في جميع المجالات، ولاء سياسي، وولاء اقتصادي، وجغرافي، وإعلامي، ولاء متكامل فيما بينهم، ولذا قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:73] أخبر الله أن الكفار يوالي بعضهم بعضاً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73] إذا كان المسلمون لا يسعون لتحقيق ولاء فيما بينهم كولاء الكفار فيما بينهم، فإن الفتنة والفساد يكون كبيراً في الدنيا، هذا ملاحظ الآن: مشاكل المسلمين وانقسامهم وتفرقهم أمر عظيم. نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين أجمعين.كثير من المسلمين لا يعطون الأمر قدره، ولا يلتفتون إلى المسألة بحقيقتها في باب البراء وفي باب الولاء، فتجد الواحد يقع في موالاة الكفار يدري أو لا يدري: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم يتشبه بهم فيما هو من خصائصهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ومن تشبه بقوم فهو منهم)، وفي رواية: (حشر معهم) تجده يقيم في بلادهم، يخرج مسلماً من بلاد الإسلام ليقيم في بلاد الكفار، أولاده يولدون هناك، فلا يعرفون من العربية حرفاً، ولا يقرءون القرآن، ولا يتعلمون الدين، ويعيشون في بلاد الكفر، ولا يقض مضجعه ذلك، وما من مصيبة أعظم على المسلمين الذين عاشوا في بلاد الغرب ولم يدركوا خطورة الأمر والبلاء والفتنة العظيمة التي يقبلون عليها، كفتنة ذوبان وفساد أولادهم ولا حول ولا قوة إلا بالله! مسلم يبكي لأن ابنته ذهبت تصادق كافراً يزني بها وتتزوجه في الكنيسة رغماً عن أنف أبيها, مسلم يبكي؛ لأن ولده ترك دينه وعلق الصليب وسمى نفسه جرج وديل وغيره، وآخر يرتبط بامرأة سفاحاً وينجب أولاداً، ثم يقول: يا ألله! حلوا مشكلتي، أنا لا أريد أن أضيع هؤلاء الأولاد، من قال لك إنهم أولادك؟ أبناء زنا. الإقامة في بلاد الكفار إذا لم تكن للحاجة أو الضرورة أو مصلحة فهي شر محض لا تجوز، تجد كثيراً من المسلمين يقع في الولاء مع الكفار وهو لا يدري، يقيم في بلادهم، فينقاد إلى قوانينهم، ولا يستطيع أن ينكر شيئاً، بل حتى في نفسك وأهلك وبيتك لا تستطيع، قانون في بلاد الغرب: إذا كنت تسكن في بلاد الغرب فعليك أن تدرس أولادك إجباري، هل توجد مدارس إسلامية في كل مكان؟! الجواب: لا. إذاً أنت مجبر أن تدرس أولادك في المدارس التي يدرس فيها أبناء الكفار، وهذا يعني أن ولدك وبناتك سوف يتعلمون لغة الكفار، ليست القضية لغة، بل عاداتهم، أمر عادي جداً أن يبدي بعضهم لبعض العورات، أو أن يختلطوا، أو أن يشربوا الخمور، أو أن يصادق الفتى الفتاة في الثالثة عشرة والرابعة عشرة من العمر، وأن تكون للبنت الحرية المطلقة في نفسها، إذا بلغت ستة عشر عاماً أو ثمانية عشر عاماً لا يتدخل فيها أبوها، عجائب وغرائب لا تخطر لكم على بال، فما بالكم بمسلم يقيم في بلاد الكفار ليس لوجوده ضرورة، ولا مصلحة، ولا حاجة، اللهم إلا الفتنة بالكفار؟! إذاً ما هو الولاء إن لم يكن هذا هو الولاء؟! ما هو الحب للكفار إن لم يكن هذا هو الحب؟! بعضهم يرضى أن ينتقل إلى بلاد الكفر يقول: أنا في بلدي لا أقبض إلا ثمانمائة دولار وفي بلاد الكفار راتبي ألف دولار، يعني: تبيع الدين والذرية والآخرة بمائتي دولار فرق في الراتب؟!! أمر عجيب وغريب، نسأل الله السلامة والعافية. كذلك إذا مات أحدهم في بلاد الكفر، وهي غربة في الحياة وغربة في الممات، إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ [النساء:97] الذين يموتون في بلاد الكفر، حينما تأتي الملائكة لقبض أرواحهم وهم ظالمون لأنفسهم، يموتون في بلاد الكفر على غير إعزاز لدين الله، أو حاجة تلجئهم، أو ضرورة أو مصلحة تقتضي ذلك: فِيمَ كُنْتُمْ [النساء:97]؟ ما الذي أجلسكم في بلاد الكفار؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً [النساء:97-99].من موالاة الكافرين: إعانتهم ومناصرتهم والاستعانة بهم والثقة بهم، واسمعوا إلى هذه القصة الجميلة والحوار الشيق بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبي موسى الأشعري . روى الإمام أحمد رحمه الله عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قلت لـعمر رضي الله عنه: [لي كاتب نصراني؟ قال عمر: مالك قاتلك الله! أما سمعت قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] ألا اتخذت حنيفاً؟! قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله] انظروا إلى هذا المعنى والفقه الدقيق الجليل من إمام الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.وروى الإمام مسلم وأحمد : (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة، فقال: إني أردت أن أتبعك وأصيب معك -أي: أذهب أقاتل معك وأحصل من الغنيمة- قال صلى الله عليه وسلم: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا. قال صلى الله عليه وسلم: ارجع فلن أستعين بمشرك) فالتساهل في شأن الكفار وتقريبهم في أمور لا ضرورة إليها، هذا أمر خطير جداً، ونحن اليوم نرى أن بعض بيوت المسلمين فيها من الخادمات الكافرات التي تتولى رضاعة الطفل وحضانته وتربيته وتغسيله ولباسه وترفيهه، والذهاب به وتولي شأنه، والأم لا ترى الطفل إلا نصف ساعة أو ساعة، والأب مشغول في عمله وتجارته وأصدقائه، وفلذات أكباده المسلمين في يدي الكافرين والكافرات، أيجوز هذا يا عباد الله؟!مسلم يجعل الكافرة تعيش في بيته وتربي أولاده؟!مسلم يجعل الكافر يعيش في بيته ويربي أولاده؟!بعض المسلمين تجد بيته كبيراً، لا تقدر مساحته، وتجد عنده الكافر والبوذي والنصراني والوثني والهندوسي، عشر جنسيات يعيشون في بيته، ولو قلت له: عندنا بيت فيه فقير ويتيم وأرملة وعجوز مسكينة، نريدك أن تصرف عليهم وتعطيهم كل شهر من مالك، وتتولى رعايتهم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، والصائم لا يفطر، والقائم لا يفتر) قال: وهل أنا ضمان اجتماعي؟! وهل أنا وكيل على ذرية آدم؟! انظر الحرمان، البيت على عشر جنسيات من الكفار، ما بين مزارع، وسائق، وخادم وخادمة .. وغير ذلك، ولكن يصعب على النفس أن تنفق على مسلم حنيف يصلي ويسجد ويركع، هذا حرمان، بل من أعظم البلاء أن تجد البيت مسرحاً ومرتعاً للكفار يعيشون فيه، وبعضهم إذا قلت له.. قال: لا نأتي بخادمة مسلمة، هذه تسرق، عليك بالنصرانية الأمينة، نسأل الله السلامة والعافية، أين الولاء؟ أين البراء من الكافرين؟ويزيد الطين بلة إذا رأيت بعض المسلمين يشارك الكفار في أعيادهم، عيد رأس السنة، عيد الكرسمس، عيد هلوين.. إلى غير ذلك، منذ فترة فوجئ الناس أن السوق نفذت منه الورود الحمراء، والأقمشة الحمراء، والملابس الحمراء، والزينات الحمراء، فعجب الناس، وإذا بنا حيث لا ندري أن فريقاً من أبنائنا وبناتنا يحتفلون بعيد الفلانتيم؛ وهو عيد الحب، وفي هذا العيد يتهادى الناس القلوب الحمراء، قماش أحمر على شكل قلب، دفتر أحمر على شكل قلب، والناس في زحمة، فإذا أردت أن تقيس النبض وتعرف من خلال الترمومتر الدقيق إلى أي درجة تأثر المسلمون، انظر إلى مشاركة المسلمين للنصارى في أعيادهم، تجد بعضهم يهنئ ويحتفل ويبارك، هذا الأمر لا يصلح فقد ذكر الله في صفات عباد الرحمن: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان:72] قال أهل التفسير: شهود الزور: أعياد النصارى، فضلاً عن مدحهم والإعجاب بهم، والإشادة بما هم عليه من الضلال والباطل، وأعظم من ذلك أن تجد من المسلمين من يردد: إخواننا النصارى، إخواننا اليهود.... حسبنا الله ونعم الوكيل، متى صاروا إخواناً والله عز وجل يقول: هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ [آل عمران:119] أي: تؤمنون بمحمد وعيسى وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [آل عمران:119] متى صاروا إخواناً؟! لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118] متى صاروا إخواناً وهم الذين ذبحوا المسلمين في الشيشان وفي البوسنة والهرسك وفي كشمير وكوسوفا؟! متى صاروا إخواناً وهم الذين جوعوا الشعوب في الصومال، وفي أرام، وفي أروموا، وفي أركان، وغيرها؟!متى صاروا إخواناً؟!! لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8]، لَيْسُوا سَوَاءً [آل عمران:113]، لكن: إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ [الممتحنة:9] لا يجوز تولي هؤلاء الذين يؤذون المسلمين والذين يعادون المسلمين.الحديث يطول -أيها الأحبة- ولعلي أكتفي بما سلف، أسأل الله بمنّه وكرمه وأسمائه وصفاته أن يحفظنا وإياكم بحفظه وأن يكلأنا برعايته.اللهم اجعلنا ممن لهجت ألسنتهم بلا إله إلا الله، وأطبقت قلوبهم على معناها، واستجابت جوارحهم لكل ما تقتضيه، نسأل الله أن يجيينا عليها وأن يتوفانا عليها، ما غيرنا وما بدلنا وما أشركنا. اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك أن تبسط لنا في عافية أبداننا، وسعة علمنا وأرزاقنا، وصلاح نياتنا وذرياتنا، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجمع اللهم شملنا وعلماءنا وحكامنا على طاعتك، ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً، إنك سميع مجيب. اللهم استعملنا في خير عمل، وتوفنا على أحسن حال، يا ودود يا ذا العرش المجيد، اغفر لنا ولوالدينا ووالدي والدينا وأحبابنا يا رب العالمين.اللهم صل وسلم على محمدٍ وعلى آله وصحبه.
 الاستهزاء بأمور الدين
كذلك أحبتي في الله: الاستهزاء بأمور الدين، هذا من نواقض لا إله إلا الله، فرب أقوام يقولون: لا إله إلا الله ويستهزئون بمن يطيعون الله عز وجل، ويستهزئون بما شرع الله عز وجل، فيخرجون من الإسلام وتحبط أعمالهم، ويكونون كفرة، وهم لا يشعرون، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:65-66] معلوم أن هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين الذين قالوا وهم يتضاحكون ويسخرون ويستهزئون، قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً -أي: بطونهم كبار يحبون الأكل- ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فأنزل الله هذه الآية، فلما علموا أن الوحي قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم، جاءوا وناقة النبي صلى الله عليه وسلم تضرب في الأرض، والمنافق ممسك بزمامها والناقة مسرعة والحجارة تنكب قدم هذا المنافق وهو يركض، يريد أن يجاري الناقة، يقول: يا رسول الله! يا رسول الله! كنا نخوض ونلعب، أحاديث الركب، نستمتع بالسواليف والنكت والطرائف في الطريق، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على قوله: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ [التوبة:66].فلذلك ينبغي للإنسان أن يحفظ دينه وأن يحفظ عمله، وكثير من الناس اليوم يعمل عملاً ويضيعه، الناس كثير منهم في جنون، يجمع المال من الفجر إلى غروب الشمس، فإذا أوشكت الشمس أن تغرب أمسك الريالات يحرقها ريالاً تلو الآخر، أمسك الحسنات يحرقها حسنة تلو الأخرى. يصلي الفجر، ويقرأ القرآن ويتصدق، ويجلس في المسجد، ويأتي بالأذكار، ويستغفر، ويسبح، لكن مشكلته أنه يغتاب، يحرق الحسنات واحدة واحدة، يقول كلاماً يخرجه من الملة، يستهزئ بالمتدينين وباللحى، ويستهزئ بالدين، وبرجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويستهزئ بالحسبة، وبالحدود وبالقصاص، وبالحرمات وبالآداب وبالحجاب، وبالعفاف وبالطهر وبالحياء، ويستهزئ بما أوجب الله احترامه ومحبته، فيمرق من الدين وقد جمع من الحسنات ما جمع، فتحبط ويضيع العمل ولا ينفعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.فما بالك إذا أضفت على ذلك الصغائر التي يحتقرها العبد، فإذا جاء يوم القيامة وجدها كالجبال، تحرق الأعمال فلا يجدهن.الحقيقة أن كثيراً من الناس اليوم لا يشكون من قلة الحسنات، ولكنهم يشكون من كثرة السيئات، عندهم حسنات: صلوات، وقراءة قران، وصدقات، وكفالة أيتام، وأعمال خير وجود، لكن يقابل الخير شر أكثر، والموازين يوم القيامة، كفة حسنات وكفة سيئات، فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:6-11].لذا كان لزاماً على العبد إذا عمل الصالحات أن يحفظها من لسان تحرقها، ومن ردة تفسدها، ومن شرك يحبطها، ومن غيبة تفنيها، ومن حسد يتلفها، احفظ أعمالك -يا أخي المسلم- فإنها تنفعك بإذن الله عز وجل.ولا غرابة أن نرى كثيراً من العلمانيين وكثيراً من الذين يقع بعضهم في مثل هذه المهلكات العظيمة، بالاستهزاء والسخرية والعبث. أحد الشباب يطلعني على قصاصة من مجلة كتب فيها الكاتب -يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك- كان هذا الكاتب متديناً صالحاً -أنا لا أعرفه شخصياً ولكني سألت عنه- قالوا: كان على منهج وعلى خير، ولكن يبدو أنه ابتلي بداء لم يكشفه إلا ذنبه هذا، وهو يريد أن يشتهر، ويريد أن يعرف فلم يعرف، فاتجه إلى الجرأة على القضايا الخطيرة الكبيرة، من كلامه اليوم حول كلام ابن مسعود رضي الله عنه: [إن الغناء ينبت النفاق في القلب] يقول: ولعل الذي قال هذا الكلام كان رجلاً صالحاً من السلف الصالح قد ابتلي بحب الغناء في السر، فعاش انفصاماً وازدواجاً بينه وبين نفسه أورثه أن يقول هذا الكلام. سبحان الله العلي العظيم! يقال هذا لـعبد الله بن مسعود الذي قال صلى الله عليه وسلم في ساقه لما ضحك الصحابة من ضعفها ودقتها قال: (أتضحكون من ساقه، فإنها أثقل عند الله يوم القيامة من جبل أحد ) هذا الصحابي الذي قرأ سورة ق على سطح الكعبة فضرب، فتحمل الأذى والبلاء في سبيل الله في العهد المكي، هذا الصحابي الجليل يقول عنه هذا الكاتب المسكين: ولعل القائل كان مبتلىً بحب الغناء أو باستماع الغناء سراً، فأورثه ذلك انفصاماً وازدواجية في شخصيته -فأورثه عقدة نفسيه- وقال: [إن الغناء ينبت النفاق]. وفرق بين أن يبتلى الإنسان بمعصية وأن يتطاول بالكلام عمن ينهى عنها وينكرها، بعض الناس قد يبتلى بمعصية كشرب خمر، فعل منكر، ولكن تجده يقر ويستغفر: يا رب اغفر لي، يا رب استر عليّ، يا رب تجاوز عني، اللهم تقبل هذه الصدقة واجعلها كفارة عن هذه المعصية ويقول: يا رب إني تائب، وأرجع عن هذه المعصية ولا أعود، ولو فعل ثانية ذنباً عاد ثالثة ورابعة بالتوبة، فهذا يرجى له التوبة، وباب التوبة مفتوح، لكن المصيبة في إنسان يرتكب ذنباً ثم يحلل للناس فعل الذنب، يقول: من قال إنه حرام، يبتلى بفعله ويتحمل أوزار الناس الذين يفعلونه بجرأته على الكلام فيه، وجرأته على علماء الإسلام الذين حرموه ونهوا عنه، إذا كان الأنبياء وأولو العزم من الرسل يقول الواحد منهم يوم القيامة: (يا رب! سلم سلم، يا رب! سلم سلم، يا رب! سلم سلم) من هول المطلع، وشدة الفزع، وعظم الأمر، والناس في حال عظيم، والعرق يلجم الناس، أو إلى ثديهم، أو إلى ركبهم، أو إلى الكعبين منهم، الأمر عظيم جداً، ويأتي من الناس من يقول: لا. سجلوا عليه، اسمعوا ما شئتم من الأغاني وعلى حسابي، أنا أفتيكم بها، افعلوا ما شئتم من الربا وسجلوها على حسابي، أنا أفتيكم فيه، ويفتي الرجال ويفتي النساء بالمسائل والأمور والعظائم والجلائل ويقول: قيدوا على حسابي، لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل:25] وهذا من الأمر الخطير الجليل. أقول: الذين يسخرون بالدين وأهله، لا غرابة في شأنهم، فقد أخبر الله عز وجل عنهم من قبل، كما قال في محكم كتابه: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين:29-33].أحبتي في الله: نختصر ما تبقى من موضوع كلام هذه الليلة، مؤكداً أن ما يردده الجاهلون والحاقدون والمغرضون من عبارات السخرية والاستهزاء بالصالحين والدعاة، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ينبغي ألا يفت في عضد العاملين، وألا يجعلهم في ضعف أو شك من أثر الدعوة إلى الله عز وجل، إن أناساً يقولون: ماذا تنفع الخطب والمحاضرات والكلمات، والندوات والأشرطة والكتيبات وهذه اللقاءات، ماذا تنفع أمام القنوات الفضائية التي تخاطب الملايين -ملايين البشر يخاطبون عبر القنوات الفضائية والإنترنت- وأنتم قابعون في هذه المساجد، ونقول: هذه المساجد تهز الجبال هزاً، هذه المساجد تغير وجه الأرض، المساجد هي التي طردت الفرنسيين من الجزائر ، المساجد هي التي جعلت أجهزة المخابرات الغربية تحسب ألف حساب لكل مسلم متدين صالح تقي نقي عامل، حلقات تحفيظ القرآن الآن تزعج الغرب إزعاجاً لا يخطر على بال، ليس شرطاً أن يوجد عندنا قنابل نووية بعدد القنابل التي تنام عليها إسرائيل الآن في فلسطين.ومعلوم أن عبد القدير خان الذي صنع القنبلة النووية في باكستان الذي هدد بالاغتيال قال: يوجد ألف عبد القدير خان مثلي قد علمتهم سر صناعة القنبلة النووية فلا أخشى لو قتلتموني، وتريد دول الغرب أن تنظف المنطقة تماماً من السلاح النووي في الوقت التي تنام إسرائيل على مائة قنبلة نووية، وأكثر من ذلك، لكن والله إن حلقات تحفيظ القرآن، وهذه الندوات والمحاضرات، وخطب المنابر، وهذه الأشرطة، والخطاب الدعوي، والله إنه يقض مضاجعهم، فلا تستهينوا بالسلاح الذي في أيديكم، ولا تتهاونوا بالخير الذي بين يديكم، ولا تظنوا أنكم ضعفاء وقد آتاكم الله من وسائل القوة ما يعجز عنه أولئك، ليست المسألة آلة وجماد وعدة وسلاح، القضية كلمة التوحيد... وإثباتها لشيء واحد وهو الله سبحانه وتعالى، ألوهية وتفرد في الربوبية، فلا تدبير ولا تصرف في كل شأن إلا له وحده سبحانه، ولا عبادة صغرت أو كبرت، جلت أو دقت إلا له وحده لا شريك له، وأتم الصفات وأجمل الأسماء وأكمل السمات لله عز وجل، أكمل الأوصاف وأجل الأسماء لله عز وجل، لا شبيه ولا ند ولا مثيل ولا نظير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].لا إله إلا الله، ما أثبته الله نثبته، وما نفاه الله ننفيه عن نفسه، وما أثبت النبي صلى الله عليه وسلم نثبته، وما نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه ننفيه.إذا سئلنا عن أمر ليس عندنا فيه دليل فلا نتقول: على الله بغير علم: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] إن سئلت عن شيء أثبته الله أثبته في ذات الله وصفاته، وإن سئلت عن شيء نفاه الله في ذاته وصفاته فانفه، أو شيء أثبته النبي صلى الله عليه وسلم لربه أثبته، أو نفاه النبي صلى الله عليه وسلم عليك أن تنفيه، فإن كان أمراً لم يرد فيه نفي ولا إثبات فلا تعجل بالقول على الله بغير علم؛ لأن الله قال: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].إذاً ماذا نقول فيما لم يرد فيه نفي ولا إثبات؟ نقول: إن كان يتضمن كمالاً وجمالاً يليق بالله أثبتناه، وإن كان يتضمن نقصاً لا يليق بالله نزهنا الله عنه وسبحنا الله وقدسناه، هذا معنى لا إله إلا الله.
الأسئلة

 الشيشان
السؤال: يقول: الشيشان أنسيت أم ماذا؟ ولماذا؟ وهل لكم من كلمة عن أحوالهم وأحوال المسلمين هناك جزاكم الله خيراً؟ الجواب: أسأل الله عز وجل أن ينصرهم بنصره، لا شك أن أحوال المسلمين في كل مكان -وليست في الشيشان فقط- تشكو إلى الله عز وجل، لكن البذل والدعاء والنصرة مطلوبة، ولا شك أن الأخبار الآن ضعفت عما كانت عليه من قبل، وهناك تسلط على مواقعهم حتى في الإنترنت، تدمر بين فترة وأخرى، ولكن يقيننا بأن العاقبة للمتقين، ولعل المجاهدين قد تحيزوا إلى فئة أو جهة، نسأل الله أن يقويهم فيعيدوا الكرّة على هؤلاء الملاحدة وما ذلك على الله بعزيز. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مفهوم (لا إله إلا الله) للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net