اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , النكاح آدابه وأحكامه للشيخ : سعد البريك


النكاح آدابه وأحكامه - (للشيخ : سعد البريك)
إن الله عز وجل قد شرع لنا النكاح رحمة بنا وصيانة لأعراضنا، وحماية من الوقوع في الفاحشة والرذيلة، وحفظاً للأنساب والذرية، وقد جعل له آداباً وشروطاً وأركاناً وآثاراً يجب العلم بها لمن أراد النكاح، وفي هذه المادة تنتفع بمعرفة شيء من ذلك.
مأساة كوسوفا المسلمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، لم يعلم سبيل خير إلا دل أمته عليه، وما علم من سبيل شر إلا وحذر أمته منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعد:أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله عز وجل بمنه وكرمه، وأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، أن يجعلنا وإياكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وأن يكتب لنا ولكم شهادة الملائكة المقربين، أننا اجتمعنا في بيت من بيوته لا نريد إلا وجهه، نثني عليه الخير كله، نعبده وحده لا شريك له ولا نكفره، ونخلع ونترك من يكفره، ونرجو رحمته ونخشى عذابه، إن عذابه الجد بالكفار ملحق.أيها الأحبة! لئن تعددت وتنوعت وسائل إبلاغ المعلومات والفوائد، ولئن تيسر لكثير منا أن يستدرك ما فات من الخطب والمحاضرات والندوات من خلال الإذاعات والأشرطة والتسجيلات، فإن فضلاً لا يوجد إلا في هذه المساجد، وإن ثواباً لا يتحقق إلا بالاجتماع في هذه الرياض، وإن درجات ونعيماً لا يدركه إلا أنتم وأمثالكم ممن يسعون ليرتعوا في رياض الجنة، ولتحلق أرواحهم في طلب الرحمة، وتسبيح الخالق سبحانه وتعالى في هذه المساجد، لأن فضل حلق الذكر مرتبطٌ بالاجتماع في بيوت الله عز وجل، ولئن تيسر -كما قلت- أن يستدرك العبد ما فات من معلومات إلا أن فضل حلق الذكر يبقى، تختص وتتميز به بيوت الله عز وجل، لذا فإني أوصي نفسي وأحبابي والسامعين أجمعين مهما تباينت مراتبهم في العلم، واختلفت درجاتهم في المعرفة، ألا يحرموا أنفسهم ثواب حلق الذكر، ورياض الجنة؛ حيث تشهد لهم الملائكة، وتتنـزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، ويذكرهم الله في ملئه الأعلى.أحبتنا في الله! ولئن كان الحديث في سلسة المحاضرات التي نوه عنها فضيلة المقدم جزاه الله خيراً موصولاً بالكلام عن الأسرة المسلمة، إلا أن حديثنا اليوم وإن كان متعلقاً على وجه الخصوص بالحديث عن (النكاح وآدابه وأحكامه) أو بشيء وطرف من ذلك، إذ المقام لا يستوعب أحكام ذلك كله، ولكن هذا أحسبه وأرجو ألا يشغلنا وإياكم عما لا تزال الفاجعة في قلوبنا بسببه، وهي كارثة لم يسبق لها مثيل حلت بالمسلمين الألبان في كوسوفا نستذكرها، ونحمد الله على ما من به علينا من النعم، ونسأل الله بمنه وكرمه أن يرفع الكربة عن إخواننا، هذه الفاجعة التي ليس لها من دون الله كاشفة، قرابة المليون مسلم من أصل ألباني يهجرون على يد الصرب:وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ وما هو عنها بالحديث المرجمِ أعراض تنتهك، وأشلاء تتناثر، ودماء بغير حق تسفك، وشعوب تشرد، ونساء ترمل، وأطفال يصبحون يتامى، ونساءٌ يشكين الثكل وفقد الزوج والمعين، والحال لا يصفها لسان، ولا يخطها قلم، فنسأل الله بمنه وكرمه أن يرفع الكربة عن المسلمين هناك، وعن المسلمين أجمعين.أيها الأحبة! يقول تعالى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة:126] كم مرة تحدثنا وصرخنا ورفعنا أصواتنا، وقلنا: قد فعل الأعداء بنا ما فعلوا، وكم مرة أخذنا نندب الماضي، ونخشى المستقبل، ونخاف من الواقع، ونحن كما قال الأول:حرب حزيران انتهت وكل حرب بعدها ونحن طيبون تغلغل اليهود في بلادنا ونحن راجعون صاروا على مترين من أبوابنا ونحن عائدون وصوت فيروز من الفردوس يأتي عائدون وكل ما نملكه إنا إلى الله لراجعون حرب حزيران انتهت جرائد الصباح ما تغيرت والصور العارية النكراء ما تغيرت هذا يقوله القائل وليس من أهل القول؛ ولكنه يبكي على ما حصل في (1967م)، نكبة (67) التي دمر اليهود فيها قوات عربية لا يخفى تاريخها عليه، وكما قال الذي يحاكي أبا تمام:وأطفأت شهب الميـراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب أيها الأحبة! ليست القضية هي ما ينظر إليه بعض المسلمين من جانب الحرب بين الصرب الأرثوذكس، والدوما والكتلة الروسية من جهة، وحلف الناتو من جهة أخرى، الذي يقض مضاجعنا، والذي يؤلمنا غاية الألم، هو حال المسلمين، أما ما سواهم فنسأل الله أن يهلك الظالمين بالظالمين، وأن يخرج أمة محمد من بينهم سالمين، نحن يسرنا ما نراه من ضربات موجعة في الصرب، ولكننا نعلم أن حفنة من الملايين أو قل: مليارات من الدولارات كفيلة بأن تعيد المنشئات الصربية والقواعد العسكرية، وليس هذا من باب التعاطف مع الصرب، بل نسأل الله أن يضاعف عليهم البلاء، وأن يزيد التسلط عليهم، ولكن من الذي يرد المسلمين الذين شردوا؟إذا هاجر قرابة مليون مسلم، وتقاسمتهم قرابة عشرين دولة أوروبية، ولكل دولة منهم جزءٌ مقسوم، وكل دولة تفرق هؤلاء في مدن شتى، وكل مدينة تشتت المسلمين في أحياء متباينة، ثم اسأل وتعرف بعد خمس سنوات، أو بعد عشر سنوات، هل ترى من المسلمين أحداً؟هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً بعد هذا الانتشار وهذا التناثر، وبعد هذا التطاير؟ هذه هي القضية الكبرى؛ لأن الكفار ليس لهم وزن في ميزان الشرع، ودماؤهم كما علمنا في ديننا ليست بأمر ذي بال، أما دماء المسلمين فلأن تزول السماوات والأرض أهون عند الله من أن يراق دم مسلم.المسألة في غاية الخطر، وإن الذي يتابع ما يعرض وينشر من لقاءات وحوارات ومناظرات وتحليلات وكتابات ليعجب من تباين بعض المسلمين في نظراتهم، فهذا لا يزال يؤيد الصرب، وهذا لا يزال يرى أن المسلمين الآن في منتهى النصر والنشوة، أي نشوة وأي نصر لأناس يتفرقون ويشتتون؟! وكما قال الرندي حينما بكى الأندلس: يا رب أم وطفل حيل بينهمـا كما تفرق أرواحٌ وأبدانُ وطفلة ما رأتها الشمس إذ بزغت كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ يقودها العلج للمكروه مكرهةً والعين باكية والقلب حيرانُ لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلام وإيمانُ
 

واجبنا نحو المسلمين في كوسوفا
أيها الأحبة! لا نملك إلا أمرين:
 واجب البذل والعطاء والإنفاق
الأمر الثاني: مسألة البذل والإنفاق والعطاء، لا تملوا، أو يقول قائل: لقد سئمنا من هذه الصيحات والنداءات: أغيثونا! أعطونا! ساعدونا! إلى غير ذلك، نقول: إن هذا ابتلاء من الله لأولئك الذين يصابون، وهو في ذات الوقت ابتلاء لنا، ما الذي نفعله إزاء هذه المصيبة؟ وهل نبخل حتى بحفنة من حطام المال ولا نبذلها سخية بها نفوسنا؟ لئن ابتلي أولئك بجريان الدماء، وتطاير الأشلاء، وانتهاك الأعراض فإننا نبتلى بتكرار ما يقع على المسلمين من المصائب، وبعض المسلمين مسحة طبية صالحة للاستعمال لمرة واحدة فقط، لا يمكن إلا أن يبذل مرة واحدة، ولا يمكن أن يكفل إلا مرة واحدة، ولا يمكن أن يتعاطف إلا مرة واحدة، أما أن يظل الحماس والولاء والشعور والبذل والعطاء بسخاء للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وفي شتى قضاياهم فذلك أمر عسير، بل إن بعضهم الآن إذا قيل له: أنفق وابذل وأعط لإخوانك المشردين الآن على حدود كوسوفا ، في ألبانيا ، ومقدونيا ، وفي جهات شتى قال: لقد أعطينا ما يكفي في البوسنة، أو لقد أعطينا ما يكفي في أفغانستان ، أو لقد تصدقنا بما يكفي في الصومال ، وكأنه لا يجب عليه أن يغيث المسلمين في العمر إلا مرة، وكأن الولاء والنخوة والإعانة كالحج لا تجب في العمر إلا مرة، فهو يرى أنه إذا كفل في حياته مرة واحدة يتيماً واحداً اكتفى بذلك، أو إذا بذل أو أعطى مرة واحدة فإن ذلك كاف.أيها الأحبة! إن من الواجب أن نشارك كل المسلمين في فلسطين وكوسوفا والشيشان وفي كل البقاع بكل ما نستطيعه، ولا أقل من أن يخصص القادرون من دخلهم ولو حفنة يسيرة من المال، دخلك ألف ريال لو خصصت من هذا الدخل ولو عشرة في المائة يعني مائة ريال أو أقل أو أكثر بقدر ما تستطيع فإنك ستجد فضل ذلك في الدنيا والآخرة، والصدقة تقي مصارع السوء، وتطفئ غضب الرب، وتدفع أبواباً من البلاء لا تحصى.أيها الأحبة! إننا نمشي في حياتنا على ألوانٍ من النكد والكبد: لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4]وربما صار البعض على ألغام وشيكة الانفجار قد يطؤها فلا تنفجر بسبب صدقة تصدقها وهو لا يدري، فأخي الحبيب! لا تتبرم، ولا تتسخط ولا تتضجر يوم أن تدعى إلى النداء: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].
دلالات انقضاء الأعوام والأعمار
المسألة الثانية: العام الهجري الجديد وما أدراك ما العمر الذي انقضى والعمر الذي بقي:إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجلِ ربما فرح البعض بدنو زواجه في العطلة، وربما فرح البعض بقرب ترقيته في السنة الهجرية الجديدة، وربما فرح البعض برتبة يعلقها بعد دورة عسكرية، ولكن نسينا جميعاً إلا من رحم الله أننا دنونا من المقابر أشهراً وأياماً، أو طوينا صفحة سنة كاملة شاهدة بما عملنا فيها من الحسنات والسيئات، ولكننا في هذا الدين العظيم قد أكرمنا الله بالخلاص من عقد النصارى الذين يظلون يبكون عقد الماضي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا) يعني دع ما مضى.. وأتبع السيئة الحسنة تمحها: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114].أما أن يظل البعض يندب الماضي، ويخاف من المستقبل، ويضيع الحاضر فليس هذا من دين الله في شيء:فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فثن بإحسانٍ وأنت حميدُ إذاً أيها الأحبة لا بد أن نتأمل هذا العام الذي انقضى، ونعلم أن انقضاء العام دال على انقضاء كل شيء :كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27] إن انقضاء العام دليل على انقضاء الأعمار، وانقضاء الممالك، وانقضاء الملذات، وتبدل الأحوال، اليوم يبدأ ثم ينقضي، والساعة تبدأ ثم تنقضي، واللقاء يبدأ ثم ينقضي، والرحلة تبدأ ثم تنقضي، والحياة تبدأ ثم تنقضي، لكن تمر الحياة على أهل الرخاء والسعادة والنعيم والحبور في لذة، كأنما تصبح الأيام ساعات، والساعات دقائق، وتمر الأيام والحياة على أهل الشقاء والبلاء الساعة كاليوم، واليوم كأسبوع، الأسبوع كشهر، والشهر كسنة:مرت سنون بالوصال وبالهنـا فكأنها من قصرها أيامُ ثم انثنت أيام هجر بعدها فكأنها من طولها أعوامُ ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلامُ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً [مريم:98] إن من يقرأ كتاب الله، ويتأمل ما ذكره الله في شأن الأمم التي ملكت وسادت، ثم أهلكها الله وبادت: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:6-14].. وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد:13].أين الملوك ذوي التيجان من يمنٍ وأين منهم أكيال وتيجان وأين ما ساده شداد فـي إرمٍ وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ أتى على القوم أمر لا مرد لـه حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا هكذا انقضت السنة، وقطعنا من عمرنا ورقة شاملة كما تقطع ورقة من التقويم، وقد ولت مدبرة ولا تعلم ما الذي كتب لك فيها، ولكن ما الأحسن في الخاتمة؟! فإنه حري أن يستدرك ما فات لأن الله عز وجل قال في شأن التائبين: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:70] وبين أيدينا وبالتحديد الإثنين القادم يوم عاشوراء من نعم الله؛ أننا نختم العام بعبادة تكفر ذنوب العام ونبدؤه بعبادة تكفر ذنوب العام، لما سئل صلى الله عليه وسلم عن صيام عاشوراء فقال: (يكفر السنة الماضية..) نعمة عظيمة أن الله شرع لنا في بداية أعوامنا وفي نهايتها وفي أواسطها، وفي أيامنا وأسابيعنا من الفرص الكفيلة بأن تغسل الخطايا، وترفع الحوب والرزايا، وذلك من عظيم فضل الله ورحمته بعباده، إنه جواد غفور حليم رحيم كريم.
 واجب البذل والعطاء والإنفاق
الأمر الثاني: مسألة البذل والإنفاق والعطاء، لا تملوا، أو يقول قائل: لقد سئمنا من هذه الصيحات والنداءات: أغيثونا! أعطونا! ساعدونا! إلى غير ذلك، نقول: إن هذا ابتلاء من الله لأولئك الذين يصابون، وهو في ذات الوقت ابتلاء لنا، ما الذي نفعله إزاء هذه المصيبة؟ وهل نبخل حتى بحفنة من حطام المال ولا نبذلها سخية بها نفوسنا؟ لئن ابتلي أولئك بجريان الدماء، وتطاير الأشلاء، وانتهاك الأعراض فإننا نبتلى بتكرار ما يقع على المسلمين من المصائب، وبعض المسلمين مسحة طبية صالحة للاستعمال لمرة واحدة فقط، لا يمكن إلا أن يبذل مرة واحدة، ولا يمكن أن يكفل إلا مرة واحدة، ولا يمكن أن يتعاطف إلا مرة واحدة، أما أن يظل الحماس والولاء والشعور والبذل والعطاء بسخاء للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وفي شتى قضاياهم فذلك أمر عسير، بل إن بعضهم الآن إذا قيل له: أنفق وابذل وأعط لإخوانك المشردين الآن على حدود كوسوفا ، في ألبانيا ، ومقدونيا ، وفي جهات شتى قال: لقد أعطينا ما يكفي في البوسنة، أو لقد أعطينا ما يكفي في أفغانستان ، أو لقد تصدقنا بما يكفي في الصومال ، وكأنه لا يجب عليه أن يغيث المسلمين في العمر إلا مرة، وكأن الولاء والنخوة والإعانة كالحج لا تجب في العمر إلا مرة، فهو يرى أنه إذا كفل في حياته مرة واحدة يتيماً واحداً اكتفى بذلك، أو إذا بذل أو أعطى مرة واحدة فإن ذلك كاف.أيها الأحبة! إن من الواجب أن نشارك كل المسلمين في فلسطين وكوسوفا والشيشان وفي كل البقاع بكل ما نستطيعه، ولا أقل من أن يخصص القادرون من دخلهم ولو حفنة يسيرة من المال، دخلك ألف ريال لو خصصت من هذا الدخل ولو عشرة في المائة يعني مائة ريال أو أقل أو أكثر بقدر ما تستطيع فإنك ستجد فضل ذلك في الدنيا والآخرة، والصدقة تقي مصارع السوء، وتطفئ غضب الرب، وتدفع أبواباً من البلاء لا تحصى.أيها الأحبة! إننا نمشي في حياتنا على ألوانٍ من النكد والكبد: لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد:4]وربما صار البعض على ألغام وشيكة الانفجار قد يطؤها فلا تنفجر بسبب صدقة تصدقها وهو لا يدري، فأخي الحبيب! لا تتبرم، ولا تتسخط ولا تتضجر يوم أن تدعى إلى النداء: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].
تعريف النكاح وأهميته
أيها الأحبة! وأعود إلى موضوع هذه المحاضرة ضمن سلسلة الأسرة المسلمة والحديث عن النكاح وآدابه وأحكامه.النكاح في اللغة يكون بمعنى: عقد التزويج، ويكون بمعنى: وطء الزوجة، فأما ما يدل على أن النكاح يطلق، ويراد به العقد فقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49] فهنا قال: إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:49] ثم أتبعها بقوله ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الأحزاب:49] فسمى العقد نكاحاً، ويسمى الوطء نكاحاً حيث دل عليه قول الله عز وجل: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة:230] فمعنى تنكح هنا: يعني حتى تعقد عقداً صحيحاً على زوج آخر ثم يدخل بها ويخلو بها ويجامعها ويطؤها، هذا هو المقصود.دل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: (أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أنها تريد أن ترجع إليه بعد أن طلقها رفاعة ثلاث طلقات، وتزوجت بـعبد الرحمن بن الزبير فقال صلى الله عليه وسلم: لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) يعني: أن يطأها وأن يجامعها، فهنا فائدة أن في النكاح يطلق ويراد به العقد، ويراد به الوطء وهذا جلي واضح.يقول أبو علي القالي: فرقت العرب فرقاً لطيفاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح بنت فلان فإنهم يريدون عقد الزواج، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته فإنهم لا يريدون إلا الجماع والوطء.ومعنى النكاح في الشرع: تعاقد بين رجل وامرأة يقصد به استمتاع كل منهما بالآخر، مع القيام بما يترتب على ذلك من الحقوق والواجبات بينهما.
 استمتاع الزوجين ببعضهما
كذلك استمتاع الزوجين ببعضهما من المقاصد الواضحة الجلية في هذا، لأن الله سبحانه وتعالى قد خلق في الرجال ميلاً إلى النساء، وخلق في النساء ميلاً إلى الرجال، بل جعل ذلك مما حبب إلى النفس البشرية بطبيعتها الغريزية الفطرية قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14] فميل الرجال للنساء، وميل النساء للرجال أمر جبليٌ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد جاء عنه أنه قال: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة).أيها الأحبة! والزواج قد يكون واجباً وجوباً متعيناً على المستطيع القادر الذي بدونه ربما وقع في المعصية والفاحشة، فمثل هذا آثم بترك الزواج والنكاح، وهذا ملاحظ للأسف عند طائفة من الشباب، ترى الواحد منهم قادراً مستطيعاً، وترى الواحد منهم يعاني من مكابدة ومعالجة شهوة متأججة، ومع ذلك يؤجل هذا النكاح ويؤخره، ولا تسل بين الفينة والأخرى عما يقع فيه من هفوات وزلات وفواحش وآثام يرتكبها بحجة العلاقة، وبحجة الصداقة، فمثل هذا الشاب القادر الذي نفسه راغبة مقبلة، وإمكانيته والباءة مكتملة، من جهته المادية والبدنية فإنه آثم بتأجيل الزواج وتأخيره، بل يجب عليه وجوباً متعيناً أن يبادر به سيما إذا علمنا أن عدم مبادرته سبيل محقق إلى وقوعه في الفاحشة.ومن أعظم المخاطر التي وقع فيها كثير من الشباب في ظل هذه القنوات الفضائحية -ليست الفضائية بل الفضائحية- حيث لا تسل عن ألوان وحركات وأصوات وطرق وأساليب إغراء الشباب بالفاحشة، من خلال عرض الفتيات الجميلات الكاسيات العاريات، بل بصور في مواقع مؤججة للغريزة، كاسرة للعفة والحياء، ثم يقع بعضهم ضحية هذا المشهد؛ لينفذ ما رأى؛ متأثراً بسماع هذا الغناء المتكسر، أو كما يسمى بالفيديو (كليب) أو فيديو كلب، الحاصل أنه تتأجج غريزته، ويرى هذه الجميلة الحسناء تتكسر، وهذا يلاحقها ويغازلها، وهي تقبل تارة وتدبر، وتغضي تارة وتفضي، إلى غير ذلك ثم لا يجد أمامه إلا أن يفعل الفاحشة مع قدرته على الزواج الذي يحصنه، مثل هذا آثم .. آثم .. آثم بتركه الزواج وهو يعلم أن مثله يقع في الفاحشة -سيما كما قلت- والكثير من الشباب لا يزال يجلد بسياط الصوت والصورة والكلمة عبر هذه القنوات الفضائحية.كذلك من كان قادراً على الزواج ويستطيع القيام بالحقوق، ولكن لا يخشى على نفسه أن يقع في فاحشة لو لم يتزوج فنقول: وهذا يتأكد الزواج في حقه تأكداً واضحاً جلياً، لكن ليس على درجة الوجوب المتعينة على الأول الذي يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة، لماذا؟ لما في الزواج من مصالح ومنافع وحكم ذكرناها، وأما الذي لا يخشى على نفسه وهو في ذات الوقت غير قادر على أن يقوم بحاجات المرأة العامة والخاصة وغير ذلك فمثله لا ينبغي له أن يدخل في دائرة هو ليس في حاجتها، وهو أيضاً عاجز عن القيام بالحقوق والواجبات، بل ربما يغلب على ظنه أن يوقع المرأة في فتنة بسبب ارتباط هذه المرأة برجل لا يقوم بحقوقها ولا واجباتها العامة والخاصة.
الخِطبة وآدابها
من آداب النكاح: الخِطبة، وهي بالكسر، والخُطبة بالضم: هي ما يلقى على هذا المنبر من خطبة الجمعة، أما الخِطبة فهي: اختيار المخطوبة أو الزوجة وطلبها من أهلها بقصد الزواج ونكاحها على سنة الله ورسوله. ومن نعم الله عز وجل أن شرع في هذه الخطبة من الآداب التي تحقق الرضا والاختيار والطمأنينة، وكذلك تؤمن من غائلة عدم الانسجام والاتفاق وغير ذلك.
 الحرص على المرأة الولود
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم)رواه أبو داود والنسائي.فأيضاً أن يحرص على امرأة ولود لعل الله سبحانه وتعالى أن يرزقه منها ذرية، وقد يكون للرجل ذرية ولكنه بحاجة إلى امرأة، أي: قد يكون له ذرية وقد انقطع استمتاعه بها لمرضها ولظروفها ولأحوالها، وهو أيضاً لا يزال يحتاج إلى امرأة يسكن إليها، فحينئذٍ لو وجد امرأة عقيماً يجد سكن نفسه عندها فلا بأس أن يتزوجها، يعني: ليست هذه المواصفات تحذيراً مما سواه، بل ربما يؤجر البعض في زواجه بامرأة ثيبٍ ذات أولاد، أرملة ترعى أيتاماً وله من الأجر العظيم أضعاف أضعاف ما يناله من اختار بكراً عملاً بالحديث: (تزوجوا الأبكار) لأن هذا الذي تزوج أرملة ذات أيتام له أجر كما قال صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله -وأحسبه قال-: كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يفتر) وذلك من الأمور الجليلة.قد يوجد بعض الناس عنده من الذرية ما فيه البركة، ولكنه علم أن امرأة أم أيتام، وبقيت منقطعة لا يوجد من يكفلها، ولا يوجد من يرعاها، وقد توفي والدهم فحينئذٍ يؤجر غاية الأجر أن يتزوجها ولو لم يرد منها ذرية، وإنما غاية أنسه بها مع سكنه إليها أن يكفلها ويرعاها، وأن يرعى أيتامها؛ حتى لا يتشرد أولادها في الشوارع، أو أن يستغل أحد الطامعين حاجتهم ليسخرهم في مقاصد بذيئة نتنة خبيثة تحت وطأة حاجتهم، أو أن تذل أمهم بأن تعرض عليها الفاحشة تصريحاً أو تلميحاً في ظل حاجتها، والفقراء اليوم كان الله في عونهم في كل مكان، ذلك أن الفقير تتجدد معاناته إذا حل موعد دفع الإيجار، وتتجدد نفس المعاناة إذا حل موعد دفع القسط الثاني، وتتجدد المعاناة في بداية العام الدراسي حال البحث عن الحقيبة والكراريس والمساطر والأوراق والدفاتر، وتتجدد المعاناة حينما يدنو فرح الناس بأعيادهم، وهؤلاء لا يوجد من يشتري لهم جديداً أو على الأقل يقدم لهم شيئاً يسترهم، ويخفي هذه الثياب والرقاع البالية التي يلبسونها، إذاً إذا قصد رجلٌ إلى الزواج بهذا المقصد، قد أكون أنا لا رغبة لي في الولد لكن أرغب أن تسكن نفسي؛ لأن أم أولادي غير قادرة على القيام بحاجاتي وحقوقي الخاصة، وفي نفس الوقت لم يكن أنانياً ليجعل قصده لذة نفسه بل جعل معها مقاصد شريفة من كفالة أرملة وأيتامٍ ورعايتهم، فإنه يكون بإذن الله عز وجل ممن يؤجرون أجراً عظيماً.على أية حال الحرص على المرأة الصالحة سواءً كانت بكراً، أو كانت ثيباً، أو كانت عقيماً لمن أراد أن تسكن نفسه عندها، أو أراد أن يتزوجها ويتزوج من بعدها، فالضابط في ذلك مسألة الصلاح، والنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: (أي النساء خير؟ قال: التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله).
شروط عقد النكاح
ثم بعد ذلك إذا انتهت مسألة الخطبة، وزفت البشارة إليك بموافقة أهل هذه العروس، بأنها قد وافقت ورضيت وقبلت، فتبدأ الاستعدادات لعقد النكاح، ولا بد أن نعرف أن عقد النكاح قد سماه الله عز وجل ميثاقاً غليظا، قال تعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً [النساء:21] هذا الميثاق لن يكون إلا بعقد النكاح، ولا ينبغي أن يتهاون بشأنه، ولذا جعل له جلالة وقدراً ومكانة، فيحضره الولي والشهود، وكما سيأتي يكون فيه الإعلان بعد العقد، وتتقدمه خطبتا النكاح والحاجة، كل ذلك مما يؤكد على أهمية هذا الأمر.
 من شروط عقد النكاح الصيغة
فلا بد أن نفهم ذلك وأن نعلمه لأنه في بعض الأحيان ربما الناس يقعون في مشكلة صعبة، ويقولون: الزواج الليلة وما عندنا أحد يملك، ولا عندنا مأذون، مع أن جميع الشروط متوفرة -مثلاً- فليس هناك مشكلات نظامية في التزويج، هذا من نفس البلد أو من نفس القرية أو من نفس القبيلة أو من نفس الأسرة، وربما المأذون تأخر عليهم فيظنون أنهم لا بد أن يؤجلوا ويخسروا نفقات حفلتهم تلك الليلة؛ لأن المأذون لم يأت، والصواب أن يأتي الولي يقول: زوجتك فلانة، ويأتي الزوج ويقول: قبلت نكاحها، ويشهد الشهود على ذلك، وبذلك يكون قد انعقد النكاح، ولو مات أحدهما بعد دقيقة من هذا العقد ورثه ولزم كل الحقوق المترتبة بينهما، وذلك مما يؤكد الميثاق الغليظ في مسألة وشأن الزوجية.ومن الطرائف التي ذكرت أن أحد الشباب كان مشتاقاً إلى الزواج، وكان في جلسة عقد النكاح، فكان المأذون يقول للولي: يا فلان! قل لهذا الشاب زوجتك بنتي فلانة بنت فلان على مهر قدره كذا .. ثم التفت المأذون وقال: يا فلان! قل قبلت هذا النكاح ورضيت به، قال: (أوكّي) شيخ، (أوكّي) شيخ، قال: يا حبيبي! قل: قبلت هذا النكاح ورضيت به، يعني: كلمة (أوكي) يا شيخ لا ينعقد بها النكاح، الإجابة والقبول زوجتك، وقبلت، أما (أوكّي) يا شيخ فإن هذا لا يصلح، لا بد أن ننضبط بالألفاظ الدالة على الإيجاب والقبول.
الآثار المترتبة على النكاح

 ثبوت التوارث بين الزوجين
ومن الآثار التي تترتب على النكاح: الإرث، فمتى عقد شخص على امرأة بنكاح صحيح فإنه يجري بينهما التوارث، والله عز وجل قد أخبر بذلك بقوله: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] وقال سبحانه: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] طبعاً مع التفريق في حال وجود الفرع الوارث وعدمه.
ذم الإسراف في الزواج
من الأشياء المهمة التي ينبغي أن ننتبه لها مسألة الإسراف في حفلات الزواج، نحن نلاحظ اليوم أن هناك تفنناً في الإسراف، فالبطاقات إسراف وأشكال وألوان وخيال، والفساتين والملابس إسراف وأشكال وألوان وخيال، ويحضر فنان أو فنانة، ويؤلفان أغنية أو قصيدة في اسم الزوج واسم الزوجة؛ ليحيوا ليلة من الغناء بمبلغ وقدره ... في عزف وزمر ولهو وطرب، وضياع للواجبات والفرائض، يسهرون ويضيعون صلاة الفجر إلى غير ذلك، ثم يقولون: سبحان الله! فشل الزواج!! فشل لأنه بدأ بمعصية الله، فشل لأنه بدأ بصفات إخوان الشياطين وهم المبذرون ولا حول ولا قوة بالله!قيمة البطاقات التي بلغت خمسين ألفاً أو أربعين ألفاً عند بعض الأسر كم يتيماً يُكفَل مقابل هذه البطاقات التي زخرفت وزينت؟! ألا يكفي الناس أن ترسل لهم ورق (a4) عادي، وتبلغهم برسالة عادية أو على الفاكس أو على أي شيء أن الزواج قد يعقد في اليوم الفلاني، وحيا الله الحضور، وانتهى الأمر؟ ألا يكفي الهاتف؟ لماذا الحرص على إبلاغ الناس كلهم؟ يكفي الأقارب أو المقربون وهذا كاف، لكن للأسف .. إسراف في البطاقات، وإسراف في صالة الأفراح، تجد بعض الصالات تستأجر بمائة ألف ولو وقف إخوان وقالوا: يا إخوة! لدينا أيتام مساكين ومشردون .. أعطونا عشرة آلاف نكفل عشرة أيتام سنة كاملة، عشرة أيتام نكفلهم ونحفظهم بإذن الله عن التنصير والفقر والجهل والمرض، وعن الفساد والانحراف، لقال: اذهب يا أخي ما نكد نحن إلا على فقراء، لكن الصالة بمائة ألف .. لا بأس أن يبذل، أخبرني أحدهم في زواج من الزيجات أحضر الفنان والفنانة بستين ألف ريال في إحدى صالات الفنادق، ولو وقف الفقراء على باب هؤلاء وقالوا: أعطونا ربع هذا المبلغ من أجل أن نسد به حاجة، أو نسد به رمقاً، أو نستر به أسرة لما وجدتهم يبذلون مالاً بنفس سخية، فالإسراف الذي وقع فيه كثير من الناس اليوم في مسائل الزواج كان من أسباب الفشل، فساتين.. فستان الليلة الأولى بثلاثين ألفاً، وبعشرين ألفاً، والفتاة لا تلبث أن تحمل بعد ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر فإذا تغير بدنها لظروف الحبل والولادة بعد ذلك لا يستفاد من هذا الفستان فماذا نفعل بهذا الفستان؟ قال: اتركوه للذكرى، ويعلقونه كأنه (أبو الهول) في الحجرة، والله هذا فستان فرحنا، وعندما يقع بينه وبينها مشكلة يقول: اليوم الذي شفت عليه هذا الفستان هو يوم الشقاء ويوم النكد، الله لا يعيد هذا الفستان ولا من فصَّله، ثم يصبح سبباً لتذكر بعض المآسي أو بعض المصائب أو مما يحقق ذلك.
 ثبوت التوارث بين الزوجين
ومن الآثار التي تترتب على النكاح: الإرث، فمتى عقد شخص على امرأة بنكاح صحيح فإنه يجري بينهما التوارث، والله عز وجل قد أخبر بذلك بقوله: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] وقال سبحانه: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] طبعاً مع التفريق في حال وجود الفرع الوارث وعدمه.
التهنئة .. مشروعيتها وصيغتها
أخيراً التهنئة بالزواج والدعاء للزوج، يسن أن يهنأ الزوج بما جاءت به السنة أن يقال له: بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير، فهذا من الدعاء بالبركة، وهنا مسألة: لماذا اختير هذا الدعاء؟ الشارع لا يختار العبارات جزافاً أو عبثاً، بل يختارها بعناية، لماذا خصت البركة في الدعاء؟ لأن البركة إذا تحققت حصلت المنفعة بإذن الله عز وجل، كم من أناس عندهم أموال طائلة لكن الله لم يبارك لهم فيها، فلم ينتفع بها المسلمون، ولم تكفل بها أيتام، ولا الدعاة ولا الأرامل ولا المساكين، ولا الفقراء ولا الضعفاء، بل هي أموال تئط بها البنوك، تعج بها الأرصدة.. والمال يولد أموالاً بالربا، ولا يستفيد من ذلك أحد، فليس وجود المال بحد ذاته هو الغاية لكن الغاية هو وجود المال المبارك، لأن المال المبارك هو الذي ينفع في طاعة الله ومرضاته.ليست المسألة أن تجد زوجة، أو المرأة تجد زوجاً، فالقضية أن تجد الزوج المبارك، وأن تجد أنت الزوجة المباركة، لأنه إذا كتب الله فيها البركة نفع الله بها.كم بارك الله لقلب فانتفع والله إن بارك في شيء نفع كم من رجل تمنى أن يكون عنده عشرون ولداً، وصار عنده عشرون ولداً لكن لم يجعل الله في أحدهم بركة، بل إن بعض الناس عنده عدد من الأولاد: اثنان مسجونان في مخدرات، وواحد مسجون في أموال، والثالث مسجون في بلاء، والرابع مسجون في جريمة، ليست القضية كثرة الولد، بل القضية أن يبارك لك في الولد، ليست القضية أن تنال الزوجة، بل أن يبارك لك في الزوجة، ليست المسألة أن تنال هذه الدابة بل أن يبارك لك فيها، ولذلك إذا تأملنا مسألة البركة وجدناها حتى في عباداتنا، إذا أثنيت على الله: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، إذا وضعت يدك في الطعام: باسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، إذا دعوت لمن أضافك قلت: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم، إذا هنأت أحداً قلت: بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير، مسألة البركة مهمة، ولذا نسأل الله أن يبارك لنا ولكم في أموالنا وأولادنا وأعمالنا وأزواجنا وذرياتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، ونجعل ما بقي من الوقت للإجابة على الأسئلة:
 ثبوت التوارث بين الزوجين
ومن الآثار التي تترتب على النكاح: الإرث، فمتى عقد شخص على امرأة بنكاح صحيح فإنه يجري بينهما التوارث، والله عز وجل قد أخبر بذلك بقوله: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] وقال سبحانه: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] طبعاً مع التفريق في حال وجود الفرع الوارث وعدمه.
الأسئلة

 جواز الاستدانة لأجل الزواج
السؤال: يقول: هل يجوز أن أتزوج بالدين؟الجواب: نعم. سئل الإمام أحمد عن الرجل يستدين لأجل الزواج؟ قال: أرى أن يستدين ويقضي الله عنه بإذنه سبحانه وتعالى.فالدين ثقيل إلا في الزواج وبناء المسكن المناسب المعقول، فإن من استدان .. هذا ملاحظ ومشتهر ومعروف بالتجربة والملاحظة؛ أن من استدان لبناء بيت يؤويه وأسرته فإن الله سرعان ما يقضي دينه، أما أن يبني بيتاً آلاف الأمتار بالدين، وأنواع الاكسسوارات، وألوان المفارش والكنب والستائر والرخام، ويأتي بالعجائب والغرائب، ثم بعد ذلك يطلع له صك إعصار بأربعة ملايين، ويقول: لقد تحملت ديناً بسبب البيت، هذا الدين الذي تحملته يكفي لبناء عشرين بيتاً لا بيتاً واحداً، فلا يحل لك أن تأخذ أموال الصدقات والزكوات بحجة أنك بنيت بيتاً وتحملت فيه ديناً.نعم. يقضى عنك الدين في بيت تبنيه بالمعروف، بالحد المعقول، أما أن تغالي في البناء، وتريد السداد من أموال الزكوات والصدقات، فيحرم، الفقراء والمساكين الذين لا يجدون أجرة البيت، وربما بعضهم يطرد فلا يجد مأوى، وبعضهم يسكن في الخيام أو في شارع، وأنت تريد أن تبذل أموال الصدقات لذلك، لا، كذلك الشاب حينما يستدين لأجل الزواج، ويكون دينه معقولاً، والزواج ونفقاته معقولة، فإن الله سبحانه وتعالى يقضي عنه.نقف عند هذا الحد، حيث اتفقنا مع الشيخ على أن تكون الأسئلة في المدة المحددة والمعتادة بين الأذان والإقامة، وما سوى ذلك فلعل الله أن يمن بلقاءٍ مبارك يجمعنا بكم على مرضاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , النكاح آدابه وأحكامه للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net