اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشباب والمسئولية [2،1] للشيخ : سعد البريك


الشباب والمسئولية [2،1] - (للشيخ : سعد البريك)
إن المسئولية الملقاة على عاتق المسلم كبيرة جداً، وأهمها مسئولية الفرد عن نفسه في سمعه وبصره وفكره. وفي هذا الدرس أماط الشيخ اللثام عن إجابات كثيرة تتعلق بالمسئولية أبرزها: صور المسئولية الجماعية .. أسباب الهروب من المسئولية .. ملامح أهل المسئولية وسماتهم .. عواقب إهمال المسئولية.
عظم قدر المسئولية
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة وهو الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، الحمد لله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى، يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أسأل الله جل وعلا في مستهل هذا اللقاء أن يكتب خطواتكم وأن يجعلها في موازين أعمالكم، فوالله لأنا أعلم بنفسي من الذين اجتمعوا إلي، وكما قال سفيان رحمه الله: خلت الديار فساد غير مسـود ومن الشقاء تفرد بالسؤدد والله لو أن على الساحة ساداتها ورجالها؛ لما اجتمع الإخوة في هذا المقام كما ترون، ولكنا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. أيها الأحبة حديثنا اليوم عن المسئولية.الشباب والمسئولية موضوع ذو شجون، متعدد المباحث والمسائل، له جوانب شتى.المسئول هو الذي يطرح عليه السؤال، وينتظر منه الجواب، ويجازى ويعاتب على تفريطه، ويلام على إهماله وتركه ثغرته ومكانه.وحينما نتكلم عن المسئولية فالحديث أولاً وبادئ ذي بدء يوجه إلى أجدر الذين يحملونها ويقومون بها، وهم الشباب:شباب لم تحطمه الليالي ولم يسلم إلى الخصم العرينا الشباب الذي كان فيهم من قاد الجيش وهو ابن سبع عشرة سنة، والذين فيهم من تولى مسئولية الأمة، والذين انتصبوا للتعليم والإفتاء، الشباب الذين ضربوا أروع الأمثلة في صلاح السيرة والسريرة، واستقامة الظاهر والباطن والسر والعلانية.واسمحوا لي أن ألج إلى موضوعنا عبر بوابة شريفة، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه واتفق عليه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته).أحبابنا: الأصل أن الإنسان مسئول ومحاسب ومجازى، وأن البعث بعد الموت، وأن نشر الصحف ونصب الموازين والجنة والنار ما هي إلا نتيجة هذه المسئولية، وجزاء من تحمل أمانة فقام بها، فجزاه الله الجزاء الأوفى وضاعف له أعماله، والنار لمن أعرض عن دين الله، وتكبر عن طاعة الله، وجعل كتاب الله وراءه ظهرياً فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8].حتى المسئولية في الذرات وفي الخردلة يقول تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] فمسئولية الذرة والخردلة ترى نتيجتها في موازين الحسنات أو في كفة السيئات، وتعالى الله جل وعلا أن يخلق خلقاً ثم يتركهم هملاً، أو يدعهم سداً أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ [المؤمنون:115-116] لا يليق بالله، وينـزه الله، ويسبح الله، ويقدس الله أن يخلق الخلق ثم يدعهم هملاً أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ [المؤمنون:115-116] يتنـزه الله عن ذلك فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:116-117].ويقول جل وعلا: أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى [القيامة:36-39].أبعد هذا التطور في مراحل الخلق والتكوين، وأن يخلق على أحسن صورة وأجمل هيئة، لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4] ويكرم وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70].أفيكون هذا كله وليس بعده جزاء أو حساب أو لوم أو عتاب؟ لا والله، بل في آيات أخرى -والآيات في هذا المقام كثيرة- يبين الله جل وعلا أن الإنسان يسأل ويحاسب، فليس الصحيح يحمل من المسئولية كما يتحمل السقيم، وليس الفقير يتحمل من المسئولية كما يتحمل الغني، وليس صاحب الجاه والسلطان يتحمل من المسئولية كما يتحمل من لا جاه له ولا سلطان، وليس القوي أو من ولاه الله أمراً يتحمل من المسئولية كمن لم يتول أمراً، شتان بين هذا وهذا، فكلٌ يحاسب ويسأل ويعاتب بقدر ما أوتي، وبقدر ما بسط الله له، وسخر له بين يديه، لينظر في فعله وسعيه وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [النجم:39-41].
 

مسئولية الإنسان الفردية
أيها الأحبة! إن هذه المسئولية بادئ ذي بدء لا نتحدث فيها عن مسئولية الحكام عن الشعوب، أو مسئولية العلماء عن الأمة، أو مسئولية المعلمين عن التلاميذ، أو مسئولية الأم عن أهل بيتها، نعم تلك مسئوليات عظام جسام، ولن تزول قدما عبدٍ حتى يسأل عنها، ولكن في الدرجة الأولى تكون المسئولية الفردية التي أخاطب بها كل واحد منكم، فهو يتحمل مسئولية فردية تجاه نفسه ولن يتحملها غيره، وأخطاؤك لن يتحملها من سواك: أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم:38] لا تحمل نفس إثم نفس أخرى، بل كل نفس تحمل أوزار نفسها، وتحمل آثامها وخطاياها، ولا يلقي أحدٌ اللوم والعتاب على غيره، نعم قد يحاسب من يحاسب بما ولي، فمثال على ذلك يوم أن نرى أسرة من الأسر بسبب فسادٍ في جريدة أو مجلة أو شاشة أو عرض أو فلم أو نحو ذلك، فإن من تسبب في نشر هذا ويسره بين المسلمين، محاسب عند الله جل وعلا بسببه، إذا قدر أن يكف الشر عن المسلمين، ولكن هذا لا يعني أن من تولى مسئولية أسرته وبيته يلقي اللائمة على الإعلام مثلاً، نعم من ولي الإعلام يحاسب يوم القيامة، بما قدم من خير بخير، وما قدم من شر بما يعلم الله جل وعلا، ولكن حساب من تولى ذلك لا يعفيك أنت عن المسئولية يا من توليت مسئولية أهلك وبيتك، وإن لم نفعل ذلك ونفهمه تمام الفهم؛ فإننا سوف نهمل أولادنا، ونقول: الإعلام ومن قام عليه يحاسب عليه يوم القيامة، ونهمل العلم في أبنائنا ونقول: يحاسب المعلمون، ونهمل بناتنا، ونقول: يحاسب من سمح بالتبرج أو الاختلاط ونحو ذلك. أيها الأحبة! المسئولية تبدأ بمسئولية الإنسان تجاه نفسه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ [التحريم:6] ابدأ بنفسك، قِ نفسك، مسئوليتك تتحملها تجاه نفسك بادئ ذي بدء يقول صلى الله عليه وسلم: (كلكم يغدو) والغدو هو الخروج في الصباح: وقد أغتدي والطير في وكناتها (كلكم يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها) الناس تغدو وأنت ترى هذه الخطوط وهذه الطرق تزدحم بآلاف البشر، فمنهم من يغدو إلى هلكة نفسه، ومنهم من يغدو إلى عتق نفسه، وقريباً يحصد الزارعون ما زرعوا.وهناك مسئولية فردية يوم العبور على الصراط: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه). أيها الإخوة! خذوها صريحة أقر بها على نفسي، واعترفوا بها من أنفسكم: إننا نتفنن في عرض مسئوليات الآخرين تجاه ما تحتهم، ولكننا نحسن ونتقن التهرب من مواجهة أنفسنا بما تحملنا من المسئوليات، ما ألذ الحديث يوم أن نتكلم عن تفريط فلان وعلان، فلان ولي الأمر الفلاني ففرط فيه، وفلان قام بالأمر الفلاني فأهمله وضيعه، وهكذا.وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا نحسن ونخرج أمثال الذر من الأخطاء بالمكبرات وغيرها، يوم أن ننظر في أخطاء الآخرين، لكن لو دعونا كل واحد أن يقف في مواجهة نفسه، وأن يكون صادقاً، وأصدق الصدق مع النفس أن تصارح نفسك وأنت أدرى بنفسك، وإن مدحك الناس الليل والنهار، وأنت أدرى بفضلك، وإن ذمك الناس الليل والنهار، قال تعالى: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14].أنت أدرى يا أخي بعيوب نفسك، وتقصيرك وتفريطك، وزلاتك وهناتك.والمصيبة -أيها الأحبة- أننا يوم أن نتبصر مسئولياتنا تجاه أنفسنا وننظر ما قدمنا؛ لنعتق هذه النفس من نارٍ وقودها الناس والحجارة، إننا يوم أن نتفكر في صلاتنا لعلنا بعد رحمة الله نرجو بها النجاة، نتذكر صلاةً نقدم إليها متأخرين، وفيها من الوساوس والهواجس ما الله به عليم، ونتذكر صياماً أغلب ساعته في النوم، وقد اختلط بشيء من النظر والسماع، ونتذكر أعمالاً ربما -ونحن أدرى بأنفسنا- داخلها ما داخلها من الشهوة أو الرياء أو السمعة أو حب الثناء، ولكن يوم أن نتذكر السيئات؛ فإن الواحد منا يبصر ذنوبه ويتذكر سيئاته، كما ترون هذه الإضاءة التي تلمع فوق رءوسكم بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14]. إن الذي يدخل الامتحان، قبل أن تقدم له ورقه الأسئلة يقول وهو يصارح نفسه بكلام لا يسمعه إلا هو، وتنبس الشفاه، وتتمتم بألغاز وحروف لا يفقهها إلا صاحبها، ويقول: لو نجوت من الموضوع الفلاني، وسلمت من المادة الفلانية، وسلمت من السؤال الفلاني، فأنا ناجح لا محالة، وكل واحدٍ منا -والله ثم والله- أدرى بنفسه ويقول لنفسه: لو سلمت من تلك، وعوفيت من هاتيك، وعافاني الله من تلك، وغفرت وسترت هاتيك، فأنا بخير. إذاً أما السيئات فنراها براقة لامعة ونحن أدرى بها، وأما الحسنات فنسأل الله أن يتقبل، وأن يكمل من أعمالنا ما نقص بتفريطنا وتهاوننا.
 الحذر من تفريط الإنسان في مسئوليته تجاه نفسه
أيها الأحبة! الحذر الحذر من تفريط الإنسان في مسئوليته تجاه نفسه! وإن الذين يفرطون ثم يعرضون، ثم يَضِلون ويُضلون عن سبيل الله لربما كانوا على خطر عظيم، والله حذرنا من شأن أولئك الذين عطلوا مسئولياتهم فقال سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ [الأعراف:179] فبين سبحانه أولئك: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179].لا نعطل هذه الحواس، ونتهاون بمسئولياتنا تجاه أنفسنا، وكما يقول القائل: هذا العقل نعتبره كالدور الثاني نؤجره إلى فلان، حتى يضع فيه ما يريد، مع حبـي وتقديري وشكري وثنائي لأي فلان كان، ووالله إني لا أقصد أحداً بعينه، إني أعلم أننا في هذه الفترة من فترات الدعوة العصيبة ابتلينا بقول القائلين: يقصد كذا ويريد كذا، فمعاذ الله أن يرمي بعضنا بعضاً بأمر لم نرده، ولكني أحذر أن نعطل هذه المنافذ والحواس، وأن نهمل مسئولياتنا تجاهها.
صور المسئولية الجماعية
أيها الأحبة! الشباب والمسئولية بعد أن قدمنا مسئولية كل واحد تجاه نفسه، ربما البعض يقول: وهل كل أمر فيّ أنا مسئول وحدي عنه؟ نقول: المسئولية بادئ ذي بدء تنصب عليك تجاهك:نفس عصام سودت عصامـا وعلمته الكر والإقداما إن الجبان لن يضع المسئولية على الجبناء من حوله الذين لم يعلموه الشجاعة.إن البخيل لا يضع المسئولية على من حوله الذين لم يعلموه الكرم.إن الكذوب المفتري الذي ينقل الكلام والقيل والقال، لا يحمل المسئولية الصادقين أو من حوله؛ لأنهم سامحوه في كذبه أو لم يعلموه الصدق، فهو مسئول عن نفسه في الدرجة الأولى كما قلت، فلا نحمل مسئولياتنا عالماً أو حاكماً أو صحفياً أو طالب علم أو رجلاً أو امرأة، كل منا يتحمل مسئوليته بالدرجة الأولى تجاه نفسه، ثم بعد ذلك يتحمل كلٌ بحسب ما ولاه الله من مسئولية، وحينما تحين ساعة الموت، وتبلغ الروح التراقي، وتظن بيقين وتعلم بصدق أنه الفراق، وتلتف الساق بالساق؛ حينئذٍ يتمنى من ولي أمراً أنه ما ولي، ومن قام مقاماً في أمر لم يمحض الإخلاص فيه أنه لم يقمه، وكل من جازف بنفسه في أمر يتمنى في تلك الساعة أنه لم يقترب منه ولم يدن، إلا من محض وأخلص وصدق الأمر لله جل وعلا، فالمسئولية فردية والمسئولية أيضاً جماعية. فمن صور المسئولية الجماعية، قول الله جل وعلا على سبيل المثال في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ [آل عمران:104] هذه أمة أو جماعة أو مجموعة أو طائفة مسئولة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104].لكن هل مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسئولية لجماعة مخصوصة؟ لا أيضاً. نحن كأفراد أو بصفتنا أفراداً نتحمل مسئولية عظيمةً جسيمة في هذا الباب قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71].فمهما رأيت من المنكرات لا تعلق الأمر على صغير أو كبير أو هيئة أو مسئول، ولكن اسأل نفسك بادئ ذي بدء هل وقفت ساعةً من ليل أو نهار فنصحت؟والله أيها الأحبة ما أسهل أن نجلس مجلساً فنقول: لقد انتشرت محلات الفيديو في مجتمعنا، علب الرذيلة ومحلات تصدير الفساد، والدعارة الموجودة بين أظهرنا ما أكثرها، ما أقبحها وما أشينها! ونقول فيها ما نقول، ولكن هذا المسجد كم فيه الآن من هذه الرءوس التي تسمع وتبصر؟كم عدد الذين وقفوا بأنفسهم على محلات الفيديو وقدموا نصيحة من منطلق المسئولية الفردية كما قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71]؟كما قلت: نحن نتقن أن نحمل الآخرين مسئوليات عديدة. أما أن تقول للواحد: يا أخي الكريم! أين دورك تجاه هذه القضية؟ تجده إما أن يتذرع بأشغاله أو أعماله أو عجزه أو ضعفه، وسيأتي الكلام عن سبل وأنواع وحيل الإنسان على نفسه في تهربه من المسئولية.إن من علم آية دعي إلى بلاغها وبيانها: (نضر الله امرءاً، سمع منا مقالة فوعاها، فبلغها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع) وقبل أن نبلغ مسئولياتنا في التطبيق التي لو طبقنا في كل ما نسمع من خير وحق ثابت متفق فيه، لوجدنا أننا نظفر كما قال الله بفوائد جمة، يقول تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ [النساء:66] لو أننا طبقنا وحولنا المحاضرات إلى برامج عملية، والخطب إلى مشاريع دعوية، والكلام إلى إنتاج تنفيذي عملي...هل رأيتم مجلس إدارة شركة من الشركات، يجلس فيه رئيس مجلس الإدارة وجميع الأفراد ثم يجتمعون كل سبت أو إثنين ويخططون وينظمون، ثم يتفرقون ولا يطبقون شيئاً، أي: شركة من الشركات أو مؤسسة من المؤسسات يوم أن يجتمع رئيس مجلس الإدارة فيها مع أعضائه يحددون هدفاً ثم يختارون الأساليب، ثم يوزعون المسئوليات، ثم يكلفون الطاقات العاملة التي تطبق هذا كله، لكن الذي بُلي به جيلنا هذا اليوم الاجتماعات الدورية المتتالية في كثير من المحاضرات والندوات، ولكن لا يعقبها تطبيق ولا تنفيذ، والله جل وعلا يقول: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [النساء:66] الخير جاء نكرة يعم أنواع الخير: لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66].فمن أسباب الثبات على الإسلام، أن نطبق ما علمناه وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [النساء:66-68].لو أننا فعلاً نعقب هذه الاجتماعات واللقاءات بمشاريع تنفيذية وعملية.الآية الواحدة حينما تصوغها هدفاً ومشروعاً وبرنامجاً ثم تطبقها وتنفذها يكون في هذا خير عظيم، والأمة أيضاً تتحمل مسئولية -كما قلت- كل بحسب علمه.إن الله جل وعلا قد حمل العلماء مسئولية البلاغ، وحمل الولاة والحكام مسئولية التنفيذ والقيام على شرع الله جل وعلا، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ [آل عمران:187] وإلا ما الفائدة من حمل الكتاب بدون تبيين؟!ما فائدة العلم بالحق بدون أن يبين للناس ويدعى إليه؟!إن الله ذم الذين حملوا العلم ولم يعملوا به، أو أنكروه وجانبوه فقال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5]. لكن الله جل وعلا يبين أن الذين أوتوا الكتاب عليهم ميثاق البيان فقال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].من تحمل العلم ولم يقم بحقه؛ فعليه من الله إثم عظيم. والعلم إن كان أقوالاً بلا عمل فليت صاحبه بالجهل منغمر ويقول الآخر: ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهانوا ودنسـوا محياه بالأطماع حتى تجهما يقولون لي فيك انقباض وإنـما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما فلم أجن حق العلم إن كان كلما بدا طمع صيرته لي سلما أأشقى به جمعاً وأجنيه ذلة إذاً فاتباع الجهل أولى وأحزما
 الحذر من تفريط الإنسان في مسئوليته تجاه نفسه
أيها الأحبة! الحذر الحذر من تفريط الإنسان في مسئوليته تجاه نفسه! وإن الذين يفرطون ثم يعرضون، ثم يَضِلون ويُضلون عن سبيل الله لربما كانوا على خطر عظيم، والله حذرنا من شأن أولئك الذين عطلوا مسئولياتهم فقال سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ [الأعراف:179] فبين سبحانه أولئك: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179].لا نعطل هذه الحواس، ونتهاون بمسئولياتنا تجاه أنفسنا، وكما يقول القائل: هذا العقل نعتبره كالدور الثاني نؤجره إلى فلان، حتى يضع فيه ما يريد، مع حبـي وتقديري وشكري وثنائي لأي فلان كان، ووالله إني لا أقصد أحداً بعينه، إني أعلم أننا في هذه الفترة من فترات الدعوة العصيبة ابتلينا بقول القائلين: يقصد كذا ويريد كذا، فمعاذ الله أن يرمي بعضنا بعضاً بأمر لم نرده، ولكني أحذر أن نعطل هذه المنافذ والحواس، وأن نهمل مسئولياتنا تجاهها.
ملامح وسمات أهل المسئولية
أيها الأحبة! الذين يتحملون المسئولية هم نوادر، وأنتم أيها الصالحون ندرة بين الفساق، الأبرار ندرة بين الفجار، الأخيار ندرة بين الأشرار، أهل العلم ندرة بين الجهلة، أهل الإصلاح ندرة بين المفسدين، فما هي ملامح أولئك الذين هم أهل المسئولية وأهل التحمل، لهذا أسأل الله أن نكون وإياكم منهم.
 الحزم في الأمور
الأمر الآخر من ملامح وسمات الذين هم ذوو جدارة أن يتحملوا المسئولية تجاه أنفسهم وأمتهم، أولئك الذين يأخذون الأمور بحزم وجد، والنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه لما سأل ربه، قال: (أسألك العزيمة على الرشد) لم يسأل الله الرشد فقط، وإنما سأل ربه العزيمة على الرشد: (والغنيمة في البر) فكل يعرف الرشد؛ لكن من الذي يأخذ الرشد بعزيمة ويقوم به؟والله جل وعلا قال: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ * خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة:62-63] ما أكثر الذين سمعوا وحضروا وجلسوا، ولكن منتهى الأمر أن نبيت على الفرش، وقلَّ أن تجد من يقول: ماذا قدمت؟ ماذا أنتجت؟ وماذا قدمت وماذا أخرت؟ الأقل من القليل. وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
الناس كإبل مائة
أيها الأحبة: قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة) واسمحوا لي أن أكون صريحاً معاشر الأحباب!معاشر الأبرار من هذه الأمة! إننا كمثل قوم واسمحوا لي أن أكون قاسياً في المثال يا إخوة! دعونا أنفسنا أيضاً إلى بر ورشد، فوقفنا عند حد معين، الكثير الكثير من أبناء الصحوة المباركة غاية ما عنده أنه يذكر ساعة كان فيها منحرفاً فتاب إلى الله، فأطلق لحيته وقصر ثوبه، ومن نام على الدرب وصل.نام عند هذه النقطة وما قدم شيئاً أبداً، هل تبنيت برنامجاً في أسرتك، في بيتك، في مجتمعك، في التعليم، في الإرشاد، في الوعي، في التوجيه، في جانب من جوانب الدعوة؟!(الناس كإبل مائة) ولذلك لو تقف عند باب المسجد، وتعد كل مائة على جنب، وأخرجت منهم واحداً. هل فيكم أيتها المائة من قام بأمر أو مشروع طبقه واستمر به؟ أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، ينفع الله به الأمة، الخير يتوسع، وكما قيل: الوجود الطبيعي له نمو طبيعي، إذا كان هذا المجتمع كما يقول علماؤنا: الأصل في مجتمعنا الخير، والشر طارئ، الأصل السنة، والبدعة طارئة، الأصل الأخذ بالإسلام بجميع جوانبه، والتفريق بين ذلك طارئ، الأصل التوحيد والبدع والوثنية والشركيات -معاذ الله أن تكون لو كانت- طارئة. يقول العلماء: الوجود الطبيعي له نمو طبيعي، فكون الصحوة مجودة ونشيطة ومتنامية في هذا المجتمع؛ هذا أمر طبيعي جداً جداً، نعم قد نعجب حينما توجد صحوة في اتجاه صحيح نحو التوحيد في بعض البلدان الإسلامية، مع الحماس للإسلام والرغبة والتشجيع نقول: الحمد لله هذا شيء جيد، عليهم أن يتجهوا للتوحيد وأن ينتبهوا للتوحيد، لكن هنا وجود التوحيد أمر طبيعي. فالشيء الذي له وجود طبيعي، يكون نموه طبيعياً، رجل وزوجته في أسرة بعد خمس سنوات وجدنا عندهم أربعة أولاد هل يعتبر نمو هذه الأسرة من رجل وزوجة إلى وجود أربعة من الذرية امتداداً بدعياً أو يعتبر هذا نمواً طبيعياً؟ في الواقع أن رجلاً وزوجته بعد خمس سنوات عندهم أربعة أطفال هذا نمو طبيعي، فالواقع يفترض عليك أن يكون التزامك طبيعياً، أو أن ظاهرة التزامك أو حقيقة التزامك التي نراها اليوم ونعتبرها أمراً طبيعياً لا بد أن يكون لها -يا أخي الكريم- امتداد طبيعي، بمعنى أن يكون لك دور في أمر بمعروف أو نهي عن منكر.وأعجب من هذا وأخطر أن تجد الواحد جبّاراً في الجاهلية خواراً في الإسلام؛ كثير من أبناء الصحوة المباركة أيام فساده لا تسأل عن دهائه ومكره وتخطيطه وفهلوته وألاعيبه وكل أسلوب يطبقه، فإذا التزم أصبح ظبياً جفولاً، وحملاً وديعاً، وحمامة سلام في منقارها غصن الزيتون، أين تلك القوة؟ (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام) لا نقول: يوم أن كنت تدمر قبل التزامك، نريدك بعد الالتزام تأخذ لك (ساكتون) وترمي الدش -كما يظن البعض- بطريقة خاطئة فاشلة جاهلة من أولها إلى آخرها، ولا نريدك أن تمد يدك في إنكار منكر أو تغير المنكر بالقوة وباليد، لا، لكن نريد الصبر والعمل والثبات، ولن تبلغ الغاية إلا بطول نفس واستعانة بالله، وكثرة ذكر يعينك على الثبات على ذلك. والله إني أعجب من شاب يوم أن تسمع عن أخباره إبان انحرافه أو قبل استقامته تجد العجب العجاب! ولما استقام؛ لم يتجاوز خطوات من بيته إلى مسجده، جزاك الله خيراً على هذه الاستقامة، ونحن لا نقول: كل الأمة تفتر، المطلوب شيء والواقع شيء آخر، ولا نقول: إن الأمة من أولها إلى آخرها ما لم يكونوا كلهم دعاة، وكلهم أهل أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ فإنها أمة فاشلة، لكن الذين يمثلون صفوة المجتمع، وخيار الأمة في المجتمع يفترض أن يكونوا دعاة وهداة وأهل طاقة حركية، وأهل إنتاج وأهل تفجر، وأهل خير ونور يصل أقصى أماكن الظلام حتى يملأها، ويهزم جحافل الظلام فيها، مجالات الدعوة وتحمل المسئولية كثيرة، فهل نجد من يقول: أنا لها؟
 الحزم في الأمور
الأمر الآخر من ملامح وسمات الذين هم ذوو جدارة أن يتحملوا المسئولية تجاه أنفسهم وأمتهم، أولئك الذين يأخذون الأمور بحزم وجد، والنبي صلى الله عليه وسلم في دعائه لما سأل ربه، قال: (أسألك العزيمة على الرشد) لم يسأل الله الرشد فقط، وإنما سأل ربه العزيمة على الرشد: (والغنيمة في البر) فكل يعرف الرشد؛ لكن من الذي يأخذ الرشد بعزيمة ويقوم به؟والله جل وعلا قال: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ * خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة:62-63] ما أكثر الذين سمعوا وحضروا وجلسوا، ولكن منتهى الأمر أن نبيت على الفرش، وقلَّ أن تجد من يقول: ماذا قدمت؟ ماذا أنتجت؟ وماذا قدمت وماذا أخرت؟ الأقل من القليل. وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
أسباب التهرب من المسئولية
إن كثيراً من أحبابنا يتهربون من هذه المسئولية لأسباب عديدة:
 دعوى ""لم يحن الوقت بعد""
من السبل التي يتهرب بها كثير من الشباب عن تحمل مسئولياتهم، يقول بعضهم: لم يحن الوقت بعد، حتى الآن لم يأتِ الوقت المناسب حتى أتحرك، ومتى يحين الوقت المناسب حتى تتحرك أطال الله عمرك؟ مثلما قال: حرب حزيران انتهت وكل حرب بعدها ونحن طيبون حتى تغلل اليهود في بلادنا ونحن راجعون صاروا على مترين من أبوابنا ونحن عائدون ناموا على فرشنا ونحن راجعون لم يحن الوقت بعد كل يوم مصيبة ولم يحن الوقت بعد! مصائب المسلمين تترى ولم يحن الوقت بعد! متى يحين الوقت إذاً؟ قيل انتظار نضوج الكرم ما انتظروا نضج العناقيد لكن قبلها التهبوا واليوم تسعون بليوناً وما بلغوا نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب جاء المنجمون أيام عمورية وقالوا للقائد: انتظر حتى يكن الكوكب الغربي في الذنب وحتى يقطف العنب، وحينئذٍ يكون طالعك السعد حينما تغزو، فقال المعتصم : لا ننتظر عنباً ولا ذنباً، نغزو وننصر تلك المرأة التي قالت: وامعتصماه.اليوم صبرنا، وعصر الزيتون والعنب وصار مخللاً وما تحرك ذلك الذي يقول: لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد، وبالذات أعاتب شباب الجامعات والمدرسين وطلبة المعاهد العليمة وطلبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالذات، والجامعات الإسلامية أمة القرى وجامعة الملك عبد العزيز، والجامعة الإسلامية بـالمدينة ، عندكم علم لو عرضتموه على واقع المسلمين لوجدتم أنكم قمة بالنسبة لهم، فماذا قدمتم؟ قوارير عطر مغلقة، نعم يوجد داخل الزجاجة عطر، لكن واحداً لن يشم أريجاً ولو لحظةً واحدة، والسبب مجموعة معلومات وعدم نفع، وعدم نشر، وعدم سعي بهذا العلم، فيا أخي الكريم! بلّغ وانفع من علمك بما أتاك الله سبحانه وتعالى. الذي يقول: لم يحن الوقت بعد.إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتاء ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى متى تبدأ بالعلم والدعوة إذا كان هذا حر، وهذا برد، وهذا يمين وهذا يسار؟!! والله جل وعلا بين أن من شأن أولئك المنافقين، الذين قالوا: لا تنفروا في الحر، الوقت غير مناسب: قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [التوبة:81-82] قضية التسويف والتأجيل ولم يحن الوقت بعد، والله ما أظن أن وقتاً الأمة الإسلامية بأمس الحاجة إلى أموال أبنائها وجهد أبنائها وفكر أبنائها، وسعي أبنائها ورجالها ونسائها مجتمعين في مثل هذا الزمن الذي باتت العداوة فيه صراحة منكشفة علنية ضد الإسلام وفي مواجهة الإسلام، ولا نحتاج إلى أن نبرهن على هذا كله.وبعض الشباب يقول: الظرف الآن لا يناسب أو لم يحن الوقت بعد، وكل ظرف بعده ظرف لا يناسب. وإني أقول لكم: انظر إلى ظرف يوسف عليه السلام وهو أنه في السجن، وما جعل رأسه بين رجليه، ويديه على خديه، وقال: واحسترك يا يوسف! لقد جُعلت عبداً وأنت حر، وألقيت في غيابة الجب وأنت بريء وأنت الحبيب إلى أبيك فصرت قصياً؟ لا، لما دخل السجن التفت يمنة ويسرة؛ فبدأ بالدعوة: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] أي: لا يوجد هناك وقت اسمه وقت دعوة ووقت جلوس عن الدعوة، نعم قد يكون من مصلحة الدعوة عدم طرح بعض المواضيع في فترة معينة، وترك بعض المواضيع قاطبة لفئة من علماء الأمة الكبار، قد يكون هذا من مصلحة الدعوة؛ لكن لا يعني ذلك التوقف عن الدعوة أبداً، ويعقوب عليه السلام والموت يدنو وقد بات وشيكاً منه: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [البقرة:133] هذا وقت تنازع فيه الروح، سكرات الموت مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي [البقرة:133] سبحان الله العلي العظيم! ما قال: والله هذا وقت غرغرة، ما أنا فارغ لأولادي بل قال: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ [البقرة:133] إلى آخر ما قالوا.والنبي صلى الله عليه وسلم في اللحظات الأخيرة من سكرات الموت، ويقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت) ولما حانت اللحظة الأخيرة قال: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) أمة لا تعرف التوقف عن الدعوة في أي حال من الأحوال.وأما صاحبنا الحبيب الذي نقول له: تحرك، ادع، اعمل لهذا الدين، تحمل مسئوليتك، فيقول: الوقت غير مناسب، لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد.ابن تيمية مؤلفات كثيرة ألفها في السجن، ما قال: والله هذا مكان لا يناسب فيه التأليف أو الدعوة، لما انقطع به السبيل عن الدعوة باللسان؛ سخر القلم للدعوة إلى الله جل وعلا في السجن، وكذلك الإمام أحمد وغيره.وبعض أحبابنا تجد له زلة أو زلتين أو هنة أو هنتين، ويقول: إني إذا ذكرت فعلتي تلك لا أستطيع أن أدعو إلى الله، إني إذا ذكرت غلطتي تلك لا أستطيع أن أتحمل مسئولية، وكيف أتحمل مسئولية وأنا قبل ليلة فعلت واجترحت!يا أخي الكريم! لا تجمع مع الذنب ذنباً بترك العمل، وإهمال المسئولية، بل كفِّر ذنوبك بتحمل المسئولية والبذل لأجلها، إن أبا محجن رضي الله عنه مع أنه كان مدمناً للخمر، ما قال: إني مدمن للخمر ولا حاجة ولا داعي أن أخرج للقتال مع سعد بن أبي وقاص في القادسية، وإنما خرج ومن شدة ولعه بالخمر شربها هناك، فكانت عقوبته أن يمنع أن يشهد ساحة المعركة، فيربط في القيد، ولما سمع الصهيل والصليل أخذ يردد أبياته المشهورة: كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا إذا قمت عناني الحديد وغلقت مصارع دوني قد تصم المناديا وأخذ ينادي سلمى زوجة سعد بن أبي وقاص ، ويقول: يا سلمى! فكي قيدي، والله لك علي إن عدت حياً أن أضع نفسي في القيد، ما قال: والله أنا شارب خمر وما فكر بالشهادة في سبيل الله، قال: يا سلمى فكي هذا القيد، يريد أن يقاتل، فتعطيه سلمى البلقاء فرس سعد، وينـزل أبو محجن وسعد بن أبي وقاص كان مريضاً، وشهد المعركة عن بعد من المعمعة، لكنه لم يكن في وسط المعركة، ومع ذلك يلام على ذلك وقيل فيه ما قيل:فعدنا وقد آمت نساء كثيـرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم أي: سعد بعيد عن المعركة، ما تتأيم واحدة من نسائه، ومع هذا كله ينظر سعد إلى ذلك الفارس الذي يفلق هام الكفار فيقول: [الكر كر البلقاء، والطعن طعن أبي محجن، ولكن أبا محجن في الحبس والبلقاء في القيد]، فيعود وتخبره سلمى وتقول: بلى هي البلقاء وذاك هو أبو محجن، فيعود بعد ذلك ويقول: [والله لا جلدتك بعدها] ثم يقول أبو محجن: [والله لا شربتها بعد اليوم] كنت أشربها حين أطهر منها، أما الآن فو الله لا أشربها أبداً.
تحمل المسئولية والعمل للإسلام
أيها الأحبة! نحن إذاً بحاجة أن نتحمل المسئولية وأن نعمل للإسلام، وأنا أعلم يا إخوان أن واقعنا اليوم صير التلميذ أستاذاً، وصير الأستاذ شيخاً، وصير الشيخ علامة، ولكن أيها الأحبة! هذا واقعنا، وزكاة المال من المال، والقوم يؤمهم أمثلهم، فإذا كان أبناؤنا وأحبابنا من جيل الصحوة هم أمثل جيلنا، فلماذا لا يتحمل مسئولياتهم؟! هل ننتظر شركة كورية توجه للدعوة والإصلاح، هل ننتظر عقداً نبرمه مع شركة كندية أو استرالية تقوم بواقعنا الذي عجزنا أن ننهض به، هي مسئولياتنا، وذاك مجتمعنا، وهذا واجبنا فلنقم به كل على قدر ما يستطيع. أيها الأحبة! إننا نستطيع أن نقدم للدين أموراً كثيرةً جداً، وأقل ذلك أن يوجد الهم والاهتمام للإسلام، أعني إياك أن يستوي عندك أن ترى تسجيلات إسلامية وتسجيلات غنائية، أن يستوي عندك مشروع خيري ومحل فيديو، أن يستوي عندك نصرة للمسلمين ومصيبة على المسلمين.إن من الناس من أخذ يقتات ويجتر قضايا المسلمين للاستمتاع والأخبار، بل وبعضهم يقول: نحن رأينا في الـmbc أن المسلمين في كذا صار لهم كذا وكذا، لا يقول هذا الكلام من أجل أن يبين أن المسلمين قد حصل لهم شيء، لكن انظروا عندنا دش.مصيبة أن الواحد أصبح يفتخر بنقل الأخبار عن المسلمين فقط، وفي نفس الوقت يفتخر بما يسلطه على بيته ونفسه، لا أن يجعل ذلك سبباً في نصرة أو دعم أو عمل أو تأييد، يقول سفيان : إني لأرى المنكر، فلا أستطيع أن أغيره فأبول دماً من شدة المعاناة.نريد ولو معاناة نفسية، نريد دعوة بظهر الغيب، نريد أن تكف ألسنة الذين يقولون في المجالس ما يقولون، نريد أن تذب عن أعراض إخوانك، نريد أن تدعو لهم بظهر الغيب. لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعف النطق إن لم تسعف الحال كلمة طيبة، صدقة تنفعك ولا تضرنا يا أخي الكريم، كذلك كما قلت: احذر أن توزع الشريط الممنوع والكتاب الممنوع، بعض الناس في المكتبة الإسلامية يقول: بموجب فهرس تسجيلات التقوى، فإن رقم هذا الشريط (9999) يتكلم على الانتخابات في بعض الدول العربية، ومع ذلك تضيق ( 9999) فلا يجد فيها شريطاً واحداً يصلح للتوزيع والدعوة، ولا يحلو له إلا أن يوزع شريطاً ممنوعاً، لماذا يا أخي تعرض الدعوة وتعرض نفسك للمهاترات؟ وتعرض المنهج والطريق والعمل لمثل هذه الاختناقات التي لا داعي لها، الأمر يومئذٍ لله، شريط مُنع، الخير في غيره إن شاء الله. هل الأمة هلكت، ضاقت، غرقت، ماتت إن لم تسمع هذا الشريط؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، البعض لا يجد أمامه إلا مثل هذا، فأحذر أقول: وزع واعمل في شريط وكتاب مفسوح حتى إذا قال لك واحد: تعال يا مطوع ما عندك؟ أنت عندك منشورات وأنت عندك أشرطة، فتقول: تعال يا حبيبـي هذا الشريط مفسوح برقم وتاريخ من وزارة الإعلام.قبل مدة في أحد الأحياء قام مدير فرع أحد البنوك يوزع دعوة للمساهمة والعمل في فرع البنك الذي افتتح في الحي في كل البيوت، وما تجد إلا النادر أو أندر النادر من يقول: لماذا تدخل دعاية للبنك الربوي تحت بيوتنا؟ وتعطي لأطفالنا أو تسلم للغادين والرائحين في حينا، لماذا لم يقل أحد هذا الكلام؟ لكن لو وجدت إنساناً يوزع على جيرانه بعض الأشرطة في أحكام الحج والعمرة، قرب موسم الحج، وقرب موعد الامتحانات التحذير من المخدرات، التحذير من جلساء السوء، التحذير من التبرج والسفور، والله هذا المجتمع غريب فيه أشياء غريبة، لا يا أخي الحبيب! يوم وزعت دعاية عن بنك تهز رأسك، ولما وزع شريط يدفع البلاء والهلاك تعترض قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117].يا أخي الكريم! نحن وإياك بهذا العمل نسعى لدفع الهلاك عن الأمة وذلك بإصلاحها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل عمل تستطيع أن تقدمه، وإذا أهمك الشيء، استطعت أن توجد لنفسك مجالاً تدعو فيه إلى الله، وتتحمل فيه مسئولية.
 دعوى ""لم يحن الوقت بعد""
من السبل التي يتهرب بها كثير من الشباب عن تحمل مسئولياتهم، يقول بعضهم: لم يحن الوقت بعد، حتى الآن لم يأتِ الوقت المناسب حتى أتحرك، ومتى يحين الوقت المناسب حتى تتحرك أطال الله عمرك؟ مثلما قال: حرب حزيران انتهت وكل حرب بعدها ونحن طيبون حتى تغلل اليهود في بلادنا ونحن راجعون صاروا على مترين من أبوابنا ونحن عائدون ناموا على فرشنا ونحن راجعون لم يحن الوقت بعد كل يوم مصيبة ولم يحن الوقت بعد! مصائب المسلمين تترى ولم يحن الوقت بعد! متى يحين الوقت إذاً؟ قيل انتظار نضوج الكرم ما انتظروا نضج العناقيد لكن قبلها التهبوا واليوم تسعون بليوناً وما بلغوا نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب جاء المنجمون أيام عمورية وقالوا للقائد: انتظر حتى يكن الكوكب الغربي في الذنب وحتى يقطف العنب، وحينئذٍ يكون طالعك السعد حينما تغزو، فقال المعتصم : لا ننتظر عنباً ولا ذنباً، نغزو وننصر تلك المرأة التي قالت: وامعتصماه.اليوم صبرنا، وعصر الزيتون والعنب وصار مخللاً وما تحرك ذلك الذي يقول: لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد، وبالذات أعاتب شباب الجامعات والمدرسين وطلبة المعاهد العليمة وطلبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالذات، والجامعات الإسلامية أمة القرى وجامعة الملك عبد العزيز، والجامعة الإسلامية بـالمدينة ، عندكم علم لو عرضتموه على واقع المسلمين لوجدتم أنكم قمة بالنسبة لهم، فماذا قدمتم؟ قوارير عطر مغلقة، نعم يوجد داخل الزجاجة عطر، لكن واحداً لن يشم أريجاً ولو لحظةً واحدة، والسبب مجموعة معلومات وعدم نفع، وعدم نشر، وعدم سعي بهذا العلم، فيا أخي الكريم! بلّغ وانفع من علمك بما أتاك الله سبحانه وتعالى. الذي يقول: لم يحن الوقت بعد.إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتاء ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى متى تبدأ بالعلم والدعوة إذا كان هذا حر، وهذا برد، وهذا يمين وهذا يسار؟!! والله جل وعلا بين أن من شأن أولئك المنافقين، الذين قالوا: لا تنفروا في الحر، الوقت غير مناسب: قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [التوبة:81-82] قضية التسويف والتأجيل ولم يحن الوقت بعد، والله ما أظن أن وقتاً الأمة الإسلامية بأمس الحاجة إلى أموال أبنائها وجهد أبنائها وفكر أبنائها، وسعي أبنائها ورجالها ونسائها مجتمعين في مثل هذا الزمن الذي باتت العداوة فيه صراحة منكشفة علنية ضد الإسلام وفي مواجهة الإسلام، ولا نحتاج إلى أن نبرهن على هذا كله.وبعض الشباب يقول: الظرف الآن لا يناسب أو لم يحن الوقت بعد، وكل ظرف بعده ظرف لا يناسب. وإني أقول لكم: انظر إلى ظرف يوسف عليه السلام وهو أنه في السجن، وما جعل رأسه بين رجليه، ويديه على خديه، وقال: واحسترك يا يوسف! لقد جُعلت عبداً وأنت حر، وألقيت في غيابة الجب وأنت بريء وأنت الحبيب إلى أبيك فصرت قصياً؟ لا، لما دخل السجن التفت يمنة ويسرة؛ فبدأ بالدعوة: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] أي: لا يوجد هناك وقت اسمه وقت دعوة ووقت جلوس عن الدعوة، نعم قد يكون من مصلحة الدعوة عدم طرح بعض المواضيع في فترة معينة، وترك بعض المواضيع قاطبة لفئة من علماء الأمة الكبار، قد يكون هذا من مصلحة الدعوة؛ لكن لا يعني ذلك التوقف عن الدعوة أبداً، ويعقوب عليه السلام والموت يدنو وقد بات وشيكاً منه: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [البقرة:133] هذا وقت تنازع فيه الروح، سكرات الموت مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي [البقرة:133] سبحان الله العلي العظيم! ما قال: والله هذا وقت غرغرة، ما أنا فارغ لأولادي بل قال: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ [البقرة:133] إلى آخر ما قالوا.والنبي صلى الله عليه وسلم في اللحظات الأخيرة من سكرات الموت، ويقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت) ولما حانت اللحظة الأخيرة قال: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) أمة لا تعرف التوقف عن الدعوة في أي حال من الأحوال.وأما صاحبنا الحبيب الذي نقول له: تحرك، ادع، اعمل لهذا الدين، تحمل مسئوليتك، فيقول: الوقت غير مناسب، لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد.ابن تيمية مؤلفات كثيرة ألفها في السجن، ما قال: والله هذا مكان لا يناسب فيه التأليف أو الدعوة، لما انقطع به السبيل عن الدعوة باللسان؛ سخر القلم للدعوة إلى الله جل وعلا في السجن، وكذلك الإمام أحمد وغيره.وبعض أحبابنا تجد له زلة أو زلتين أو هنة أو هنتين، ويقول: إني إذا ذكرت فعلتي تلك لا أستطيع أن أدعو إلى الله، إني إذا ذكرت غلطتي تلك لا أستطيع أن أتحمل مسئولية، وكيف أتحمل مسئولية وأنا قبل ليلة فعلت واجترحت!يا أخي الكريم! لا تجمع مع الذنب ذنباً بترك العمل، وإهمال المسئولية، بل كفِّر ذنوبك بتحمل المسئولية والبذل لأجلها، إن أبا محجن رضي الله عنه مع أنه كان مدمناً للخمر، ما قال: إني مدمن للخمر ولا حاجة ولا داعي أن أخرج للقتال مع سعد بن أبي وقاص في القادسية، وإنما خرج ومن شدة ولعه بالخمر شربها هناك، فكانت عقوبته أن يمنع أن يشهد ساحة المعركة، فيربط في القيد، ولما سمع الصهيل والصليل أخذ يردد أبياته المشهورة: كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا إذا قمت عناني الحديد وغلقت مصارع دوني قد تصم المناديا وأخذ ينادي سلمى زوجة سعد بن أبي وقاص ، ويقول: يا سلمى! فكي قيدي، والله لك علي إن عدت حياً أن أضع نفسي في القيد، ما قال: والله أنا شارب خمر وما فكر بالشهادة في سبيل الله، قال: يا سلمى فكي هذا القيد، يريد أن يقاتل، فتعطيه سلمى البلقاء فرس سعد، وينـزل أبو محجن وسعد بن أبي وقاص كان مريضاً، وشهد المعركة عن بعد من المعمعة، لكنه لم يكن في وسط المعركة، ومع ذلك يلام على ذلك وقيل فيه ما قيل:فعدنا وقد آمت نساء كثيـرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم أي: سعد بعيد عن المعركة، ما تتأيم واحدة من نسائه، ومع هذا كله ينظر سعد إلى ذلك الفارس الذي يفلق هام الكفار فيقول: [الكر كر البلقاء، والطعن طعن أبي محجن، ولكن أبا محجن في الحبس والبلقاء في القيد]، فيعود وتخبره سلمى وتقول: بلى هي البلقاء وذاك هو أبو محجن، فيعود بعد ذلك ويقول: [والله لا جلدتك بعدها] ثم يقول أبو محجن: [والله لا شربتها بعد اليوم] كنت أشربها حين أطهر منها، أما الآن فو الله لا أشربها أبداً.
دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ودعوة السجناء
من المجالات الحساسة والخطيرة دعوة غير المسلمين إلى الإسلام. لو وظفنا جميع الحاضرين في هذا المسجد في هذا العمل فإنهم لا يكفون لهذه المهمة، المشكلة أنك تدعو رجلاً كافراً إلى الإسلام فيسلم، يرجع إلى الشركة التي كان يعمل فيها، فيختلط مع المشركين والكفار، فيفتنونه ويغرونه، ويستهزئون به، يرهبونه ويرغبونه، الحل كما قال أحد الدعاة جزاه الله خيراً، قال: الحل في طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة، كان إذا أسلم أحد المشركين جعله أخاً لواحد من الصحابة، فلو دخل في الدين مسلم جديد؛ قال أحد الشباب: أنا له، أعطوني إياه، رجلي في رجله، أذهب أنا وإياه، أعلمه الفاتحة، أعلمه كيف يصلي، أعلمه الوضوء، أعلمه شيئاً من الكلمات العربية، لن أدعه حتى أجعله يقف على قدميه بإذن الله، حينئذٍ نجد في الأمر إمكانية ونجد في الأمر قدرة.أيضاً من المواضيع المهمة التي يستطيع الإخوة أن يتحملوا فيها مسئولية وينفعوا بها إخوانهم المسلمين: دعوة السجناء، وهم قد اجتمعوا لك، ولا يستطيعون أن يهربوا من عندك، والجهات الرسمية تشجع وتعين، وربما تعطي مكافئة لمن أرادها في هذا المضمار وهذا المجال، إذاً فإني أدعو كل واحد من إخواننا أن يتحمل جزءاً من المسئولية في مجال يستطيع أن يقدم فيه قليلاً أو كثيراً.
 دعوى ""لم يحن الوقت بعد""
من السبل التي يتهرب بها كثير من الشباب عن تحمل مسئولياتهم، يقول بعضهم: لم يحن الوقت بعد، حتى الآن لم يأتِ الوقت المناسب حتى أتحرك، ومتى يحين الوقت المناسب حتى تتحرك أطال الله عمرك؟ مثلما قال: حرب حزيران انتهت وكل حرب بعدها ونحن طيبون حتى تغلل اليهود في بلادنا ونحن راجعون صاروا على مترين من أبوابنا ونحن عائدون ناموا على فرشنا ونحن راجعون لم يحن الوقت بعد كل يوم مصيبة ولم يحن الوقت بعد! مصائب المسلمين تترى ولم يحن الوقت بعد! متى يحين الوقت إذاً؟ قيل انتظار نضوج الكرم ما انتظروا نضج العناقيد لكن قبلها التهبوا واليوم تسعون بليوناً وما بلغوا نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب جاء المنجمون أيام عمورية وقالوا للقائد: انتظر حتى يكن الكوكب الغربي في الذنب وحتى يقطف العنب، وحينئذٍ يكون طالعك السعد حينما تغزو، فقال المعتصم : لا ننتظر عنباً ولا ذنباً، نغزو وننصر تلك المرأة التي قالت: وامعتصماه.اليوم صبرنا، وعصر الزيتون والعنب وصار مخللاً وما تحرك ذلك الذي يقول: لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد، وبالذات أعاتب شباب الجامعات والمدرسين وطلبة المعاهد العليمة وطلبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالذات، والجامعات الإسلامية أمة القرى وجامعة الملك عبد العزيز، والجامعة الإسلامية بـالمدينة ، عندكم علم لو عرضتموه على واقع المسلمين لوجدتم أنكم قمة بالنسبة لهم، فماذا قدمتم؟ قوارير عطر مغلقة، نعم يوجد داخل الزجاجة عطر، لكن واحداً لن يشم أريجاً ولو لحظةً واحدة، والسبب مجموعة معلومات وعدم نفع، وعدم نشر، وعدم سعي بهذا العلم، فيا أخي الكريم! بلّغ وانفع من علمك بما أتاك الله سبحانه وتعالى. الذي يقول: لم يحن الوقت بعد.إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتاء ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى متى تبدأ بالعلم والدعوة إذا كان هذا حر، وهذا برد، وهذا يمين وهذا يسار؟!! والله جل وعلا بين أن من شأن أولئك المنافقين، الذين قالوا: لا تنفروا في الحر، الوقت غير مناسب: قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [التوبة:81-82] قضية التسويف والتأجيل ولم يحن الوقت بعد، والله ما أظن أن وقتاً الأمة الإسلامية بأمس الحاجة إلى أموال أبنائها وجهد أبنائها وفكر أبنائها، وسعي أبنائها ورجالها ونسائها مجتمعين في مثل هذا الزمن الذي باتت العداوة فيه صراحة منكشفة علنية ضد الإسلام وفي مواجهة الإسلام، ولا نحتاج إلى أن نبرهن على هذا كله.وبعض الشباب يقول: الظرف الآن لا يناسب أو لم يحن الوقت بعد، وكل ظرف بعده ظرف لا يناسب. وإني أقول لكم: انظر إلى ظرف يوسف عليه السلام وهو أنه في السجن، وما جعل رأسه بين رجليه، ويديه على خديه، وقال: واحسترك يا يوسف! لقد جُعلت عبداً وأنت حر، وألقيت في غيابة الجب وأنت بريء وأنت الحبيب إلى أبيك فصرت قصياً؟ لا، لما دخل السجن التفت يمنة ويسرة؛ فبدأ بالدعوة: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] أي: لا يوجد هناك وقت اسمه وقت دعوة ووقت جلوس عن الدعوة، نعم قد يكون من مصلحة الدعوة عدم طرح بعض المواضيع في فترة معينة، وترك بعض المواضيع قاطبة لفئة من علماء الأمة الكبار، قد يكون هذا من مصلحة الدعوة؛ لكن لا يعني ذلك التوقف عن الدعوة أبداً، ويعقوب عليه السلام والموت يدنو وقد بات وشيكاً منه: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [البقرة:133] هذا وقت تنازع فيه الروح، سكرات الموت مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي [البقرة:133] سبحان الله العلي العظيم! ما قال: والله هذا وقت غرغرة، ما أنا فارغ لأولادي بل قال: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ [البقرة:133] إلى آخر ما قالوا.والنبي صلى الله عليه وسلم في اللحظات الأخيرة من سكرات الموت، ويقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت) ولما حانت اللحظة الأخيرة قال: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) أمة لا تعرف التوقف عن الدعوة في أي حال من الأحوال.وأما صاحبنا الحبيب الذي نقول له: تحرك، ادع، اعمل لهذا الدين، تحمل مسئوليتك، فيقول: الوقت غير مناسب، لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد.ابن تيمية مؤلفات كثيرة ألفها في السجن، ما قال: والله هذا مكان لا يناسب فيه التأليف أو الدعوة، لما انقطع به السبيل عن الدعوة باللسان؛ سخر القلم للدعوة إلى الله جل وعلا في السجن، وكذلك الإمام أحمد وغيره.وبعض أحبابنا تجد له زلة أو زلتين أو هنة أو هنتين، ويقول: إني إذا ذكرت فعلتي تلك لا أستطيع أن أدعو إلى الله، إني إذا ذكرت غلطتي تلك لا أستطيع أن أتحمل مسئولية، وكيف أتحمل مسئولية وأنا قبل ليلة فعلت واجترحت!يا أخي الكريم! لا تجمع مع الذنب ذنباً بترك العمل، وإهمال المسئولية، بل كفِّر ذنوبك بتحمل المسئولية والبذل لأجلها، إن أبا محجن رضي الله عنه مع أنه كان مدمناً للخمر، ما قال: إني مدمن للخمر ولا حاجة ولا داعي أن أخرج للقتال مع سعد بن أبي وقاص في القادسية، وإنما خرج ومن شدة ولعه بالخمر شربها هناك، فكانت عقوبته أن يمنع أن يشهد ساحة المعركة، فيربط في القيد، ولما سمع الصهيل والصليل أخذ يردد أبياته المشهورة: كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا إذا قمت عناني الحديد وغلقت مصارع دوني قد تصم المناديا وأخذ ينادي سلمى زوجة سعد بن أبي وقاص ، ويقول: يا سلمى! فكي قيدي، والله لك علي إن عدت حياً أن أضع نفسي في القيد، ما قال: والله أنا شارب خمر وما فكر بالشهادة في سبيل الله، قال: يا سلمى فكي هذا القيد، يريد أن يقاتل، فتعطيه سلمى البلقاء فرس سعد، وينـزل أبو محجن وسعد بن أبي وقاص كان مريضاً، وشهد المعركة عن بعد من المعمعة، لكنه لم يكن في وسط المعركة، ومع ذلك يلام على ذلك وقيل فيه ما قيل:فعدنا وقد آمت نساء كثيـرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم أي: سعد بعيد عن المعركة، ما تتأيم واحدة من نسائه، ومع هذا كله ينظر سعد إلى ذلك الفارس الذي يفلق هام الكفار فيقول: [الكر كر البلقاء، والطعن طعن أبي محجن، ولكن أبا محجن في الحبس والبلقاء في القيد]، فيعود وتخبره سلمى وتقول: بلى هي البلقاء وذاك هو أبو محجن، فيعود بعد ذلك ويقول: [والله لا جلدتك بعدها] ثم يقول أبو محجن: [والله لا شربتها بعد اليوم] كنت أشربها حين أطهر منها، أما الآن فو الله لا أشربها أبداً.
عواقب إهمال المسئولية
وختاماً أيها الأحبة! ما الذي يترتب على إهمال المسئولية؟ يترتب على إهمال المسئولية شر مستطير وخطر كبير، قال صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة -أي: ضربوا القرعة على سفينة- فكان لبعضهم أعلاها، وكان لبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفل السفينة، إذا أردوا الماء مروا على من فوقهم، فقال الذين في أسفلها: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن هم أخذوا على أيدهم؛ نجوا ونجوا جميعاً).إن ترك المسئولية وتعليق المسئولية يمنة ويسرة، وتهربنا من المسئولية من نذر الهلاك في المجتمع، الله جل وعلا قال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]. فإذا أردنا صلاحاً وبقاءً ونعماً تترى متتابعة على مجتمعنا وفي بلادنا وأمتنا، فعلينا أن نتحمل مسئولياتنا وأدوارنا، أما أن يضيع كلٌ دوره، ويريد أن تمتلئ المخازن بالأغذية، والأسواق بالأطعمة، والبواخر بالنعم، وخيرات البلاد تجبى إلينا من كل جانب وهو يرى منكراً لا ينكر، أو معروفاً يضيع ولا يقوم بواجبه، وغاية ما عنده أن يهز رأسه ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا بد أن تتحمل مسئوليتك، وأن تقوم بدورك، واسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليوشكن الله أن يعمكم بعذاب ثم يدعو خياركم، فلا يستجاب لهم).أيها الأحبة: انظروا إلى أولئك الفجرة، والحداثيين والعلمانيين والشيوعيين والفسقة وأهل الضلالة، كل منهم قد طوق نفسه، وتوج نفسه تتويج الضلالة لا الهداية بمسئولية تحملها، فتجد ضالاً ضليلاً ينبري لزاوية أدبية، لا يبرحها ولا يدعها قيد أنملة، وتجد آخراً يمسك بجانب، فلا يفتر قائماً عليه أبداً، وتجد الآخر يمسك بقضية معينة، فيوالي فيها العمل والجهد والبذل.أما مشكلة الكثير من أبنائنا الملتزمين اليوم التذويق، ذواقين يوم نعمل في الجاليات، ويوم نعمل في السجن، ويوم نعمل في الفقراء، ويوم نعمل مع المعوقين، ويوم نعمل.. نعم هذا عمل خير، ولكن التخصص والصبر والجلد على مجال معين، يعطي الإنتاج فيه بإذن الله تعالى، أخي الكريم انظر إلى همة ذلك الشاعر الذي يقول: أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر وأشجع مني كل يوم سلامتـي وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر تمرست في الأهوال حتى تركتها تقول أمات الموت أو ذعر الذعر وأقدمت إقدام الأبي كأن لـي سوى مهجتي أو كان لي عندها وتر فتىً لا يضم القلب همة قلبه ولو ضمها قلب لما ضمه صدر نريد واحداً يحمل هماً من هموم الأمة، ويتحمل مسئوليةً وينبري لها، ويقول: أنا لها، وقبل ذلك يسأل الله أن يكون سعيه خالصاً لوجه الله الكريم: (القصد القصد تبلغوا، من سار أدلج، ومن أدلج بلغ المنـزل، ألا وإن سلعة الله غالية، ألا وإن سلعة الله الجنة).فيا أحبابنا إذا أردنا أن نمضي على طريق الأنبياء والصالحين من بعدهم والذين اهتدوا بهديهم وساروا على طريقتهم، فالعمل العمل لهذا الدين، مسئوليتنا جميعاً، ولا تجعل العمل وتحمل المسئوليات في المناسبات، منذ الليلة إن كنت جاداً تحسب على هذه الصحوة، فأسأل نفسك أي مسئولية تتحملها، إن شاء الله لو تعلم عامل النظافة الذي في المسجد القرآن وشيئاً من اللغة العربية والعقيدة الصحيحة، تأخذ لك خمسة عمال تكون مسئولاً عنهم، تذهب بهم إلى صلاة الجمعة، تردهم إلى بيوتهم، تعتمر وإياهم، تتفقد أحوالهم، تحل مشاكلهم مع العميل، شاب من جيرانك أو أقاربك تنذر نفسك له في كل الأوقات المناسبة عندك، أن تذهب به وتئوب وتعود معه، تعطيه الكتاب والنصيحة وتزوره، تأكل معه شيئاً، تشرب معه شيئاً، تقضي حاجته، تعينه، حتى بعد مدة تراه في عداد المهتدين، هكذا العمل الذي نريده.أما الحماس والعواطف، والناس كإبل مائة كما نرى واقعنا اليوم لا نكاد نجد من يتحمل المسئولية، فهذا عيب، وهذا عار علينا، وعيب على أمة الإسلام التي بلغت الآن الألف مليون وستمائة مليون، وهي تجثم على ثروات وخيرات في أفضل المواقع، ومع ذلك ما تجد لهذه الأمة أثراً، لأن الأمة مجموعة أفراد، وكل فرد ضيع مسئوليته.أحبابنا: نموذج على تحمل المسئولية في العمل، إذا رأيت الشاب المسلم أول من يدخل الدوام وآخر من ينصرف؛ فإنه جدير بالمسئولية، أما لأنك ملتزم تريد أن نعفو عنك، لأنك جئت متأخراً، ولأنك ملتزم؛ تريد أن نسمح بأخطائك في العمل، ولأنك ملتزم تريد أن نغفر خطاياك في واجباتك، لا، يا أخي الكريم! التزامك يحملك مسئولية أضعاف أضعاف ما يتحمل زملاؤك، لا تجعل التزامك وتدينك حجة أو ذريعة لكي ينظر الناس إليك نظرة مميزة مع تقصيرك وتفريطك في واجباتك، ومصيبة الأمة أن ينظر من يتصيد أخطاءها إلى الملتزمين من أبنائها في مواقع التقصير والإخلال بالمسئولية، ومنها جانب العمل، فهذا نموذج أو مجال من مجالات التحدي.هل تثبت أنك جدير بتحمل المسئولية، حدد ساعة من يوم، ويوماً من أسبوع، وأياماً من شهر، لخدمة هذا الدين في برنامج محدد ومعين، وستنفع بإذن الله جل وعلا، وما سوى ذلك كما يقول القائل: وأنت امرؤ فينا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع لو يقال إن شاباً ملتزماً في مستشفى الثغر يحتاج إلى دم، لذهب كل واحد يتبرع بدمه، لو قيل: إن فلاناً يحتاج إلى كلية، لبحثنا له عن كلية من يمين أو يسار، أي: لما مرض فجعنا به وبذلنا له، لكن لما كان صحيحاً ماذا قدم للإسلام؟ للأسف هذه مصيبة عظيمة. ثم أحبابنا أختم بخاتمة مهمة ألا وهي أنه ينبغي أن ننظر إلى ما نحن فيه من النعم والخيرات، إن ذكرنا لسيئات مجتمعنا، وأخطاء واقعنا، وزلات ما نحن فيه، لا تجعلنا نغض النظر عن حسنات نرفل فيها ونتربع عليها، فمن واجبنا كما ننكر هذه السيئات أن نلتفت إلى هذه الحسنات، فنثني عليها ونثني على من دعا إليها، ومن قام بها، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، وبهذا نسوق ونقود دفة أمتنا إلى خير في معروف ننميه، ومنكر ننكره.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
 دعوى ""لم يحن الوقت بعد""
من السبل التي يتهرب بها كثير من الشباب عن تحمل مسئولياتهم، يقول بعضهم: لم يحن الوقت بعد، حتى الآن لم يأتِ الوقت المناسب حتى أتحرك، ومتى يحين الوقت المناسب حتى تتحرك أطال الله عمرك؟ مثلما قال: حرب حزيران انتهت وكل حرب بعدها ونحن طيبون حتى تغلل اليهود في بلادنا ونحن راجعون صاروا على مترين من أبوابنا ونحن عائدون ناموا على فرشنا ونحن راجعون لم يحن الوقت بعد كل يوم مصيبة ولم يحن الوقت بعد! مصائب المسلمين تترى ولم يحن الوقت بعد! متى يحين الوقت إذاً؟ قيل انتظار نضوج الكرم ما انتظروا نضج العناقيد لكن قبلها التهبوا واليوم تسعون بليوناً وما بلغوا نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب جاء المنجمون أيام عمورية وقالوا للقائد: انتظر حتى يكن الكوكب الغربي في الذنب وحتى يقطف العنب، وحينئذٍ يكون طالعك السعد حينما تغزو، فقال المعتصم : لا ننتظر عنباً ولا ذنباً، نغزو وننصر تلك المرأة التي قالت: وامعتصماه.اليوم صبرنا، وعصر الزيتون والعنب وصار مخللاً وما تحرك ذلك الذي يقول: لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد، وبالذات أعاتب شباب الجامعات والمدرسين وطلبة المعاهد العليمة وطلبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالذات، والجامعات الإسلامية أمة القرى وجامعة الملك عبد العزيز، والجامعة الإسلامية بـالمدينة ، عندكم علم لو عرضتموه على واقع المسلمين لوجدتم أنكم قمة بالنسبة لهم، فماذا قدمتم؟ قوارير عطر مغلقة، نعم يوجد داخل الزجاجة عطر، لكن واحداً لن يشم أريجاً ولو لحظةً واحدة، والسبب مجموعة معلومات وعدم نفع، وعدم نشر، وعدم سعي بهذا العلم، فيا أخي الكريم! بلّغ وانفع من علمك بما أتاك الله سبحانه وتعالى. الذي يقول: لم يحن الوقت بعد.إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتاء ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى متى تبدأ بالعلم والدعوة إذا كان هذا حر، وهذا برد، وهذا يمين وهذا يسار؟!! والله جل وعلا بين أن من شأن أولئك المنافقين، الذين قالوا: لا تنفروا في الحر، الوقت غير مناسب: قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً [التوبة:81-82] قضية التسويف والتأجيل ولم يحن الوقت بعد، والله ما أظن أن وقتاً الأمة الإسلامية بأمس الحاجة إلى أموال أبنائها وجهد أبنائها وفكر أبنائها، وسعي أبنائها ورجالها ونسائها مجتمعين في مثل هذا الزمن الذي باتت العداوة فيه صراحة منكشفة علنية ضد الإسلام وفي مواجهة الإسلام، ولا نحتاج إلى أن نبرهن على هذا كله.وبعض الشباب يقول: الظرف الآن لا يناسب أو لم يحن الوقت بعد، وكل ظرف بعده ظرف لا يناسب. وإني أقول لكم: انظر إلى ظرف يوسف عليه السلام وهو أنه في السجن، وما جعل رأسه بين رجليه، ويديه على خديه، وقال: واحسترك يا يوسف! لقد جُعلت عبداً وأنت حر، وألقيت في غيابة الجب وأنت بريء وأنت الحبيب إلى أبيك فصرت قصياً؟ لا، لما دخل السجن التفت يمنة ويسرة؛ فبدأ بالدعوة: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] أي: لا يوجد هناك وقت اسمه وقت دعوة ووقت جلوس عن الدعوة، نعم قد يكون من مصلحة الدعوة عدم طرح بعض المواضيع في فترة معينة، وترك بعض المواضيع قاطبة لفئة من علماء الأمة الكبار، قد يكون هذا من مصلحة الدعوة؛ لكن لا يعني ذلك التوقف عن الدعوة أبداً، ويعقوب عليه السلام والموت يدنو وقد بات وشيكاً منه: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [البقرة:133] هذا وقت تنازع فيه الروح، سكرات الموت مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي [البقرة:133] سبحان الله العلي العظيم! ما قال: والله هذا وقت غرغرة، ما أنا فارغ لأولادي بل قال: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ [البقرة:133] إلى آخر ما قالوا.والنبي صلى الله عليه وسلم في اللحظات الأخيرة من سكرات الموت، ويقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت) ولما حانت اللحظة الأخيرة قال: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) أمة لا تعرف التوقف عن الدعوة في أي حال من الأحوال.وأما صاحبنا الحبيب الذي نقول له: تحرك، ادع، اعمل لهذا الدين، تحمل مسئوليتك، فيقول: الوقت غير مناسب، لم يحن الوقت بعد، لم يحن الوقت بعد.ابن تيمية مؤلفات كثيرة ألفها في السجن، ما قال: والله هذا مكان لا يناسب فيه التأليف أو الدعوة، لما انقطع به السبيل عن الدعوة باللسان؛ سخر القلم للدعوة إلى الله جل وعلا في السجن، وكذلك الإمام أحمد وغيره.وبعض أحبابنا تجد له زلة أو زلتين أو هنة أو هنتين، ويقول: إني إذا ذكرت فعلتي تلك لا أستطيع أن أدعو إلى الله، إني إذا ذكرت غلطتي تلك لا أستطيع أن أتحمل مسئولية، وكيف أتحمل مسئولية وأنا قبل ليلة فعلت واجترحت!يا أخي الكريم! لا تجمع مع الذنب ذنباً بترك العمل، وإهمال المسئولية، بل كفِّر ذنوبك بتحمل المسئولية والبذل لأجلها، إن أبا محجن رضي الله عنه مع أنه كان مدمناً للخمر، ما قال: إني مدمن للخمر ولا حاجة ولا داعي أن أخرج للقتال مع سعد بن أبي وقاص في القادسية، وإنما خرج ومن شدة ولعه بالخمر شربها هناك، فكانت عقوبته أن يمنع أن يشهد ساحة المعركة، فيربط في القيد، ولما سمع الصهيل والصليل أخذ يردد أبياته المشهورة: كفى حزناً أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا إذا قمت عناني الحديد وغلقت مصارع دوني قد تصم المناديا وأخذ ينادي سلمى زوجة سعد بن أبي وقاص ، ويقول: يا سلمى! فكي قيدي، والله لك علي إن عدت حياً أن أضع نفسي في القيد، ما قال: والله أنا شارب خمر وما فكر بالشهادة في سبيل الله، قال: يا سلمى فكي هذا القيد، يريد أن يقاتل، فتعطيه سلمى البلقاء فرس سعد، وينـزل أبو محجن وسعد بن أبي وقاص كان مريضاً، وشهد المعركة عن بعد من المعمعة، لكنه لم يكن في وسط المعركة، ومع ذلك يلام على ذلك وقيل فيه ما قيل:فعدنا وقد آمت نساء كثيـرة ونسوة سعد ليس فيهن أيم أي: سعد بعيد عن المعركة، ما تتأيم واحدة من نسائه، ومع هذا كله ينظر سعد إلى ذلك الفارس الذي يفلق هام الكفار فيقول: [الكر كر البلقاء، والطعن طعن أبي محجن، ولكن أبا محجن في الحبس والبلقاء في القيد]، فيعود وتخبره سلمى وتقول: بلى هي البلقاء وذاك هو أبو محجن، فيعود بعد ذلك ويقول: [والله لا جلدتك بعدها] ثم يقول أبو محجن: [والله لا شربتها بعد اليوم] كنت أشربها حين أطهر منها، أما الآن فو الله لا أشربها أبداً.
الأسئلة

  دروس الشيخ في جدة غير موجودة
السؤال: لم تجب على موضوع الدرس الأسبوعي أو الشهري في جدة؟الجواب: هذا ما ينسى، والله يا أخي الكريم لست أهلاً أن ألقي درساً أسبوعياً أو شهرياً، رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، أي: أنا أعطي الدروس والمحاضرات الأسبوعية في الكلية، وإن كان عندي من مقدرة فلأصحاب الحي عندنا في السيرة، وليس بوسعي ولا بمقدوري أن أعطي درساً أسبوعياً في جدة أو شهرياً.أكرر مرة أخرى لإخواني طلبة جامعة أم القرى في الكليات الشرعية وجامعة الملك عبد العزيز والجامعة الإسلامية وجامعة الإمام محمد: يا إخوان! قرى المملكة وأطرفها وحدودها بأمس الحاجة، فيا أحبابنا المناطق التي فيها خير وفيها دعوة وفيها عمل ينبغي أن ينفر أبناؤها ورجالها للدعوة إلى تلك المواطن، أي: مثلاً لو أن أهل جدة أو الإخوان الذين في جامعة أم القرى ركزوا على المناطق الغربية وما وراء الغربية، فيكون في هذا خير عظيم، قرى كثيرة جداً بعضها لم يأتهم شيخ، وبعضهم ما سمع بمحاضرة، وبعضهم لم يقام عنده درس، وأيضاً إذا زرتموهم هناك فلا تكفي الزيارة أو إلقاء كلمة، انظر أمثلهم طريقة ورتب معه أن يقيم درساً للقرآن أسبوعياً، انظر أحد المدرسين في المدرسة ممن ترى فيه الخير، قل له: لماذا لا تقيم درساً؟ مادة التوحيد التي تدرسها في المتوسطة والثانوية درسها للعوام بعد صلاة المغرب يوماً من الأسبوع، الناس بحاجة ما عندك وفي هذا خير بإذن الله سبحانه وتعالى.ملحوظة: أود في هذه الفترة أن أنبه الشباب إلى أمر مهم، وهو أننا بحاجة إلى العقل والهدوء والاتزان، ولا تعني النصيحة بهذا أن الشباب مجانين أو شياطين معاذ الله، لكني أقول: ينبغي أن ننظر في واقعنا نظراً جيداً، وأن ننظر ما نحن بحاجة إليه من الهدوء ومن الاتزان ومن إصلاح الأمور خطوة خطوة. وفوق هذا كله ينبغي أن نعلم جيداً أننا نحن والعلماء والحكام في سفينة واحدة، فغرق السفينة يغرق الجميع، والخلل في السفينة خلل على الجميع، والخطر في السفينة خطر على الجميع، ليس الخطر على فئة دون فئة. لأجل هذا أدعو أن نستشعر المسئولية الجماعية، وأن ننظر إلى إصلاح واقعنا نظرة عامة شاملة، وإن الرجل اللبيب الذي عنده شيء من اللب حينما يريد أن يصلح جداراً من الطين مثلاً ما تجده يهدم الجدار بالكامل ثم يأتي ليبني لا، مثلاً عندنا بيت من الطين أحد جدرانه قد لعبت به الدود، أصبح نخراً، أصبح طيناً، لو أردنا أن نصلح هذا الجدار، فإننا لو أزلنا الجدار كله؛ سقط الدور الذي فوقه وسقط البيت كله، فإصلاح الجدار يكون على طريقة القدماء يأتون إلى الجدار الطين، فيأخذون خمس بلوكات فقط من الجدار وبقية الجدار الطيني الضعيف قائم، فيصلحونها ثم يأخذون خمس أخرى فيصلحونها، ثم خمس أخرى فيصلحونها وهكذا.اللبيب بالإشارة يفهم ونحن بأمس الحاجة إلى الإصلاح الهادئ، وأن نضع أيدينا في يد كل غيور ومخلص وناصح، من عالمٍ أو حاكمٍ أو ولي أمرٍ أو داعيةٍ أو مسئول، وأن نمد جسور الصلة على ما نرى، وفوق ما نرى، وفي مواجهة ما نرى، حتى نفوت الفرصة على من يثير الفتنة يبن فئة هذا المجتمع، حتى يقضي على الجميع صغاراً وكباراً.أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشباب والمسئولية [2،1] للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net