اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وقفات تربوية للشيخ : سعد البريك


وقفات تربوية - (للشيخ : سعد البريك)
يقول صلى الله عليه وسلم: ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) فمن تولى أمراً من أمور المسلمين فهو راع ومسئول عن رعيته يوم القيامة، حتى لو كان مدرساً فهو مسئول عن طلابه في فصله وعن ريادته لهم، وكلما كانت الرعية في حال من الضعف كانت المسئولية أعظم، وقد تكلم الشيخ عن ذلك بأمور تفيد المربي في تربيته.
ستر الله على عبده
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أيها الأحبة الفضلاء، والإخوة النبلاء! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.كل يوم لا نعصي الله فيه فهو يوم عيد، وكل يوم نتشرف بلقاء أحبة كرام بررة أمثالكم فهو يوم عيد، إني لشاكر لأخوي ما ذكراه في مقدمتيهما المباركة، مع أنني لا أستحق ما ذكره الأول جزاه الله كل خير مما أحسن به الظن، وأسأل الله أن يستجيب ما دعا به أيضاً.ومن جمّله الله في الدنيا فإنما جمّله الله بالستر، وكما يقول ابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر: يا أيها المسكين! إذا رأيت إعجاب الناس بك فاعلم أنما أعجبهم ستر الله عليك؛ لأن العبد إذا كشف الله للخلق كل مساوئه -حتى ولو سيئاته في تعامله مع أولاده وأهله- ربما نفر الخلق منه، ولكن الله سبحانه وتعالى ستير يحب الستر، ويستر على عباده ما يكون منهم، من هفوات أو غلطات أو رعونة أو غضب أو غير ذلك، فلا يرى الناس منا ظاهراً إلا أحسن ما زيننا الله به وهو الستر.وما يكون بيننا في خاصة أحوالنا وبيوتنا وأولادنا -كل لا يخلو من عيب أو نقص، والكمال لله عز وجل- فذاك جميل لولا بخل فيه، وذاك طيب لولا غضب فيه، وذاك صالح لولا هفوة منه، وذاك وذاك .. إلى غيرك ذلك.ومن ثم أحبتي في الله! من سمع ثناء على أحد، فليعلم أن هذا الذي أثُني عليه إنما استحق الثناء بسبب صفة من صفات الله، وهي صفة ستر الله على عباده، إن الله ستير يحب الستر، ولذلك ندب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى من ستره الله أن يمسك ستر الله عليه، وألا يهتك أستار الله عنه، فقال صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون قيل: ومن المجاهر يا رسول الله؟ قال: من يمسي يعصي الله، فيصبح يهتك ستر الله عليه، يقول: فعلت البارحة كذا وكذا).ومن دلائل هذه الصفة، أن الله ستير يحب الستر: أن الأشعة المقطعية والتحاليل المجهرية والمخبرية لا تستطيع أن تكشف الشخص هل هو بخيل، أم كاذب، أم صادق، أم مخلص، أم منافق، أم جاد، أم هازل، أم غير ذلك؟أنت تستطيع أن تجد هذا الشخص، وتأخذ عينات من دمه، وعينات من عظمه ولحمه، وتجعل جسمه بالكامل تحت ما يسمى بالكات اسكان -الأشعة المقطعية- ومع ذلك لا تستطيع أن تحكم بعد هذه التحاليل أن تقول: أظهرت التحاليل أن فلاناً بخيل، أو أن فلاناً كريم، أو أن فلاناً سريع الغضب، أو لين العريكة، أو جميل التواضع، أو حسن الخلق، أو نبيل المعاملة، هذا شيء تعلمونه تماماً.فأسأل الله أن يتم علينا وعليكم ستره، وأسأل الله أن يثبتنا وإياكم على طاعته، وأن يصلح أحوالنا جميعاً، وما أحوجنا إلى سؤال الله الثبات، فإن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء.وما سمي الإنسان إلا لنسيه وما القلب إلا لأنه يتقلب أحبتنا في الله: بعد شكري لإدارة هذا المعهد، ولإخوتي الأساتذة الفضلاء، وأولياء الأمور، وأخص صديقي وحبيبي في الله الأستاذ/ سعود بن ناصر السياري صديق الصبا على ما أكرمني به من هذه الدعوة شاكراً ومقدراً حسن ظن الجميع بي.
 

الإعاقة ليست مانعاً من الإنتاج والبذل والعطاء
أقول أيها الأحبة: لا أظن أن عامّياً في مجال التعليم الخاص مثلي يمكن أن يضيف إلى معارف المختصين والمهتمين شيئاً جديداً، سوى إرشادات وتوجيهات لا تعدوا أن تكون مواعظ، وتأملات مكتوبة، لعلها أن تدفعنا جميعاً إلى مزيد البذل والعناية والرعاية والاهتمام.ونحن حينما ننطلق في كل أعمالنا إنما ننطلق من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فالحاكم راع ومسئول عن الرعية، ورب البيت راع ومسئول عن أولاده وزوجته وبناته، والمدرس راع ومسئول عن طلابه في فصله، وعن ريادته، والتعليم في شتى مجالاته، وعلى اختلاف مستوياته (الثانوي والجامعي وغيره) كل من تولى فيه مسئولية فهو فيها راع، ومسئول ومحاسب بين يدي الله عز وجل.ولا تقف المسئولية فقط في هذه الصور التي ذكرنا، بل حتى ضابط المرور راع ومسئول عن هذا الطريق الذي وكل به، ورجل الأمن راع ومسئول عن ذلك، والشرطي والجندي والحارس، وكل من تولى أو أسند إليه أمر، سواءً بتكليف الشرع، أو بتكليف من له الولاية على الناس في الشرع، فإنه راع وهو مسئول أمام الله عز وجل عن ذلك.والعناية بالذين يحتاجون إلى عناية خاصة وتعليم خاص، لا شك أنه نوع من المسئولية التي نسأل عنها، ونحاسب عليها، سيما من أسندت إليهم هذه الهمة، بحكم اختصاصهم وتعلمهم، وكلما كانت الرعية في حال من الضعف، كلما كانت المسئولية أعظم، ألا ترون أن الطفل السوي يحتاج إلى عناية ورعاية تفوق رعاية الكبير والعناية به، فإذا كان الطفل معوقاً فهذا لا يعفي من المسئولية بل يزيدنا تحملاً.وإن كان كثيراً من الناس اليوم يظن أن الإعاقة عذر في الإهمال، وعذر في ترك الرعاية، وهذا ليس بصحيح أبداً.نعم. إن نوع الإعاقة يتباين من شخص إلى آخر، ويترتب على هذا التباين أحكام عديدة ومختلفة، يتحكم فيها المستوى العقلي والإدراك الذي هو مناط التكليف في الشريعة، فمن إعاقته في بصره يختلف حاله وتعليمه عمن إعاقته في سمعه ونطقه ومن إعاقته في سمعه ونطقه، يختلف تعليمه وحاله عمن إعاقته في ضعف تلقيه، يختلف حاله عمن إعاقته في أطرافه وجوارحه.فكلها على الاصطلاح الحديث المعاصر تدخل في نوع الإعاقة، لكن تباين أنواع الإعاقة يملي أنواعاً جديدة مختلفة من العناية والاهتمام في الأساليب والوسائل وغير ذلك، فعلى سبيل المثال: المجنون الذي لا يعقل شيئاً غير مكلف في الشرع، حتى ولو كان أقوى من المصارعين بدناً، أو أسرع من العدائين ركضاً، أو أحد من زرقاء اليمامة بصراً.وما ذاك إلا لغياب العقل، فربما ترى مجنوناً طويلاً عريض القامة مفتول العضلات، قوي الهيئة، ومع ذلك لا يستطيع أن يدبر من حاله شيئاً يسيراً، وربما من نسميه معاقاً يفوقه درجات كثيرة جداً في حاله، وهذا يؤكد أن اختلاف نوع الإعاقة يملي من الأحكام الشرعية، والوسائل التعليمية ونوع المعاملة أشياء كثيرة تختلف باختلاف نوع الإعاقة.وفي المقابل قد ترى معوقاً في سمعه أو بصره أو طرفاً من أطرافه لكنه يقود أمة من الأمم، ويفزع جيوشاً، ويزعج دولة، على سبيل المثال في عصرنا الحاضر كلكم يسمع بالشيخ أحمد ياسين في فلسطين، مكث زمناً طويلاً في سجون إسرائيل، ودولة اليهود عجزت عن هذا الرجل الذي لا يستطيع أن يرفع الطعام إلى فمه، ولا يستطيع أن يتحرك خطوة بقدمه، ولا يستطيع أن يقلب ورقة عن منضدة أمامه، هذا الرجل يصدق عليه أن إعاقته في الجوارح والأطراف إعاقة رباعية كاملة، إلا أنه يزعج دولة إسرائيل إزعاجاً لا حدود له.ولولا أنها تخشى من مشكلات تتفجر وتتفاقم ويصعب السيطرة عليها لم تتردد في قتله في السجن، لكنها آثرت أن تخرجه لما تردت حالته الصحية، آثروا أن يخرجوه لعله أن يموت خارج السجن، فكتب الله له العافية والشفاء، وجاء وأخذ جولة في كثير من الدول العربية ثم عاد، ولا يزال غصة وشجاً في حلق اليهود هناك.إذاً: ليست الإعاقة دالة على عدم الإنتاج، وليست الإعاقة دالة على عدم العطاء أو البذل أو القدرة على التغيير والتأثير، ليس هذا على إطلاقه أبداً، ولا نذهب بعيداً فقبل أحمد ياسين ، سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز ، هو فاقد للبصر ومع ذلك يقود أمة المبصرين، ويعد عالماً بل شيخ الإسلام في عصره، ولا يستطيع أحد أن ينسب عالماً إلى درجته في علمه وحلمه وكرمه وجاهه، وبذله نفسه وشفاعته، وقضاء حوائج المسلمين ليس فقط في هذه البلاد، بل في العالم أجمع، ولم يمنع سماحته رحمه الله فقده البصر من أن يكون رجلاً عالمياً وشيخ الإسلام في حياته.إذاً: نحتاج إلى أن نغير النظرة والتصور عن المعوقين، تلك النظرة القاصرة عند كثير من الناس الذين يرون المعوق كتلة من اللحم والعظم البشري لا يمكن أن تستثمر، ولا يمكن أن يستفاد مما فيها من مواهب أو طاقات أو قدرات، بل إن كثيراً من النظريات المعاصرة في هذا المجال تقول: إن نوع الإعاقة قد يقود إلى الإبداع والاختراع، وذلك ربما يشعر الإنسان بأن لديه نقص في جانب، ومن ثم يغطي هذا النقص بقوة التحدي والعناد والإصرار والثبات والدأب والجلد لكي يبدع في جوانب شتى، وهذا أمر ملاحظ.وحسبنا أن نعلم أن الكثير من المبتكرين والمخترعين لم يكونوا ليبدعوا بكمال الأجسام وحمل الأثقال، وإنما أبدعوا بإعمال العقول، وإطالة التأمل وكثرة التفكير، وتلك عبادة يحث عليها الشرع ويثيب عليها، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران:190-191].فأولوا الألباب الذين أثنى عليهم الله عز وجل في كتابه لم يحدد وزن أجسامهم، ولا طول قاماتهم، ولا قدراتهم البدنية، وإنما أثنى عليهم بكثرة ذكر الله، وبكثرة تفكرهم في خلق الله عز وجل.وينبغي أن نعلم أن الإنسان لا يوجد معدوماً، ولكنه يكتشف موجوداً، الغرب لم يوجدوا قانوناً اسمه السرعة مع الكتلة يؤدي إلى طيران الحجم المتسارع في كتلة معينة على وضع معين، لا. هذه قوانين الله سنّها، هذه سنن كونية في الكون، الله عز وجل من سنته الجاذبية، ومن سنته أن هناك أشياء تطفوا على المياه، ومن سنته أن الهواء ينقل الصور والكلمات، من سنن الله في الكون أشياء كثيرة. فالغربي حينما يجلس في المختبر أو مكان التجارب التطبيقية، والمشاهدات والتحليل وغير ذلك، هو في الحقيقة لا يجلس ليبحث عن شيء معدوم ليوجده، وإنما هو يجرب تجارب عديدة حتى يكتشف شيئاً موجوداً، إذاً هو الذي سخر لكم ما في الأرض جميعاً، هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15] وكل ما ذلـله الله وسخر الله تكتشفه العقول بالتفكير، ولم تكن يوماً طول القامات أو ضخامة الأجسام هي السبيل إلى معرفة دقائق الكون.بل أن الله دعانا لنتأمل، وجعل الإعجاز في هذا التحدي بالتأمل سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ [فصلت:53] وحتى هذا المعوق الذي ربما يظن البعض أنه قد لا يجدي شيئاً، ولا ينتج شيئاً، ربما طول تفكره في إعاقته تكون سبباً لحل مشكلة الأجيال القادمة في مواجهة الإعاقة، فهذا المعوق ربما طول تفكيره في مشكلته هو السبب والمفتاح الذي يقدم للبشرية وللأجيال القادمة البشارة بانتهاء عصر هذا النوع من الإعاقة على يد واحد من المعوقين لما طالت معاناتهم.ومعلوم أن بعض الأطباء الذين اكتشفوا بعض العقارات والأدوية لمواجهة بعض الأمراض كانوا هم أنفسهم يعانون من نفس المرض، الأمر الذي قادهم إلى التفكير في علاجه طويلاً وكثيراً.إذاً أيها الأحبة! ينبغي أن ننظر إلى المعوق أنه يمكن أن يستثمر طاقاته العقلية استثماراً متناسباً ومتوائماً ومتوافقاً مع مراحل عمره الزمنية، وأننا نستطيع أن نوجد من هذا الكائن الذي أمامنا إنساناً يفيد نفسه ومجتمعه، والحذر من أن يرى منا المعوق، أو ذلك الذي يحتاج إلى نوع من أنواع التعليم الخاص، أن يرى منا الازدراء أو الهوان، أو أنه لا يبالى به، ولا ينتفع به، ولا يقدم شيئاً أبداً، لا. فكل واحد يجعل الله فيه خيراً، مادام عنده عقل يفكر به.دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر وتحسب أنك جسم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر أيها الأحبة! أذكر ذات مرة أنني دعيت إلى معهد الأمل للصم والبكم لإلقاء محاضرة، وكان عندهم كل يوم إثنين من أول الشهر محاضرة يستضيفون فيها بعض المشايخ، ولهم عالم عجيب وغريب وممتع وجميل لمن يختلط بهم، لأنه ليس هناك إزعاج، ولا تسمع ضجيجاً، لكنهم في الحقيقة في ضجيج من الإشارات والكلمات، حتى إن الأستاذ عبد الرحمن الفهيد -ذكره الله بخير- كان هو الذي يترجم الكلمات إلى إشارات، فأحياناً أريد أن أتأكد هل هؤلاء الذين لا ينطقون ولا يسمعون يفهمون الكلام الذي يترجم بالإشارة، فأعمد إلى سرد بعض القصص المضحكة أو الطرائف الفكاهية، حتى أنظر هل هم فعلاً يفهمون هذه الكلمات حينما تترجم بالإشارة، فأجد أنهم حينما تسرد عليهم قصة مضحكة أو طرفة فكاهية يتساقطون ضحكاً.. فهم فهموا هذه القصة التي ترجمت لهم بالإشارة فهماً دقيقاً.ومن الغرائب الجميلة -لا بأس أن نستمتع ببعض القصص معهم- أن أحدهم دعاني ذات مرة لحضور زواجه، فمع الاحتكاك أصبحنا نتعلم منهم بعض الإشارات وبعض الكلمات، فدعوت شخصاً كان حاضراً معنا في الزواج، فقلنا له: أنت متى تتزوج؟ وإشارة الزواج عندهم هي شبك الأصابع هكذا، هذه إشارة فصيحة، وإذا أراد أن يكلمك بالإشارة العامية يحرك لسانه ويفعل هكذا، أي: زغردة.فناديته وقلت له: متى زواجك؟فضحكوا كلهم على هذه الإشارة، قالوا: لا. هذه معناها سحب سيارة، طيب كيف إشارة الزواج؟ إشارة الزواج هكذا، لاحظ دقة الإشارة، وهي تعني: دقة الفكرة، واختلاف مضمون الفكرة، هكذا تكون في التشليح والورش، وهكذا تكون في قصور الأفراح والأقفاص الذهبية، فمع أنهم معوقون من جانب النطق والسمع، إلا أن لديهم الكثير من الأفكار المذهلة.ثم دعوني مرة أخرى لإلقاء محاضرة، فقلت للأستاذ عبد الرحمن الذي كان يترجم: اليوم -وكان معي مجموعة من الإخوان- نحن اليوم ضيوف عليكم، نريد أن نسمع منكم محاضرة، نريد أحد الصم أن يلقي محاضرة بالإشارات، وأنت يا عبد الرحمن ! ترجمها لنا كلمات.اجعلهم هم الذين يتكلمون بإشاراتهم، وترجم إشاراتهم إلى كلمات، فقام أكثر من واحد وشاركوا في حوار أو ندوة، وأخذوا يلقون كلماتهم عبر الإشارات، والأستاذ عبد الرحمن يترجمها بالكلمات، فهالني ما سمعت من قوة أفكارهم وعمق تأملهم وتفكيرهم.إذاً: لا تظن أن أي إنسان عنده نوع إعاقة أنه لا فائدة منه، أو أنه لا يفكر، ومناط العقل هو التكليف، ومثل هؤلاء يكلفون بكل الأحكام والشرائع وبكل العبادات إلا ما تعذر تطبيقه بسبب نوع هذه الإعاقة.لذا -أيها الأحبة- ليست كل إعاقة مانعة من انطلاق الفكر، بل ربما كانت تحدياً يدفع الفكر إلى التوقد، ويشحذ إلى غزارة التأمل.
 

وقفة مع مدرس التربية الخاصة
هذه وقفة مع مدرس التربية الخاصة أقول فيها: إذا علمت ذلك فتأمل وتأكد أنك كغيرك من المعلمين، لا شك أنك قدوة يتأثر بك من حولك، ويتلقى عنك، فاتق الله واجتهد أن تكون قدوة حسنة صالحة في كل أحوالك، وخاصة أمام طلابك ممن يحتاجون إلى تعليم خاص، أو هذا النوع من التعليم.لا تظن أن هذا الذي يحتاج إلى مهارات متقدمة في التعليم الخاص معناه أنه قاصر الإدراك، ومن ثم لا يتأثر بأستاذه وبمعلمه، إن البهائم تتأثر وهي البهائم بالاختلاط والمخالطة، فما بالك ببعض الطلاب الذين لديهم نوع قصور في بعض الجوانب، هل نظن أنهم لا يتأثرون؟الجواب: لا.الحقيقة أنهم يتأثرون، ومن هنا تتضاعف المسئولية، والأمانة الملقاة على عاتق مدرس ومعلم التربية الخاصة، ليتق الله في هؤلاء.ثم ليجعل معلم التربية الخاصة أمام عينه أنه معلم يحتسب الأجر في التعليم الذي لا يتقنه كثير من المعلمين.قد يكون الطالب السوي أمام معلم مهمل في المدارس الابتدائية العادية، لكن هذا الطالب قد يعوض إهمال معلمه بتعليم خصوصي.. أستاذ خصوصي، دروس خصوصية، أو تعليم في البيت، أو قدرات ذاتية، أو وسائل تلقين وتعليم أخرى، لكن الطالب الذي يحتاج إلى تعليم خاص إذا أهمل معلمه فلا يوجد في البيت متخصص في التعليم الخاص، ولا يوجد في كثير من الوسائل الإعلامية وغيرها ما يعين على تعليم هذا الذي يحتاج إلى هذا النوع.ولذا تكون المسئولية على معلم التعليم الخاص في الحقيقة أكثر، لكن معلم التربية الخاصة لا يعوض جهده شيء من تعليم أسرة أو قدرة ذاتية، فالطالب الذي يحتاج إلى التعليم الخاص إذا أهمله معلمه أو لم يلتفت له، فقل: عليه السلام.ومن فاته التعليم وقت شبابـه فكبر عليه أربعاً لوفاته ومن لم يذق مر التعلم ساعـة تجرع ذل الجهل طول حياته هنا مسألة مهمة، وهي دور الأسرة في الرعاية والمعاملة لهذا الذي يحتاج إلى هذا النوع الخاص من التعليم.فبعض الأسر ربما أشعروا ولدهم أنه فرد عادي كسائر أفراد الأسرة، ويعطونه ما يتحمل من المسئوليات، ويخاطبونه بما يفهم من أنواع الخطاب، ويكلفونه بما يطيق من أنواع التكاليف، ومن ثم يشعرونه أنه قريب إلى الأسوياء، إن لم يكن يرى نفسه سوياً كالآخرين، فلا يجد أي عقدة تواجهه في تعامله وسلوكه وتصرفاته.ولكن في الحقيقة بعض الأسر إما بسبب الإهمال والاحتقار، أو بسبب مزيد من الدلال والخوف، أشعروا ولدهم بواحد من هذين السببين، أو بهما مجتمعين أو متفرقين.. ربما أشعروه أنه مصيبة نزلت عليهم، وأنه بلوى لا يجدون لها خلاصاً إلا بنقله إلى المقبرة، وأنه حالة عجز لا تقاوم ولا يستفاد منها بأي حال من الأحوال.ومن هنا فإني أقول لأولياء الأمور: أنتم مسئولون في هذا الجانب، أشعروه بما يستطيعه ويطيقه من تكاليف، ويستوعبه من خطاب أنه سوي إن لم يكن قريباً من السوي، أما أن نعامل البقية معاملة السوي، وهذا الذي عنده نوع نقص معين قلنا عنه: مجنون، ناقص عقل، ودائماً هذه العبارات التي يسمعها منا هي في الحقيقة تجهض كل بدايات تتوجه في عقله نحو الانطلاق والانفتاح والاستيعاب والفهم.وأذكر ذات مرة أني رأيت فلماً مترجماً فيه امرأة تحكي قصة تعاملها مع ابنتها التي ليست فيها إعاقة واحدة بل عدة إعاقات، لكن هذه البنية لديها قدرات ممتازة، وتفهم الخطاب، وتستجيب، ولديها تفاعل، وعندها هوايات معينة.ففي هذا اللقاء تسأل المرأة قيل لها: كيف استطعتِ أن تبلغي بهذه البنت هذا المستوى الذي ربما بعض الأطفال الأسوياء لم يبلغوه حتى الآن؟ -مقارنة بالعمر الزمني والعقلي إذا ناسبت بينهما- فتقول: كرست لها أمرين: أعطيت لها من وقتي كل يوم جزءاً، وأعطيت جميع أهل البيت الأوامر الصارمة في احترامها والتعامل معها قدر الإمكان كأنها سوية، ومن ثم استطعنا أن نرتقي بقدراتها.يا إخوان! البهائم لها تصرف معين، لكنها إذا علّمت بطريقة معينة تعلمت، لا يمكن أن تجدوا -وأجلكم الله- حماراً أو بقرة أو ناقة أو جملاً يشتغل في السقي والحمل وغير ذلك من أول وهلة، هذا لا يقارن ولا ينسب إليه، ومع أنها بهائم وعجماوات تعلم وتعسف، ثم تتقن العمل تماماً، الآن هناك جهود ودراسات لمحاولة التخاطب والتعامل والاستفادة من الدلافين في البحار، ولعلها تكون وسيلة لتوجيه بعض السفن الكبيرة لتفادي الشعب المرجانية في بعض المواقع حتى لا تغرق ولا يحصل لها مشكلات كبيرة.انظروا إلى درجة عقول الغرب، وهؤلاء كما قال الله عز وجل: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] إذا كان هؤلاء يريدون أن يتعاملوا حتى مع البهائم ليستفيدوا من أكبر قدر ممكن من طاقاتها، يوجد -مثلاً- في بعض البلاد كلاب متخصصة لقيادة العميان، تجد شخصاً كفيفاً ومعه كلب يقوده، يقف عند الإشارة ويعرف الإشارة متى تكون خضراء ويقطع به الإشارة، ومتى تكون حمراء، لكنه لا يعرف إذا صارت صفراء أنه يستعجل ويقطع به،لا.الحاصل أنهم استغلوا حتى البهائم للاستفادة من أعلى قدر ممكن من استيعابها واستجابتها لتوظيف هذه القدرات في خدمة الإنسان، فنحن من باب أولى أن نستفيد من توجيه الإنسان وتنمية طاقاته لكي يفيد نفسه أولاً، ولعل أن يستفيد المجتمع منه ثانياً.ولأجل ذلك فإني أكرر النصيحة لشريحتين، شريحة المعلمين وشريحة أولياء الأمور أن يلتفتوا إلى هؤلاء الذين يتلقون هذا النوع من التعليم والرعاية، فلا يعاملونهم معاملة النقص والازدراء، وليتقوا الله في سلوكهم وتصرفاتهم أمامهم، ولا يجمل ولا ينبغي بأستاذ أن يدخن سيجارته أمام طلابه إذا كان مبتلاً بالتدخين، فإذا بليتم فاستتروا، وأسأل الله لنا وله الهداية.أشياء أخرى كثيرة كل ما تراه نقصاً أو عيباً فتجنبه حتى وإن كان هذا ممن تراه ناقصاً في الإدراك، أو تظن أنه لا يستوعب كثيراً، وأظن أن معلمي التعليم الخاص أدرى مني بدقائق هذه الأمور.يذكر أحد الكتاب يقول: أن ملكاً من الملوك كان له وزير، وهذا الوزير عنده فراسة عجيبة جداً، فأهدي لهذا الملك صقر -طير من الطيور الجارحة التي تصيد- فتقبل الملك هذه الهدية، وسأل الوزير قائلاً له: ما رأيك في هذا الصقر؟قال: هذا الصقر جيد، حر، لكن هذا الصقر قد تربى مع الدجاج، فعجب الملك وصمت، وأدخل هذا الصقر مع الطيور التي عنده.وبعد أيام أهدي إلى الملك حصان، فدعا وزيره وقال: ما رأيك في هذا الحصان الذي أهدي إلينا؟قال: هذا حصان جيد وممتاز ومن سلالة أصيلة، ولكنه تربى مع أبقار.استغرب الملك، الصقر مترب مع دجاج! والحصان تربى مع أبقار! من أين يأتي بهذا؟ هذا يوحى إليه؟ أم عنده خيال؟ فبعد زمن دعي الملك إلى وليمة، فجيء بالوزير، قال: ما رأيك في هذه الوليمة؟قال: هذه خراف لذيذة ولا تزال صغيرة، لكنها ترضع من الخنازير، فجن جنون الملك، وأمسك به وبتلابيبه، وقال: تعال، إما أن تخبرني عن قصة هذا الصقر الذي تربى مع دجاج، وهذا الحصان الذي تربى مع بقر، وهذه الخراف التي رضعت من خنازير، أو أنك ساحرٌ أو تدعي النبوة.قال: لا. أما الصقر فرأيته منذ أهدي إليك، نظرت إليه في القفص، كل الصقور التي عندك على أوتار، أما هو على الأرض ينقر في الديدان وفي الأرض كما تفعل الدجاج، وهذا يدل على أنه منذ صغره تربى مع دجاج فأخذ طباعها، فانظر كيف تتأثر البهائم ببعضها، والطيور تتأثر ببعضها وتتحول، فلو أتيت بحيوان من فصيلة ما، وجعلته مع حيوانات من فصيلة أخرى، فإنه ينسى كامل صفاته وخصائصه، ويقلد خصائص وصفات وتصرفات الحيوانات التي هي من الفصيلة الأخرى.قال: حسناً، وقصة الحصان؟قال: أما الحصان، فنحن نعرف أن الأحصنة تتنظف بأسنانها، أما هذا فيلحس بلسانه يميناً وشمالاً، وليست من عادة الأحصنة أنها تفعل هكذا بالجدران والأجسام وغير ذلك.قال: وأما الخراف؟قال: أما الخراف فرأيت اللحم طبقة من شحم وطبقة من لحم، وطبقة من شحم وطبقة من لحم، وهذا لا يكون إلا في الخنازير، فأيقنت أنها قد رضعت منها، فاكتسبت صفاتها.الشاهد من القصة: إذا كانت البهائم تتأثر بعضها ببعض، فمن باب أولى ألا نظن أن من يحتاج إلى التعليم الخاص، مسكين أبله معتوه لا يفهم ولا يتأثر، لا. يتأثر في تصرفات وحركات دقيقة من أستاذه ومعلمه، ومن أسرته وبيته ووالديه، هم لا يظنون أنه يتأثر بهم، من هنا فلا بد أن نتفانى في رفع مستوى الأداء للنهوض بالعملية التربوية، بتكاتف جهودنا وتعاوننا، والاهتمام بوقت هؤلاء الذين جعلهم الله عز وجل أمانة في أعناقنا، ولأن الوقت الذي نقضيه في هذا المعهد هو في الحقيقة ملك لهؤلاء، فلا يجوز أن نسلبهم من أوقاتهم شيئاً، وأن يتواصى بعضنا بعضاً، يتواصى المدرسون بعضهم مع بعض، ويتواصى الأولياء والمدرسون جميعاً على العناية بأولادهم.وأكرر.. ادفعوهم دائماً بالحب والاحترام والتشجيع، وإياكم والتحقير والاستهزاء ونظرة الازدراء، فإنها تقتل المواهب وتجهض الطاقات، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
 

الأسئلة

  حكم مس المصحف وقراءته بغير وضوء
السؤال: هل يجوز مس المصحف باليد بدون وضوء؟الجواب: هذه مسألة خلافية والأحوط ألا يمس القرآن إلا متطهر طاهر، لحديث عمرو بن حزم فيما كتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم: (وألا يمس المصحف إلا طاهر) اختلف في ذلك هل المقصود طاهر من الشرك، أم طاهر بمعنى رفع الحدث وتحقيق الوضوء، والأحوط هو ألا يمس القرآن إلا طاهر، ولا يثرب ولا يشدد في ذلك، أما القراءة فالذي أحدث حدثاً أصغر فله أن يقرأ، وأما المحدث حدثاً أكبر أو الجنابة، فلا يجوز أن يقرأ من القرآن شيئاً حتى ولا آية ولا نصف آية، إلا ما كان ضمن كلامه، كقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون وهو لا يقصد الآية، أو بسم الله الرحمن الرحيم وهو لا يقصد الآية، أو حسبنا الله ونعم الوكيل وهو لا يقصد الآية.أي: ما تلفظ به من جنس لفظ القرآن على غير قصد التلاوة فذلك جائز، أما أن يعمد ويقصد إلى التلاوة وهو جنب فلا، أما الحائض يجوز لها أن تقرأ القرآن، ويجوز لها أن تجعل المصحف في ملحفة أو أن تلبس قفازاً أو شيئاً يحول بينها وبينه وأن تمسه فلا حرج في ذلك.وقال العلماء: الفرق بين الحائض والجنب: أن الجنب يملك رفع حدثه ويملك إيقاعه -أي: الرجل يختار أن يكون جنباً، ويملك أن يرفع الجنابة بالغسل- لكن المرأة لا تملك إيقاع الحيض ولا تملك رفعه، ومن ثم جاز للمرأة أن تقرأ وإن كانت في حيض حتى لا تنسى القرآن وتهجره، ولأن حدثها ليس بيدها، بخلاف الجنب فإنه يستطيع أن يوقع الحدث ويستطيع أن يرفعه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وقفات تربوية للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net