اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عندما يكون لحياتنا معنى للشيخ : سعد البريك


عندما يكون لحياتنا معنى - (للشيخ : سعد البريك)
حينما تكون القلوب حية، يكون للحياة معناها المنشود؛ ومن نظر إلى الحياة على أنها متع وملذات، فقدت حياته معناها.وهنا بيان لمظاهر الحياة الحقيقية، ومميزات أصحابها، وأهمية الإعداد للحياة الأخرى، وقد خصصت هذه المادة حيزاً للكلام عن صلاح المرأة، وأثر ذلك، ومعاني حياتها.
نعمة الاجتماع في مجالس الذكر
الحمد لله؛ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أيها الأحبة في الله! أسأل الله جل وعلا أن يكتب خطاكم إلى هذه الروضة العبقة من رياض الجنة في موازين أعمالكم، كما أسأله أن يحط عنكم بكل خطوة خطيئة، وأن يرفع لكم بكل خطوة درجة، كما أسأله سبحانه أن يحشرنا وإياكم كما اجتمعنا بكم في هذا المكان الطيب، نسأله أن يحشرنا وإياكم في زمرة نبيه صلى الله عليه وسلم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.أيها الأحبة! إنه لجمع نباهي به بفضل الله جل وعلا، وإنه لاجتماع يبعث في النفوس الإشراق ويبعث في القلوب الأمل ويستمطر الرحمات بالدعاء من الله جل وعلا أن يسدد هذه الصحوة وأن يجعل مسيرها إلى خير، وأن يجعل عاقبتها إلى رشد وفلاح في الدنيا والآخرة، وأن يعصمها عن مواقع الزلل والفتن ما ظهر منها وما بطن.أيها الأحبة! إن جمعاً كهذا كان قبل اثنتي عشرة سنة نادراً في أكبر المدن، والله لقد كنا في المحاضرات قبل اثنتي عشرة سنة أو قبل ذلك أيضاً، يندر أن تجد اجتماعاً كهذا في مدينة من كبريات المدن، أما ونحن بفضل الله جل وعلا في منطقة من المناطق أو في ضاحية من الضواحي ونرى هذا الجمع الطيب المبارك برجاله ونسائه، بشبانه وشيبه، بذكوره وإناثه، بصغاره وكباره، فهذه نعمة نسأل الله جل وعلا أن يديمها علينا، اللهم لك الحمد كلما قلنا: لك الحمد، اللهم لك الشكر كلما قلنا: لك الشكر، اللهم لك الثناء الحسن كلما قلنا: لك الثناء الحسن.إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الآماد واتصل الدهر إذا عم بالسراء أعقب مثلهـا وإن مس بالضراء أعقبها الأجر فذلك فضل من الله عظيم جدا.
 

حياة القلوب هي الحياة الحقيقية
أيها الأحبة! موضوع هذا الحديث معكم اليوم (حينما يكون للحياة معنى).أيها الأحبة! الحياة الحقيقية ليست هي الحياة التي يراها الناس في ظاهر تصرفات بني جنسهم من الذهاب والإياب واليقظة والنوم والحل والترحال والسفر والنزول والوصول، وإنما الحياة الحقيقية هي حياة القلوب، قال جل وعلا: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] إن الحياة الحقيقية هي حياة القلوب، إن الحياة الصادقة هي توجه الأفئدة إلى بارئها إلى الذي خلقها وأنشأها من العدم، إلى الذي قسم أرزاقها وقسم آجالها، إلى الذي يطعمها ويسقيها ويكفيها ويؤويها، إن الحياة الحقيقية أن يتوجه الإنسان بقلبه وقالبه، بظاهره وباطنه، بشكله ومضمونه بجوهره وعرضه، أن يتوجه بهذا كله إلى الله جل وعلا.
 الحياة التي لا معنى لها
هذا حينما يكون للحياة معنى، أما الذين لا معنى لحياتهم فأولئك الذين يرون الحياة في لذة الجوف، ومتعة الفرج، ونظرة العين، وحلاوة الطعم، وما يشربون ويأكلون ويلبسون، وتلك وأيم الله فانية، تلك وأيم الله حياة قصيرة، تلك وأيم الله حياة لا معنى لها؛ لأنها يشاركنا فيها الدواب والبهائم والطيور وسائر بهيمة الأنعام.حياة الذين لا معنى لحياتهم ماذا يجدون فيها؟مهما بلغ الواحد من الثراء والنعم والأموال فإنه لا يلبس إلا ثوباً واحداً، ولا يرى إلا بعينين اثنتين، ولا يجد إلا أنفاً واحداً في بدن محدود القوة قصير الصحة مهدد بالسقم والآلام تصبحه أو تمسيه، حياة الذين يرون الحياة التي لا معنى لها، الذين يرون الحياة مطعما حياتهم في الحقيقة أيها الإخوة نغص ونكد وآلام.من ذا الذي قد نال راحة عمره فيما مضى من عسره أو يسره يلقى الغني لحفظه ما قد حوى أضعاف ما يلقى الفقير لفقره فأبو العيال أبو الهموم وحسرة الرجل العقيم كمينة في صدره أو ما ترى الملك العظيم بجنده رهن الهموم على جلالة قدره ولقد حسدت الطير في أوكارها فرأيت منها ما يصاد بوكره ولرب طالب راحة في نومه جاءته أحلام فهام بأمره والوحش يأتي موته في بره والحوت يأتي حتفه في بحره كيف التخلص يا أخي مما ترى صبراً على حلو القضاء ومره الحياة التي تتعلق بالمتع أو بالملك أو بالوزارة أو بالإمارة أو بالجاه أو بالثراء أو بالسلطان هي حياة والله قصيرة، ولذلك عبر عنها إمام أهل السنة صاحب تاج الوقار في المنافحة عن منهج أهل السنة والوقوف عقبة كئوداً أمام البدعة أحمد بن حنبل رحمه الله، لما ابتلي بالقول بخلق القرآن وأوذي أذىً شديداً وعذب عذاباً بليغا، جلد بالسياط فتمزق قميصه، وبقي أثر السياط على جلده، دخل عليه ولده عبد الله بن الإمام أحمد ، جاء ليسأل أباه: أين الحياة؟ أي حياة هذه؟ إمام السنة يعذب، إمام السنة في السجن، إمام السنة يعلق برجليه، إمام السنة يسجن في الجب والبئر، إمام السنة في ضيق والمبتدعة في سعة، إمام السنة في ضنك ونكد وأهل البدع على مفارش الحرير والنمارق والسندس، إمام السنة يبتلى صباح مساء وأولئك يتقلبون كيفما يشتهون، قال عبد الله بن الإمام أحمد : يا أبتي متى الراحة؟ أين الحياة؟ أين طعم الحياة؟ أين لذة الحياة؟ فقال الإمام أحمد : يا بني الراحة عند أول قدم نضعها في الجنة. فحي على تلك المنازل.فحي على جنات عدن فإنـها منازلك الأولى وفيها المخيم
بعض مظاهر الحياة الحقيقية
أيها الأحبة في الله! الحياة حينما يكون لها معنى ألا يكون همك كم تجمع من المال؟ ألا يكون همك ما تلبس من الثياب؟ ألا يكون همك أي مرتبة رقيت عليها؟ ألا يكون همك كم رصدت في رصيدك في البنك؟ ألا يكون همك كم جمعت من الدور والضياع والقصور؟ وإنما الحياة الحقيقية أن يكون همك أن تكون من عباد الله المتقين، أن تكون من المقبولين، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27] أن يكون همك أن تكون مع الثلة الذين هم على منابر من نور، أن تكون رفيقاً للأنبياء جليساً للشهداء، قريباً من الصالحين، داخلاً هذه الجنة أول الداخلين، هذه هي الحياة الحقيقية، أيضاً عندما يكون للحياة معنى فإن الفكر يختلف والبصر يختلف والسماع يختلف والخطى تختلف والبطش والأخذ والمد والرد يختلف، حينما لا يكون للحياة معنى سترى أقواماً الجميل في أعينهم ما كان جميلاً في دائرة العقل الضيق، وأما حينما يكون للحياة معنى فالجميل ما كان مرضياً لله جل وعلا، والقبيح ما كان مسخطاً لله جل وعلا، حتى ولو تزخرف الباطل، حتى ولو تزين بألوان الملابس والمراكب والمراتب، والجميل والعالي الطيب النفيس ما كان نفيساً عند الله جل وعلا.حينما يكون لحياتك معنى فبصرك بنور الله جل وعلا، وسماعك لما يرضي الله لكلام الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطواتك في الدعوة إلى الله والسير في سبيل الله والسعي في مرضاة الله جل وعلا.حينما يكون لحياتك معنى فإن نَفَسَك تسبيح، ونومك عبادة، وأكلك عبادة، وشربك عبادة، وبذلك عبادة، وأخذك عبادة، وقبضك عبادة، هذا حينما يكون للحياة معنى أن تجد النية لصيقة لا تفارقك بأي حال من الأحوال، فإذا خرجت من بيتك سألت القدم: إلى أين؟ وسألت القلب: من المقصود بهذا؟ فتقول القدم: إلى روضة من رياض الجنة، ويقول القلب: لكي نكون مع الذين غشيتهم الملائكة، وحفتهم السكينة، ونزلت عليهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده، ففي القلب إخلاص لله جل وعلا، وفي القدم سير صحيح على صراط الله المستقيم.
 الارتباط بالله من مظاهر الحياة الحقة
الحياة الحقيقية أن ترتبط النفس بالله جل وعلا، الحياة الحقيقية كما عبر عنها عبد الله بن حذافة السهمي لما بعثه عمر بن الخطاب رسولاً إلى الأكاسرة فماذا فُعل به؟ لما بعث رسولاً إلى الروم ماذا فُعل به؟ عرضوا عليه أن يتنصر فأبى فدعاه ملك الروم، وقال: أعطيك نصف ملكي وتدع دين محمد قال: لا، قال: أعطيك ملكي كله وتدع دين محمد، قال: لا، قال: فإنا نزوجك أجمل بناتنا، قال: لا، فعرض عليه المال, والجاه، والجمال، والشهرة، والمنصب، والمرتبة، فلما استنفدت وسائل الترغيب أغراضها وانتهت صلاحيتها بدأ التلويح بوسائل الترهيب والتخويف، فجاءوا برجل وقد أوقدوا ناراً عظيمة ونصبوا عليها قدراً يغلي بالماء والزيت فقذفوا واحداً من المسلمين لما ثبت على دينه ولم يرتد فأصبح لحمه يتطاير في هذا القدر وهو يراه، فلما رأى ذلك عبد الله بن حذافة السهمي بكى، فأُخبر القيصر بذلك فرد عليه: فقال: بلغني أنك لما رأيت صاحبك ألقي به في القدر، أخذت تبكي فما الأمر؟ أتعود عن دين محمد ونعطيك ما وعدناك به؟ انظروا إلى الذين يعرفون معنى الحياة، انظروا إلى الذين يعرفون حقيقية الحياة، ماذا قالوا؟ قال عبد الله بن حذافة : بكيت لأنه ليس لي إلا نفس واحدة وكم تمنيت أن لي مائة نفس تموت هذه الميتة في سبيل الله.هذا حينما يكون للحياة معنى، كما قال صلى الله عليه وسلم في موقفه وفي حديثه صلى الله عليه وسلم: (وددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل) ما قال فانتصر أو فأغنم أو فتفتح لي.. قال: (وددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل) القتل هو بداية الحياة، (ثم أغزو ثم أُقتل ثم أغزو ثم أُقتل) ثلاث مرات يرددها صلى الله عليه وسلم، هذه هي الحياة الحقيقية حينما ترتبط النفوس بالله جل وعلا، ولكن أيها الأحبة من الذي يعرف قيمة الحياة؟ هل يعرف معنى الحياة من استهلك نور البصر والبصيرة بالأفلام والمسلسلات على ألوان الشاشات؟ هل يعرف قيمة الحياة من لا يجد للسماع مذاقاً إلا في الأغاني والملاهي والطرب والزمر والدندنة؟ هل يعرف للحياة معنى من لا يجد السعي إلا إلى مجالسة البطالين والعاطلين الذين تفنى أيامهم وتنقضي ساعاتهم وتشهد عليهم ملائكة الليل والنهار بغفلتهم وإعراضهم وإدبارهم وتشهد الأرض عليهم بما يقترفون ويشهد الناس عليهم بصدهم عن سبيل الله جل وعلا؟ أهذا هو معنى الحياة؟! لا والله، الحياة الحقيقية إما أن تكون في علم وتعليم، أو في بذل ومال ترضي به وجه الله، تسلطه على هلكته في الحق، أو تكون في جهاد في سبيل الله، أو تكون في عدل وقسط بين الناس، أو تكون في ركوع وسجود وما أطيبها إذا اجتمعت جميعاً.
أثر الحياة الحقة في أهمية الإنسان
قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله وهو يبين قيمة الحياة لأهل الحياة الحقيقية: إذا ما مات ذو علـم وتقوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمة وموت الحاكم العـدل المولى بحكم الأرض منقصة ونقمة وموت الفارس الضرغام هـدمٌ فكم شهدت له بالنصر عزمة وموت فتىً كثير الجـود مـحلٌ فإن بقاءه خصب ونعمة وموت العـابد القـوام ليـلاً ينادي ربه في كل ظلمة أولئك الذين كانت حياتهم معنى، كانت حياتهم وجودا، وكان غيبتهم فقدانا، أولئك الذين كانت حياتهم عطاء وإيجابية، وكان ذهابهم سلبية وحرمانا:فحسبك خمسة يبكـى عليهم وباقي الناس تخفيف ورحمة وباقي الخلق همج رعاءٌ وفي إيجادهم لله حكمة الحياة الحقيقية أيها الأحبة أن تجد لذة العبودية وأعلى مراتب العزة بتمريغ الجبهة والأنف بين يدي الله جل وعلا، أن تشعر بالتحليق في طباق السماوات وأنت تمرغ الجبهة والأنف والجبين بين يدي الله جل وعلا.كذلك أيها الأحبة في الله حينما يكون للحياة معنى فإن الإنسان تجده بركة أينما حل وأينما كان، كما قال عيسى عليه السلام: وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ [مريم:31] .أيها الأحبة! حينما يكون للحياة معنى فإن لوجودك أثراً ولغيبتك أثراً، وحينما يكون للحياة معنى فإن لحركاتك وسكناتك وذهابك وإيابك أثراً، كما قال الله جل وعلا على لسان عيسى بن مريم: وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ [مريم:31] إخواني! من هو المبارك فينا أينما كان؟ أين المبارك في وظيفته؟ أين بركتك على زملائك في الوظيفة؟ أين بركتك على بيتك المبارك بأسرته؟ أين المبارك في مسجده؟ أين المبارك بين جيرانه؟ أين المبارك بين أصدقائه؟ أين المبارك بين زملائه؟ أين المبارك بين زملائه في الدراسة في الجامعة في الوظيفة في كل مكان حل وارتحل؟ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ [مريم:31] إن الذي تجد فيه بركة أينما حل هو الذي لحياته معنى، وأما الذي يعيش ولا أثر لحياته فذلك كما يقول القائل:وأنت امرؤ فينا خلقت لغيـرنا حياتك لا نفع وموت فاجع غاية ما يوجد بعده أن تفجع مصيبته أمه وأباه أو أهله وذويه، بموته، ويُنسى.
 افتقاد الأرض للأحياء الحقيقيين
الحياة حينما يكون لها معنى فإن الكرام الكاتبين يعرفون حسناتك ويكتبونها في ذهابك وإيابك وكل حركاتك وملائكة الليل والنهار وشهود الله في أرضه، والأرض تحدث أخبارها بصلاحك وعبادتك وأعمالك، هذه حياة لأناس كان لحياتهم معنى فأثبتتها الأرض وشهدت بها، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4] كتبتها الملائكة وسجلت وسطرت في الكتب وادخرت لك في يوم عصيب، أما حياة أهل الترف والنعيم فاسمعوا قول الله جل وعلا فيهم حينما يكونون معرضين عن هدي الله وشرعه: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:25-29] الحياة الحقيقية هي التي يفقدك حتى الجماد، حتى الجمادات تفقدك بها، أما الحياة الهزلية والحياة الضعيفة التي لا معنى ولا قيمة لها، فمن ذا الذي يفقدك؟ من ذا الذي يسألك عنك؟ أي بناء كنت تبنيه فوقف؟ أي سعي كنت تسعى به فانقطع؟ أي صلاح كنت تدعو إليه ففقد؟ أبداً ما أكثر الذين عاشوا وما أكثر الذين فقدوا: خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد رب لحد قد صار لحداً مـراراً والهاً من تزاحم الأضداد أيها الأحبة! كم عاش على الأرض قبلكم؟ أمم كثيرة وملوك كثر! وأثرياء كثر! ولكن ما ذكر إلا طائفة كانت حياتهم حقيقية فهل تجعلون لحياتكم معنى؟ هل تجددون نمط الحياة فيما يرضي الله جل وعلا؟ هل تنتقل الحياة من الأنانية والأثرة وحب الذات والسؤال عن النفس والاقتيات الشخصي إلى الحياة الواسعة لخدمة قضايا المسلمين والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الخير والمساهمة فيه، والدعاء للصالحين، على الأقل حياة القلوب بالدعاء لهؤلاء فيما يرضي الله جل وعلا.
المعاني المنشودة في حياة المرأة
أيها الإخوة: إن الخطاب إلى المكلفين في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم شامل للرجال والنساء، فحينما يكون للحياة معنى فهذا أمر على حد سواء، يوجه للرجل والمرأة، وللذكر والأنثى والفتى والفتاة، حينما يكون لحياة المرأة المسلمة معنى أماً كانت أو زوجة أو أختاً أو بنتاً فإنها تتوجه بكرامة الله لها، وبما فضلها الله به جل وعلا: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195] وهي تعرف كرامة الله لها، ورفعة منزلتها: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] فهي داخلة في الخطاب، إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:35] إلى آخر الآيات، فكما ذكر فيها فريق الرجال ذكر فيها فريق النساء، حينما يكون للمرأة لحياتها معنى فإن حياتها تتجاوز ما جرت به عادة النساء في كثير من المجتمعات في هذا الزمان، فلئن كانت حياة النساء بمفهومها القاصر أن تهتم المرأة بفستانها أو ملابسها أو موضتها أو بردة الأزياء أو عرض الأزياء أو غير ذلك، فإن الفتاة المسلمة الملتزمة الصادقة حينما يكون لحياتها معنى فإنها ترى أن الحياء أجمل اللباس، وترى أن غض البصر هو أطيب عدسة تجعلها على عينها، وترى قصر الخطى والقرار في البيت أعظم عرش تتربع عليه لكي تربي أولادها، ولتحسن رعاية بيتها، وتقوم بحقوق زوجها على أكمل وجه.
 أهمية الدعوة النسائية
فترتفع عن هذا كله لكي تكون داعية لبنات جنسها، تجتمع بجاراتها فتهديهن شريطاً، أو تقرأ عليهن نصيحة، تجتمع بطالباتها فتعطي كل طالبة شريطا، تعطي كل طالبة كتابا، تجتمع بزميلاتها فيتبادلن المسائل والأحكام الفقهية والشرعية في آدابها وطهارتها وحجابها وحدود ما أباح الله لها، وما نهاها الله عنه، هكذا حينما يكون لحياة المرأة المسلمة معنى، إن عدداً قليلاً من الداعيات ولله الحمد بمجتمعنا والله إن حياتهن لأبرك من حياة كثير من الشباب والرجال؛ بما فضلها الله به بالدعوة إلى الله، فنحن ننتظر من الفتاة المسلمة أن يكون لحياتها معنى بالدعوة إلى الله، لا نريد أن تخرج أو يلزم من ذلك أن تخرج، بل بالدعوة إلى الله في بيتها، بين أبنائها، بين أقاربها، وأقارب زوجها، تصوروا -وهذه واقعة من الوقائع التي حصلت في المجتمع- امرأة صالحة انحرف زوجها ولكن كان لحياتها معنى ولم يسمع زوجها نصيحة واحدة منها، ولا يزال مغرقاً ممعناً في ضلالته ومعصية، أتدرون كيف كان أطيب السبل وأقرب الأسباب إلى إصلاح بيتها وتعديل مسار زوجها؟ أولادها، كانت معتنية بأولادها فإذا جاء الأب تعلق الأولاد به، يا أبتي لا نريد الفيديو في البيت، يا أبتي لا نريد هذه الأفلام في البيت، وإذا جاء الأب ربما سلموا عليه وبقوا ساكتين فيسأل الأب: يا أولادي لماذا لا تلعبون؟ لماذا لا تتكلمون؟ لماذا لا تضحكون؟ يقولون: يا أبي إذا كنت تريد أن نلعب معك، ونضحك، ونتكلم، فأخرج هذا الشيطان عن البيت، فكان وراء هؤلاء الأطفال الصغار أم، امرأة عظيمة استطاعت أن تعدل مسار الانحراف في زوجها، نعم كانت فتاة لحياتها معنى.فهذا أيها الأحبة أمر له أكبر الأثر، والأم والزوجة والبنت لها أثر طيب، عرفنا أسراً كانت مغرقة في الفساد والضلال فانقلبت إلى رياض من الذكر والتوحيد وحفظ القرآن والحجاب والستر والحياء، أين دخلها النور؟ وأين بدأت بالاستقامة؟ من فتاة استقامت وحفظت القرآن وأصبحت حريصة في دعوة أمها وأخواتها وإخوانها حتى أثرت على من حولها جميعاً، فليس الأثر للرجال دون النساء، وليس الأثر والفعل والتأثير محصور في الرجال دون النساء، بل من النساء من فيهن خير كثير ولهن قبول كثير، فنرجو أن تحرص كل واحدة من أخواتنا اللاتي يسمعن هذا الكلام أن يكون لحياتها معنى بأن يكون لوجودها معنى وأن يكون لحياتها أثر في نفسها وذريتها ومن حولها، وأبويها وإخوانها وأخواتها وجيرانها وقريباتها.أيها الأحبة! لا أود أن أطيل، أسأل الله جل وعلا أن يجعل أعمالنا وإياكم خالصة لوجهه، كما أسأله أن تكون حياتنا حياة طيبة، كما أسأله سبحانه أن نكون من الذين بارك الله فيهم وجعلهم مباركين أينما كانوا، كما نسأله أن تكون حياتنا طويلة ولو كنا في قبورنا، ولو كنا في لحودنا، اللهم إنا نسألك بركة الأعمال وإن كنا في اللحود، ونسألك القبول والرضا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الأسئلة

 نصيحة للجالسين على الأرصفة
السؤال: يقول: فضيلة الشيخ نخبرك أننا نحبك في الله، ونسأل الله أن يجعل لحياتنا وإياك معنىً يرضي الله جل وعلا، وبعد نرجو من فضيلتكم إعطاء الشباب الذين يقفون على أعتاب السكك والأرصفة ويضيعون حياتهم وأوقاتهم في الشوارع ولا يهتمون بطاعة الله، نرجو إعطاءهم نصيحة جزاكم الله خيرا؟جواب: نصيحتنا لهؤلاء الشباب أن يسألوا أنفسهم ما هو دورهم في الحياة؟ وما هي الغاية من وجودهم؟ هل سأل كل واحد منهم نفسه سؤال الجاد، وأجاب جواب الصادق، ووقف يخاطب نفسه صراحةً أو أمام مرآة ويشير إلى عينه بعينه، ويقلب الوجه بالوجه ويسأل هذا الجسم، العين خلقت للبصر، والأذن خلقت للسمع، والأنف خلق للشم والنفس، وهذا الجسم خلق لماذا؟ أتخلق كل جارحة لحكم عظيمة وهذا البدن يضيع هباء منثورا، هذا أمر عجيب، ثم أيضاً أهذا البدن يستمر على هذه الدنيا معافىً مسلماً بلا كدر ولا نكد..ما أضيق العيش ما دامت منغصة لذاته بقدوم الموت والهرم أيها الإخوة! أيها الشباب! إن من عرف قيمة نفسه عرف أين ينزل بها، وخذ مثالاً على ذلك: تجد الإنسان إذا كان من أهل الثراء والمال، حينما يريد أن يسافر فيقول له موظف الخطوط: أين تريد أن نحجز لك؟ يقول: طبعاً أحجز درجة أولى، لأن الإنسان يعرف عن نفسه إنه إنسان في مرتبة عالية، رجل أعمال لا يليق به إلا درجة أولى، أو إنسان تسأله عن أمور دنياه وملابسه من أي ثياب تلبس؟ يقول: ثيابي من المحل الفلاني، المقص الذهبي، أو خياط الأمراء، لأنه يرى نفسه في الأعلى، فيما يتعلق بأمر عرض في الحياة وليس من أساسيات الحياة، سفر أو ثوب أو حذاء -أجلكم الله- أو غتره أو شيء من ذلك، لكن تعال لنفسك، السفر: درجة أولى، الغتره: شماغ ملكي، الثياب: دفة أصلي -هذه دعاية للدفة- وهلم جرا المهم يعني تجد الرجل يختار لنفسه منازل محددة في ملابسه وتنقلاته وسيارته، فأي المنـزلتين تختار لنفسك؟ رياض الجنة، وحلق الذكر أم المجالس التي تحضرها الشياطين وتفتح لأصحابها صحائف السيئات، وتكتب الملائكة على أهلها الزلات والعبارات؟ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] فعجباً للناس، وعجباً للإنسان كيف يختار لنفسه في أمور تنقله، وملابسه، وذهابه وإيابه، وطعامه، وأكله وشرابه يختار أرقى الأمور، لكن بالنسبة لنفسه ومنـزلته في هذا الكون يختار أدنى الدرجات؟! سبحان الله، مجلس كهذا تغشاه الملائكة، تحفه الرحمة، تتنـزل السكينة، يذكركم الله فيمن عنده، هل أحد يترك هذا المجلس لكي يجلس على رصيف ليلعب (بلوت) أو (يعمر شيشة) أهذا معقول؟ من الذي يقال له: أتريد الطيب أم النجاسة؟ يقول: لا، لا أريد طيباً أريد نجاسة، أتريد العزة أم الهوان؟ أريد الهوان، نقول: أتريد الكرامة أم الذلة؟ يقول: أتريد أن تكتب لك الحسنات أم تكتب عليك سيئات؟ يقول: نريد أن تكتب السيئات ولا تكتب الحسنات، أتريد أن تذكر في عداد الأبرار الأخيار الأطهار، أو في عداد سقط المتاع على الأقل؟ يقول: دعني مع سقط المتاع، أنا لا أقول كل من جلس على الرصيف من سقط المتاع، لكن أقول: ينبغي لمن جلس أن يعرف كما قال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا يا رسول الله: ما لنا عنها بد، قال: فإن كنتم فاعلين لا محالة، فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حقه؟ قال: رد السلام وغض البصر، وكف الأذى) نعم لا أحد يمنعك أنك تجلس إذا مشيت أنت ومجموعة من إخوانك لكن اجلس على مرضاة الله، اجلس على أمر ينفعك وإخوانك، يجلس عشرة من الشباب يقرءون في كتاب، يسمعون شريطاً، يشوون دجاجاً، يشوون حماماً كما يشاءون، لا أحد يمنعك؟ لا تقل: والله هؤلاء المطاوعة عقدونا حتى على الأرصفة لا يريدون أحداً يجلس، أين تريدوننا أن نذهب؟ لا، نقول: لا حرج أن تجلس لكن بالضوابط الشرعية، أعطوا الطريق حقه، ما حقه؟ كف الأذى ورد السلام وغض البصر، أما جلسة على الطريق .. أذكر ذات مرة كنا في جدة، فمررنا على طريق اسمه الكورنيش، فرأينا شاباً مع صديق له فاتحين (الكبوت) و(الشنطة) والزجاج، والأغاني تصدح، حتى كأن الحوت منـزعج في الماء، من ارتفاع الصوت فقلت لأخي الذي كان معي: ما رأيك بأن نقف ونرى ماذا عند الشباب، ونزلنا: سلام عليكم، حيا الله الشباب، فأخرج السيجارة، تدخن يا شيخ، قلت له: شكراً جزاك الله خيراً، وجعلناه يعيد الدخان في مكانه، فقد كان لديه (باكتين) فوق بعض، وعنده الزمزمية ونحن جالسون، قلنا: يا أخي سمعنا هذا الصوت الذي هو يصدح يميناً ويساراً أو ينعق بالأحرى والله وينعب يميناً ويساراً، وأحببنا أن نسألك يا أخي الكريم، أسألك بالله هل أقصى حجر أو مدر يبلغه الصوت من الغناء تؤجر به يوم القيامة؟ الصوت الذي كلما بعد وسمع يكون لصاحبه أجر وقبول، هو صوت الحق داعي الفلاح، داعي الأذان، (إذا كنت في ماشيتك أو في غنمك فأذنت فارفع صوتك فإنه لا يبلغ مدى صوت المؤذن أو لا يبلغه حجر ولا مدر إلا شهد له يوم القيامة) يا أخي الكريم! كل من يصل له هذا الصوت يشهد عليك ولا يشهد لك يوم القيامة، يا أخي الحبيب! الله أكرمك، ليس لتجعل الدخان المضر يدخل في جوفك ويحتبس في رئتيك، يا أخي الحبيب! حياتك ثمينة، حياتك عظيمة، الله خلقك في أحسن تقويم، وأسجد الملائكة لأبيك، وجعل أحسن الخلق والإبداع والدقة والتكوين فيك سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ [فصلت:53] أعظم الآيات (ِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [فصلت:53] ثم دخلنا في موضوع الوظيفة، وما الوظيفة؟ وهلم جرا، أخيراً الشاب أخذ الدخان وحطه، وأغلق سيجارته، وقصر أو أغلق الموسيقى الذي كانت معه، وكان معنا شريطان وأعطينا كل واحد منهما شريطاً، ودعونا لهم بالهداية والتوفيق وذهبنا وتركناهم. فيا أحبابنا! نحن لا نقول ذلك حتى لا يقولوا والله هؤلاء المطاوعة يحرمون الجلوس على الأرصفة، لا، من الذي قال: هذا حرام، لكن إذا جلست فأعط الطريق حقه، وإذا جلست أيضاً تذكر أن جلوسك من حياتك، أن تشذب وتقطع وتنشر في عمرك: والليل فاعلم والنهار كلاهـما أرواحنا فيها تعد وتحسب الليل والنهار مطيتان تقربان إلى الأجل، فإذا مضت ليلة قرب موتك ليلة، وإذا مضى يوم دنا موتك يوماً، فأحبابنا نقول أيضاً: إن الوقت هو الحياة، وما دمت تعرف ذلك جيداً فاحرص أن تنتفع وليكن جلوسك مثلاً أنت وخمسة وستة من إخوانك على الرصيف، إذا رأيت شاباً منحرفاً تعال دعه يجلس معكم، ابتسموا معه تبادلوا المرح والمزاح في المباح، والكلام الطيب وتألفوا قلبه، أهدوه شريطا، أعطوه كتابا انصحوه، حينئذ يكون لكل واحد منا دور ونفع ويكون للحياة معنى في كل موقع، حتى ولو كانت حياة على الرصيف فلها معنى أيضاً.جزاكم الله خيراً وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عندما يكون لحياتنا معنى للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net