اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دور الأسرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثر ذلك على المجتمع للشيخ : سعد البريك


دور الأسرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثر ذلك على المجتمع - (للشيخ : سعد البريك)
إن مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل الأسرة عظيمة، وقد أمر الله المؤمنين بأن يقوا أنفسهم عذاب النار بتربية الأسرة والأولاد، ولكن ينبغي للإنسان أن يعرف كيف يصلح زوجته ويربي أبناءه، وأن يأخذ الأساليب النافعة، والعلاج الناجع في ذلك، حتى يُكون أسرة صالحة مستقيمة على طاعة الله سبحانه.
المرأة ودورها في البيت والأسرة
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعد..أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجزي القائمين على هذه السلسلة العلمية المباركة خير الجزاء، في اختيار الحديث، والتذكير بركنٍ عظيم، ومهمٍ جليلٍ من أعظم المهمات الدينية والشرعية، ذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء كان الخطاب بهذا الأمر موجهاً إلى كل فردٍ بعينه، أو كان موجهاً إلى الأسرة أو إلى من تولى أمراً من الأمور، إذ أن ذلك من صفات المؤمنين، وذلكم هو باب الخير، وسبب الخيرية والكرامة والرفعة التي استحقت بها أمتنا هذه أن تكون خير أمة أخرجت للناس؛ لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولن أفيض في مقدمةٍ ربما سبق الأجلاء من أصحاب الفضيلة في بداية هذه السلسلة حتى البارحة إلى الحديث عن كثيرٍ من جوانبها، ومباحثها ومسائلها، ولكني سأختصر الحديث على موضوع محاضرة هذه الليلة وهو " دور الأسرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ".أحبتنا في الله: تعلمون جميعاً أن كثيراً من الآباء وليس بدعة يشقون في النهار ويسهرون الليل؛ خوفاً وشفقة وحباً ورعاية وعناية واهتماماً بالأولاد من البنين والنبات، وهل جُل مهمات سعي الوالد إلا لأجل إكرام أهله وأسرته، زوجةً وأولاداً؟ بل ولا تسل عن بالغ الرعاية وعظيم الرعاية بهم في الطعام والشراب، واللباس والدواء، والتعليم والترفيه، ولك أن تعجب غاية العجب مما تراه من جرِّ بعض الآباء ذريته وأسرته إلى سخط الله ومقته وعذابه، وتلك والله مسألة غريبة داعية إلى الدهشة والعجب، أن ترى أباً يسهر الليل ويشقى النهار، وينفق كل ماله، من أجل ترفيه وإسعاد هذه الأسرة، في لباسها وطعامها، وشرابها ودوائها، والترفيه عنها وكل احتياجاتها، ثم بعد ذلك تراه في ذات الوقت نفسه يعمد إلى هذه الأسرة ليسمح للصوص لتتخطفهم ذات اليمين وذات الشمال، يتخرمونهم من كل جانب، يقفزون عليهم في الأسواق، يدخلون عليهم الباب بلا استئذان، إنهم ليس بالضرورة أن يكونوا لصوصاً ممن تلاحقهم الشرطة، أو ممن يمنعهم القانون، ولكنهم لصوصٌ ربما دخلوا عبر الشاشات والقنوات والإذاعات، وترى هذا الأب الذي يزعم أنه ما ترك شاذة ولا فاذة، ولم يدخر نقيراً ولا قطميراً على هذه الأسرة إلا وصرفه وأنفقه وبذله لها، تراه في ذات الوقت يرى أسرته تخطف، ويرى أولاده وبناته وزوجاته يهاجمون، ويرى الخطر محدقاً بهم من كل جانبٍ، ثم لا تراه يتحرك ولا تراه يدفع عنهم، ولو أنه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، لالتفت إلى حجم القنابل الموقوتة التي زرعت في بيته عبر هذه القنوات، أو عبر كثيرٍ من الوسائل التي لم يلتفت لها ولم ينتبه إليها.أيها الأحبة في الله: الحديث عن دور الأسرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يلفت النظر على وجه الخصوص إلى دور المرأة في هذا الركن العظيم، وذلك لأمورٍ أهمها:أن النساء يبقى الأولاد معهن فترة أطول من مكث الرجال معهم، ثم إن الأولاد أكثر التصاقاً بالأمهات من الآباء خاصة في فترة التوجيه والتقبل والاستجابة، وتلكم فترة الطفولة، فلا يستطيع أحدٌ أن يدعي أن أولاده من البنين والبنات في حال التوجيه والاستجابة والانقياد والإذعان يبقون معه أكثر مما يبقون مع أمهاتهم، إذ الواقع والطبيعة، بل والفطرة والغريزة والجبلة، كل ذلك شاهدٌ على أن الأطفال يبقون مع النساء أوقاتاً أضعاف أضعاف ما يبقى الآباء أو الرجال معهم، ثم لا تنسى أن للمرأة دوراً في إكمال دور الرجل في الأمر والنهي، إذ لابد من موافقة ومتابعة من قبل المرأة للرجل في الاحتساب والأمر والنهي وإلا لأصبح المنزل طرفين، طرفٌ يبني، وطرفٌ يهدم، أمٌ تبني، وأبٌ يهدم، أو العكس أبٌ يبني وأمٌ تهدم.متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم إن من المشكلات التي تعاني منها كثيرٌ من الأسر والمجتمعات: أن ترى أماً صالحةً طيبةً مباركة، تعتني بالرعاية والعناية والاهتمام بهؤلاء النشء، ثم تجد في المقابل أباً يهدم ما بنته المرأة، أو العكس ترى أباً حريصاً على تعليم أولاده، يدخلهم حلقات تحفيظ القرآن، يمنع عنهم المجلات الخليعة، يذود ويبعد عنهم تلك القنوات الضارة السامة، وفي المقابل ربما ابتلي النشء وهؤلاء الأطفال بأمٍ لا تبالي في أي وادٍ هلكت الذرية وتلكم مصيبة وأي مصيبة، ثم إن للنساء أثراً كبيراً على أزواجهن، وهذا ملاحظ ومشاهد، بل ولك أن تعلم بكل قطعٍ ويقين أن كثيراً من الرجال سبب هدايتهم إلى الاستقامة والثبات على طاعة الله، هو فعل زوجاتهم ودأب الزوجات على دعوة الأزواج إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى وطاعته.
 

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ثم إن الأمر مهمٌ للغاية إذ أن الذي لا يلتفت إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مأمورٌ به، فربما تراه عاجزاً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أي مكان، من عجز عن الاحتساب والنهي في بيته، فإنه أعجز وأضعف من أن يأمر وينهى خارج بيته، فالذي التفت إلى ذلك ينبغي أن يدرك أن الذي عجز عن الأمر والتوجيه في بيته، لهو أعجز وأضعف عنه خارج بيته، وذلك أن مظنة الجرأة والقدرة وعدم الخوف في حق من لك عليهم سلطة وولاية أو بينك وبينهم ارتباطٌ في ظل أسرة واحدة يهون عليك، ولا تجد حرجاً في أمرهم ونهيهم، فهؤلاء الذين لك عليهم سلطة، تنفق عليهم، تعطيهم المال، أنت الذي تكسوهم، وأنت الذي تطعمهم، وأنت الذي تسقيهم، وأنت الذي ترعاهم، إذا كنت بواقع القوامة والسلطة والمحبة والإشفاق والرعاية، مع هذا كله عاجزٌ عن أمرهم ونهيهم والاحتساب عليهم، فلا شك أن من عجز عن الأمر والنهي على هؤلاء سيكون أعجز إذا أراد أن يأمر غيرهم، وهذا أمرٌ جليٌ وواضح.والأسرة -أيها الأحبة- من عموم المؤمنين الذين وصفهم الله عز وجل بقوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71] ولا حاجة إلى سرد الأدلة، في أن الأمر والنهي شاملٌ متناولٌ جميع أفراد الأمة ولا يختص بذلك طائفة، وإن كان على ولاة أمور المسلمين أن يخصصوا طائفة معنية بالسلطة ولها القوة في ارتباطها بالسلطان والأمر والنهي، لتباشر شيئاً لا يستطيعه من يحتسب بنفسه أو يحتسب على عامة الناس بقلبه أو بلسانه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -كما تعلمون أيها الأحبة- شاملٌ عامٌ في حق الذكر والأنثى، والأب والابن، والأم والأخ والأخت، ومن تحته جملة من الذرية أو من الأسرة، ومن له ولاية ومسئولية، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وإن قول النبي صلى الله عليه وسلم صدر خطابه (من رأى) كلمة (من) كما قرر أهل الأصول من صيغ العموم: فتعم كل مسلم ومسلمة؛ فرداً ولياً، أو حاكماً على الأسرة، أو ولياً على الصغير واليتيم، أو غير ذلك، ولا أخال إلا أنه قد سبق في هذه المحاضرات التي طرحت في أول هذه السلسلة المباركة بيان كثيرٍ من الأحكام المتعلقة بهذا المهم العظيم مما يغني عن إعادتها، وحسبكم قول الله عز وجل في الآيات التي سمعنا طرفاً منها آنفا: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].
 تخصص رب الأسرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ولقد ورد الأمر لعموم المؤمنين بالأمر والنهي، والتواصي بالحق والصبر، والتعاون على البر والتقوى، بل وزيادة على ذلك، مع الأدلة العامة الشاملة التي وردت في المحاضرات التي سبقت بهذه السلسلة، إلا أن ثمة أدلة ونصوص جاءت في الأمر والنهي، والتواصي في حقوق الأسرة المؤمنة، جاءت في نصوص عدة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] فهذا مع ورود النصوص العامة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أنه أمرٌ خاصٌ في أمر الولي؛ من تحت ولايته من الزوجة والأبناء والبنات والأخوات والقريبات، أن يقي نفسه أولاً، وأن يقيهم ناراً وقودها الناس والحجارة، وذكر الله من شأن عظم عذابه فيها ما ذكر.
قصص تستفيد منها الأسرة المسلمة

 تأملات في موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب
وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم في إطار الأسرة الواحدة يحتسب على عمه أبي طالب ، في آخر لحظة، وهي لحظة سكرات الموت، جاء إليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طالب في النـزع الأخير، فيقول له: (يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله) فانظروا إلى لطيف الخطاب (يا عم!) ثم يقول له: (قل كلمة أحاج لك بها عند الل) فما ذاك -أيها الأحبة- إلا دليلٌ على أن الواحد مأمورٌ أن يتلطف غاية اللطفِ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان في محيط الأسرة.
أمر الاحتساب على الأسرة
وإذا كان الآمر مأموراً بالحلم والحكمة والرزانة واللطف والعناية بالمأمورين والمنهيين، فإن ذلك في حق الأسرة وفي حق أفرادها من الآباء والأمهات والإخوة والبنين والبنات إن ذلك من باب أولى.وقال تعالى: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً [مريم:55]وقال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] كل هذه الآيات دالة على ضرورة تخصيص الأسرة بمزيدٍ من العناية والرعاية والحياطة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 احتساب كل من الزوجين على الآخر
ثم إن مسألة الاحتساب ليست فقط من الآباء للأبناء أو للبنات، بل هي أيضاً مسألة متعلقة من الزوج لزوجته ومن الزوجة لزوجها، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم لما كانت عائشة تحدثه، فتكلمت عن صفية رضي الله عنها، وصفية هي زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فأشارت عائشة رضي الله عنها بيدها إشارة تعرض بـصفية -تعني أنها قصيرة- فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم ليأمر زوجته بالمعروف ولينهاها عن المنكر، فقال: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) انظروا -أيها الأحبة- هذا النوع من العناية ومن الاحتساب والأمر والنهي من الزوج لزوجته، من نبينا صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين لأم المؤمنين رضي الله عنها، فما بالنا نحن اليوم الواحد ربما سمع الغيبة تلو الغيبة، والنميمة تلو النميمة، والقالة تلو القالة من زوجته، تكلمه زوجته عن بني فلان وبنات فلان وآل علان، وآل فلان أبوهم بخيل، وأهل فلان أمهم خراجة ولاجة، وبنات فلان فيهن كذا وكذا .. وأبناء فلان فيهم من الصفات والصفات، غيبة تتلوها غيبة، نميمة تتلوها نميمة، ثم لا تجد الأب ينكر ذلك، ولو أن الواحد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر لقال لزوجته بكل حبٍ وإشفاقٍ وحنان: يا هذه! إنك غنية عن أن تهدي ثواب أعمالك وأن تهدي حسناتك لأهل فلان وبني علان، احفظي أعمالك لا تعطي الناس ثواب عملك، وحسناتٍ تتعبين الليل والنهار في جمعها.الواقع اليوم أن كثيراً من الأزواج يتحدثون في أناسٍ والزوجة تسمع وتتلذذ لذلك، ولو كانت ممن تعتني بالأمر والنهي لقالت: يا زوجي الحبيب! يا زوجي العزيز! ألا تظن أن في هذا الكلام غيبة؟ أتظن أن هذا يجوز؟ ألا تظن أن هؤلاء سيأخذون ثواب عملك؟ ألا تظن أن هؤلاء الذين نتكلم فيهم، حتى ولو أشركت نفسها معه بصيغة الخطاب حتى لا تجعله في زاوية المهاجم لتقول: ألا ترى أن هؤلاء الذين نتكلم فيهم أليسوا يأخذون من أعمالنا؟ أليسوا يأخذون ثواب صلاتنا وصيامنا؟ أليسوا يقتصون منا إذا استطلنا بألسنتنا في أعراضهم يقتصون منا من حسناتٍ نجنيها؟ فحينئذٍ يذكر كل واحدٍ منهم الآخر، وذلك أمرٌ لا بد منه.إن الحاجة ماسة إلى الأمر والنهي في الأسرة ليست في مرحلة معينة، بل منذ ولادة الطفل، والحاجة إلى التربية وإلى الأمر والنهي؛ لتحقيق العبودية وبناء الشخصية لمراحل مبكرة أمرٌ لابد منه، ولذلك لم يكن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم للأمة مختصراً على الكبار، بل أمر الصغار ونهاهم، فهذا هو الصحابي الصغير كان غلاماً يجلس على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كنت غلاماً في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة -أي: يأكل تارة هنا، وتارة من وسط الصحفة، وتارة من طرف الإناء- فيأمره صلى الله عليه وسلم ويؤدبه وينهاه، ويقول له: يا غلام! سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك) ولك أن تنظر إلى هذا المشهد الجميل يوم قدم أحد أبناء فاطمة أحد أبناء النبي صلى الله عليه وسلم وهو الحسن أو الحسين أخذ يأكل تمراً من تمر الصدقة فقال صلى الله عليه وسلم: (كخٍ كخٍ) يعني: أخرجها لا تأكلها دعها، مشيراً إلى أن آل البيت لا يحل لهم أن يأكلوا الصدقات أو الزكاة، ما أجمل هذه المعاني! وما أجمل هذه الصور التي تمتلئ بالأمر والنهي!
صور مشرقة في احتساب النساء
ولنا أن نسرد عليكم طائفة من الأخبار الجميلة والصور المشرقة التي فيها احتساب النساء أيضاً على أقاربهن وذويهن.
 كلكم راعٍ وكلم مسئول عن رعيته
الأحداث والقصص والوقائع كثيرة، في إنكار الرجال على أفراد أسرهم، وفي إنكار النساء على أفراد الأسرة، ولو ذهبنا نستعرض لضاق بنا الوقت عن ذكر ذلك كله، ولكن لعل فيما مضى كفاية بإذن الله عز وجل، وشاهده أن المؤمنين ما كانوا يحصرون الأمر بالمعروف، وأن السلف الصالح والرعيل الأول ما كانوا يحصرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأسواق أو في المنتديات أو في الشوارع أو في الأماكن العامة، بل كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر حتى داخل بيوتهم وبين أفراد أسرهم، وذلك واجبٌ ومسئولية يمليها قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] ولقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالإمام- الأعظم الذي على الناس- راعٍ وهو مسئولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئولٌ عن رعيته، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته).
مفاهيم في الاحتساب يجب أن تصحح

 كيفية إزالة المنكر في البيت
أيها الأحبة: ينبغي أن نتهم أنفسنا بالتقصير، وأن نتدبر ما في بيوتنا من المنكرات، ولنتأكد أننا بحاجة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا أردنا أن نزيل منكراً في البيت، فما أجمل أيضاً أن نجعل هذا قراراً جماعياً بقناعة كل أفراد الأسرة نجمع أفراد الأسرة: يا أبناءنا! يا أحبابا! إن الله عز وجل يقول كذا ... والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كذا ... وعندنا هذا المنكر يخالف أمر الله ورسوله، هل تريدون أن نعصي الله أم نطيع الله ورسوله؟الجواب: سيجمعون ويقولون: نريد أن نطيع الله.طيب، ماذا تقترح يا فلان؟ ماذا نفعل في هذا؟ ماذا تقترحين يا فلانة؟ سيقولون: نقترح جميعاً إبعاد هذا المنكر، نقترح جميعاً أن يعامل بهذه الطريقة، نقترح جميعاً فإذا لم يكن الجميع على قلبٍ واحد، فليكن الذين على هدى وعلى صراطٍ مستقيم من أهل البيت أن يصلحوا الحال، وأن يتخذوا موقفاً ولو رقيقاً لطيفاً، في أحد البيوت أبٌ مولعٌ بالدش والقنوات، وأسرته صالحةٌ، والأم مؤمنة تقية، وقد أزعجهم وجود الدش، والوالد مصر على بقائه، فتصوروا ماذا حصل؟! اجتماع قصير وقرر فيه المجتمعون بعد محاولات باءت بالفشل في إقناع الوالد بإبعاد هذا الجهاز (مستقبل القنوات الفضائية) قالوا: قررنا أن نتوجه إلى أبينا بالالتماس الآتي: أيها الوالد الحبيب الكريم! نريد منك أن تخرج هذا لتجعله في طرف الدار بأقصى مكانٍ من البيت، وألا يكون لنا فيه صلة ولا علاقة خاصة الصغار والأطفال، فما كان منه إلا أن استجاب.نعم أيها الأحبة! قضايا الإنكار في البيوت تحتاج إلى لين وحكمة ورفق، وإلى لطف وعناية وموعظة حسنة، أقول: لا ندعي الكمال في بيوتنا، ففيها من الأخطاء، وربما فيها من المخالفات والمنكرات التي ينبغي أن ننتبه لها.
بعض المنكرات الموجودة في البيوت
ولو سردنا على سبيل المثال جملة من المنكرات التي ينبغي أن نأتمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر من أجل سلامة بيوتنا منها، لعددت لكم ما يلي:
 الأعمال الوقائية في بداية تكوين الأسرة
ختاماً أيها الأحبة: هناك أمرٌ ونهيٌ وقائيٌ قبل وقوع المنكرات، وحتى لا نحتاج إلى كثير من العلاج، ونحن نستطيع أن ندفع الشر بقليلٍ من الوقاية، وذلك من بداية تكوين الأسرة وحلول الأحباب وتفتح البراعم منها، منذ دخول الزوج على زوجته ينبغي أن يكون الزوج لبيباً في معرفة ما تحتاج إليه الزوجة في بيان منفعته والأمر به، وبيان ضرره والنهي عنه، الزوج الذكي من أول مرة يدخل على زوجته يعرف المداخل والمسالك والأشياء الذي عند الزوجة تقصير فيها، ويبدأ من وقت مبكر (والعود على أول ركزة) مثلما يقول العوام، وليس تقعد سنوات ثم تبدأ تعدلها.إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ولا تلين إذا كانت من الخشب تستطيع أن تقوم المرأة من بدايات الزواج، لأنها راغبة حريصة: ما رأيك فيني؟ لعلك أحببتني.. لعلي أعجبتك؟ تتمنى أن تتأكد أنه في ضمانات لاستمرار الحياة الزوجية معك، فإذا أثبت لها أن الضمانات موجودة شريطة أن يعدل هذا ويغير هذا ويصلح هذا، هي ستعدل وستتمنى كل ما تريد، وكذلك العكس؛ الزوجة ينبغي أن تكون لبيبة في إدراك ما يحتاج إليه الزوج في بيان منفعته، والأمر اللطيف بالعرض الظريف، في مصلحته ودعوة الزوج إليه بإذن الله عز وجل، وهنا مسألة -أيها الأحبة- نريد أن نعقد اجتماعاً في بيوتنا، البيت الذي لا يعقد فيه اجتماعات أعتبر أن هناك حلقات اتصال مفقودة، كل واحد تارك هذا يدخل في وقته وهذا يخرج، لابد أن توجد جلسة شبه يومية، إن لم تكن يومية، كل يومين كل ثلاثة أيام، جلسة ماذا عندك؟ وما هي أخبارك؟ وما هي الملاحظات؟ أعطني يا فلان! تقريراً على إخوانك، ووزع مسئوليات؛ أنت مسئول على اللمبات تطفؤها، وأنت على الشبابيك تقفلها، وأنت تأكد على الأبواب هي مغلقة قبل ما ننام، ووزع مسئوليات، وهناك اجتماع دوري مستمر على أساس تعرف ما الذي يدور في الأسرة، أما أنك ما عندك وقت تجلس، قد تكون مشغولاً، لكن لا يعني ذلك ألا تجتمع، نريد اجتماعاً، الأب الذي يريد أن يحقق شيئاً في بيته يحتاج أن يعقد اجتماعات دورية، الفنادق الناجحة تجتمع كل يوم، المكاتب الناجحة تجتمع كل يوم، الشركات الناجحة تجتمع كل يوم، كلٌ في دائرته، كلٌ في قسمه لمعرفة ماذا جد، وما الذي انتهى، وما الذي ينبغي أن يفعل، حتى يحافظ الجميع على مكاسبه، ومكاسبنا هم فلذات أكبادنا، هم من نرجو أن يكونوا عملاً صالحاً يستمر لنا بعد موتنا، فلا بد أن نجتمع بإذن الله عز وجل معهم على طاعة الله ومرضاته، ويتخلل هذا الاجتماع موعظة قصيرة، أو كلمة، أو شرح حديث، أو شرح آية، إلى غير ذلك، فيه نفعٌ عظيم بإذن الله. أسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن يقولون: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، واجعلنا ممن يفوزون بهذا الثواب العظيم من عنده سبحانه.أسأله سبحانه أن يجعل أنفسنا وأولادنا هداة مهتدين، صالحين ومصلحين، لا ضالين ولا مضلين.كما أسأله سبحانه أن يحفظنا وأن يحفظ ولاة أمرنا وأن يوفق علماءنا، وأن يجمع شملنا وحكامنا على طاعته، وألا يفرح علينا عدواً، وألا يشمت بنا حاسداً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دور الأسرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثر ذلك على المجتمع للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net