اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حوار مع الشباب للشيخ : سعد البريك


حوار مع الشباب - (للشيخ : سعد البريك)
إن الحديث مع الشباب ذو أهمية بالغة؛ ذلك أن الشباب هم عز الأمة وأملها بعد الله تعالى، فإن صلحوا صلحت الأحوال واستقامت، وإن فسدوا فسدت وضاعت، لذلك كان لابد من الحوار معهم والحديث إليهم بكلمة حب، وهمسة عتاب، علهم أن يرجعوا ويعودوا إلى الله تعالى .. هذا ما تحدث عنه الشيخ في حواره مع الشباب، حيث وجه إلى الشباب نصائح ثمينة لمن وفقه الله منهم أن يأخذ بها.
أهمية الحديث عن الشباب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.أشكر الله عز وجل، ثم أشكر حضوركم وتشريفي أمامكم بالمثول وإليكم بالحديث، وأسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجمعنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر كما جمعنا في هذا المكان المبارك إن شاء الله.أحبابنا! ليس بسر ولا بعجيب أن نتحدث عن الشباب، وأن نعيد ونزيد، وأن نكثر ونردد، لأننا نرى كل أمة إنما عزت برجالها وشبابها أو ذلت بهم، أو رفعت بهم رأساً أو خفضت بهم رأساً، أو نسبت إلى علم وجد وحزم وعلم ونفع، أو نسبت إلى هزل وضياع وسقوط وانحدار؛ لذا كان لزاماً أن نلتفت إلى هؤلاء الناشئة، وأن نتحدث إليهم مصبحين ممسين، غادين رائحين، وأن نتلقفهم أو نقف لهم في كل سبيل وطريق، لنقول لهم: هل تعلمون قدركم؟ وهل تعرفون مكانتكم؟ وهل تثمنون منزلتكم؟ أم أن الواحد يمشي سبهللاً لا يعرف شيئاً! وكما يقول القائل: وأنت امرؤ فينا خلقت لغيـرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع أيها الأحبة! عن ماذا نتحدث عن الشباب، ونحن إن أردنا عن مواهبهم وطاقاتهم وما آتاهم الله عز وجل فذاك خير كثير وعلم غزير؟ وعن ماذا نتحدث عن الشباب .. إن أردنا أن نتكلم عن المؤامرات والمكائد والفخاخ التي تنصب لهم، والحبائل التي تنسج في طريقهم حتى يقعوا فريسة الشبهات والشهوات، فذلك علم كثير وعلم غزير أيضاً، وعن ماذا نحدث الشباب .. عن مسئولياتهم تجاه أنفسهم أو تجاه أسرهم ووالديهم، أو تجاه مجتمعاتهم وتجاه بلادهم وأمتهم، فذلك أيضاً كلام كثير؟لكننا نريد أن نتحدث فقط عنك أنت أيها الشاب، عن شخصك، عن ذاتك، لن نتكلم عن الأسرة ولا عن الجيران ولا عن الدولة ولا عن البلاد ولا عن الأمة، ولكن نتحدث عنك أنت أيها الشاب ..وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر
 

الإنسان مخير بين الخير والشر
الحديث إليكم -أيها الشباب- حديث إلى كل واحد في ذاته وشخصه، يقول الله عز وجل: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:7-10] ويقول تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10].أقول لك أيها الشاب: أنت قد خلقت قادراً مختاراً بين طريقين، بين طريق الهداية وبين طريق الغواية، وقد آتاك الله مشيئة وما تشاء إلا أن يشاء الله، ولكن قد جعلت لك وسائل الاختيار أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8-10] وعلى طريق الخير هداية وعلى طريق الشر دلالة، وأنت قادر على أن تختار بينهما.
 طريق الهداية وطريق الغواية
ليس غريباً أن نجد شاباً منذ أن نشأ في حلقات تحفيظ القرآن، في المراكز الصيفية، في الجمعيات الشرعية والإسلامية، في الأنشطة الخيرية النافعة .. ليس غريباً أن تجد هذا الشاب بعد أن تجاوز العشرين خطيباً في منبر، أو داعية في مضمار، أو إماماً في خير، أو رئيساً في هدى .. هذا ليس بغريب؛ لأنه في البداية ماذا كان يزرع في أرض قلبه وأرض بدنه وفؤاده؟ كان يزرع حفظاً وقراءةً وتلاوةً، ومشاركات وأنشطة، وكان إيجابياً، وكان فاعلاً، وكان نشيطاً، فلا غرابة أن يكون اليوم بهذه النتيجة. ولا غرابة أن تجد شاباً يوم أن كان في صغره سوقياً في عباراته، متسكعاً في جولاته وتصرفاته، دنيئاً في همته، خسيساً في نظراته وفكراته وخطراته، لا غرابة أن يكون في يوم من الأيام ساقطاً من الساقطين، تافهاً من التافهين، ضالاً من الضالين، كل من حوله يتبرأ من ضلاله ويدعو عليه ويسأل الله أن يريح المسلمين من شره.لا غرابة إن كان هذا منحرفاً مفسداً مؤذياً؛ لأن تاريخه الماضي كان في ضلالة وانحراف، ولا غرابة أن يكون الأول إماماً وهادياً ونافعاً؛ لأن تاريخه الماضي -بإذن الله وتوفيقه وحماية الله له وليس بنفسه ولا بحوله ولا بقوله، حتى لا يغتر الإنسان بنفسه- لأنه كان في ما مضى في محاضن خير وفي رياض علم وهدى وتقوى.فيا أيها الحبيب! كل شاب فيكم الآن بإمكانه أن يختار، أنت تستطيع أن تحدد الغاية، كما أن بوسعك أن تختار أن تمشي من هذه المنصة أو من هذا المكان إلى السور هناك، وبوسعك أن تختار أن تمشي من هنا إلى نهاية البلاط القريب، فأنت بوسعك أن تختار أن تكون -بإذن الله- إماماً في الهداية، وبوسعك أن تختار أن تكون إماماً في الضلالة .. كيف يكون هذا؟ بمبادرتك الآن في شبابك، كما تفعل وقت الزراعة، ووقت الغرس والبذور.ومن زرع البذور وما سقاهـا تأوه نادماً وقت الحصاد
المراكز الصيفية ودورها في بناء الأجيال
يا شبابنا: أنتم اليوم في مرحلة زراعة القلوب، لقد كنا -وتعود بي الذاكرة الآن إلى المراكز الصيفية- نتردد فيها كما ترددتم فيها، وننشد فيها كما تنشدون فيها، ونقرأ فيها كما تقرءون فيها، ونمارس ألواناً من النشاط فيها كما تمارسون الآن، ولو أننا استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا لبذلنا أضعاف أضعاف ذلك الجهد وذلك النشاط الذي بذلناه؛ لأننا وجدنا عاقبته علينا.إني أعلم أن كثيراً من الشباب دخلوا المراكز وهم بكم- البكم المعنوي- أعياء؛ الواحد منهم لا يستطيع أن يفصح عما في نفسه، بعضهم كالعجماء التي لا تنطق، وبعد أن خرج من هذه المحاضن الطيبة المباركة أصبح فصيحاً منطقياً ذا لسان مبين! وبعضهم دخل المراكز وكان وديعاً خمولاً لا يحرك ساكناً، وربما قتله الحياء، أو ربما قتله احتقار نفسه - وهذا أمر سأتطرق له بالتفصيل- وما حالت شهور المراكز بأهلتها إلا وقد عاد نشطاً متفاعلاً إيجابياً قوياً، وله آثار عظيمة .. فيا سبحان الله! كيف تحركت هذه القوى؟ وكيف اكتشفت تلك الطاقات؟ ومن أين تفجرت تلك المواهب؟
 صورة لشاب صالح منذ الصغر
في مكان قريب منا شاب صغير لا أظنه قد جاوز السنة السادسة الدراسية .. سبحان الله! ما أجمل ذلك السمت! ما أحسن تلك الخطوات! ما أطيب ذلك المحيا! ما أبهى تلك الطلعة! إذا قابلت ذلك الشاب الصغير الذي ربما عمره في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة كأنما تقابل واحداً من طلبة العلم .. سنة والتزام واستقامة، أربعة وعشرون قيراطاً، كما يقال، فلما تأملنا وتدبرنا وبحثنا وجدنا أن له أباً شيخاً صالحاً طيباً، وأماً طيبةً صالحةً، وثلة من الأطفال الصغار الذين في سنه هم على هذا السمت وعلى هذا الهدي.وتجد في المقابل شاباً كأن قصة شعره ذيل كلب! وكأن فنيلته مجموعة من الأعلام برقاعها وألوانها وأشيائها! وكأن تصرفاته قطة مدعوسة! بعض الشباب هكذا يمشي، فإذا تأملته وجدته مع أناس من هذه الطينة وفي تلك العجينة ومن هذه الصفات.
الحث على اختيار أعلى المنازل في أمور الآخرة
فيا أخي الحبيب! ضع نفسك حيثما شئت، لا تقل: قد جنى الناس عليّ، أنت الذي تختار، وقد يسر الله لك أسباب الهداية، إلا أن الهدم أسرع من البناء، البناء يحتاج إلى وقت، حفظ صفحة من القرآن تحتاج إلى استعداد وتفريغ قلب وجلوس وترتيل وإعادة وتكرار، وتقرأ على الشيخ، ثم يجوِّد لك، ثم تعيد النطق، ثم تحكم الأحكام في التجويد، لصفحة واحدة تحتاج إلى عصر كامل، حسب تفاوت الناس في الحفظ والذكاء وغيره، لكن لكي تخرب لا تعمل شيئاً، الخراب لا يحتاج إلى شيء إطلاقاً، الجدار انظر كم يحتاج العامل إلى أن يبنيه، من الصباح الباكر إلى الظهر يمكن لا يبني إلا ارتفاع متر واحد، لكن هدمه يحتاج إلى اثنين أو ثلاثة يضربون عليه ضربة فيسقط في لحظة واحدة.إذاً بوسعك أن تختار موقعك ومكانتك ومنزلتك، ولقد عرفنا أن الناس إذا خيروا بين المنازل اختاروا أسماها وأعلاها وأرقاها.أخي الحبيب! إذا ركبت سيارة فإنك تريد أن تكون بمكيف، وتريد أن يكون القطار سريعاً وتريد المنصة وتريد المرتبة السابعة .. فتجد أن الإنسان دائماً في مسائل الدنيا يحتاج أفضل شيء، وتجده يحرص على أن يختار في أموره الطبيعية أعلى الأشياء وأسماها، فإذا جئت إلى شخصيتك ومكانتك في الآخرة وهي دار الأبد والخلود، يا أهل الجنة، حياة وخلود ولا موت .. ويا أهل النار، خلود ولا موت!! إذا جاءت الحياة الأبدية فهل تريد العليا أم الدنيا؟ تقول: أريد الدنيا!! تريد الجنة أم النار؟ تقول: أريد النار! تريد الضلالة أم الهداية؟ تقول: أريد الضلالة .. سبحان الله العظيم!! في الأمور التافهة البسيطة غترة وما غترة وجزمة وحذاء وثوب؛ تريد أحسن شيء، ولما جاءت نفسك التي هي أغلى شيء تذهب وتختار أخس شيء، سبحان الله العظيم! هذا من الغرائب والعجائب!
 صورة لشاب صالح منذ الصغر
في مكان قريب منا شاب صغير لا أظنه قد جاوز السنة السادسة الدراسية .. سبحان الله! ما أجمل ذلك السمت! ما أحسن تلك الخطوات! ما أطيب ذلك المحيا! ما أبهى تلك الطلعة! إذا قابلت ذلك الشاب الصغير الذي ربما عمره في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة كأنما تقابل واحداً من طلبة العلم .. سنة والتزام واستقامة، أربعة وعشرون قيراطاً، كما يقال، فلما تأملنا وتدبرنا وبحثنا وجدنا أن له أباً شيخاً صالحاً طيباً، وأماً طيبةً صالحةً، وثلة من الأطفال الصغار الذين في سنه هم على هذا السمت وعلى هذا الهدي.وتجد في المقابل شاباً كأن قصة شعره ذيل كلب! وكأن فنيلته مجموعة من الأعلام برقاعها وألوانها وأشيائها! وكأن تصرفاته قطة مدعوسة! بعض الشباب هكذا يمشي، فإذا تأملته وجدته مع أناس من هذه الطينة وفي تلك العجينة ومن هذه الصفات.
الصاحب والصديق هو طريق الاختيار
أخي الحبيب: إذا فهمت وأيقنت أن بوسعك الاختيار، فإن طريق الاختيار هو الصاحب والصديق، والأمر من الجليس والطبع استراق.خذ شاباً وسوف يأتي لك بالعجائب .. هذه عنـز سورية، وهذه عنـز سعودية، وهذه عنـز من سيراليون ساحل العاج ، وهذه عنـز مصرية، وهذه عنـز من كذا، والتي يقص أذنها تصبح أغلى، والتي تقص ذنبها تطول، والتي تفتح رجلها تطلع (تاندة) .. ما هذا الكلام؟! فتجد عنده عجائب وعجائب لا تنتهي بسبب أنه جالسها، والتيس الذي اسمه صدام قيمته ستمائة، والتيس الذي اسمه سحاب قيمته مائتان، وولد الجازي قيمته ثلاثة عشر، كلام فارغ! القضية وما فيها: أن الرجل ما قرأ كتباً، فلا يوجد كتب تتكلم عن إتحاف الميئوس في أحكام التيوس، إنما جالس أصحاب التيوس والغنم فأصبح لو مرت من أمامه غنمة وضع الذي في يده وأخذ يلاحقها! فالإنسان إذا جالس قوماً أصبح منهم.وتعال وانظر إلى بعض الشباب الذين حديثهم: هل تعلم أنه صدر الآن في المكتبات شرح جديد للبخاري اسمه فتح الباري لـابن رجب؟ سبحان الله! هل تعلم أن شرح الممتع لـابن عثيمين وصل إلى الجزء السابع؟ هل تعلم أن الكتاب الفلاني بلغ المكان الفلاني؟ هل تعلم أن كذا طبع مرة أخرى؟ هل تعلم أن الطبعة الأخيرة محققة وخرجت أحاديثها؟ هل تعلم أن هذا الكتاب نفذ من الأسواق؟ من أين أتى بهذه المعلومات؟ جالس طلبة العلم وأهل الكتب والكتاب والوراقين وغيرهم.فيا أخي الحبيب! أنت تصنع شخصيتك باختيارك، وأكرر مرة أخرى: لا يحتقر الإنسان نفسه، فإن من الأسباب التي جعلت بعض الشباب ينحرف ليس حباً في الانحراف، ولكنه احتقاره لذاته، عندما أراد أن يحضر محاضرة جاءه الشيطان وقال له: أنت ما زلت في ضلالك وتريد أن تحضر محاضرات؟! وتريد أن تصبح مثل الشباب الملتزمين؟! اذهب وابحث لك عن سمر مع الذين يشيشون في الرصيف وشيش معهم، أنت لست لهذه الأمور! إن الشيطان يأتي إلى أحدهم فيصرفه عن طريق الهداية، ويخذله ويحطم شخصيته، ويوهن ويضع من قدره، وصدق الله العظيم حيث قال: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة:268] لكن لو أن الإنسان احترم نفسه، وإذا جاءه الشيطان وقال له: لا تذهب، لست بكفء، قال له: اخسأ يا عدو الله! أنا ذاهب إلى المركز الصيفي ولابد، فلابد أن تشعر أن الشيطان عدو ممثل في شخص معين يستعرض عضلاته أمامك، ويدفعك ويأخذ بحجزك، ويدفع دونك من أن تصل إلى أماكن الخير ومواقع الفائدة، كما قال الله عز وجل: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً [فاطر:6] كيف تتخذه عدواً؟ لو قلت لك: الشخص الفلاني الذي في فصلك في المقعد الرابع من جهة السبورة هذا الطالب عدو لك، كيف سيكون موقفك وتصرفاتك تجاه هذا العدو؟ أولاً: لن تحبه، ثانياً: لن تسمع لقوله، ثالثاً: لو قال أنا لك من الناصحين ستقول له: كذبت، بل أنت من الغاشين المخادعين، رابعاً: لو أعطاك دسماً قلت: هذا سم، ولو أعطاك عسلاً لقلت: هذه نجاسة، دائماً تتهمه في نياته ومقاصده، فكذا ينبغي أن نتعامل مع الشيطان ومع الهوى والشهوات، لأنها تجرنا وتدفعنا إلى رذيلة ونقيصة.
 أهمية احترام الإنسان لشخصيته
ينبغي أن تحترم شخصيتك، وأن تعلم أن الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة كان شخصاً عدد عينيه كعينيك، وله أنف كأنفك، وعدد أذنيه كأذنيك، وعدد أقدامه كأقدامك، وله يدان ورجلان، وله قلب واحد وعقل واحد وجهاز هضمي واحد وجهاز تنفسي واحد، لم يكن مخلوقاً عجيباً أو غريباً، لكن كان له قلب ليس كقلبك، نعم لك قلب وله قلب، لكن قلبه ألقى السمع وهو شهيد، لك عقل وله عقل، لكنه فكر بعقله ونفعه، وربما بعض الشباب رمى عقله في زبالة واختار أن يقوده الناس.أنا أعجب من ذلك شاب .. يا حبيبي! يا ولدي! يا أخي! يا بن الحلال! يا بن الناس! ما هو الذي أودى بك في الفساد؟ ما هو الذي جرك مع هؤلاء السفهاء؟ ما الذي يجلسك في هذه الأماكن؟ ما الذي يجعلك تفحط بالسيارات؟ ما الذي جاء بك إلى الشارع الفلاني تفحط وأتى بك إلى شارع الموت أو مع هؤلاء السفهاء في سيارتهم؟ قال: هم قالوا لي: تعال، وأنا أتيت، حسناً أليس لك عقل؟! هذا العقل مغلق عليه في الصندوق أو موضوع في الفريزر مع اللحم والدجاج وتخرج مع هؤلاء بدون عقل! أين عقلك؟! إذا قالوا: إلى المسجد، قل: حيهلاً، وإذا قالوا: إلى الشوارع، قل: لا .. إذا جاءك من يدعوك إلى محاضرة، قل: أهلاً وسهلاً، وإذا جاءك من يدعوك إلى ضلالة فقل: لا وألف لا.فيا أخي الحبيب! لا تحتقر نفسك، أنت فيك خير كثير وأيضاً فيك شر كثير، وبإمكانك أن تفجر الدنيا وأن تنسف العالم وأن تخرب ما حولك، وبإمكانك أن تبني وأن تصلح، بإمكانك أن تكون طبيباً معالجاً نافعاً هادياً مهدياً، وبإمكانك أن تكون علة ومصيبة على هذه الأمة.واليوم كثير من شبابنا يحسبون علينا ولا نستفيد منهم شيئاً، منهم اليوم الذي عنده محل .. وأنت الآن لو أن لديك مؤسسة أو شركة أو محل، ثم أحضرت لك موظفاً ووجدت أنه لا ينجز عملاً، نائم دائماً على الطاولة، دائماً لا يرد على التلفون، لا يتابع، لا ينجز، لا يعد تقارير، فإنك ستقول له: تعال، أنا أحضرتك واستقدمتك و... الخ، اقلب وجهك الله لا يحيي اليوم الذي جئت فيه، اذهب إلى بيتك لا نريدك، ثم تأتي بواحد آخر.واليوم إن مرض أحد شبابنا، تعالوا زوروه في المستشفى، واذهبوا وائتوا له بواحد يقرأ عليه، وائتوا له بواحد يعالجه، واعملوا له إشاعات وتحاليل ومختبرات، وإذا احتاج دماً فتعالوا يا عباد الله وتبرعوا له بدم، ثم إذا نهض نهض شيطاناً مريداً لا نفع ولا فائدة، وهذا ليس بغريب، وصدق الله العظيم: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس:12] تلقى هذا الشاب يوم أن أصابه المرض أو صدمته السيارة أو حصل له حادث يقول: آه، يا رب! يا رب! ولا يعرف أحداً، فقط: يا رب! يا رب! وفي المستشفى يدفعونه، وهؤلاء الممرضات يطلون في وجهه، وهذه تركب له الدواء، وهذه تركب له المغذية، وهذه تعطيه حقنة، ولكنه مع هذا لم يعبر أحداً .. يا رب! يا رب! وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً [يونس:12] إما أن يمشي وهو ملتو أو قاعد على عربية فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس:12] يوم أن عافاه الله قام ينظر، ويقول: تعالي يا هذه الممرضة، ما اسمك؟ من أي بلد؟ قبل قليل يصيح: يا رب! يا رب! فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ [يونس:12] قام يفتح عينيه، وقام يقلب في عباد الله كما يشاء، سبحان الله العلي العظيم!فيا أخي الحبيب! خاتمة هذا الموضوع: حوار مع الشباب، وقد قلت: نحن نتحدث عنك وعن شخصيتك .. عليك أن تعلم أن بوسعك أن تحدد منـزلتك ومقامك من الآن، تخيل نفسك إذا كتب الله لك عمراً بعد عشرين سنة أو بعد ثلاثين سنة، هل أنت في منابر الهداية أم في مواخير الغواية؟ وبوسعك أن تشق طريقاً إلى الخير وليس هذا بأمر عسير.كثير من الشباب يقولون: الاستقامة صعبة، والطريق طويلة، ومن يستطيع أن يصبح ملتزماً! وتجد أربعة أو خمسة شباب يجلسون، ويقولون: يا أخي! فلان ملتزم! يا ليتنا نصبح ملتزمين! وهل القضية والهداية والاستقامة صعبة؟! ليس فيها أمر صعب أبداً، لكنها تحتاج إلى عزيمة، تحتاج إلى إنسان جبل .. بطل .. رجل، يقول للشيطان: لا، يقول لجلساء السوء: لا، يقول للشهوة والهوى: لا، ويعسف نفسه ويصارعها كما يصارع المصارع صاحبه في الحلبة.أيها الإخوة: لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، فأكتفي به، ولعل البقية ترد من خلال الحوار والنقاش الذي يرد في أسئلتكم جزاكم الله خيراً.
الأسئلة

 المحافظة على الاستقامة بعد سماع المواعظ
السؤال: كيف أحافظ على حالة الاستقامة التي أشعر بها بعد سماع المواعظ؟الجواب: تحافظ عليها إذا أكرمت نفسك ونزهتها عن أن تسقط بها في حضيض مجالس اللهو والغفلة، وكنت دائماً في وسط نافع يذكرك بالله إذا نسيت، ويعينك على طاعة الله إذا تذكرت، فهذا يحقق لك بإذن الله، ومن معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، لكني أنصح بنصيحة هي من ضمن الأعمال الصالحة التي يزداد بها الإيمان، لكنها -بإذن الله- فيها خير، وهي كثرة الاستغفار وذكر الله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة أو تمحى عنه ألف سيئة؟ قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يسبح الله مائة تسبيحة، فتكتب له مائة حسنة، أو تمحى عنه ألف سيئة). وقال صلى الله عليه سلم: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، مائة مرة؛ كان كمن أعتق عشر رقاب، وكانت حرزاً له من الشيطان سائر يومه ذلك).دائماً عود نفسك على الذكر والاستغفار مع الشهيق والزفير: لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله.. أستغفر الله.. أستغفر الله.. حتى لو اقتضى الأمر أن تأخذ سبحة وتسبح بها، فهذا ليس ببدعة كما يظن بعض الناس، فقد سمعت سماحة الشيخ العلامة الإمام محمد بن صالح بن عثيمين سئل في (نور على الدرب) عن رجل يقول: أنا أستخدم سبحة فيها عدد خمسمائة حبة -انظر هذه سبحة طويلة!- من أجل ضبط التسبيح، يريد أن تكون مثلاً كل مائة تسبيحة مائة تهليلة، يريد أن يضبط العدد؛ فقال الشيخ: إذا كان الإنسان يستخدم السبحة لضبط العدد ليس لقصد الاعتقاد أن السبحة فيها مزية وفضيلة فهذا لا بأس به، لكن يراعى في ذلك أن الإنسان ربما يفتح عليه باب أنه يسبح أمام الناس بسبحة فيدخله الرياء، ولو عود نفسه دائماً أن يسبح في نفسه لكان أفضل، والتسبيح بالأنامل أفضل، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من الصحابيات إحدى أمهات المؤمنين معها مكتل أو زنبيل فيه حصى، فقال: ما تفعلين به؟ قالت: أعد به التسبيح يا رسول الله! فما أنكر عليها ذلك، ولكنه أرشدها إلى التسبيح بالأنامل فقال: (إنهن مستنطقات) أي: تشهد لك بتسبيحك.فكون الواحد يجعل له سبحة -مائة حبة- يسبح بها، لا بأس به، حتى أن بعض الشباب إذا جاء لينام تأتيه الهواجس وتلعب به وقام يفكر، حتى بعضهم هواجسه تقوده إلى العادة السرية والأمور الخبيثة، لكن توقع لو أنه مد له مائة سبحة وجلس يستغفر الله، فيغلبه النوم وهو يسبح، ما يسبح مائتين أو ثلاثمائة إلا وهو داخل في نومة طويلة عريضة؛ فاجعل التسبيح دائماً قضيتك، إذا كنت لا تسمع شيئاً نافعاً أو لا تتحدث في شيء نافع فسبح بأناملك، واضبط العدد، سبح مائة حبة أو مائتين أو ثلاثمائة، خذ السبحة وسبح ليل نهار، فهذا مما يحافظ على الإيمان ويضيء وجهك بإذن الله عز وجل.في الختام نسأل الله العظيم أن يرفع قدر الشيخ، وأن يعلي منـزلته، وأن يجعل ما سمعنا حجة لنا في موازين أعمالنا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حوار مع الشباب للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net