اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , توبة صادقة للشيخ : سعد البريك


توبة صادقة - (للشيخ : سعد البريك)
إن هذه الأمة المحمدية قد غرقت في آونتها الأخيرة في وحل المعاصي والذنوب والسيئات، وليس لها مخرج من ذلك إلا بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والتوبة إليه، وإن من دلالات صدق التوبة النصوح عدم الرجوع إلى الذنب الذي قد تيب منه.ولقد ضرب لنا الصحابة الكرام أروع الأمثلة في صدق اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى وما زال في أمتنا بقية من أولئك، وسترى نموذجاً من ذلك في هذه المادة إن شاء الله.
المخرج من شؤم المعاصي
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما يرضى ربنا جل وعلا، الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعد:فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر.معاشر المؤمنين! كلنا نقع في الذنوب والمعاصي، ولا يسلم أحدٌ من صغير أو كبير على اختلافٍ وتباينٍ فمستقل ومستكثر، فمن الناس من يظلم نفسه ظلماً تكفره الصلوات والعبادات والأعمال الصالحات، يقول الله جل وعلا: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114].قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وأما ظلم العبد نفسه بصغائر الذنوب والمعاصي من غير إصرار، فذلك تكفره آيتا النجم والنساء، بقول الله جل وعلا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً [النساء:31] وبقول الله جل وعلا: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم:32] فمن أذنب ذنباً من الصغائر وأعقبه استغفاراً وعبادة وحسناتٍ ماحية للسيئات، فحري أن يعفى عنه.واعلموا أيضاً -يا عباد الله- أن الذنب لا ينسى، وأن الديان لا يموت، وأن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، ويتساهل الكثير منا مع إصراره على مجموعٍ من الصغائر والكبائر وهو يرى نعم الله عليه تترا، ويرى من نفسه إصراراً واستمراراً على الذنوب، يرى أن ليس للذنوب شؤمٌ ولا عاقبة، وكما قال ابن القيم رحمه الله: يزعم بعضهم أن هذا على حد قول القائل:إذا لم يغبر حائطٌ في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبارُ وقد نسي الكثير أن شؤم المعصية يدرك العبد ولو بعد أربعين سنة، إلا من تاب إلى الله توبة صادقة.معاشر المؤمنين! ما المخرج من شؤم المعصية؟ ما المخرج من شؤم الكبيرة؟ ما المخرج من شؤم الذنب؟أيبقى الذنب وصمة -كما يراه النصارى- وصمة باقية لا تزول إلا بدم المسيح المخلص على حد خزعبلاتهم وهرطقاتهم؟!لا والله، المخرج من شؤم الذنب والمخرج من بلاء المعصية هو التوبة الصادقة، التوبة النصوح، وكلنا ندعي التوبة وما أكثر ما نتوب فنعود، وما أكثر ما نعاهد فننكث، وما أكثر ما نعاهد الله على ترك أمرٍ فنعود إليه أسرع ما نكون، ما أحلم الله عنا، إن الله غفور حليم.
 

دلالات صدق التوبة
أيها الأحبة! إن لمن أعظم دلالات صدق التوبة الندم! الندم الذي يجعل القلب منكسراً أمام الله، مخبتاً لذكر الله، وجلاً من هول عذاب الله، إن من تمام صدق التوبة العودة بالإيمان إلى أعلى درجاته: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] فمن رأى وجلاً وإخباتاً وخشوعاً وانقياداً لله بعد توبته فذاك دليلٌ على صدقها.أما أن يكون الواحد يذنب الذنب، فيقول: أستغفر الله بلسانه، ولكن جوارحه لا تقلع، وقلبه لا يفتر عن الهم والقصد والتزيين، فذاك قد يصدق عليه الأثر: إنما المنافق الذي يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به: هكذا فطار، أما المؤمن فيرى ذنوبه كجبلٍ يوشك أن يقع على رأسه، فهو خائفٌ وجلٌ من ذلك.
 

قصة المرأة الغامدية وصدقها في التوبة
أيها الأحبة! ولقد جاء في سير الصحابة والتابعين والسلف الصالحين ما يدل على صدق توبتهم وصدق أوبتهم إلى الله جل وعلا، فمن الماضي والصدر الزاهر من عصر النبوة أذكر لكم قصة امرأة زنت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلسعها حر المعصية، وآلمها حر الكبيرة، وأقلقها حر الفاحشة، فجاءت إلى رسول الله، وقالت: يا نبي الله! أصبت حداً فطهرني، عجباً لها ولشأنها ولأمرها، تعلم أنها جاءت وهي محصنة حدها الرجم بالحجارة حتى الموت، جاءت إلى رسول الله تقول: يا رسول الله! إنني حبلى من الزنا فطهرني، فانصرف عنها صلى الله عليه وسلم بوجهه يمنة، فعادت إليه، فالتفت يسرة، فعادت إليه، حتى الرابعة، فقال: (اذهبي حتى تضعي هذا الذي في بطنك) فذهبت فلما أن تمت حمله فصاله، عادت إلى رسول الله، قالت: يا رسول الله! أنا المرأة التي جئتك حبلى من الزنا فانصرفتَ عني وقلتَ: (اذهبي حتى تضعي حملك) وها أنا وضعته وهذا هو بين يديك، أقم حد الله علي، طهرني من ذنبٍ ارتكبته، ومن فحشٍ أجرمته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اذهبي حتى ترضعيه حولين كاملين) فذهبت به ترضعه حولين كاملين، وحرارة المعصية تلسع فؤادها، وتحرق قلبها، وتقض مضجعها، وتقلق ضميرها، فلما أن أتمت فصاله جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! أنا المرأة التي جئتك حبلى من الزنا، فقلت: (اذهبي حتى تضعي جنينك) فذهبت فوضعته، ثم جئتك، فقلت: (اذهبي حتى تكملي رضاعه) وقد أتممت رضاعه حولين كاملين، وجاءت بالصبي وفي يده كسرة خبزٍ إشارة إلى أنه استغنى بأكله عن ثديها، لماذا؟ حتى لا يردها رسول الله صلى الله عليه وسلم.فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمر واحداً من الصحابة بكفالة رضيعها، فشدت عليها ثيابها رضي الله عنها، وجمعنا بها في دار كرامته مع نبينا والصحب الراشدين والأبرار الصادقين، فشدت عليها ثيابها، فرجمت، فأخذ أحد الصحابة فهراً رمى به على رأسها؛ فسالت دماؤها على ثوبه؛ فكأنه نال منها، فقال صلى الله عليه وسلم: (والله لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) لو زنا أهل المدينة، أو شربوا الخمر، أو أكلوا المكس كلهم لوسعتهم توبة هذه المرأة، مما بلغ بقلبها من الخوف والتعظيم لله، ومن كان بالله أعرف، كان منه أخوف.أيها الأحبة! هذه قصة وحادثة، وحديثٌ ما كان يفترى من الصدر الأول، دليلٌ على عمق التربية الإيمانية التي ربى النبي صلى الله عليه وسلم الفرد والأسرة والمجتمع عليها، وإنها والله لمؤثرة، وفي القصص تأثير وعبر: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:176] .. لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى [يوسف:111] ليس من نسج الأوهام والخيال.
 

قصة التائب أحمد وصدقه في توبته
وفي زمننا هذا وفي عصرنا تعود صور التوبة صادقة لامعة، براقة مشرفة، متوجة بصدق اللجوء والرجوع إلى الله جل وعلا، وقبل أن أذكر لكم هذه الحادثة التي ستسمعون وقائعها، وقد يطول المقام بذكرها، أقول: إن الشيطان سيأتي إلى قلوب وعقول البعض ويقول: هذا من نسج الخيال، أو هذا من المبالغة، أو هذا مما يصاغ للتأثير والتعبير، والله ثم والله ما كانت هذه القصة حديث مجالسٍ، وإنما هي من شابٍ لعله يكون من بيننا، هو الذي أخبرني بها، سلسلتها ذهبية، وسندها عالٍ، من هذا الشاب الذي أخبرني بها في مجلسٍ، ودعوته صباح هذا اليوم لأكتب وقائعها ولأسمعكم إياها، هذا الشاب هو الذي يذكرها مع صاحبنا التائب الذي نذكر تفاصيل توبته.أيها الأحبة! يقول صاحبنا هذا: كنت ذاهباً إلى دولة عربية مجاورة، يستغرق مدة السفر في هذه المهمة يوماً واحداً، ورجعت إلى المطار استعداداً للإياب، وقد أنهكني التعب، لم أجد فندقاً نظيفاً، ولم أتعود السفر، دخلت فندقاً لأول وهلة فإذا بالنساء والرجال والفساد والعهر والدعارة، فقال لي رجل: ما الذي جاء بك إلى هنا، لما رأى من حسن مظهره، وصلاح سمته، فقال: هي والله أول مرة آتي هنا، وليس لي حاجة سوى مهمة تدوم يوماً واحداً، فقال: اخرج يا شيخ عن هذا المكان فليس لائقاً بمثلك وأمثالك، قال: كيف أفعل والنهار يمضي والليل مقبل؟ فمضيت إلى حديقة أجلس فيها، حتى بزغ الصباح، وأنهيت مهمتي، وعدت إلى المطار استعداداً للإياب وأنا في تعبٍ ونصبٍ من هذه الرحلة التي ما ذقت فيها النوم إلا غفوات، فالتفت يمنة ويسرة أبحث عن مكانٍ أجلس فيه، فوجدت مكاناً أعد للصلاة في زاوية هذا المطار، وجدت مصلىً صغيراً فذهبت ونمت فيه نوماً عميقاً؛ لأنني متعبٌ، وفي قرابة وقبيل الظهر استيقظت على بكاء شاب يصلي، فالتفت فإذا بشابٍ فوق العشرين ودون الثلاثين يصلي ويبكي بكاءً مريراً؛ يبكي بكاء زوجةٍ فقدت زوجها وهي تنظر، أو بكاء ثكلى فقدت ولدها من بين يديها، قال: فعدت وقد أعياني التعب والنصب لنومي.ثم دنا ذلك الباكي بعد لحظات، وأيقظني للصلاة، ثم قال: هل تستطيع أن تنام؟! هل تستطيع أن تنام؟! قلت: نعم. قال: أما أنا فلا أقدر على النوم، ولا أستطيع أن أذوق طعمه، فقلت له: نصلي وبعد الصلاة يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
 توديع التائب أحمد للدنيا ولحوقه بربه
ومضى على هذه الحال زمناً إلى أن جاء يومٌ من الأيام الماضية، وكان يوم الجمعة، من عطلة الربيع عام (1409هـ) وبعد العشاء من ذلك اليوم اتصل بي رجلٌ، فقال: -واسم صاحبنا الذي أخبرني بالقصة أحمد، والشاب التائب اسمه أحمد- فقال: أنا والد صاحبك أحمد وأريدك أن تأتي إلي مسرعاً في أمرٍ مهم، قال: فخرجت مسرعاً خائفاً، فلما بلغت باب قصره إذا بالأب واقفٌ على الباب فسألته ما الخبر؟فقال: صاحبك أحمد يطلبك السماح وهو يودعك إلى الدار الآخرة، لقد انتقل مغرب هذا اليوم إلى ربه، ثم انفجر الأب باكياً، يقول صاحبنا: وأنا أهون عليه وبقلبي على فراق حبيبي وصديقي مثل الذي بقلب والده، ثم دخلنا، فأدخلني في غرفةٍ، يقول صاحبنا الذي يذكر القصة: كان صاحبي فيها مسجىً مغطى، فكشفت عليه ووجهه يتلألأ نوراً، كشفت وجهاً قد فارق الحياة لكنه أنور وأبهى وأبهج وأجمل من قبل موته، كله نور، ورأيت محياً كله سرور، فقال لي والده: إني أسألك ما الذي فعله ولدي يوم أن سافر منذ أن جاء من السفر وهو على حاله؟!قال صاحبنا هذا -وكان قد عاهد ألا يخبر بالقصة بعينها، وإنما يذكرها على سبيل العظة والاعتبار، دون تحديدٍ لاسم شخصية عائلة هذا الشخص حتى لا يعرف- قال: صاحبنا لوالده: إن ولدك يوم أن سافر فقد عزيزاً عليه في سفره ذلك، نعم، فقد في تلك اللحظة إيماناً عظيماً، فقد في لحظة الزنا إخباتاً وإقبالاً لقد فقد عزيزاً.أما زوجة هذا التائب، فتقول: إن نومه غفوات، وما استغرق في نومٍ بعد رجوعه من السفر، وهم لا يعرفون حقيقة القصة، قال صاحبنا: فسألت والده عن موته، فقال الأب: إن ولدي هذا كما تعلم، يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وفي يوم الجمعة هذا، بقي عصر يومه في المسجد يتحرى ساعة الإجابة، وقبيل المغرب ذهبت إلى ولدي فقلت: يا أحمد! تعال وأفطر في البيت، فقال: يا والدي إني أحس بسعادة فدعني الآن، قال: يا ولدي! تعال لتفطر في البيت، قال: أرسلوا لي ما أفطر عليه في المسجد، قال: أنت وشأنك، وبعد الصلاة قال الأب لولده: يا ولدي! هيا إلى البيت لتتناول عشاءك، فقال التائب أحمد: إني أحس براحة عظيمة الآن، وأريد البقاء في المسجد، ولكن بعد صلاة العشاء سآتيكم لذلك، فقال الوالد: أنت وما أردت، ولما عاد الأب إلى المنزل أحس بشيء يخالج قلبه، ويخاطر فؤاده، يقول الأب: أحسست بشعورٍ غريب، فبعثت ولدي الصغير، فقلت: اذهب إلى المسجد، وانظر ما الذي بأخيك.فذهب الولد وعاد صارخاً، يا أبت! يا أبت! أخي أحمد لا يكلمني، يقول الأب: فخرجت مسرعاً إلى المسجد، فوجدت ولدي أحمد ممدداً، وهو في ساعة الاحتضار، وكان يتكئ على مستند ليرتاح عليه في خلوته بربه، واستغفاره وتلاوته، قال: فأبعدت عنه المستند الذي يتكئ عليه، وأسندته إلي، فنظرت إليه، فإذا هو يذكر اسم صاحبنا هذا الذي يقص علينا القصة، هذا الذي بلغنا الواقعة، وكأنه يوصي بإبلاغ السلام إليه، ثم إن التائب أحمد هذا الذي توفي ابتسم ابتسامة في ساعة الاحتضار، يقول أبوه: والله ما ابتسم ابتسامة مثلها من يوم أن جاء من سفره، ثم قرأ في تلك اللحظة -التي يحتضر فيها ويتبسم- وهو يرتل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:68-70] قال: فلما بلغ هذه فاضت روحه، وأسلم الروح إلى باريها.يقول الأب لصاحبنا هذا: والله لا أدري هل أبكي على حسن خاتمته فرحاً، أم أبكي على فراق ولدي، وفلذة كبدي، ثم إن هذا القصة أصبحت سبباً في صلاح أسرته وإخوانه.فيا أيها الأحبة! البدار البدار إلى التوبة، فإن الموت لا يمهل المذنبين، ووالله ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، وما بعد الموت من مستعتب، فهل يفقه هذا مذنب؟!بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
لا بد من الرجوع إلى الله وتذكر الموت
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتوبوا إليه، فإن أجسامكم على وهج النار لا تقوى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.أيها الأحبة في الله! الموت لا يمهل المذنبين: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل أيها الأحبة! أبعد هذه التوبة يبقى مصرٌ على عصيانه؟!أيبقى بعد هذه التوبة معاكسٌ على معاكسته، أم هاجر للجماعة على تركه الصلاة، أم عاقٌ يمضي في عقوقه، أم قاطعٌ يجبو في رحمه، أم فاجرٌ يمضي في فجوره، أم شابٌ غرته الصحة والعافية والثراء والمال يسافر إلى مختلف الدول ليفعل ما يفعل؟!أبعد هذا الموت الذي يفاجئ الإنسان إما على نعمة أو نقمة، إما على خاتمة حسنة أو على خاتمة سيئة؟!وما أكثر الذين تخطفتهم ملائكة الموت وهم في أحضان البغايا أو على موائد الخمور، أو في سفر الغفلة، أو في لهو المعصية؟!أبعد هذا يصر بائعٌ لأشرطة الفيديو على هذا؟!أبعد هذا يبقى بائعٌ للتسجيلات في الأغاني على هذا؟!أبعد هذا نرضى بالمنكرات في بيوتنا؟!أبعد هذا نمضي على إسرافنا في أمرنا؟!نجمع ألواناً من السيئات، ونعد أنفسنا من خيار الناس!نجمع الإسبال وحلق اللحى والاستماع إلى الأغاني والتهاون بصلاة الجماعة ثم نقول: نحن خيرٌ من ذاك وذاك! نعدها صغائر وهي والله كبائر، بإصرارنا وبقائنا عليها، بدوامنا عليها.أيها الأحبة في الله! إننا لمغرورون، يزين بعضنا بعضاً، إذا قابلتك مدحتك، وإذا قابلتني مدحتني، وكأننا من أهل الجنة، ووالله لو انتقدنا بعضنا، ونصحنا بعضنا بأصول النصيحة وآدابها لما وجدنا فينا حمداً إلا القليل، ولكن كما قال ابن الجوزي رحمه الله: اعلم أن الناس إن أعجبوا بك فإنما اعجبوا بجميل ستر الله عليك، والله ما جمل بعضنا أمام بعض إلا جميل ستر الله علينا، وإلا فنحن مقصرون، متهاونون، مذنبون، نرجو الله أن يعاملنا بعفوه، نرجو الله أن يعاملنا بمنه، نرجو الله أن يعاملنا برحمته إنه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.اللهم تب علينا، اللهم تب علينا، اللهم تب علينا.
 توديع التائب أحمد للدنيا ولحوقه بربه
ومضى على هذه الحال زمناً إلى أن جاء يومٌ من الأيام الماضية، وكان يوم الجمعة، من عطلة الربيع عام (1409هـ) وبعد العشاء من ذلك اليوم اتصل بي رجلٌ، فقال: -واسم صاحبنا الذي أخبرني بالقصة أحمد، والشاب التائب اسمه أحمد- فقال: أنا والد صاحبك أحمد وأريدك أن تأتي إلي مسرعاً في أمرٍ مهم، قال: فخرجت مسرعاً خائفاً، فلما بلغت باب قصره إذا بالأب واقفٌ على الباب فسألته ما الخبر؟فقال: صاحبك أحمد يطلبك السماح وهو يودعك إلى الدار الآخرة، لقد انتقل مغرب هذا اليوم إلى ربه، ثم انفجر الأب باكياً، يقول صاحبنا: وأنا أهون عليه وبقلبي على فراق حبيبي وصديقي مثل الذي بقلب والده، ثم دخلنا، فأدخلني في غرفةٍ، يقول صاحبنا الذي يذكر القصة: كان صاحبي فيها مسجىً مغطى، فكشفت عليه ووجهه يتلألأ نوراً، كشفت وجهاً قد فارق الحياة لكنه أنور وأبهى وأبهج وأجمل من قبل موته، كله نور، ورأيت محياً كله سرور، فقال لي والده: إني أسألك ما الذي فعله ولدي يوم أن سافر منذ أن جاء من السفر وهو على حاله؟!قال صاحبنا هذا -وكان قد عاهد ألا يخبر بالقصة بعينها، وإنما يذكرها على سبيل العظة والاعتبار، دون تحديدٍ لاسم شخصية عائلة هذا الشخص حتى لا يعرف- قال: صاحبنا لوالده: إن ولدك يوم أن سافر فقد عزيزاً عليه في سفره ذلك، نعم، فقد في تلك اللحظة إيماناً عظيماً، فقد في لحظة الزنا إخباتاً وإقبالاً لقد فقد عزيزاً.أما زوجة هذا التائب، فتقول: إن نومه غفوات، وما استغرق في نومٍ بعد رجوعه من السفر، وهم لا يعرفون حقيقة القصة، قال صاحبنا: فسألت والده عن موته، فقال الأب: إن ولدي هذا كما تعلم، يصوم يوماً، ويفطر يوماً، وفي يوم الجمعة هذا، بقي عصر يومه في المسجد يتحرى ساعة الإجابة، وقبيل المغرب ذهبت إلى ولدي فقلت: يا أحمد! تعال وأفطر في البيت، فقال: يا والدي إني أحس بسعادة فدعني الآن، قال: يا ولدي! تعال لتفطر في البيت، قال: أرسلوا لي ما أفطر عليه في المسجد، قال: أنت وشأنك، وبعد الصلاة قال الأب لولده: يا ولدي! هيا إلى البيت لتتناول عشاءك، فقال التائب أحمد: إني أحس براحة عظيمة الآن، وأريد البقاء في المسجد، ولكن بعد صلاة العشاء سآتيكم لذلك، فقال الوالد: أنت وما أردت، ولما عاد الأب إلى المنزل أحس بشيء يخالج قلبه، ويخاطر فؤاده، يقول الأب: أحسست بشعورٍ غريب، فبعثت ولدي الصغير، فقلت: اذهب إلى المسجد، وانظر ما الذي بأخيك.فذهب الولد وعاد صارخاً، يا أبت! يا أبت! أخي أحمد لا يكلمني، يقول الأب: فخرجت مسرعاً إلى المسجد، فوجدت ولدي أحمد ممدداً، وهو في ساعة الاحتضار، وكان يتكئ على مستند ليرتاح عليه في خلوته بربه، واستغفاره وتلاوته، قال: فأبعدت عنه المستند الذي يتكئ عليه، وأسندته إلي، فنظرت إليه، فإذا هو يذكر اسم صاحبنا هذا الذي يقص علينا القصة، هذا الذي بلغنا الواقعة، وكأنه يوصي بإبلاغ السلام إليه، ثم إن التائب أحمد هذا الذي توفي ابتسم ابتسامة في ساعة الاحتضار، يقول أبوه: والله ما ابتسم ابتسامة مثلها من يوم أن جاء من سفره، ثم قرأ في تلك اللحظة -التي يحتضر فيها ويتبسم- وهو يرتل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:68-70] قال: فلما بلغ هذه فاضت روحه، وأسلم الروح إلى باريها.يقول الأب لصاحبنا هذا: والله لا أدري هل أبكي على حسن خاتمته فرحاً، أم أبكي على فراق ولدي، وفلذة كبدي، ثم إن هذا القصة أصبحت سبباً في صلاح أسرته وإخوانه.فيا أيها الأحبة! البدار البدار إلى التوبة، فإن الموت لا يمهل المذنبين، ووالله ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، وما بعد الموت من مستعتب، فهل يفقه هذا مذنب؟!بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , توبة صادقة للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net