اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إلى الله المشتكى للشيخ : سعد البريك


إلى الله المشتكى - (للشيخ : سعد البريك)
في هذه المحاضرة تبـرز الفوارق الشاسعة (بل لا مقارنة) بين الرعيل الأول (السلف الصالح) وبين جيل هذا الزمان، لم تختلف الأجسام والألوان والجوارح، ولكن اختلفت القلوب، فقلوب الرعيل الأول قد امتلأت يقيناً بالله جل وعلا وبما عنده من نعيم للمؤمن، وعذاب للفاسق .. امتلأت خوفاً من الله وخضوعاً وحباً له جل وعلا .. امتلأت يقيناً بنصر الله جل وعلا لدينه وأوليائه؛ فبذلوا الغالي والرخيص في سبيل الله.وقد تحدث الشيخ حفظه الله بعد ذلك عن انتصارات المسلمين عبر التاريخ؛ لعلها تكون سبباً في رفع الهمة عند القانطين، فالإسلام تظهر قوته عندما يجتاح العدو ساحته.ثم في الأخير: استغاثة مما فعله أعداء الله (اليهود) من سب وشتم وتصوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
مقدمة عن حال الأمة اليوم
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جل عن الشبيه وعن الند وعن المثيل وعن النظير: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعد:فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33].معاشر المؤمنين: في هذه الأيام وفي كثير من الأيام نرى أحاديثنا تدور عن أحوالنا، وما هي الأسباب التي أودت بنا إلى ما نحن فيه، وما الذي حول حالنا إلى ما نحن عليه؟ ألم نكن ملوكاً نملك الدنيا ونملك اليهود والنصارى؟ وندبر الأمر.فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقةٌ نتنصفُ كثيراً ما يكون حديثنا عن ما انتهى إليه واقعنا من التشتت والتفرق والتنازع والاختلاف وتسلط أعدائنا علينا، وهواننا على الناس رغم كثرتنا، بل بلغ تعدادنا المليار ونصف المليار، وحق وصدق فينا قول نبينا صلى الله عليه وسلم: (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلةٍ نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا. أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، يصيبكم الوهن، وينزع الله المهابة من صدور أعدائكم منكم، فقالوا: وما الوهن يا رسول الله؟، قال: حب الدنيا وكراهية الموت).أيها الأحبة: كثيراً ما نسمع قانطاً، أو مثبطاً، أو مرجفاً، أو متشائماً لا يرى أن سيعود للإسلام دولة، أو يستبعد أن يكون للأمة المستضعفة من جديد قائمة، وترى آخر لا هم له إلا أن يذكرنا بماضينا: كان آباؤنا .. كان أجدادنا .. كان أسلافنا، وحق لنا أن نفتخر بأولئك، وواجبٌ علينا أن نسأل أنفسنا ماذا قدمنا؟، وماذا عملنا؟ إذا فخرت بأجداد لهم نسـبٌ نعم فخرت ولكن بئس ما ولدوا إنا كنا نفتخر بالآباء والأجداد وصولتهم في الجهاد، وبذلهم في الدعوة، وطول قيامهم، وطول صيامهم، وخشيتهم وخوفهم من الله حق لنا أن نفتخر بأولئك.أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع ولكن أليس من الواجب والحق؟ أليس من العقل والمنطق والشرع أن نتأمل أنفسنا التي ستحاسب، والتي ستموت وتبعث، والتي تحشر وتسأل، والتي تلقى جزاء ما سعت وما قدمت في هذه الحياة الدنيا.أيها الأحبة: يقول تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] فإلى أولئك الذين يرددون الحديث عن أجدادهم ولا يعرجون على واقعهم، وإلى أولئك الذين غلب التشاؤم والضعف والقنوط والإحباط على نفوسهم، إلى الجميع نقول لهم: عودوا إلى واقعكم، وتأملوا ما الفرق بينكم وبين أسلافكم، وبين ذلك الرعيل الأول الذي كان له ما كان من الدولة والصولة والجولة والقهر والغلبة والسلطان.
 

الفوارق بين جيلنا وبين الرعيل الأول
أيها المسلمون: إن أردتم الفوارق الحقيقية بين جيل النصر والبسالة وجيل الجهاد والدعوة، وجيل العزة والغلبة، ذلك الجيل الذي لا يرضى أن يمتهن أو يهان دينه، ولا يرضى أن تذل دعوته، ولا يرضى أن يغلب المنكر على المعروف، ولا يرضى أن يسكت على الباطل، الفرق بيننا وبين ذاك الجيل ليس في أنوف أو آذان، وليس في أفواه أو أعين، وليس في جوارح أو حواس، وإنما الفرق بيننا وبين ذاك الجيل هو فرق في القلوب، فرق في الأفئدة، فرق في الأرواح، وشتان شتان ما بين تلك وهذه.لا تعرضن لذكرنا في ذكرهـم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعدِ
 ثقة الرعيل الأول بنصر الله
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعد:فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك. أيها الأحبة: ومن أعظم الفروق بين ذلك الرعيل الأول وبين جيلنا: أن الواحد منهم كانت ثقته بنصرة الله للإسلام، وأن الغلبة والدولة والصولة لأمة الإسلام، فكانت عين اليقين وعلم اليقين وحق اليقين، أما كثيرٌ منا في هذا الزمان، فقد بلغ بهم اليأس والقنوط مبلغاً حتى يقول القائل:إن دام هذا ولم يحدث له غيـرٌ لم يبك ميتٌ ولم يفرح بمولود بلغ اليأس وسكن القنوط في القلوب حتى أصبح الواحد ينظر إلى أمة الإسلام تنتهك وبوسعه أن يفعل شيئاً ولو قليلاً، فإن الحرمان أقل من القليل، ومع ذلك لا يبدي حراكاً، ولا ينبس ببنت شفة، ولا يمد خطوة، بل عجز بعضهم حتى عن التفاؤل والدعاء.أما أولئك -يا عباد الله- فكان الواحد منهم لا ييئس حتى وإن هزموا، حتى وإن تفرقوا، فلا ييئسون من الوحدة والاجتماع، ولا يقنطون، ولا يرجفون، ولا يثبطون أبداً.إن من شبابنا اليوم، بل من رجالات المسلمين اليوم من رأوا صولة الباطل وأهله، وضعف الحق وأهله، وهوان المسلمين، فيئسوا وقنطوا، ثم أحبطوا وأرجفوا وثبطوا، ثم انقلبوا قائلين، ورفعوا شعاراً قائلين فيه: لو أسلم حمار آل الخطاب ما أسلم عمر. تلك المقولة اليائسة من إسلام عمر، فكان عمر هو فاروق الإسلام الذي يفرق منه الشيطان، وما سلك عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً ووادياً آخر، أصبح بعض الناس ييئسون، بل قال بعضهم: لا تتعبوا أنفسكم بعمل أو دعوة أو سعي أو إصلاح أو جهاد، فانتظروا حتى يأتي المهدي، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، أو يأتي المسيح فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويعود ليحكم الناس بشريعة محمد، والفترة بين هذه وهذه: ليس في الإمكان أحسن مما كان.نوموا ولا تستيقظـوا ما فاز إلا النومُ هكذا دأب وشأن كثيرٍ منهم: (ومن قال: هلك الناس، فهو أهلكُهم) وفي روايةٍ: (فهو أهلكَهم).إن النفس إذا سكنتها الهزيمة، وحل بها القنوط، صار ذلك أمراً يحدث شللاً في الجوارح فلا تتحرك، وشللاً في العقول فلا تفكر، وشللاً في الألسنة فبالحق لا تنطق، وشللاً بالأنفس فلا تفور غيرةً لدين الله عز وجل أبداً.إن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان ما كان في معركة أحد وقد قتل من الصحابة سبعون، وكانت الدائرة لقريش على الصحابة، هل انسحب النبي بالصحابة وخرج، بل هو كسرت رباعيته، وشج وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم، وهل سكنت الهزيمة نفسه أو نفس أصحابه؟ لا. الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ [آل عمران:172] لما حصل القرح، وحصلت الدائرة، وحصل ما حصل للمشركين، جمع النبي من بقي من الصحابة؛ جمع الجريح، وجمع الذي ضرب أو طعن، وجمع الذي لم يصب بشيء، فكرّ بهم وشنَّ بهم حملةً ثانيةً على الكفار، وأخذوا يلاحقون الكفار حتى هرب المشركون، وذلك حتى لا يستقر في النفوس أن الإسلام هزم، أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هزم.أيها الأحبة: ينبغي ألا تستقر في نفوسنا هزيمة حتى وإن اغتصبت أعراض المسلمات في البوسنة أو في الشيشان، أو كشمير ، حتى إن قتل من قتل في فلسطين والفليبين، حتى وإن دمرت بيوت الأبرياء عبر الدبابات في المستوطنات، حتى وإن كان ما كان، ينبغي ألا تسكن الهزيمة في قلوبنا يا عباد الله؛ لأننا أمة نعلم بصريح قول الله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5] إننا أمة نعلم علم اليقين قول الله عز وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] ويعلمون قول الله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51].والله يا عباد الله ليتحققن وعد رسول الله وهو الصادق المصدوق: (ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار حتى لا يبقى بيت حجرٍ ولا مدرٍ إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الشرك وأهله).
شواهد من التاريخ على عزة الإسلام وقوته
أيها الأحبة: إن التاريخ شاهد على أن هذا الدين أشد ما يكون قوة، وأصلب ما يكون عوداً، وأعظم ما يكون رسوخاً وشموخاً حين تنزل بساحته الخطوب، وتحدق به الأخطار، ويشتد على أهله الكرب، حينئذٍ يحقق الإسلام معجزته، فينبعث الجثمان الهامد، ويتدفق الدم في عروق أبنائه، يقول هذا الدين فيُسمع، ويمشي فيسرع، ويضرب فيُوجع، وإذا بالنائم يصحو والغافل ينتبه، والجبان يقدم، والشتات المتنافر ينقلب اجتماعاً ووحدة، وإذا بالجهود المبعثرة تنتظم لتكون تياراً وإعصاراً هادراً يعصف بالظلم والظالمين.
 انتصارات صلاح الدين على الصليبيين
عباد الله: اسمعوا ما يقول ابن كثير: في ضحى يوم الجمعة في الثالث والعشرين من شعبان عام (492هـ): دخل ألف ألف مقاتل-مليون- بيت المقدس ، وفعلوا بأهله ما تفعله الذئاب في خراف الغابة الضعيفة، ارتكبوا أشنع ما تفعله الشياطين، وظلوا سبعة أيام يقتلون ويهتكون، حتى بلغ القتل في المسلمين أكثر من ستين ألفاً، قتلوا الأئمة والمتعبدين والعلماء، وأصبح الصليبيون يفعلون ما يفعله اليهود اليوم وأشد؛ يحرقون البيوت من أسفلها حتى يلقى السكان أنفسهم من أعاليها على الأرض، سلبوا الأموال، بل وأعظم من ذلك أدخلت الخنازير بيت المقدس، وعلقت الصلبان على المسجد الأقصى؛ بعد أن كان الأذان يصيح بالمآذن بـ(لا إله إلا الله) دقت النواقيس في المآذن وعلقت الصلبان، وأصبحوا يصيحون في المآذن: إن الله ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ما الذي حصل؟ هام الناس على وجوههم، وظن اليائسون أن لا عودة للإسلام إلى بيت المقدس أبداً حتى أذن الله سنة (583هـ) بأن يعود المسجد الأقصى إلى المسلمين على يد صلاح الدين، فأعد جيشاً لرد بيت المقدس وتأديب الصليبيين، ثم جاءته رسالةٌ تقول: يا أيها الملك الـذي لمعالم الصلبان نكس جاءت إليك ظـلامةٌ تشكو من البيت المقدس كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس فانتخى صلاح الدين وبكى، وأقسم بالله ألا يضحك، وألا يطأ امرأة حتى يعود بيت المقدس إلى المسلمين، حلف بعد ذلك، وأعرض عن النساء، وتناقل ملوك النصارى شأنه وخبره، فتحالفوا بعد أن كانوا في فرقة، واتحدوا بعد أن كانوا في خلاف واجتمعوا، وجاءوا بحدهم وحديدهم، وكانوا ثلاثة وستين ألفاً، فتقدم صلاح الدين إلى بحيرة طبرية، ففتحها بالتكبير والتهليل، ثم استدرج النصارى إلى موقع يريده، فلما وقع النصارى في المكان الذي استدرجهم إليه، لم يصل إليهم قطرة ماء، ثم صاروا في عطش عظيم، وشد عليهم الطعن والطعان، والقتل والقتال، فشاهت وجوههم، ودارت دائرة السوء عليهم عشية يوم الجمعة، واستمرت طيلة السبت الذي كان عسيراً على أهل الأحد، وطلعت عليهم الشمس واشتد الحر وقوي العطش، ثم بدأ صلاح الدين بإحراق النار وإرسال قذائف النار تحت خيل الكفار، تحت خيل الصليبيين في الحشيش، فاشتعل الحشيش الذي كان تحت خيلهم، فزاد اللهيب وزاد العطش واجتمع حر السلاح والتكبير، وقال الخطباء يستنفرون أهل الإيمان ويستثيرونهم بالدعاء، وصاح المسلمون صيحةً واحدةً، وزأرت الأسود في فلسطين زأروا في القدس، واندفعوا كموج عارم مع التكبير، فإذا بملوك الصليبيين أسرى، وجنودهم قتلى حتى قتل منهم ذاك اليوم في المعركة أكثر من ثلاثين ألفاً، وأسر أكثر من ذلك، حتى شوهد الفلاح يقود ثلاثين أسيراً من الصليبيين مقيدين مغلولين يربطهم في طنب خيمته، وباع أحد الفلاحين من فلسطين أسيراً من الصليبيين بنعلٍ يلبسها، وباع ثالث من فلسطين أسيراً من الصليبيين بكلب يحرس غنمه، ثم تقدم صلاح الدين بجيوش الإيمان واستراح قليلاً، وعاد ليكر على الجهة الأخرى من بيت المقدس من الجهة الشرقية وأخرجهم على شروطه: الكبير يدفع عشرة دنانير، والمرأة خمسة، والطفل ديناران، ومن عجز فيبقى أسيراً في أيدي المسلمين.نعم أيها الأحبة: جمع من الأسرى أكثر من ستة عشر ألفاً غير من أسر في المواجهة الأولى، ثم دخلوا بيت المقدس، وطهروه من الخنازير والصلبان، وعاد بيت المقدس مأوى للقانتين والقائمين والعاكفين والركع السجود، وجيء بمنبر نور الدين الشهيد الذي كان يأمل أن يكون الفتح على يديه، فكان الفتح على يد تلميذه صلاح الدين، ورقى الخطيب المنبر أول جمعة بعد أن عطلت الجمعة والجماعة أكثر من واحد وتسعين عاماً، فبدأ الخطيب بقول الله وهو يبكي: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].
المستقبل والنصر للإسلام
إذاً -يا أمة الإسلام- علينا أن نثق بالنصر القادم والمستقبل القريب، علينا أن نحمل هذا الهم إلى الأبناء والأحفاد وأبنائهم، علينا أن نعلم أن هذا الدين وأن أمة الإسلام لو كانت ميتة ما احتاجت إلى كيد ومكر كالجبال، إن الميت لا يكاد به، إن الميت لا يمكر به، ولكنما المكر في من له حياة، ولولا حياةٌ فيكم وفي أمة الإسلام لما مكر الغرب والشرق، ومكر أعداء الدين عبر كل طريق، وعبر كل وسيلة.إذاً: أيها الأحبة: ينبغي أن نعلم أن أمة الإسلام، وإن سقط من أبنائها من سقط في حضيض الشهوة، فإن هذا ليس مصيبةً عظمى، إنما المصيبة العظمى أن يستقروا في الشهوة ولا يتوبوا، أن يزل عبدٌ زلةً فتلك شأن بني آدم: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) لكن أن يرضوا بالزلل، وأن يبقوا في قعر الزلل ومستنقعات الرذيلة، تلك هي والله المصيبة.
 انتصارات صلاح الدين على الصليبيين
عباد الله: اسمعوا ما يقول ابن كثير: في ضحى يوم الجمعة في الثالث والعشرين من شعبان عام (492هـ): دخل ألف ألف مقاتل-مليون- بيت المقدس ، وفعلوا بأهله ما تفعله الذئاب في خراف الغابة الضعيفة، ارتكبوا أشنع ما تفعله الشياطين، وظلوا سبعة أيام يقتلون ويهتكون، حتى بلغ القتل في المسلمين أكثر من ستين ألفاً، قتلوا الأئمة والمتعبدين والعلماء، وأصبح الصليبيون يفعلون ما يفعله اليهود اليوم وأشد؛ يحرقون البيوت من أسفلها حتى يلقى السكان أنفسهم من أعاليها على الأرض، سلبوا الأموال، بل وأعظم من ذلك أدخلت الخنازير بيت المقدس، وعلقت الصلبان على المسجد الأقصى؛ بعد أن كان الأذان يصيح بالمآذن بـ(لا إله إلا الله) دقت النواقيس في المآذن وعلقت الصلبان، وأصبحوا يصيحون في المآذن: إن الله ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ما الذي حصل؟ هام الناس على وجوههم، وظن اليائسون أن لا عودة للإسلام إلى بيت المقدس أبداً حتى أذن الله سنة (583هـ) بأن يعود المسجد الأقصى إلى المسلمين على يد صلاح الدين، فأعد جيشاً لرد بيت المقدس وتأديب الصليبيين، ثم جاءته رسالةٌ تقول: يا أيها الملك الـذي لمعالم الصلبان نكس جاءت إليك ظـلامةٌ تشكو من البيت المقدس كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس فانتخى صلاح الدين وبكى، وأقسم بالله ألا يضحك، وألا يطأ امرأة حتى يعود بيت المقدس إلى المسلمين، حلف بعد ذلك، وأعرض عن النساء، وتناقل ملوك النصارى شأنه وخبره، فتحالفوا بعد أن كانوا في فرقة، واتحدوا بعد أن كانوا في خلاف واجتمعوا، وجاءوا بحدهم وحديدهم، وكانوا ثلاثة وستين ألفاً، فتقدم صلاح الدين إلى بحيرة طبرية، ففتحها بالتكبير والتهليل، ثم استدرج النصارى إلى موقع يريده، فلما وقع النصارى في المكان الذي استدرجهم إليه، لم يصل إليهم قطرة ماء، ثم صاروا في عطش عظيم، وشد عليهم الطعن والطعان، والقتل والقتال، فشاهت وجوههم، ودارت دائرة السوء عليهم عشية يوم الجمعة، واستمرت طيلة السبت الذي كان عسيراً على أهل الأحد، وطلعت عليهم الشمس واشتد الحر وقوي العطش، ثم بدأ صلاح الدين بإحراق النار وإرسال قذائف النار تحت خيل الكفار، تحت خيل الصليبيين في الحشيش، فاشتعل الحشيش الذي كان تحت خيلهم، فزاد اللهيب وزاد العطش واجتمع حر السلاح والتكبير، وقال الخطباء يستنفرون أهل الإيمان ويستثيرونهم بالدعاء، وصاح المسلمون صيحةً واحدةً، وزأرت الأسود في فلسطين زأروا في القدس، واندفعوا كموج عارم مع التكبير، فإذا بملوك الصليبيين أسرى، وجنودهم قتلى حتى قتل منهم ذاك اليوم في المعركة أكثر من ثلاثين ألفاً، وأسر أكثر من ذلك، حتى شوهد الفلاح يقود ثلاثين أسيراً من الصليبيين مقيدين مغلولين يربطهم في طنب خيمته، وباع أحد الفلاحين من فلسطين أسيراً من الصليبيين بنعلٍ يلبسها، وباع ثالث من فلسطين أسيراً من الصليبيين بكلب يحرس غنمه، ثم تقدم صلاح الدين بجيوش الإيمان واستراح قليلاً، وعاد ليكر على الجهة الأخرى من بيت المقدس من الجهة الشرقية وأخرجهم على شروطه: الكبير يدفع عشرة دنانير، والمرأة خمسة، والطفل ديناران، ومن عجز فيبقى أسيراً في أيدي المسلمين.نعم أيها الأحبة: جمع من الأسرى أكثر من ستة عشر ألفاً غير من أسر في المواجهة الأولى، ثم دخلوا بيت المقدس، وطهروه من الخنازير والصلبان، وعاد بيت المقدس مأوى للقانتين والقائمين والعاكفين والركع السجود، وجيء بمنبر نور الدين الشهيد الذي كان يأمل أن يكون الفتح على يديه، فكان الفتح على يد تلميذه صلاح الدين، ورقى الخطيب المنبر أول جمعة بعد أن عطلت الجمعة والجماعة أكثر من واحد وتسعين عاماً، فبدأ الخطيب بقول الله وهو يبكي: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].
اليهود وسبهم لرسول الله
أمة الإسلام! أمة الإسلام! أمة الإسلام! اليوم اليهود يرسمون صورة الخنازير على الجدران، ويقولون: هذا محمد، يعنون نبينا صلى الله عليه وسلم.أمة الإسلام! يرسمون الكاريكاتير بأبشع وأخبث صورة، ويقولون: هذا نبيكم، يستهزئون بنبينا، ويستهزئون برسولنا، ويستهزئون-والله- بخير نفس خلقت على هذه البسيطة .لو أن أحداً منا سُبَّ أبوه أو أمه أو قبيلته أو فصيلته، والله لا ينتخين حتى تراق الدماء منه وممن سبه وشتمه، فما بالكم بأعداء الإسلام (اليهود) يسبون نبينا صلى الله عليه وسلم، ويسبون صحابته، ويرسمون الخنازير، ويكتبون على صورة الخنزير هذا محمد، شرفه الله عما قالوا، بل أكرمه، بل إن شانئه هو الأبتر، ولكن يا عباد الله! أيمر هذا؟! أنسكت عن هذا؟! والله إنها لعقدة تبقى في النفس، وحسرةٌ تبقى في الفؤاد، وحسكةٌ تبقى في الضمير.نسأل الله عز وجل بأسمائه أن يفتح لنا طريقاً إلى بيت المقدس حتى نري أبناء القردة والخنازير كيف فعلهم وقولهم، حتى تجرءوا على محمد صلى الله عليه وسلم، والله، والله، والله لأن تسيل الدماء هناك، ولأن تطير الرءوس وتتناثر الأشلاء، ولأن تطير الأفئدة هناك غيرةً لدين الله أهون -يا عباد الله- من أن يسب رسولنا صلى الله عليه وسلم، أو يرسم خنزيرٌ ويقال: هذا محمد صلى الله عليه وسلم .يا أمة الإسلام: أما عاد في المسلمين غيرة! أما عاد في المسلمين حمية! أما عاد في المسلمين بقية! يسب نبيهم، يسب قائدهم، يسب إمامهم، يسب صلى الله عليه وسلم وهو الشريف الطاهر، وهو خليل الله، وهو نبي الله، وترسم له هذه الصور، ومع ذلك ما بالمسلمين من يثأر له! ما بالمسلمين من يثأر له! ما بالمسلمين من يثأر له! ما الذي حل بنا؟! وما الذي حصل بنا يا عباد الله؟! إنها والله لمصيبة.اللهم يا حي يا قيوم لا تؤاخذنا بتفريطنا في حق نبينا، اللهم لا تهلكنا بتفريطنا في حق نبينا، اللهم إن اليهود قد قالوا فيك ما قالوا، قالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، اللهم إنهم قتلوا أنبياءك، فلا غرابة أن يفعلوا ذلك بنبينا صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي هذا الخبيث الطاغية الذي يسمى نتنياهو ليعتذر للمسلمين، مؤامرةٌ وأدوارٌ متعددة، هذا يقتل، وهذا يدفن، وهذا يجرح، وهذا يداوي، وهذا يُجوِّع، وهذا يطعم، اللهم إليك المشتكى، اللهم إليك المشتكى، اللهم إليك المشتكى .يا عباد الله! فتشوا عن أي سبيل يوصل الأموال إلى فلسطين ، وأرسلوها هناك لعلنا أن نشفي غيظ قلوبنا من هؤلاء اليهود، ابعثوا لإخوانكم في فلسطين ما تستطيعون من أموالكم لعل الله أن يرينا في هؤلاء ما تشفى به صدورنا.اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، وأبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره.اللهم عليك باليهود، اللهم عليك باليهود، اللهم مزقهم، اللهم اقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين.اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجمع اللهم شمل حكامنا وعلمائنا ودعاتنا، اللهم ثبتنا على دينك، واستعملنا في طاعتك، وتوفنا على مرضاتك، وانصر اللهم إخواننا المسلمين في كل مكان.إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن بقية العشرة، وأهل الشجرة، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
 انتصارات صلاح الدين على الصليبيين
عباد الله: اسمعوا ما يقول ابن كثير: في ضحى يوم الجمعة في الثالث والعشرين من شعبان عام (492هـ): دخل ألف ألف مقاتل-مليون- بيت المقدس ، وفعلوا بأهله ما تفعله الذئاب في خراف الغابة الضعيفة، ارتكبوا أشنع ما تفعله الشياطين، وظلوا سبعة أيام يقتلون ويهتكون، حتى بلغ القتل في المسلمين أكثر من ستين ألفاً، قتلوا الأئمة والمتعبدين والعلماء، وأصبح الصليبيون يفعلون ما يفعله اليهود اليوم وأشد؛ يحرقون البيوت من أسفلها حتى يلقى السكان أنفسهم من أعاليها على الأرض، سلبوا الأموال، بل وأعظم من ذلك أدخلت الخنازير بيت المقدس، وعلقت الصلبان على المسجد الأقصى؛ بعد أن كان الأذان يصيح بالمآذن بـ(لا إله إلا الله) دقت النواقيس في المآذن وعلقت الصلبان، وأصبحوا يصيحون في المآذن: إن الله ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ما الذي حصل؟ هام الناس على وجوههم، وظن اليائسون أن لا عودة للإسلام إلى بيت المقدس أبداً حتى أذن الله سنة (583هـ) بأن يعود المسجد الأقصى إلى المسلمين على يد صلاح الدين، فأعد جيشاً لرد بيت المقدس وتأديب الصليبيين، ثم جاءته رسالةٌ تقول: يا أيها الملك الـذي لمعالم الصلبان نكس جاءت إليك ظـلامةٌ تشكو من البيت المقدس كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أدنس فانتخى صلاح الدين وبكى، وأقسم بالله ألا يضحك، وألا يطأ امرأة حتى يعود بيت المقدس إلى المسلمين، حلف بعد ذلك، وأعرض عن النساء، وتناقل ملوك النصارى شأنه وخبره، فتحالفوا بعد أن كانوا في فرقة، واتحدوا بعد أن كانوا في خلاف واجتمعوا، وجاءوا بحدهم وحديدهم، وكانوا ثلاثة وستين ألفاً، فتقدم صلاح الدين إلى بحيرة طبرية، ففتحها بالتكبير والتهليل، ثم استدرج النصارى إلى موقع يريده، فلما وقع النصارى في المكان الذي استدرجهم إليه، لم يصل إليهم قطرة ماء، ثم صاروا في عطش عظيم، وشد عليهم الطعن والطعان، والقتل والقتال، فشاهت وجوههم، ودارت دائرة السوء عليهم عشية يوم الجمعة، واستمرت طيلة السبت الذي كان عسيراً على أهل الأحد، وطلعت عليهم الشمس واشتد الحر وقوي العطش، ثم بدأ صلاح الدين بإحراق النار وإرسال قذائف النار تحت خيل الكفار، تحت خيل الصليبيين في الحشيش، فاشتعل الحشيش الذي كان تحت خيلهم، فزاد اللهيب وزاد العطش واجتمع حر السلاح والتكبير، وقال الخطباء يستنفرون أهل الإيمان ويستثيرونهم بالدعاء، وصاح المسلمون صيحةً واحدةً، وزأرت الأسود في فلسطين زأروا في القدس، واندفعوا كموج عارم مع التكبير، فإذا بملوك الصليبيين أسرى، وجنودهم قتلى حتى قتل منهم ذاك اليوم في المعركة أكثر من ثلاثين ألفاً، وأسر أكثر من ذلك، حتى شوهد الفلاح يقود ثلاثين أسيراً من الصليبيين مقيدين مغلولين يربطهم في طنب خيمته، وباع أحد الفلاحين من فلسطين أسيراً من الصليبيين بنعلٍ يلبسها، وباع ثالث من فلسطين أسيراً من الصليبيين بكلب يحرس غنمه، ثم تقدم صلاح الدين بجيوش الإيمان واستراح قليلاً، وعاد ليكر على الجهة الأخرى من بيت المقدس من الجهة الشرقية وأخرجهم على شروطه: الكبير يدفع عشرة دنانير، والمرأة خمسة، والطفل ديناران، ومن عجز فيبقى أسيراً في أيدي المسلمين.نعم أيها الأحبة: جمع من الأسرى أكثر من ستة عشر ألفاً غير من أسر في المواجهة الأولى، ثم دخلوا بيت المقدس، وطهروه من الخنازير والصلبان، وعاد بيت المقدس مأوى للقانتين والقائمين والعاكفين والركع السجود، وجيء بمنبر نور الدين الشهيد الذي كان يأمل أن يكون الفتح على يديه، فكان الفتح على يد تلميذه صلاح الدين، ورقى الخطيب المنبر أول جمعة بعد أن عطلت الجمعة والجماعة أكثر من واحد وتسعين عاماً، فبدأ الخطيب بقول الله وهو يبكي: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إلى الله المشتكى للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net