اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المسارعة في الخيرات للشيخ : سعد البريك


المسارعة في الخيرات - (للشيخ : سعد البريك)
جعل الله الحياة ميدان سباق؛ فمن حاز قصب السبق حاز رضوان الله، ومن حاز رضوان الله فقد فاز بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.وقد تحدث الشيخ حفظه الله عن نوع من الناس يسابق ولكن إلى الشر، ونوع آخر يسابق إلى الخير، ولكل من الخير والشر أهل؛ لذا وجب أن نكون من أهل الخير لنحوز رضا الله فنفوز بجنته، ولن يعدم العباد خيراً من رب يدعوهم إلى الخير ويبشر بالجنة.
الدنيا طريق إلى الجنة أو النار
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.أسأل الله جل وعلا أن يُحرم أقداماً مشيتم بها إلى هذا المقام علىالنار، وأسأل الله أن يُحرم وجوهاً نظرتم ونظرنا إليكم فيها عن النار، وأسأل الله أن يُحرم والدينا ووالد والدينا وإياكم عن النار.اللهم اجعل اجتماعنا هذا مرحوماً، وتفرقنا من بعده معصوماً، اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلا، واسمك الأعظم الذي إذا سُئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، ألا تدع في هذا المجتمع وهذا المقام ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا أسيراً إلا فككته، ولا أسير ذنوبه إلا فككته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا أيماً إلا زوجته، ولا متزوجاً إلا ذريةً صالحة وهبته بمنك وكرمك يا رب العالمين.أيها الأحبة! اختار أحبابنا بالشئون الدينية أن يكون عنوان المحاضرة: "المسارعة إلى الخيرات".
 مسارعة الصحابة إلى الخيرات
هكذا كان شأن أفضل خلق الله الأنبياء والرسل، وعلى هذا المنهج وعلى تلك الطريقة والسنة المستقيمة درج الصحابة رضوان الله عليهم، وسابقوا في الخير، فلما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى البذل في سبيل الله، سابق أبو بكر فجاء بالمال كله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وأحرِ بـأبي بكر أن يفعلها- (قال: يا أبا بكر ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله).أبو بكر جاء بالمال كله وهو يعلم أنه لن ينزل في آخر الشهر مُسير الرواتب ليوقع عليه، ثم يقبض راتبه، شتان بين حسناتنا وملايينا ومليارتنا وجبال أعمالنا مجتمعين على وجه الكرة الأرضية، وعمل مدٍ أو نصف مُدَّ من واحد من الصحابة. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فإنه لو أنفق أحدكم مثل: جبل أحد ذهباً، ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه) لو أن واحداً من الأغنياء أنفق زنة جبل أحد ذهباً ولآلئ ودرراً وزبرجداً ويواقيت، لو أنفقها في سبيل الله وقدم صحابي بنصف مُدَّ -سدس كيلو تقريباً- فإن ذلك المد ليرجح بذلك الجبل.نعم. كانوا ينفقون، وينفقون قبل المحسوس معاني عظيمة يريدون بها وجه الله، جاءوا بالمال، ولا يعلمون أن أموالاً ستأتي، وإنما خلفهم الله، وعوضهم الله، ورجاؤهم في الله، امتلأت قلوبهم بالله ورسوله فاغتنت، وتعلقت قلوبنا بآخر الشهر، فمحقت بركة كثير من أموالنا، وربما لم نُسدد إلى حسن صرف أو تدبير في ذلك، شتان بيننا وبينهم حتى وإن أعطينا وأنفقنا، لو فرغنا جيوبنا اليوم وأمضيناها في سبيل الله، فنحن نعلم أننا في آخر الشهر سنقبض مالاً. أما أولئك فالواحد منهم ينفض جيبه وينظف بيته ويخرج كل ما عنده، لا يبقى في البيت إلا حلسٌ بالٍ، أو شيء لا ينفع للجهاد والبذل، فيقول الرسول: (ماذا أبقيت؟) فيقول: أبقيت الله ورسوله.يسارع عمر رضي الله عنه وأرضاه إلى هذا، فيأتي بنصف ماله، يسارع عثمان الذي يعلم أن الله يُضاعف لمن يشاء والله واسع عليم، فيجهز ويعطي وينفق ويبذل ويمد ويزيد حتى تهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم كأنه قطعة ذهبٍ تتلألأ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم).هكذا كان شأنهم، وهكذا كان طريقهم .. مسارعةٌ في الخيرات مع أن أبا بكر ذكره الله في القرآن وأثنى عليه، وشهد له النبي بالجنة، وعمر شُهد له بالجنة، وعثمان شُهد له بالجنة، وعلي شهد له بالجنة، وما قالوا: الآن بلغنا البشارة، وحققنا الأمارة، وأدركنا الغاية، قد ضُمنت الجنة فلتقعد بنا المراحل في قوارع الطرق، بل بذلوا وأعطوا في سبيل الله، وما زالوا يُعطون ويبذلون النفس والنفيس والغالي والرخيص في سبيل الله، يسابقون ويبادرون إلى الخيرات.
المبادرة بالأعمال قبل الفتن
في الصحيح عند الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة).بادروا، أي: أسرعوا، اعملوا، اجتهدوا قبل أن يُغلق باب التوبة، فتطلع الشمس من مغربها، أو أن تأتي آية وعلامة من علامات القيامة: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان:10-11] أو الدجال فتنةٌ قد ضل كثيرٌ من الخلق في فتن دونها، فما بالك لو خرج الدجال في زمن تعلقت عقول البشر وأفئدة بعضهم بالخرافات والخزعبلات والسحرة والكهنة والشياطين. ألم يُصدق كثيرٌ من الناس أن تيساً من البهائم يشفي، أو ينفع، أو يضر، وأن ضريحاً لأحد المخرفين يجلب نفعاً، أو يدفع ضراً؟ألم يصدق بعض المساكين أن بعض الأولياء يدبر أو يتصرف؟ ألم يصدق بعض الذين وقعوا من حيث يعلمون، أو لا يعملون في الشرك أن الذبح عند ضريح أو دعاء ميت، أو الاستغاثة بولي ربما دفعت عنهم كربة، وكشفت سقماً، وأحضرت خيراً ونفعاًُ، فما بالك لو خرج الدجال بين أعينهم، فقسم ونشر رجلاً من الناس قسمين، ثم رده كما كان، أتظنون أن الذين ضعفوا وانهاروا وخاروا وصدقوا فتناً صغيرةً يسيرةً، مع ما فيها من الكذب والسحر والشعوذة والخزعبلات، أتظن أولئك الذين انطلت عليهم الصغائر يثبت إيمانهم عند تلك الكبائر؟ يأتي الدجال إلى المكان الخرب من الأرض، فيقول: أخرجي كنوزك، فتتبعه كيعاسيب النحل، ويشق الرجل شقين، ويمر بينهما، ثم يأمر كل قسم أن يعود فيعود، ويعود الرجل ماشياً كما كان.الدجال فتنة، وما من نبي إلا حذر أمته من الدجال، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنه ما من نبي إلا حذر أمته الدجال، فإن يخرج- يعني: الدجال- وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإن يخرج وقد هلكت، فامرؤ حجيج نفسه، ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد).
 التوبة مما فات قبل الممات
خلِ ادكار الأربع والمنـزل المرتبعِ والضاعن المودعِ وعدِّ عنه ودعِ واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا ولم تزل معتكفا على القبيحِ الشنعِ إلام تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضرُّ المقتني ولست بالمرتدعِ أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط بفوده فقد نعي آه له بيت البلى ومنـزل القفر الخلا ومنـزل السفر الألى والضاعن المودع يعني: القبربيتٌ يرى من أودعـه أو ضمه واستودعه لا يستوي إن حلـه داهية أو أبله أو معسر أو من لـه ملك كملك تبع هذه هي النهاية! فمادمت تعلمها فما الذي يجعلك تتأخر عن التوبة؟ وما الذي يجعلك تسوفها؟ أنت تعلم كم في بيتك من شريط لا يسرك أن يدفن معك أو تلقى الله به، وأنت تعلم كم في بيتك من مجلة لا يسرك أن تدفن معك أو تلقى الله بها، وتعلم أن في مالك قليلاً أو كثيراً من الريالات تعلم من أين جاءت، ولا يسرك أن تحج بها، أو تتصدق بها، أو تنفقها على أولادك، وربما قال الشيطان: اجعلها في وقود، أو في جدار، أو حائط، تخلص منها ما دمت قادراً قبل أن تُقسم من بعدك لهم حلال وتكون عليك حراماً.هذه الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب، لن ينفعك -والله- إلا عملك حتى وإن طاف بك الطائفون، وأثنى المثنون، ومدح المادحون: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36] ما الذي حل بهم؟ ما الذي أصابهم؟ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37] أمك لا تلتفت إليك، وأبوك مشغولٌ عنك، وزوجتك بحالها مشغولة، وأبناؤك ينظرون موازينهم، وأحبابك كلٌ يتطاير بصره إلى أين تطير صحيفته، وهل يلقاها بيمينه أو بشماله، والله لن ينفعنا إلا أعمالنا ولو مدحنا الليل والنهار، وسينفعنا العمل وإن شتم الشاتمون، أو سبنا السابون، أو خذلنا الخاذلون، أو ثبط المثبطون، أو أرجف المرجون، أو سخر الساخرون، أو استهزئ المستهزئون.العمل ينفع بإذن الله، قال صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه ويبنه ترجمان، فينظر أيمن منه) أنت أيها المسكين! ستقف بين يدي الله جبار السماوات والأرض الذي تكون الأرض الكرة الأرضية بقاراتها، بأشجارها ببحارها، بجبالها، بمخلوقاتها، بطيورها، بوحوشها، ببهائمها، الكرة وما عليها في قبضة الجبار جل وعلا: وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]. أنت أنت أيها المسكين! تقف بين يدي ربك، سيكلمك الله ليس بينك وبينه ترجمان، فتنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، فتنظر بين يديك فلا ترى إلا النار تلقاء وجهك، يقول صلى الله عليه وسلم: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة). وقد قلّ ذكر النار في مجالسنا، وقلّ ذكر النار في نوادينا، وقلّ ذكر النار في لقاءاتنا، ما أكثر ما مدحنا بعضاً، وتزينا لبعض، وأثنينا على بعض، وبحثنا وتناقشنا وقررنا وحللنا ورجحنا ورأينا وما أقل ما ذكرنا النار، هذه النار التي خشيها الصالحون الذين بلغوا أعمالاً صالحة، علي بن أبي طالب يراوح بين قدميه من طول القيام، ويقول: [لقد أدركت صحب محمدٍ صلى الله عليه وسلم والواحد منهم في جباههم مثل ركاب المعز من طول السجود] يراوحون بين أقدامهم من طول القيام في الليل والنهار، فإذا ذكرت النار، ماجوا وخافوا واضطربوا كأنما النار إنما خلقت لهم، أما نحن فقد جمعناً حشفاً وسوء كيلة، سوء عمل، وطول رجاء وأمل، فلا حول ولا قوة إلا بالله. هناك أمنية سيتمناها الرجل والمرأة، ويتمناها الذكر والأنثى، والصغير والكبير: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100] ما من عبدٍ إلا ويكون مغبوناً يوم القيامة، إن كان صالحاً رأى الغبن، لماذا لم يكن تزود أكثر مما فعل؟ وإن كان فاسداً ضالاً، أو كافراً مشركاً، رأى الغبن أن فرط ولم يجب داعي الله سبحانه وتعالى.إن هذه الأمنية ربما تمناها كافرٌ، وهو ما تمناه أهل النار حينما يُلقون فيها، قال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] الله أكبر: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37].. آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [يونس:91] الآن لما رأيت النار، الآن لما وقفت على الصراط، الآن لما رأيت زبانية جهنم، الآن لما ودعت الدنيا، أين كنت يوم كنت قادراً، يوم كنت قوياً، يوم كنت عداءً سباقاً، يوم كنت مصارعاً جلداً، يوم كنت بصيراً حديداً، يوم كنت فصيحاً منطيقاً، يوم كنت لجوجاً حجوجاً، يوم كنت فارساً شجاعاً، أين كنت عن عبادة الله ؟ أين كنت عن طاعة الله؟ ما الذي أشغلك: سهرٌ بليل، معصية، مصيبة، داء وبيل؟ ربما ابتلاك الله بالعافية فلم تعرف:قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعمِ
وصية لي ولكم
هي وصية ونداء من الله لنا ألا تلهينا أموالنا، وألا تلهينا أولادنا: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15].. إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ [التغابن:14] يقول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11].إن الله جل وعلا يذكر شأن الضالين الذين فرطوا: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100].سيبقى بعد تمنيه، وبعد رجائه، وبعد أمله أن يرد؛ إنه لن يجاب (كلا) مرجوع مزجور، سيبقى في البرزخ: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ [المؤمنون:100-101] إذا انتهت مدة البرزخ: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101] أين الغبطة؟ وأين التجارة؟ وأين النعيم؟ وأين ما ينفع؟ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:102-104] ثم يأتي التقريع، ويأتي التوبيخ: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ [المؤمنون:105] ألم يأتكم أنبياء؟ ألم يأتكم رسل؟ ألم يبلغكم القرآن كاملاً غير محرف، محفوظاً من الزيادة والنقصان؟ ألم تسمعوا المواعظ؟ ألم تسمعوا النداء؟ ألم تقرع قلوبكم سياط المواعظ؟ ألم تعتبروا بقصص من حل بهم الموت وهم على المعصية؟ ما الذي بدلكم؟ وما الذي أبعدكم؟ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [المؤمنون:105] هناك من كذب، وهناك من فرط، وهناك من شكك، وهناك من قال: ربما، ولعل، وليت:ولست بمرجعٍ ما فات مني بليت ولا لعل، ولا لو اني ما تنفع أبداً: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا [المؤمنون:105-106] شقاء في الإصرار؛ في التكذيب، في عناد الرُسل، في عناد الدعاة إلى الله، في عناد من نصحنا وأمرنا بالصلاة، في عناد من حذرنا من اللهو والغفلة، في عناد من دعانا إلى طريق الله: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ [المؤمنون:106]. لكن يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107] فيرد الجبار عليهم بعد أعوام طويلة: قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108] هم يصطرخون ويصيحون وينادون: يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] يرد عليهم الجواب بعد زمن طويل اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108].وهذا شأن كل ضال سيندم عند الموت، وسيندم في القبر، وسيندم عند البعث، وسيندم في الحشر، وسيندم عند تطاير الصحف، وسيندم حينما يعبر على الصراط، وسيندم حينما يرى مصارع أهل النار، وسيندم حينما يرى منازل أهل الجنة، أسأل الله أن يجعلنا من المغبوطين، ولا يجعلنا من المغبونين.قال صلى الله عليه وسلم في حديث حسن أخرجه الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) إنها غنيمة، والغنيمة يُحتاج إلى البداية فيها.والغنيمة أمر يفوت إن فرطت فيه، وأمر إنما يُقال لشيء سرعان ما ينفذ ولا يبقى، أما الأمور الوافرة، فلا تقول لرجل: اغتنم من البحر شيئاً من الماء، فماء البحر كثير لا يُعد إدراك شيء من مائه غنيمة، ولكن تقول: اغتنم أمراً من الأمور التي إن فرطت فيها ولَّت عنك أو ولِّيت عنها.فالواجب علينا أن نبادر بالأعمال، أن نسارع إلى الخيرات قبل أن يُحال بيننا وبينها، وإذا حِيل بين العبد وبين العمل الصالح فحينئذٍ لا تسأل عن حسرته، والله إن أناساً تمنوا الرجوع؛ يريدون أن يتوبوا وهم أحياء، فحيل بينهم من شدة ما طُبع على قلوبهم.تركوا الجمعة والجمع والجماعات، واقترفوا المعاصي والسيئات، وداوموا الخطايا والفواحش الموبقات، واستهزءوا بالدعاة، وسخروا من آيات الله: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [سـبأ:54] ولأجل ذلك لما دعانا ربنا إلى الاستجابة، لما يدعونا به سبحانه ويدعونا به نبيه صلى الله عليه وسلم، قال بعد ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] كأن من معاني الآية: أن من لم يستجب، قد يحال بينه وبين قلبه، كأن من معاني الآية: أن من دعي فأعرض، من نودي فنأى، من دني إليه فأبعد، كأن من معاني الآية: أن من أصر على ذلك، وطبع على قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمع والجماعات، أو ليطبعن الله على قلوبهم).فإذا طبع على القلب، حيل بينه وبين التوبة، وحيل بينه وبين الرجوع، يحدثني أحد الإخوة عن ضابط من ضباط السجون، قال: إن بعض الذين حُكم عليهم بالقتل إذا كان فجر الجمعة أو صبيحة الجمعة، جيء بكاتب عدل ليكتب وصية من سينفذ فيه الحكم، إما حرابةً، أو قتلاً، أو رجماً بالحجارة، أو ضربةً بسيف، أو رمياً برصاص، أو نحو ذلك، قال: فبعضهم إذا قيل له: إن هذا كاتب عدل يكتب وصيتك، ستموت هذا اليوم، أو سينفذ حكم الله فيك هذا اليوم، قال: بعضهم يبكي وينوح ويصيح أعطوني سجادة أصلي، أعطوني قرآناً أقرأ، يلتفت إلى السجناء: ادعوا لي، اسألوا من تعرفون فيه الصلاح أن يدعو لي عند الله، أن يسأل الله لي بالتوبة والمغفرة.قال: فيرجع ويندم ويبكي حتى تدنو الساعة، بقي أربع ساعات، ثلاث ساعات، ساعتان، يركب في السيارة، الساعة الأخيرة ثم ينفذ فيه الحكم وينتهي، قال: وبعضهم يأتي كاتب العدل، فيقول له: هل من وصية؟ فيقول: لا، فيقول: اغتنم ما بقي، نحن في السابعة صباحاً، وفي الواحدة، أو الثانية عشرة والنصف، سيكون أمر الله وحكم الله وشرع الله رحمة وتطهيراً، فيقول: دعنا من كلامك يا شيخ، قال: بعضهم والله يُعطى السجادة فلا يأخذها، ويُعرض عليه الماء ليتوضأ فلا يُقبل على الوضوء ليصلي، ويدعى إلى ركعتين قبل أن يُقتل فلا يسجدها ولا يركعها، وبعضهم يقول: أعطوني (تتن) وآخر يقول: أعطوني كذا، والآخر يقول: (أعطوني دخان) حيل بينهم وبين ما يشتهون وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] قد طبع على قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله.فأسأل الله بحوله وقوته ومنِّه وكرمه أن يجعلنا من المستجيبين له ولرسوله، وألا يجعلنا ممن طُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، أولم ينادنا ربنا يا إخواني! يا أيها المستمعون والمستمعات! يا أيها المسلمون والمسلمات! أولم يدعونا ربنا أن ننيب، وأن نستجيب، قال ربنا جل وعلا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:53-54] أنيبوا، ارجعوا، أسلموا، استسلموا، انقادوا، اخضعوا، دعوا المكابرة، دعوا العناد، دعوا التسويف، دعوا التأجيل، الفرصة متاحة، والباب مفتوح، فأقبلوا فإن الله رب يفرح بتوبة عبده أشد من أحدنا إذا أضاع دابته في فلاةٍ وعليها طعامه وشرابه ثم وجدها، ربٌ غنيٌ عنا يفرح بتوبتنا فينادينا ويقول: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:54-58].أولم تكن آيات الله تتلى عليك؟ أولم يُعمرك الله؟ أولم يجعلك الله متدبراً؟ أما رأيت مصارع الضالين؟ أما علمت أن أناساً ماتوا والمخدرات في أوردتهم وشرايينهم وأبدانهم؟ أما علمت أن أناساً ماتوا وهم في أحضان البغايا والزواني؟ أما علمت أن أقواماً ماتوا وهم في سكرة الخمر والشراب المحرم؟ أما علمت أن أقواماً ماتوا وقد محق الله أبدانهم بالربا؟ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] لا يغرنك في مرابٍ سيارته، ولا بيته، ولا رصيده، ولا أمواله، يأبى الله إلا أن يمحق الربا.صاحب الربا ممحوق في ماله، عنده المليار، ولا يأكل هذا الطعام الذي فيه سكر وحلوى، لأمراض السكر في بدنه، ولا يأكل مادة لذيذة لضغط في بدنه، ولا يأكل دسمةً لكوليسترول في بدنه، ولا يأكل هذا لمرض في كبده، ولا يمشي لأن مفاصله مريضة، ولا يفعل لأنه عاجز، ولا، ولا... لأنه.. لأنه ... ما نفعته ملياراته، ما نفعته أمواله. يقول لي شاب سبق أن عمل مديراً لإدارة إقليمية في بنك من البنوك، قال: والله يا أخي إني لست طالب علم، ولا شيخاً، ولا أعرف أمراً من الأمور الشرعية، لكني من واقع عملي فهمت وأدركت ورأيت عياناً بياناً بكل الأدلة الحسية الناطقة المشهودة قول الله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا [البقرة:276] قال: عندي في هذا الجهاز الذي تراه أسماء كبار أصحاب الودائع المستثمرين بالربا بالدولار، وبمختلف العملات، وإنهم عاجزون أن يتلذذوا بأموالهم، ليس من شرط محق الله للربا أن يحرق كل ريال أو كل دولار جُمع، ولكن يمحق الربا فبقدر ما يجمع من الأموال يهلك.شابٌ من أيام قليلة كان يعمل في بنك ربوي فتركه، وكان من الحوار بيني وبينه أن قال: نعم، كان راتبي كثيراً، لكن ينتهي هذا الراتب، وأستدين قبل نهاية الشهر، حوادث مرورية، مخالفات مرورية، سخانة تنفجر، لمبة تحترق، إناء ينكسر، جدار ينشق، مصيبة تحل، ولد يمرض، تحليل وصرفيات للمستشفى، يقول: يذهب الراتب، يمحق ولا يبقى شيء، فعلمت أنني مهما ازداد راتبي، ووعدوني بترقيات وزيادات أنها لا تنفعني، وقد يبتلي الله ويُفتن بعض العباد بشيء من الجمع في مرحلة من المراحل، ثم يطوف عليه طائف من ربك وهم نائمون.
 التوبة مما فات قبل الممات
خلِ ادكار الأربع والمنـزل المرتبعِ والضاعن المودعِ وعدِّ عنه ودعِ واندب زماناً سلفا سودت فيه الصحفا ولم تزل معتكفا على القبيحِ الشنعِ إلام تسهو وتني ومعظم العمر فني فيما يضرُّ المقتني ولست بالمرتدعِ أما ترى الشيب وخط وخط في الرأس خطط ومن يلح وخط الشمط بفوده فقد نعي آه له بيت البلى ومنـزل القفر الخلا ومنـزل السفر الألى والضاعن المودع يعني: القبربيتٌ يرى من أودعـه أو ضمه واستودعه لا يستوي إن حلـه داهية أو أبله أو معسر أو من لـه ملك كملك تبع هذه هي النهاية! فمادمت تعلمها فما الذي يجعلك تتأخر عن التوبة؟ وما الذي يجعلك تسوفها؟ أنت تعلم كم في بيتك من شريط لا يسرك أن يدفن معك أو تلقى الله به، وأنت تعلم كم في بيتك من مجلة لا يسرك أن تدفن معك أو تلقى الله بها، وتعلم أن في مالك قليلاً أو كثيراً من الريالات تعلم من أين جاءت، ولا يسرك أن تحج بها، أو تتصدق بها، أو تنفقها على أولادك، وربما قال الشيطان: اجعلها في وقود، أو في جدار، أو حائط، تخلص منها ما دمت قادراً قبل أن تُقسم من بعدك لهم حلال وتكون عليك حراماً.هذه الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب، لن ينفعك -والله- إلا عملك حتى وإن طاف بك الطائفون، وأثنى المثنون، ومدح المادحون: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36] ما الذي حل بهم؟ ما الذي أصابهم؟ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37] أمك لا تلتفت إليك، وأبوك مشغولٌ عنك، وزوجتك بحالها مشغولة، وأبناؤك ينظرون موازينهم، وأحبابك كلٌ يتطاير بصره إلى أين تطير صحيفته، وهل يلقاها بيمينه أو بشماله، والله لن ينفعنا إلا أعمالنا ولو مدحنا الليل والنهار، وسينفعنا العمل وإن شتم الشاتمون، أو سبنا السابون، أو خذلنا الخاذلون، أو ثبط المثبطون، أو أرجف المرجون، أو سخر الساخرون، أو استهزئ المستهزئون.العمل ينفع بإذن الله، قال صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه ويبنه ترجمان، فينظر أيمن منه) أنت أيها المسكين! ستقف بين يدي الله جبار السماوات والأرض الذي تكون الأرض الكرة الأرضية بقاراتها، بأشجارها ببحارها، بجبالها، بمخلوقاتها، بطيورها، بوحوشها، ببهائمها، الكرة وما عليها في قبضة الجبار جل وعلا: وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67]. أنت أنت أيها المسكين! تقف بين يدي ربك، سيكلمك الله ليس بينك وبينه ترجمان، فتنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، فتنظر بين يديك فلا ترى إلا النار تلقاء وجهك، يقول صلى الله عليه وسلم: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة). وقد قلّ ذكر النار في مجالسنا، وقلّ ذكر النار في نوادينا، وقلّ ذكر النار في لقاءاتنا، ما أكثر ما مدحنا بعضاً، وتزينا لبعض، وأثنينا على بعض، وبحثنا وتناقشنا وقررنا وحللنا ورجحنا ورأينا وما أقل ما ذكرنا النار، هذه النار التي خشيها الصالحون الذين بلغوا أعمالاً صالحة، علي بن أبي طالب يراوح بين قدميه من طول القيام، ويقول: [لقد أدركت صحب محمدٍ صلى الله عليه وسلم والواحد منهم في جباههم مثل ركاب المعز من طول السجود] يراوحون بين أقدامهم من طول القيام في الليل والنهار، فإذا ذكرت النار، ماجوا وخافوا واضطربوا كأنما النار إنما خلقت لهم، أما نحن فقد جمعناً حشفاً وسوء كيلة، سوء عمل، وطول رجاء وأمل، فلا حول ولا قوة إلا بالله. هناك أمنية سيتمناها الرجل والمرأة، ويتمناها الذكر والأنثى، والصغير والكبير: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100] ما من عبدٍ إلا ويكون مغبوناً يوم القيامة، إن كان صالحاً رأى الغبن، لماذا لم يكن تزود أكثر مما فعل؟ وإن كان فاسداً ضالاً، أو كافراً مشركاً، رأى الغبن أن فرط ولم يجب داعي الله سبحانه وتعالى.إن هذه الأمنية ربما تمناها كافرٌ، وهو ما تمناه أهل النار حينما يُلقون فيها، قال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] الله أكبر: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37].. آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [يونس:91] الآن لما رأيت النار، الآن لما وقفت على الصراط، الآن لما رأيت زبانية جهنم، الآن لما ودعت الدنيا، أين كنت يوم كنت قادراً، يوم كنت قوياً، يوم كنت عداءً سباقاً، يوم كنت مصارعاً جلداً، يوم كنت بصيراً حديداً، يوم كنت فصيحاً منطيقاً، يوم كنت لجوجاً حجوجاً، يوم كنت فارساً شجاعاً، أين كنت عن عبادة الله ؟ أين كنت عن طاعة الله؟ ما الذي أشغلك: سهرٌ بليل، معصية، مصيبة، داء وبيل؟ ربما ابتلاك الله بالعافية فلم تعرف:قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعمِ
نداء إلى كل من يريد الجنة
أيها العبد! أيها المسكين! أيها الإنسان! أيها الفتى والفتاة! أيها الرجل والمرأة! أيها الكبير والصغير! أيها الوزير والأمير! أيها الصعلوك والحقير! أيها العبد المسكين.مضى أمسك الباقي شهيداً معدلا وأصبحت في يومٍ عليك جديدُ فإن كنت بالأمس اقترفت إساءةً فثنِ بإحسانٍ وأنت حميدُ فيومك إن عاينته عاد نفعه إليك وماضي الأمس ليس يعود ولا ترج فعل الخير يوماً إلى غدٍ لعل غداً يأتي وأنت فقيد
 إن طرق الخير كثيرة
قال صلى الله عليه وسلم: (على كل مسلم صدقة قال أحد الصحابة: أرأيت إن لم يجد؟ قال صلى الله عليه وسلم: يعمل بيديه، فينفع نفسه ويتصدق، قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر، فإنها صدقة) متفق عليه، ومن الناس من لا يعرف حتى الصدقات التي لا تحتاج إلا إلى الصبر.في مجلس من المجالس زرت رجلاً أرجوه وألتمس عنده أن يفك أسر مكفوله الذي بلغ من العمر مبلغاً، وله أسرة فقيرة، وله طفلة عمرها ثلاث سنوات أصيبت بفشل كلوي، وله أم عجوز كبيرة، فقلت للرجل: يا فلان، يا عبد الله! إني أدعوك إلى الله وبالله، ولأجل وجه الله أن تترك كفالة هذا المسكين، وتنقلها إلى آخر، وإن ثبت لك في ذمته شيء من الحقوق المالية شرعاً، فأنا ضمينٌ كفيلٌ بها، اتركه. فقال: لا، ما أتركه، فقام واحد من الحضور، قال: هي فوضى، أن يأتي هؤلاء الأجانب، ونتسامح معهم ونتساهل معهم، المستشفيات مليئة بالمرضى، وأنت لا تأخذك العاطفة، فقلت: يا مسكين! أولم يكن خيرٌ لك أن تقول كلمة طيبة، أو تصمت: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت). من الناس فضلاً عن أنه عاجز عن أن يفعل خيراً- والعياذ بالله- قعد به الشيطان ونفسٌ أمارةٌ بالسوء، وهوى مطاع، وشحٌ متبع، قعد به عن فعل الخير، فما زاده إلا أن أنطقه بالباطل، فإذا لم تستطع قول الحق، فلا تنطق بالباطل يا عبد الله، الإمساك عن الشر كما في نهاية الحديث، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: (يمسك على الشر، فإنها صدقة) متفق عليه.إن أبواب الجنة ميسرة وسهلة، لكن الشيطان ضيق على من أغواهم وأضلهم، تجد الذين وقعوا في الخمر والمخدرات، جميع أنواع عصيرات الفواكه، وعصيرات المشروبات، والأطعمة والطيبات ضاقت في أعينهم، ولم يبق إلا الخمر وهو الذي لذَّ أمام أعينهم وعلى ألسنتهم، أنواع المأكولات ما طابت لهم، وما طاب إلا الحرام، جميع أبواب الرزق من بيع وشراء وأجرة وسَلَم ورهن ومغارسة ومزارعة، وأمور كثيرة ضاقت عليهم، وما طاب لهم إلا الحرام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.تجد بعضهم ضاقت المجالس أمام عينيه، ما فكر أن يقعد في مسجد، أو يجلس مع زوجته، أو يلاعب أطفاله، أو يصل رحمه، أو يجلس مع والديه، أو يمشي في طاعة الله ومرضاته، ضاقت كل المجالس وما رأى إلا مجلساً فيه معصيةٌ من معاصي الله سبحانه وتعالى.وفي الختام أيها الأحبة: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].اللهم لا تجعلنا من الفاسقين، اللهم لا تجعلنا ممن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، اللهم اجعلنا من المسارعين في الخيرات، الراغبين في الطاعات.اللهم استرنا بسترك الذي لا يُكشف، اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، وارفعنا بطاعتك، ولا تخزنا بمعصيتك، اللهم ثبتنا على طاعتك إلى أن نلقاك، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا. اللهم أصلح شأننا، اللهم اجمع شملنا، اللهم أصلح حكامنا، اللهم اهد ولاة أمرنا، اللهم سدد دعاتنا، اللهم وفق علماءنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع شمل علمائنا وحكامنا ودعاتنا وعامتنا وصغيرنا وكبيرنا على طاعتك. اللهم لا تفرح علينا عدواً، اللهم لا تُشمت بنا حاسداً، اللهم إنا نعوذ بك من الحور بعد الكور، ومن الزيغ بعد الاستقامة، ومن الضلالة بعد الهدى، لا حول ولا قوة إلا بالله.اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً مريعاً سحاً طبقاً مجللاً نافعاً غير ضار يا رب العالمين.وفي الختام أرجو ممن رتبوا هذه المحاضرة أن يجعلوا على الأبواب من يجمع تبرعات لإخواننا في البوسنة والهرسك، فإنهم بفضل الله في أخبار تنبئ بانتصارات، وبشائر تنبئ بقرب النصر والفرج من عند الله سبحانه وتعالى، فأعطوهم وأعينوهم: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل:20].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المسارعة في الخيرات للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net