اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الغفلة في حياة الناس للشيخ : سعد البريك


الغفلة في حياة الناس - (للشيخ : سعد البريك)
الغفلة داء معنوي يصاب به الناس، فلا يروق لهم سماع الموعظة، ولا التفكر في الموت أو الآخرة، والمشكل في هذا الداء أن المصابين به لا يشعرون به، بل ويظنون أنهم في حال حسنة.وفي هذه المادة بيان لمظاهر الغفلة، وبعض أسبابها، والمواطن التي ينتبه فيها الإنسان من غفلته.كما وردت في ختام هذه المادة بعض الأمور التي تعتبر علاجاً للغفلة، وبعض الأمور التي تحتاج إلى التفكر فيها.
غفلة الناس عن المواعظ
الحمد لله القائل عن أهل الغفلة: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أما بعد:أيها الأحبة في الله! الحديث عن الغفلة وواقعنا في الغفلة، وحينما نتحدث عن الغفلة لا نخاطب أقواماً خارج المساجد فقط، أو بعيدين عن حلق الذكر ورياض الجنة، بل نخاطب أنفسنا الغافلة، وعقولنا التي تشتت بها أمور الدنيا وذهبت بها كل مذهب، لعلنا أن نعالج أنفسنا قبل أن نعالج غيرنا، ولعلنا أن نعظ أنفسنا قبل أن نعظ غيرنا، فحاجة القلوب إلى المواعظ والزواجر كحاجة النبات إلى الماء إذا انقطع عنه الماء مات.أيها الأحبة! إن طائفة من إخواننا المسلمين لا يجعلون لتعهد إيمانهم ومراقبة حياة قلوبهم وقفات أو جلسات كما يجعلون الأوقات الطوال لأمور معيشتهم ودنياهم، وكثير منهم يحبون الحديث عن الرجاء والرحمة والمغفرة والجنة فقط، أما الحديث عن الغفلة والخوف والنار وسوء الخاتمة وعاقبة الذنوب والموت والقيامة وأهوال الحشر فلا ترى الكثيرين يحبون الحديث عن ذلك. بل لقد سمعنا هذا مراراً من أقوام إذا ذكروا بالله عز وجل وخوفوا بعذابه وعقابه، وخوطبوا بالتذكر والتدبر لآيات الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي فيه الاستعداد قبل الممات، والاستدراك قبل الفوات قالوا: هذا شيخ متشائم! وهذا شيخ عباراته قاتمة! وليس عنده عبارة فيها بشارة أو تفاؤل! لا يحدثنا إلا عن الموت، عن الصراط، عن القبر وعذابه، عن الحشر وأهواله، عن سوء الخاتمة، عن خطر الحرام.. ماذا تشتهون من المواعظ؟ يقولون: حدثنا عن الرحمة الواسعة، حدثنا عن المغفرة الشاملة، حدثنا عن الجنة، حدثنا عن الوعد ولا تحدثنا عن الوعيد. وذلك أمر خطير إذ الحق والشرع والدين أن يتحدث عن ذاك وذاك، عن الخوف والرجاء، والمغفرة والعقوبة، وعن الجنة والنار.
 الدنيا أهم أسباب الغفلة
نحن في غفلة عظيمة، غفلة في الدنيا عن الآخرة، وذلك -وايم الله- جماع المصائب وبؤرة الحرمان، وقال صلى الله عليه وسلم في هذا: (من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) رواه ابن ماجة وابن حبان والإمام أحمد رحمهم الله.الذين يتشاغلون وهم في غفلة.. لأجل ماذا هذه الغفلة؟ ولأي غاية هذه الغفلة؟ تجد جواب الحال إن لم يجيبوا بلسان المقال، تجد جواب الحال: أن غفلتهم من أجل دنياهم. وما علموا أن اشتغالهم بأمر الدنيا يشتت عليهم أمورهم، ويجعل الفقر بين أعينهم، ولا يزيد لهم في قسمة الله التي قسمها لهم من أرزاقهم، ولو أنهم جعلوا الهم والغاية والمنى والقصد في مرضاة الله عز وجل لجمع لهم كل ما تشتت، وجعلت الدنيا تتبعهم رافضة ذليلة تلحقهم، وتكفل بشئونهم وأمورهم، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به هموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك) رواه الحاكم وأبو نعيم في الحلية.يقول ابن عباس رضي الله عنهما: [ما انتفعت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم منفعتي بشيء كالذي كتب به إلي علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ قال: أما بعد: فإن المرء يسره درك ما لم يدركه فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فات منها، وليكن همك لما بعد الموت].
أهم الأمور التي نغفل عنها
أيها الأحبة! نحن في غفلة عن يوم القيامة وما ينتظرنا فيه، ونحن في غفلة عن القيامة أو عن أول أحوال القيامة ألا وهي سكرات الموت وأهواله ومطلعه، يقول تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:19-22] والمعنى: لقد كنت في غفلة من هذا اليوم، كنت في الدنيا في غفلة عن ذلك اليوم فكشفنا عنك غطاءك: ذلك الران، وذلك الغطاء الذي كان على قلبك وسمعك وبصرك، فبصرك اليوم حديد: أي نافذ تبصر ما كنت تنكره في الدنيا.
 غفلة الناس في مجالسهم
لقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن الغفلة عامة، وحذرنا عن الغفلة بالمجالس، واعلموا أن كل مجلس لم يذكروا الله فيه إلا عدوا من الغافلين، وكان مجلسهم شاهداً عليهم في الغفلة، قال صلى الله عليه وسلم: (ما من قوم يقومون من مجلسهم لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة) رواه أبو داود والحاكم.وقال صلى الله عليه وسلم: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا لله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما، ومعنى: (إلا كان عليهم ترة): أي تبعةً وحسرةً وندامةً يوم القيامة.فيا أيها الأحباب! إذا علمنا أن المجالس، أن العلاقات، أن الجلسات، أن اللقاءات ستكون حسرات وندامات ما لم يكن ذلك في طاعة الله ومرضاته، ما لم نطرد الشياطين ونعطر القلوب والأسماع والحاضرين بذكر الله سبحانه وتعالى وبالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، وهل يضيرنا أي اجتماع اجتمعناه، وأي لقاء التقينا فيه، هل يضيرنا قبل أن نبدأه -أياً كان- أن نستفتحه بآيات من كلام الله، وأن نعلق عليه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجتمع لنا خير المجلس، وخير الكلام، وطيب الدعاء، ثم بعد ذلك نفيض فيما نشاء أن نفيض فيه من أمور دنيانا، أيضيرنا ذلك؟ أيعجزنا ذلك؟ لا والله، لكنك تعجب يوم أن يكون الذكر ثقيلاً على الأنفس، فإذا استفتح جالس من الجالسين مجلسة وقال: أيها الحضور.. أيها الأحباب.. أيها المجتمعون.. حتى لا يكون المجلس ترة، حتى لا يكون حسرة، حتى لا يكون ندامة.. دقائق نستفتح بها هذا المجلس بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، رأيت كثيراً أو رأيت بعض الجالسين يشمئزون ويزورُّون وتدور أعينهم كما تدور أعين الذي يغشى عليه من الموت.. يا سبحان الله! ولو كان الحديث أوله وآخره وأوسطه وقلبه وقالبه وباطنه وظاهره في سخافات وفي هراء، وفي ما لا تحمد عاقبته لقهقهوا وضحكوا، وطال المجلس إلى ساعات طويلة حتى يرتفع النهار أو ينتصف الليل، ولا يبالون ولا يعدون ذلك شيئاً، ولا يعدونه أمراً ثقيلاً، لكن إذا قام قائم أو ابتدأ متكلم وقال: يا معاشر الأحباب! يا معاشر الحاضرين! في هذا الزواج، في هذه المناسبة، في هذه العقيرة، في هذه الوكيرة، في هذا اللقاء، قبل أن نفيض في شأن دنيانا وعلاقاتنا نبدأه بذكر الله عز وجل، وجدت منا من تدور عينه، ووجدت منا من يزوَّر بوجهه، ووجدت منا من يتأفف.. مم تتأفف؟ أما تخشى أن تكون من الذين قال الله فيهم: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45]؟ أي غفلة استحكمت في المجالس اليوم؟ أي غفلة استحكمت في اللقاءات اليوم؟ حتى بلغ الأمر إلى درجة أنهم لا يذكرون الله فيها؟ بل يعترضون ويتأففون ممن يدعوهم إلى ذكر الله عز وجل.
الغفلة خسارة عظيمة
أين نحن ممن أوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم وحذرهم من الغفلة كما أخبر صلى الله عليه وسلم في وصيته لـعبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما أخذ الحبيب بمنكبه فقال له: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: [إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك] لقد غبنا، إننا نخسر خسراناً مبيناً ونخسر خسراناً عظيماً، والله لو أن الواحد إذا جاء يستلم راتبه أو يستلم أجرته أو يستلم ما يتقاضاه من أجر على عمل أنقص له من أجره وراتبه شيء لجحظت عيناه، وشخص بصره، واشرأب عنقه، واشتد حنقه، وانتفخت أوداجه، واحمر وجهه غضباً على ما نقص من حطام الدنيا من أجر أو متاع قليل، ولكننا نخسر خسارة عظيمة، صفقات خطيرة تضيع منا ونخرج متضاحكين، ونخرج ساهين، ونخرج لاهين، لقد استحكمت فينا الغفلة حتى إننا لنغبن غبناً واضحاً ثم لا ندري ما الذي حل بنا.أي غبن وأي صفقات نخسرها من الصحة والعافية ومن الفراغ؟ يضيع منا الكثير منه في غير طاعة الله عز وجل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري. أرأيتم صحيحاً سخر عافيته وجلده وقوته ونشاطه لطاعة الله سبحانه وتعالى أيعد مغبوناً؟ لا وايم الله، ولكن الكثيرين من الأقوياء يسهرون ويتعبون، ويجعلون أوقاتاً مخصصة محددة بكل دقة لتخفيف الوزن ولرفع الأثقال، ولكمال الأجسام، ولبلوغ الأرقام القياسية في تنمية عضلات الزند وعضلات الفخذ وتقوس الظهر وعضلات البطن وعضلات الصدر، وينفقون على ذلك أموالاً وأوقاتاً ولا يذكرون الله فيها، ومع ذلك لا يرى أنه ضيع شيئاً، هذه العافية بدلاً من أن تكون في طول القيام وطول القنوت وطول الخشوع وطول التذلل والانكسار لله عز وجل، الجلد، الحيوية، القوة، الشباب ما صرفت في صيام النهار، وما صرفت في قيام الليل، وما صرفت في قضاء الحوائج، ولا في شفاعة للمسلمين، ولا في إغاثة للملهوفين، ولا إعانة للمحتاجين، ولا كفالة للأيتام، ولا إعالة للأرامل، ولا قيام على المساكين... في ماذا؟ كثير من الشباب جعلها في العدو والركض والسباق، وكمال الأجسام وحمل الأثقال والسير على الجهاز والعدو على الدراجة الواقفة... وغير ذلك.إننا لا نحرم أن تنمي بدنك، وأن تعتني بصحتك، وأن تتعاهد قوتك، ولكن انظر الفرق العظيم والبون الشاسع بين ما تجعله لبدنك، وما تجعله لطاعة ربك:يا خادم الجسم كم تسعى لراحته ضيعت عمرك فيما فيه خسران أقبل على الروح فاستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان إن كانت النفس والقلب وإن كان الفؤاد والعقل يحمل هماً في طاعة الله ومرضاته، والاشتغال بعبادته والخوف من عذابه فتلك والله نفس إنسان، وإن كانت نفساً لا هم لها إلا الأكل والشرب والنكاح والنوم فتلك نفس بهيمة إذ البهائم تشاركه في هذا.
 أهمية حضور المجالس الإيمانية والتأثر بها
ما أكثر الذين نرى حضورهم في كل المناسبات الاجتماعية واللقاءات الدورية وغيرها، لكن بعضهم حضوره لمجتمع الإيمان وطاعة الرحمن وحلق الذكر لا يكون إلا قليلاً أو نادراً، وبعضهم لا يحضر مثل هذه المجالس البتة، ولذلك بعض العصاة الذين من الله عليهم بالتوبة، الذين أشرقت قلوبهم بنور الهداية يقول أحدهم: والله كانت الهداية وكانت الاستجابة وكان الرجوع وكانت الإنابة في أول مجلس حضرته من مجالس الذكر ورياض الجنة وحلق الذكر. كان في غفلة وفي بعد عن مجالس الإيمان.ولذلك -أيها الأحبة- نحن في حاجة أن نستمع إلى هذه المواعظ، وأن نستمع إلى هذه الدروس، وأن نستمع إلى هذه الكلمات منا أو من غيرنا، إني لأعجب من علماء أجلاء والله لا يشق لهم غبار في قيام الليل، وفي الصدقة، وفي الجهاد، وفي الدعوة، وفي التعليم، فإذا جلس أحدهم يسمع موعظة من طفل صغير أو من واحد من طلاب طلابه وجدته يهز رأسه، وجدته يتأثر وربما سمعت له نشيجاً وبكاءً، إنه يعلم مهما بلغ علمه ومهما ارتفعت في مراتب الدين درجته وسمت؛ فإنه يعلم أن لا غنى له عن الذكرى، إن بعض الشباب يقول: هل من قضية فكرية؟ هل من قضية سياسية؟ هل من قضية اجتماعية؟ هل من قضية إعلامية؟ أما المواعظ والكلام عن الغفلة، عن الجنة، عن النار، عن الموت، عن الصراط، عن الأهوال.. فاصرفوها لغيرنا، تحدثوا بها مع غيرنا، نحن شباب لا نريد أن نسمع إلا عن الأطروحات السياسية، المستقبل العالمي، القضايا المعاصرة، أل أل... الخ، نحن ما حرمنا وما أنكرنا عليك هذا الاهتمام ولكن ثق أن انشغالك بهذه القضايا وابتعادك عن مجالس التذكير والمحاسبة والمعاتبة والمصارحة ليقف كل واحد منا موقفاً صريحاً مع نفسه، ولينظر حقيقة ما قدمه بين يديه يوم أن يلقى الله عز وجل، إذا لقيت الله سبحانه وتعالى وأنت سياسي حاذق وإعلامي متفنن واجتماعي متمكن، لكن لست من أهل عناية بالطاعة، ولا اهتمام بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم وحرص على السنة، أينفعك ذلك؟إن الناس ينفعهم أن يردوا إلى طاعة الله، وأن يخوفوا بالله، وأن يذكروا بعذاب الله وعقابه، وأن يشوقوا إلى جنته، وأن يرغبوا في رحمته، ولا بأس أن يأتي ما يأتي بعد ذلك تباعاً من الوعي السياسي والاقتصادي والإعلامي والتربوي وغير ذلك، أما أن نظن أن الناس لا حاجة لهم إلا في هذه القضايا، وما الفائدة من وعي سياسي مع صاحب سيجارة ثم بعد ذلك تنتهي السيجارة ويضطجع على جنبه، وإن أعجب بهذا الطرح لكنه لم يتحرك من مكانه إلى المسجد، لكنه لم يقلع عن الربا، لكنه لم يقلع عن الدعوة إلى الاختلاط، لكنه لم يقلع عن أفكار خبيثة رديئة.إن الفلاح والنجاح في رد الناس إلى طاعة الله ومرضاته، في تعبيد الناس لله، في أن يكون في قلوب الناس لله وقار: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:13] أول وأعظم وأجل وأكبر نجاح في أمر الدعوة أن تتحول القلوب القاسية، الصماء، إلى قلوب لينة تخشع وتهتز وتضطرب حينما تسمع كلام الله، تذكر الله خالياً فتفيض الأعين بالدمع، تسابق إلى الجماعات، تنافس في الطاعات: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).فيا أحبابنا! لم لا ننتبه إلى حقيقة مهمة ينبغي لنا أن نعتني بها غاية العناية؟ أقول: ما أكثر الذين نراهم يحضرون مناسبات عديدة، لكن مناسبات كهذه، ورياض جنان كهذه، وحلق ذكر كهذه، ودروس علمية تراهم لا يحضرونها ولا يشهدونها، ذاك لا يصلي مع الجماعة، ولا يأتي الجمعة إلا دباراً، وهذا لا يحب الدروس العلمية، وذاك لا يفضل حلق الذكر، وآخر لا يلتفت إلى محاضرات أو ندوات لا حضوراً ولا استماعاً، لكنهم يجلسون مجالس القيل والقال، والبيع والشراء، ارتفعت الأسهم، انخفضت الأسهم، زادت البرصة، انخفض الين، ارتفع المارك، سقط الدولار، هلك الجنيه... هكذا كلامهم، وهذه مجالسهم، ولو سألتهم عن ذكر الله! لا حرج أن تبيعوا وتشتروا، لا حرج أن تتاجروا فيما أباح الله، ولكن أكل المجالس هكذا؟ أكل الأوقات هكذا؟ أكل الساعات هكذا؟ لا يوجد ذكر لله؟ لا ترطب الألسنة والقلوب بذكر الله عز وجل؟ لا، مجالس الإيمان، حلق الذكر لا يحضرونها البتة.ثم بعد ذلك إذا قلت له: لا تكن من الغافلين. قال: أنا من الغافلين؟! سبحان الله العظيم! لا يشهدون الجمعة ولا الجماعة ولا يذكرون الله إلا قليلاً، ولا يأتون الجمعة إلا دباراً، وفي غفلة عظيمة ومع ذلك ينكر أحدهم أن يكون من الغافلين!! ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3].
أهم أسباب الغفلة
لقد اتفقت وصايا الأنبياء وأتباع الأنبياء على أن المؤمن ينبغي له أن يكون في الدنيا كأنه على جناح سفر يهيئ جهازه للرحيل، قال صلى الله عليه وسلم: (ما لي وللدنيا، ما أنا فيها إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه أحمد والترمذي وغيرهم.
 الوسط المحيط سبب للغفلة
أيها الأحباب! إن أردنا أن نستيقظ من هذه الغفلة فلننظر هذا الوسط والمحيط والمجتمع الذي نخالط أصحابه ونتقلب فيه، فإن كان في خير خرجنا من الغفلة إلى خير، وإن كان في شر فنحن كمن رام تغسيل الدم النجس بالدم، من غفلة إلى غفلة، ومن معصية إلى معصية، كيف تريد السلامة من البلل وأنت ترمي بنفسك ذات اليمين وذات الشمال في المياه؟ألقاه في اليم مكتوفاً وقال لـه إياك إياك أن تبتل بالماء من تعود في منـزله المعصية، ومع جلسائه المعصية، وفي سيارته المعصية، وفي عمله المعصية، وفي علاقاته المعصية، وفي سمته وسلوكه المعصية .. كيف يريد أن يسلم من الغفلة؟ إذا أردت أن تسلم من الغفلة فاخرج عن هذا الوسط، أقلع، ابتعد، ابحث عن قومٍ تخالطهم، ومجتمع تخالطهم، وعلاقات تجددها في غير معصية الله، تعينك على طاعة الله، تذكرك إذا نسيت، تعينك إذا ذكرت، أما الذين تعودوا سهر المعصية ومجالس المعصية، ومهما تغيرت الأسماء: البشكة، الشلة، المجموعة التي فيها ما فيها، لا تخادع نفسك، أسأل: هل هم أهل غفلة فيجعلونك غافلاً معهم أم أهل ذكرى فيجعلونك من الذاكرين معهم؟ لا تزين هذا الفساد الذي تراه في شلتك وتسميهم: الشلة، الحبايب، الأصحاب، الفرندز.. لا، اجعل قولك ونطقك بهم صحيحاً: هم أهل غفلة أم أهل طاعة، أم أهل عودة إلى الله سبحانه وتعالى؟
نتيجة الغفلة وثمرة الطاعة
أيها الأحبة! لقد قست القلوب من فضول النظر، ومن فضول الكلام والمخالطة، وقست القلوب واستحكمت الغفلة مع هذا بإفراط في الشهوات، وإفراط في الملذات والمباحات، فماذا حصل بعد ذلك؟ حصلت قسوة القلب فأورثت اكتئاباً وقلقاً وشروداً وأمراضاً نفسية، يقول لي طبيب استشاري من أطباء الأمراض النفسية يقول: يأتي إلي شباب قد بلغ بهم مرض الاكتئاب -يسمونه ديبرسيشن- قد بلغ الاكتئاب بهم إلى درجة أن بعضهم مرات ومرات حاول أن ينتحر.. غفلة لم تجد طريقاً أو لم يفتح عليها من الوعظ والإرشاد والإصلاح والتوجيه طريق، غفلة مسورة بأسوار الشهوات والمعاصي وجلساء السوء، ولا يزال يمضي ويمضي حتى إذا خلا بنفسه تمنى أن ينتحر. لكن انظر إلى أصحاب الطاعة: الدنيا زاوية من زوايا قلوبهم، تجد الدنيا كلها يدخلها في زاوية من قلبه، لا أعني أنه يتعلق بها بل الدنيا صغيرة في قلبه، لكن أصحاب المعاصي والإصرار عليها والعناد والمكابرة؛ أتفه قضية تجعل الدنيا علامة إكس في وجهه ينتحر من أجلها، يحاول أن يتخلص من نفسه عند أدنى مشكلة، لكن انظر إلى أهل الإيمان وطاعة الرحمن:ترددت في الأهوال حتى تركتها تقول أمات الموت أم ذعر الذعر مصيبة تلو المصائب، تكسر النصال على النصال، ومع ذلك لا يزال رابط الجأش، ثابت الجنان، أشم كالجبل، كالطود العظيم من شدة ثقته بالله عز وجل، ما هذه الدنيا بالنسبة لما يرى؟ أما أهل المعاصي الذين يعودون ويئوبون ويتوبون ويرجعون فحيهلا على باب التوبة، وحي على الإنابة والرجوع، أما أهل المعاصي المصرون على هذه المعاصي، المعرضون عن ذكر الله وطاعته فيا ويح عيشهم! وما أبأس حالهم! وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طـه:124] لما استحكمت الغفلة شاع ما شاع وانتشر ما انتشر في كثير من الناس: أنواع القلق والاضطراب والاكتئاب، وضيق النفس، والأمراض النفسية، ولو تأملوا وعرفوا أن مرضهم وعلتهم وداءهم هو الغفلة، وعالجوه بذكر الله واليقظة والرجوع لوجدوا أنساً بالله، ولذة وسعادة بذكر الله عز وجل: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].
 ظاهرة عدم مبالاة الغافل بذنوبه
أيها الأحبة! أيضاً من دلائل استحكام الغفلة في القلوب أن يرى الواحد منا نفسه يقع في الصغيرة تلو الصغيرة ولا يبالي بما ارتكب من الذنوب، يجمع محقرات الذنوب ولا يهتم بها، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره فقال: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) يقول كعب : إن العبد ليذنب الذنب الصغير ولا يندم عليه ولا يستغفر منه فيعظم عند الله حتى يكون مثل الطود -يعني: الجبل- ويعمل الذنب العظيم فيندم عليه ويستغفر منه فيصغر عند الله عز وجل حتى يغفر له:ومن البلاء وللبلاء علامة ألا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتـها والحر يشبع مرة ويجوع أيها الأحبة! ما أعظم غفلتنا وإن عدنا الناس ملتزمين أو قالوا متكلمين، كيف لا نقر بالغفلة ونحن نرى التقصير الفاضح البين في قيام الليل وفي نوافل العبادات والتسابق إلى الخيرات؟
طريق الشفاء من الغفلة
يا أيها الأحبة! ليست الغفلة ضربة لازب أو مرضاً لا يوجد له دواء.. لا، الغفلة داء وما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء؛ علمه من علمه وجهله من جهله، يمكننا أن نتخلص من هذه الغفلة بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم لـفاطمة : (يا فاطمة! ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به، أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) رواه البزار والنسائي والحاكم.
 أمور نحتاج إلى التفكر فيها
فيا معاشر المؤمنين! الصبر الصبر فإنما هي أيام وكل يعرف مكانه، وكل يعرف مرتبته، وكل يرى منزلته، وكل يرى عاقبة عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].. لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ [آل عمران:196].. أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207] كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه جالساً ذات يوم على عرش الخلافة يقرأ القرآن فلما بلغ هذه الآية أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:205-207] نزل من عرش الخلافة وكرسيها، وأخذ بلحيته يهزها ويقول: مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:207].فليست هذه الدنيا بشيء تسوؤك حقبةً وتسر وقتا وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إذ حلمتا سجنت بها وأنت لها محب فكيف تحب ما فيه سجنتا وتطعمك الطعام وعن قـريب ستطعم منك ما فيها طعمتا وتشهد كل يوم دفن خل كأنك لا تراد لما شهدتا ولم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها فجئت لما خلقتا وإن هدمت فزدها أنت هدمـاً وحصن أمر دينك ما استطعتا ولا تحزن على ما فات منهـا إذا ما أنت في أخراك فزتا فليس بنافع ما نلت منها من الفاني إذ الباقي حرمتا وتذكر مواقف يشيب لها الولدان، تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، الشمس تكور، النجوم تنكدر، السماء تنفطر، البحار تسجر، الجبال تتطاير كالعهن المنفوش، يجعلها الله قاعاً صفصفاً ... كل ذلك من الأهوال التي بين أيدينا سنراها ونعتقدها ونؤمن بها حق اليقين، أفلا يليق بواحد منا تأمل ذلك أن يقلع عن غفلته وأن يتدبر لنهايته؟فيا أيها الأحبة! حري بنا أن نعد أنفسنا لما نحن قادمون عليه، يقول إبراهيم التيمي : مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس! أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً. قلت: فأنت في الأمنية فاعملي، فأنت في الأمنية فاعملي.وخف من سوء الخاتمة، وأعد لهذا الأمر عدته، لقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فلما أصبح قيل له: كل هذا خوفاً من الذنوب؟ فأخذ جفنة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذا وإنما أبكي من خوف سوء الخاتمة. قال ابن القيم: وهو من أعظم الفقه؛ أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة.أفي دار الخراب تظل تبني وتعمر ما لعمران خلقتا وما تركت لك الأيام عـذراً لقد وعظتك لكن ما اتعظتا تنادى للرحيل بكل حين وتعلن إنما المقصود أنتا وتسمعك النداء وأنت لاه عن الداعي كأنك ما سمعتا وتعلم أنه سفر بعيـد وعن إعداد زاد قد غفلتا تنام وطالب الأيام ساع وراءك لا ينام فكيف نمتا معائب هذه الدنيا كثير وأنت على محبتها طبعتا يضيع العمر في لعب ولهو ولو أعطيت عقلاً ما لعبتا فما بعد الممات سـوى جحيم لعاص أو نعيم إن أطعتا أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، واسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب أن يوقظنا وإياكم من هذه الغفلة، وألا يجعلنا من الغافلين، وأن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم إنا نسألك عيشة هنية، وميتة سوية، ومرداً إليك غير مخز ولا فاضح.اللهم استعملنا في طاعتك، وتوفنا على مرضاتك، إلهي وربي وخالقي لا تدع لنا جميعاً في هذا المقام وفي هذا المسجد؛ ذكوراً وإناثاً، رجالاً ونساءً ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الغفلة في حياة الناس للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net