اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الطريق إلى الجنة للشيخ : سعد البريك


الطريق إلى الجنة - (للشيخ : سعد البريك)
إن الجنة غاية الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، ومنتهى ما يتمنونه، ولذلك سارعوا وبادروا إليها بالسير في الطريق الموصلة إليها، ومن أجل ذلك جاءت هذه المادة مدافعة عما يشاع عن هؤلاء الدعاة إلى الله تعالى من إرادتهم مقاصد دنيوية أو غير ذلك من الاتهامات الباطلة مبينة كيفية الوصول إلى الجنة،بطرق يسلكها الدعاة ويتفانون فيها.
الجنة غاية الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.أسأل الله جل وعلا كما اجتمعنا واحتشدنا في هذا المكان المبارك أن يجمعنا بكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، أسأل الله جل وعلا أن يغفر الذنب، وأن يستر العيب، وأن يمحو الخطيئة، وأن يسترنا وإياكم بستره.أيها الأحبة في الله: لكم الفضل بعد الله علي أن دعيتم، ومن دعيُ فليجب، ومن لم يجب فقد عصى أبا القاسم، ولكم الفضل بعد الله جل وعلا أن حضرتم، وحضوركم هذا ضمانٌ وعزيمة ومضاءٌ يجعلنا نشعر بواجبنا تجاهكم، ويجعلنا نشعر بالمحبة نحوكم، لا عدمناكم، ولا حرمنا محبتكم، ولا حُرمنا ذاك العلم وتلك المحبة التي نراها في وجوهكم.أيها الأحبة في الله:الفجر يطلع لا محالة والقلب يخفق كالغزاله إني أحن إلى البكور من لم يحن فلا أبا له قالوا تعسفت الهوى وطلبت ربحاً أو إقاله من كان يهوى صادقاً قبل المبيع بكل حاله المجد يطلب قائداً قد زانت التقوى فعاله والعز يهتف بالشباب المعرضين عن الضلاله والقمة الشماء حظ الشامخين عن الجهاله هم فتية الكون الكرام أبناء أشراف السلالة فيهم مصابيح الهدى ولكل مصباحٍ دلاله فيهم دعاةٌ للهدى ولكل داعية جلاله فيهم سميٌّ للجهاد تهاب في الهيجا نزاله يا إخوة الإسلام هبوا فالأذى جاد المقاله أنمل من عرض الوساد وغيرنا ينعى عياله أنموت من ألم الطعام وغيرنا يرجو النخاله نجتر ألوان الخلاف والكفر جمع كل ماله كلمات وليس شعراً، ولست بشاعر، لكنها في الطريق بين يدي القدوم إليكم، أسأل الله جل وعلا أن يجعل قولنا وكلامنا وعملنا خالصاً لوجهه الكريم.اللهم إنك تعلم أن فينا من العيوب والذنوب ما لا يعلمه إلا أنت، ولا يستره إلا أنت.إلهنا! جملتنا بسترك، ولو كشفت سترك عنا ما أحبنا عبدٌ من عبادك.إلهنا! زينتنا بمغفرتك، ولو كشفت عنا سترك لما قبلنا عبدٌ من عبادك.إلهنا! لو كان للذنوب رائحة لما أطاق أحدٌ من الحاضرين مجلسنا.إلهنا! لو كانت الذنوب أحجاراً في المنازل لما وجدنا مكاناً نسكن فيه أو نطمئن إليه.إلهنا! جملتنا بالستر فيما مضى، فاسترنا وأعنا على الثبات فيما بقي يا رب العالمين.اللهم اجعل لهذه الوجوه من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوى عافية، ومن كل فاحشةٍ أمنا، ومن كل فتنةٍ عصمة.اللهم لا تدع لهذه الوجوه ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً من ذكرٍ أو أنثى إلا زوجته وأسعدته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.أيها الأحبة في الله: قد يقول قائل: في خضم هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن وأنواع البلاء التي تعرض على المسلمين صباحاً ومساءً، غدواً وعشياً: هل من اللائق أن يكون حديثك اليوم معنا: الطريق إلى الجنة؟ كنا نظن أن يكون الحديث عن فتنة البوسنة والهرسك، أو أن يكون الحديث عن مآسي المسلمين في كشمير ، أو أن يكون الحديث عن آخر تطورات القضية الأفغانية، أو أن يكون الحديث عن أحوال المسلمين وأحوال الدعاة بالأغلال والزنازين.أقول أيها الأحبة: إن الحديث عن الجنة هو منتهى المطاف في كل قضية لمن دخل واحدة منها وكان مريداً وجه الله جل وعلا.أيها الأحبة: الحديث عن الجنة حديثٌ عن هدف الدعوة، وحديثٌ عن غاية الدعاة، وحديث عَمَّا يعد به الدعاة، وما يتمنونه، وما يرجونه لأنفسهم ولأتباعهم، ولأعوانهم ولأحبابهم، ولطلابهم وتلامذتهم، ما عرفنا داعيةً وعد ضالاً بعد الهداية بمنصب، وما عرفنا داعيةً وعد منحرفاً بعد الاستقامة بعطية، وما عرفنا داعيةً وعد جاهلاً بعد العلم بحظية، وإنما وعدنا وما نرجوه لأنفسنا وما نعد به كل من سلك الطريق هو الجنة، فمن أبى فعلى نفسه، ومن قبل فليلزم الطريق، وليعرف المبيع، وليأخذ الأهبة، وليعمل وليقم بالاستعداد.أيها الأحبة في الله: الحديث عن الجنة كلامٌ عن غاية الدعاة، لا كما يظن الظانون، أو يرجف المرجفون أن الدعاة يريدون مالاً، أو يريدون جاهاً، أو يريدون سلطاناً، وذاك أمرٌ ليس بغريبٍ ولا عجيب، لقد ظنت قريش يوم أن جاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ونبأهم بما أمره الله جل وعلا أن يبلغه، أن الرجل يريد مالاً، أو يريد جمالاً، أو يريد جاهاً، أو يريد سلطاناً، أو به رئيٌ من الجن، أو به أذىً من السقم، فقالوا: يا بن أخينا! لقد أغريت بنا سفهاءنا، وتجرأ علينا صبياننا، فإن كان بك رئيٌ من الجن عالجناك، وإن كنت تريد مالاً أعطيناك، وإن كنت تريد جمالاً زوجناك، وإن كنت تريد جاهاً سودناك، فإنهم أخطئوا الطريق يوم أن ظنوا أن هذه بغية وطلبة النبي صلى الله عليه وسلم، وما كانت طلبته إلا قوله صلى الله عليه وسلم: (إلهي وإله المستضعفين قبلي! إلهي وإله المستضعفين! هل تكلني إلى بشرٍ ملَّكْته أمري؟ أم إلى عدوٍ يتجهمني؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، لك العقبى حتى ترضى) والله ما كانت غاية النبي إلا أن يرضى الله جل وعلا، وإن رضي الله فلا تسل بعد ذلك عن حال العبد، وإذا تقبل الله فاعلم أنها النجاة والسعادة، والفوز والطمأنينة: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].أيها الأحبة في الله: الغاية الجنة، ولسنا بصدد الحديث عن ذكر أو عدد أو تعداد الأعمال التي من فعلها دخل الجنة، فلكم فيها باعٌ واسع، وعندكم منها حظٌ وافر، ولكن الحديث عن الجنة حتى يُقطع الطريق عن كل مساوم وعلى كل مزايد يرمي الدعاة بما ليس في جعبهم، ويمقت الطيبين الصالحين بسوء ظنه بهم.
 هدف الدعاة مرضاة الله وليس ما يقوله المرجفون
أيها الأحبة: طالما حضرنا مجالس، وسمعنا أقاويل، وعلمنا أموراً مدارها وديدنها وحديث أصحابها: إن هؤلاء الذين يظهرون الدين، إن هؤلاء الذين يتنسكون في ظاهر أمرهم يريدون أموراً، ويخططون لأمور، ويرتبون أشياء، ووالله ما هذه غاية الدعاة فضلاً عن أن يعدوا لها، أو يخططوا لها، أو يجعلوها غايةً في ذاتها.قال ذلك السلطان للإمام ابن تيمية لما دخل عليه: إنك تريد ما عندي، فغضب ابن تيمية ورفع صوته على ذلك السلطان، وقال: أنا أريد مالك أو أريد جاهك أو أريد حبوتك؟ والله إن ما عندك لا يساوي خيطاً من هذا القميص. ولا غرابة فإن شيخ الإسلام وغيره من الأئمة والدعاة كانوا يطلبون الجنة؛ الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الجنة التي هي من الآخرة، ليست تنسب إلى الدنيا بشيء، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (ما مثل الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كما يُدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) ومن الذي يرغب بقطرة عن بحارٍ متلاطمة من الخير. نقولها وبكل صراحة: إن الجنة هي غاية كل داعية، وهي غاية كل متبوع تابع على منهاج أهل السنة والجماعة .أما الدنيا، وأما الجاه، والمناصب، والرياسات، والأموال، فاللهم لا تجعلها في قلوبنا، ولا تجعلها أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.وإني والله أعجب من أولئك الذين يقبلون مثل هذه الأقاويل ويصدقون بمثل تلك الأكاذيب، ويقول قائلهم: عند الدعاة كذا وكذا، ويريد الدعاة كذا وكذا، ويطمح الدعاة إلى كذا وكذا، وهل رأيت دليلاً عند أحدهم يصدق ما تظنه أو تقوله؟ والله إنه لأمرٌ عجيب، وقلتها ذات مرة في لقاء من اللقاءات السابقة يوم أن كان أهل تلك المنطقة فيهم خوفٌ من كل داعية إلى الله جل وعلا أنه يريد كذا وكذا مما تخافه نفوسهم، وتضطرب منه أفئدتهم، فقلت لبعض الأحباب: يا إخواني! هؤلاء الذين تظنون أنهم يريدون ويدبرون ويطمحون هل فتحت مطبخ واحد منهم فوجدت طائرة دفاعية أو مقاتلة؟ وهل دخلت حظيرة واحدٍ منهم فرأيت طائرةً مضادةً للدبابات؟ وهل دخلت مخزن واحدٍ منهم فرأيت ذخيرةً من الأسلحة؟ والله لو دخلت بيوت الدعاة بيتاً بيتاً؛ ما وجدت عند بعضهم ما يصطاد به الحمامة، ولو تأملت ما عندهم؛ لوجدت عندهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ صحيح البخاري، وصحيح مسلم، والسنن، والمسانيد، والشروح، وكتب العلماء، ذاك سلاحهم، وذاك زادهم، وتلك عدتهم، وذاك طريقهم حتى يبلغوا بذلك وجه الله والدار الآخرة راضين مرضيين، فمن ظن غير ذلك فلينظر إلى برهان قلبه، وليتأمل بعين بصيرته حتى لا يُحذر نفسه من وهمٍ جعل الأغلال في يديه والقيد في رجليه، فقعد به عن شرف الدعوة والدعاة، لقد عرفنا كثيرين فيهم خيرٌ كثير، وفيهم صلاحٌ كبير، وفيهم استقامة، وفيهم جبنٌ وخوفٌ كثير، وذلة عجيبة، والأمر سوء الظن، وتصديق الأكاذيب واتباع الأقاويل، ولو أن أحدهم سمع شريطاً أهدي إليه، أو قرأ كتاباً بذل له؛ لعرف أن غاية الدعاة وأن ما عندهم هو الجنة، لا يريدون غير الجنة، لا يريدون إلا مرضاة الله جل وعلا، وذاك أمرٌ أي كرامة، وأي عزة، وأي منقبة أن يرضى الله عنك في عباده! والله أيها الأحبة! إن جندياً من الجنود يوم أن يُقال له: إن قائد الكتيبة راضٍ عنك، معجبٌ بك، مؤيدٌ لك؛ تجد ذلك الجندي يكاد يطير فوق الأرض من شدة ما ناله من السعادة والإعجاب والطمأنينة؛ لأن قائد الكتيبة قد رضي عنه، وواحدٌ من الموظفين لو قيل له: إن أمير المنطقة قد رضي عنك، وأعجب بك، وأثنى عليك في المجالس خيراً، لجعل يطلب ترداد وإعادة الكلام، لماذا؟ لأن بشراً قد رضي عنه، فما بالك أن يرضى عنك ملك الملوك، جبار السماوات والأرض، ما بالك يوم أن يرضى عنك الذي خلق الأولين والآخرين، والجن والإنس، الذي الأرض جميعاً قبضته والسماوات مطويات بيمينه، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء.فتلك غاية الدعاة وهي الجنة، وذلك مطلب الدعاة، وهو رضا الله سبحانه وتعالى، مطلبٌ على منهج الأنبياء والرسل، لا على منهج المنحرفين، والضُلال والمبتدعين، الذين قال بعضهم: عبدنا الله خوفاً من عذابه فقط، أو على منهج الضُلال الذين قال قائلهم: عبدنا الله طمعاً في ثوابه فقط، أو على منهج المتصوفة الذين قال قائلهم: والله ما عبدنا الله طمعاً في ثوابه ولا خوفاً من عذابه، وإنما عبدنا الله حباً في ذاته، فذاك أيضاً منهج الضلالة، ومنهج الغواية، أما منهج الصواب والصراط المستقيم في هذه الغاية فهو صراط الأنبياء الذين قال الله جل وعلا عنهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً [الأنبياء:90] يرغبون في الجنة: وَرَهَباً [الأنبياء:90] خوفاً من الله ومن عذابه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].فالدعوة عبادة، والعبادة ذلة وانقيادٌ وخضوعٌ مع المحبة والتعظيم للمعبود، قال ابن القيم : وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان
البدار البدار إلى الجنة
أيها الأحبة: أي نعيمٍ يوم أن يكون هدفنا وغايتنا وسعينا، وصمتنا ونطقنا، وكل ما نملكه وكل ما ندخله ونخرجه يصب في أمرٍ نريده ألا وهو الجنة التي يقال فيها لمن دخلها: يا أهل الجنة! خلودٌ ولا موت، ويا أهل النار! خلودٌ ولا موت.أيها الأحبة في الله: يوم أن يدخل سجينٌ من السجناء زنزانة من الزنازين في جريمة من الجرائم، ثم يقال له: هذا سجنٌ إلى أبد الحياة، هذا سجنٌ مؤبد لا تخرج منه إلا يوم أن تخرج روحك من بدنك، حينئذٍ تخرج من هذه البوابة، أليست مصيبة؟ أليست بلية؟ أليست حسرةً وعذاباً؟إذاً فالخوف من سجن جهنم والطمع في نعيم الجنة هو أولى أن يكون شغلاً شاغلاً وأمنيةً وغايةً يرددها السالك في طريقه إلى الله جل وعلا حتى ينال هذا الرضا: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ 9 وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:106-108].أيها الأحبة: (ألا إن من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنـزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) إن هذه السلعة الغالية لا تنال بالأماني، ولا تنال بالأقوال، ولا تنال بالتحلي ولا بالتمني، وإنما تنال بالصدق، ولذلك كان الشهداء أقرب الناس إلى بلوغ الجنة؛ لأنهم أثبتوا أمنيتهم بأغلى ما يملكون، وبرهنوا أمانيهم بأغلى ما يجدون، ألا وهي دماؤهم وأرواحهم التي بذلوها رخيصةً لوجه الله، سهلةً ميسورةً في سبيل الله جل وعلا، ويقول قائلهم: إن رضي الله فليس بكثيرٍ ما ذهب وما ولى وما رحل.أيها الأحبة: يا من تريدون الجنة! أيها الأخ الحبيب: يا من تضيق ذرعاً بشدة الحر يوم حلوله! وتضيق ذرعاً لشدة البرد يوم نزوله! وتضيق ذرعاً بامتلاء البطون من الطعام يوم أن تتخم! وتضيق ذرعاً بالجوع وآلامه وأسقامه! إن كنا نريد حياةً أبدية، حياةً لا تنقطع، جليسنا فيها من لا نكرهه ومن لا نبغضه، ومن لا يحقد علينا، ومن لا يحمل في نفسه علينا، جليسنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، جليسنا فيها أبو بكر الصديق صاحب النبي على التحقيق، جليسنا فيها شهيد المحراب الإمام الأواب عمر بن الخطاب ، جليسنا فيها مجهز جيش العسرة بأنفس الأثمان عثمان بن عفان ، جليسنا فيها فتى الفتيان ليث بني غالب علي بن أبي طالب ، والصحابة الكرام، جليسنا فيها التابعون ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، جليسنا فيها الصالحون والدعاة، والعلماء البررة، والدعاة الأخيار، هذه هي كل الأمور التي يعد بها الدعاة ويتمنونها ويرجونها: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ [التوبة:111] إنها لأعظم آيةٍ فيها عجب، المعطي هو الله، ثم يعود يشتري منا ما أعطانا، والمتفضل هو الله، ثم ينعم علينا بالجنة: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ [التوبة:111].أيها الأحبة: نداءاتٌ ودعاءٌ لكل مسلم أن يسارع إلى الجنة ليعلم أن هذه الدنيا ليست لحرٍ سكناً، يقول ربنا: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:133-136].أيها الأحبة: هل بعد هذا الثواب من ثواب؟ هل بعد هذا النعيم من نعيم؟ هل بعد هذه الكرامة من كرامة؟يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ فلقد عرضتِ بأيسر الأثمان يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسدٌ بين الأراذل سفلة الحيوان يا سلعة الرحمن لستِ رخيصةً بل أنتِ غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ خُطَّاب عنكِ وهم ذوو إيمان أيها الأحبة في الله: إن هذه الجنة التي انشغل عن طلبها كثيرٌ من الناس بما تكفل الله لهم به، إننا نعجب من رجلٍ يشتغل ليل نهار بأمر الدنيا، ووالله لو سعى سعي الوحوش لن ينال أكثر مما قُدر له، أمرٌ قد تكفل الله به، نجد كثيراً من البشر اشتغلوا به ليل نهار، وأمرٌ دعانا الله أن نعمل له وأن نجتهد فيه وجدنا إعراضاً وبعداً عن الاشتغال به، فأي انقلابٍ للموازين هذا؟ وأي سوء في المفاهيم هذا؟
 هدف الدعاة مرضاة الله وليس ما يقوله المرجفون
أيها الأحبة: طالما حضرنا مجالس، وسمعنا أقاويل، وعلمنا أموراً مدارها وديدنها وحديث أصحابها: إن هؤلاء الذين يظهرون الدين، إن هؤلاء الذين يتنسكون في ظاهر أمرهم يريدون أموراً، ويخططون لأمور، ويرتبون أشياء، ووالله ما هذه غاية الدعاة فضلاً عن أن يعدوا لها، أو يخططوا لها، أو يجعلوها غايةً في ذاتها.قال ذلك السلطان للإمام ابن تيمية لما دخل عليه: إنك تريد ما عندي، فغضب ابن تيمية ورفع صوته على ذلك السلطان، وقال: أنا أريد مالك أو أريد جاهك أو أريد حبوتك؟ والله إن ما عندك لا يساوي خيطاً من هذا القميص. ولا غرابة فإن شيخ الإسلام وغيره من الأئمة والدعاة كانوا يطلبون الجنة؛ الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الجنة التي هي من الآخرة، ليست تنسب إلى الدنيا بشيء، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (ما مثل الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كما يُدخل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) ومن الذي يرغب بقطرة عن بحارٍ متلاطمة من الخير. نقولها وبكل صراحة: إن الجنة هي غاية كل داعية، وهي غاية كل متبوع تابع على منهاج أهل السنة والجماعة .أما الدنيا، وأما الجاه، والمناصب، والرياسات، والأموال، فاللهم لا تجعلها في قلوبنا، ولا تجعلها أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.وإني والله أعجب من أولئك الذين يقبلون مثل هذه الأقاويل ويصدقون بمثل تلك الأكاذيب، ويقول قائلهم: عند الدعاة كذا وكذا، ويريد الدعاة كذا وكذا، ويطمح الدعاة إلى كذا وكذا، وهل رأيت دليلاً عند أحدهم يصدق ما تظنه أو تقوله؟ والله إنه لأمرٌ عجيب، وقلتها ذات مرة في لقاء من اللقاءات السابقة يوم أن كان أهل تلك المنطقة فيهم خوفٌ من كل داعية إلى الله جل وعلا أنه يريد كذا وكذا مما تخافه نفوسهم، وتضطرب منه أفئدتهم، فقلت لبعض الأحباب: يا إخواني! هؤلاء الذين تظنون أنهم يريدون ويدبرون ويطمحون هل فتحت مطبخ واحد منهم فوجدت طائرة دفاعية أو مقاتلة؟ وهل دخلت حظيرة واحدٍ منهم فرأيت طائرةً مضادةً للدبابات؟ وهل دخلت مخزن واحدٍ منهم فرأيت ذخيرةً من الأسلحة؟ والله لو دخلت بيوت الدعاة بيتاً بيتاً؛ ما وجدت عند بعضهم ما يصطاد به الحمامة، ولو تأملت ما عندهم؛ لوجدت عندهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ صحيح البخاري، وصحيح مسلم، والسنن، والمسانيد، والشروح، وكتب العلماء، ذاك سلاحهم، وذاك زادهم، وتلك عدتهم، وذاك طريقهم حتى يبلغوا بذلك وجه الله والدار الآخرة راضين مرضيين، فمن ظن غير ذلك فلينظر إلى برهان قلبه، وليتأمل بعين بصيرته حتى لا يُحذر نفسه من وهمٍ جعل الأغلال في يديه والقيد في رجليه، فقعد به عن شرف الدعوة والدعاة، لقد عرفنا كثيرين فيهم خيرٌ كثير، وفيهم صلاحٌ كبير، وفيهم استقامة، وفيهم جبنٌ وخوفٌ كثير، وذلة عجيبة، والأمر سوء الظن، وتصديق الأكاذيب واتباع الأقاويل، ولو أن أحدهم سمع شريطاً أهدي إليه، أو قرأ كتاباً بذل له؛ لعرف أن غاية الدعاة وأن ما عندهم هو الجنة، لا يريدون غير الجنة، لا يريدون إلا مرضاة الله جل وعلا، وذاك أمرٌ أي كرامة، وأي عزة، وأي منقبة أن يرضى الله عنك في عباده! والله أيها الأحبة! إن جندياً من الجنود يوم أن يُقال له: إن قائد الكتيبة راضٍ عنك، معجبٌ بك، مؤيدٌ لك؛ تجد ذلك الجندي يكاد يطير فوق الأرض من شدة ما ناله من السعادة والإعجاب والطمأنينة؛ لأن قائد الكتيبة قد رضي عنه، وواحدٌ من الموظفين لو قيل له: إن أمير المنطقة قد رضي عنك، وأعجب بك، وأثنى عليك في المجالس خيراً، لجعل يطلب ترداد وإعادة الكلام، لماذا؟ لأن بشراً قد رضي عنه، فما بالك أن يرضى عنك ملك الملوك، جبار السماوات والأرض، ما بالك يوم أن يرضى عنك الذي خلق الأولين والآخرين، والجن والإنس، الذي الأرض جميعاً قبضته والسماوات مطويات بيمينه، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرةٍ في الأرض ولا في السماء.فتلك غاية الدعاة وهي الجنة، وذلك مطلب الدعاة، وهو رضا الله سبحانه وتعالى، مطلبٌ على منهج الأنبياء والرسل، لا على منهج المنحرفين، والضُلال والمبتدعين، الذين قال بعضهم: عبدنا الله خوفاً من عذابه فقط، أو على منهج الضُلال الذين قال قائلهم: عبدنا الله طمعاً في ثوابه فقط، أو على منهج المتصوفة الذين قال قائلهم: والله ما عبدنا الله طمعاً في ثوابه ولا خوفاً من عذابه، وإنما عبدنا الله حباً في ذاته، فذاك أيضاً منهج الضلالة، ومنهج الغواية، أما منهج الصواب والصراط المستقيم في هذه الغاية فهو صراط الأنبياء الذين قال الله جل وعلا عنهم: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً [الأنبياء:90] يرغبون في الجنة: وَرَهَباً [الأنبياء:90] خوفاً من الله ومن عذابه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].فالدعوة عبادة، والعبادة ذلة وانقيادٌ وخضوعٌ مع المحبة والتعظيم للمعبود، قال ابن القيم : وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان
كيفية الوصول إلى الجنة
أيها الأحبة: بعد هذا بقي أن نقول: إذا كانت الجنة هي غاية الدعاة، وهي أمنية الدعاة، وهي موعود الدعاة، وهي وعد الدعاة، وهي ما يعد به الدعاة لكل طالبٍ وتابعٍ، ومحبٍ ومخلصٍ، بقي أيها الأحبة في الله! أن نقول: كيف الوصول إليها؟ قد وصفت فدل على طريق يبلغ.أيها الأحبة: كلٌ يعرف أن الوصول والبلوغ إلى شيءٍ يعني سلوك الطريق الموصل إليه، ومن السهل أن تقول: إن طريق القصيم السريع هو الذي يوصل إلى مكة، لكن من المهم إن كنت جاداً تريد أن تبلغني إلى مكة، فهلا أسعفتني بدابة؟ هلا حملتني معك؟ هلا قربتني بجوارك؟ هلا أخذتني بيدك؟ من السهل أن تقول: إن هذا الطريق ينتهي إلى الدمام لكن هل تستطيع أن تجعل لي معك مركباً؟
 الصبر على طول الطريق
وأخيراً أيها الأحبة! من أراد الجنة فليصبر على طول الطريق، وليوطن نفسه إذا انغلق عليه بابٌ في الطاعة والدعوة فليفتح باباً آخر، إن من الناس من تجده قد عود نفسه في الدعوة والعبادة على خطٍ معين، فربما انغلق عليه الطريق ذات يومٍ بسببٍ من الأسباب، نقول: إذا أُغلق الطريق فافتح طريقاً آخر، وإذا أُغلق هذا الطريق فافتح طريقاً ثالثاً، وهكذا إلى أن تلقى الله جل وعلا وهو راضٍ عنك غير غضبان، بمنه ورحمته، نريد طول النفس، لقد صنع في إحدى دول أوروبا نوع من اللمبات إضاءة هذه اللمبة يقال: تمكث عشر سنوات لا تنفد. أنتم تلاحظون الآن الواحد كل أسبوع اللمبة عنده محترقة، فيذهب ويأتي بلمبة جديدة، نحن لا نريد المسلم الذي تاريخ فعاليته قصير؛ عشرة أيام ويحترق، أو سنة ويحترق، أو ثلاث سنوات ويحترق، نريد مسلماً ليس من النوع الأوروبي هذا في اللمبة، بل طويل المدى، نريده مستمراً لا يخفت أبداً، مسلم من نوع: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، مسلم من نوع: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].فإن من أراد الجنة صبر على طول الطريق، ومن ضعف أو تقاعس أو تكاسل، أو مل أو اضمحل؛ فربما كانت خاتمته خاتمة المفرطين أو المنهزمين، أو الضائعين أو المنحرفين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فعلى كل مسلمٍ أن يجعل الطريق نصب عينيه، وكما قال علي بن أبي طالب : [اللهم أشكو إليك طول الطريق وقلة الزاد] ولكن نستعين على هذا بما أرشد الله نبيه إليه: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:1-4] لماذا القيام؟ لماذا الترتيل؟ لماذا القراءة؟ لماذا الذكر؟ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً [المزمل:5-6] فمن أراد أن يأنس بما يعينه وأن يتزود بما يثبته في طريقه إلى الجنة، فليجعل التسبيح والقيام، والعبادة والتهجد، والاستغفار والإنابة زاداً له، فإنها نعم الطريق بمن الله، وهنيئاً لكل مؤمنٍ عبد ربه على بصيرة: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:103-104] .. عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية:3] يعملون ويشقون وينصبون .. تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً [الغاشية:4].فهنيئاً لكل مسلم عبد الله على بصيرة، وسلك متبعاً منهج نبيه صلى الله عليه وسلم، أولئك في الغرفات آمنون، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، وهذا الكلام ليس للرجال وحدهم فحسب، بل هو للرجال والنساء، فإن خطاب القرآن يوم أن ينادي المؤمنين لا يخص الرجال دون النساء، أو النساء دون الرجال، بل الخطاب عامٌ إلا ما استثنيُ فيه ببينة أو خص فيه النساء بقرينة.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.
الأسئلة

 التوبة المؤثرة
السؤال: أنا شاب قد أسرف على نفسه وحاول التوبة كثيراً، ولكني أفشل في كل مرة فأعود إلى الذنوب، فماذا أفعل؟الجواب: يا أخي الحبيب! يسمونها توبة الثعالب، لكن لا حرج، نقول: تب إلى الله ثانية وثالثة، ورابعة وخامسة وعاشرة، وسأقول لك أين الخلل. الخلل: أنك لما عزمت التوبة لم تصدق في تجريد القصد، ولم تكن جاداً في تطبيق بنود هذه التوبة. البند الأول من التوبة: الإقلاع عن الذنب، الإقلاع، ما معنى إقلاع الطائرة؟ ما بقي منها جزءٌ على الأرض، فإقلاعك عن الذنب ألا يبقى عندك قطعة مرتبطة بالذنب موجودة في البيت، لكن بعض الشباب -كما قلنا ونردده- يقلع عن الذنوب؛ عن كل الأفلام إلا فيلمين جعلهما تحت السرير، وأحرق المجلات إلا مجلةً فوق الدولاب، ومزق الأشرطة إلا شريطاً في الجيب الأيسر للسيارة، وهنا يظهر الخداع والتحيل على النفس، ما صارت توبة، بل مجرد تبديل أشرطة في وقت معين، أما نية العودة إلى المعصية موجودة وأكبر دليل عدم التخلص من البقايا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] أي: في الإسلام كافة، لابد أن يوجد هذا القصد وهذا الهدف، فإذا كنت جاداً ابذل هذا الأمر.الأمر الآخر: ألا وهو -أخي الحبيب!- تغيير البيئة، رُب كثير من الناس يعصي الله بسبب الوسط الذي هو فيه، فإذا ترك هؤلاء الجلساء في وسطهم وبيئتهم التي لا يسمع فيها إلا غيبة ونميمة، ولهواً وصوراً محرمة، وغناء خليعاً ونحو ذلك، إذا تركهم وخالط أقواماً يذكرون الله ويتلون كتابه، ويتعاونون على العبادة ويهتمون بأمور أهلهم وصلات رحمهم وحاجات والديهم يستقيم ويستمر، فقضية الانتقال مهمة، والحديث الذي تعرفونه وطالما رددناه، والذكرى تنفع:أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفساً، فندم وأراد التوبة -الله لا يهينه بعد تسعة وتسعين نفساً يندم- فجاء إلى راهب، قال: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟ قال الراهب: لا. ما لك من توبة، فقام وغرس الخنجر في صدره فأكمل به المائة، ثم ذهب إلى عالم -المرة الأولى ذهب إلى راهب، فمجرد العبادة، ومجرد طقوس العبادة، أو مجرد إنسان يتعبد بدون علم هذه مسألة ضعف، فلابد مع العبادة العلم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، لابد أن تكون العبادة بعلم، والمتعبد بلا علم قد يضل- المرة الأولى ذهب إلى راهب فأخبره، فقال: ليس لك توبة، فذهب إلى عالم في المرة الثانية، قال: إني قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ -وكأني بذاك الرجل يقول: إذا قال: لا، أكمل المائة وواحد، نعم. كما يقال عن رجل كان يدور على حفرة ويقول: تسعة عشر .. تسعة عشر .. تسعة عشر، فجاء رجل قال: أيش تسعة عشر؟ قال له: تعال، ولما طل دفعه في الحفرة وقال: عشرين .. عشرين .. عشرين، فالمسألة مسألة تكميل عدد- ذهب ذلك الرجل إلى العالم قال: قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال: ومن ذا يمنعك التوبة؟ إن باب التوبة مفتوح، ما لم تغرر أو تطلع الشمس من مغربها، ارحل إلى قوم بني فلان، أو اذهب إلى قرية بني فلان، فإن فيها قوماً يعبدون الله فاعبد الله معهم ... الحديث فالمسألة الأولى بداية العمل، وبداية الأمل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53] ونقولها لكل شاب، مهما بلغت ذنوبه، أياً كان، بعض الشباب يظن أن التوبة على قليل أغاني، وقليل أفلام، أما اللواط والزنا، والسرقة والشعوذة، والسحر والكهانة، هذه أمور لا يمكن أن يتوب الله على من فعلها، لا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] حتى من وقع في الكفر فجدد الإسلام ودخل الإسلام على نيةٍ صالحة صادقة، وعلى بصيرة، وعلى توحيدٍ صحيح، فإن ذلك يجب ما قبله (أسلمت على ما أسلفت والتوبة تجب ما قبلها) فتخلص من بقايا المعصية، والحق بشبابٍ أو بصحبٍ أو بقومٍ يعينونك على الطاعة، ويذكرونك إذا غفلت، ويعينوك إذا ذكرت.هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الطريق إلى الجنة للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net