اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشباب بين غرور النفس واحتقار الذات(1-2) للشيخ : سعد البريك


الشباب بين غرور النفس واحتقار الذات(1-2) - (للشيخ : سعد البريك)
في هذه المحاضرة نحلق جميعاً مع الشيخ في درس نفيس يحوي إجابات كثيرة مفصلة عن: الغرور .. مكمنه ومظاهره، وأسبابه .. الاحتقار: أنواعه، وأسبابه، وعلاجه، وفي طيات هذه المادة تجد فوائد تحل كثيراً من مشكلات الشباب.
الغرور منبعه القوة
الحمد لله وحده لا شريك له، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.أيها الأحبة في الله: فرصةٌ سعيدة، ومناسبةٌ طيبة أن يتكرر اللقاء في مثل هذه الأماكن التي طالما ظمئت إلى الندوات والمحاضرات، والتي طالما التفت بعض الشباب عنها ظناً أن ليس فيها إلا رياضة الأقدام فقط، وما علموا أن الأندية هي مجتمعات لغذاء الأرواح والعقول والقلوب والأبدان، فلا بد أن نعيد النظرة السليمة الصحيحة إلى أنديتنا، ولا بد أن تتميز أنديتنا بما تتميز به بلادنا وأرضنا وأمتنا عملاً بقول الله جل وعلا: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]. أيها الأحبة! حديثنا اليوم هو: الشباب بين غرور النفس واحتقار الذات، وقد يقول البعض: ما الحاجة إلى هذا الموضوع؟ ولماذا اختير هذا الموضوع من بين آلاف المواضيع المطروحة على الساحة؟ أقول: نعم، اخترناه واختاره الإخوة الذين رتبوا لهذه المحاضرة؛ لأن هلاك وضلال وبعد كثير من الشباب بسبب واحد من أمرين: إما بسبب الغرور وإما بسبب الاحتقار أعاذنا الله وإياكم منهما جميعاً.أيها الأحبة! الغرور في الغالب يكون منبعه القوة؛ وشعور الإنسان بأنه قوي، وشعور الإنسان بأنه بما يسر الله جل وعلا له قادر على أن يذلل جميع الصعاب، هذا قد يقوده وقد يدعوه إلى أن يقف لحظات موقف المغرورين وهذا خطر عظيم، ولو تأملنا الإنسان لوجدناه أقوى مخلوقات الله قاطبة، فقد تغلب على كثير من المخلوقات، لقد تغلب على الريح، فاستطاع أن يصرفها بما ألهمه الله جل وعلا، فجعلها دافعة موجهة له في البحر، ولقد تغلب على الجبال، فاستطاع أن يشق الأنفاق فيها، ولقد تغلب على الأودية وعلى البحار، فاستطاع أن يتخذ له طريقاً ومكاناً فيها.إذاً هذا الإنسان الذي لم يقف أمامه شيء بما سخر الله سبحانه وتعالى له، لا شك أنه قوي وحريٌ لمن كان في هذه الدرجة أن يشعر بالقوة، ولكن ما مقدار هذه القوة؟ وما درجة هذه القوة؟ ذلك الأمر الذي تباينت فيه عقول الناس واختلفت فيه أفهامهم ومداركهم.أيها الأحبة! بعد أن قلنا إن القوة قد تكون سبباً يفضي إلى الغرور، فإن القوة بأنواعها؛ قوة المال، وقوة الشهرة، وقوة المنصب الاجتماعي، والقوة البدنية، وما شئت من أصناف القوة هي داعية في الحقيقة إلى أن يقع الإنسان في الغرور، ما لم يربط هذه القوة بما أوجب الله عليه، وما لم يخضع هذه القوة بما أمره الله سبحانه وتعالى أن يخضعها له، ومن لم يفعل ذلك؛ فإن نهاية قوته ضلال عليه ووبال على نفسه وماله ومجتمعه.
 غرور صاحب الجنة
مثال آخر من كتاب الله جل وعلا على أولئك المغرورين الذين كانت نهايتهم الهلاك: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [الكهف:35] لاحظوا قول الله جل وعلا: وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [الكهف:35].. قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً [الكهف:35] كيف تفنى هذه الجنان، هذه الحدائق وهذه النخيل والبساتين قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف:35-36] يقول: وما هي الآخرة التي أنتم تقولون إنها ممكن أن تقوم وتأخذ أموالي وتنهيني عن هذه الحياة وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف:36] وإن قامت.. وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف:36].أنا فلان بن فلان، أنا مرتبتي كذا، أن من مدينة كذا، لو رددت لأجدن خيراً من هذه الجنة التي أنا فيها في الدنيا وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف:36].جاءه من يحاوره ويقول له: اتق الله! لا يجوز، ما هذا الغرور؟ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ [الكهف:37] أنت الآن في قمة الغرور بالقوة التي عندك، أذكرك بأصل ضعفك أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:37-38] إلى أن بينت لنا الآيات من خلال السياق أن الله جل وعلا جعل عاقبة هذا الغرور أن هلكت بساتينهم جميعاً كما قال الله جل وعلا: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً [الكهف:42] أُحيط بهذه الجنة والبستان وانتهى الأمر وما عاد له من شيء يعتمد عليه بعد أن كان يغتر ويتقلب في نعيم تلك الجنان.
مظاهر الغرور
أيها الإخوة! الغرور داء موجود فينا في الحقيقة، حتى أن طوائف من الضعفاء والفقراء فضلاً عن ذوي المناصب والأثرياء لم يسلموا من داء الغرور، وهذا خطر عظيم جداً، ينبغي أن نصارح أنفسنا، وأن نكتشف داء الغرور من خلال المظاهر التي قد تبدو من معاملاتنا وسلوكنا وتصرفاتنا.
 تمييز النفس عن غيرها
كذلك أيها الإخوة من الأمور التي يلاحظ فيها الغرور عند كثير من الناس: أن تجده يحاول تمييز نفسه بشيء معين، وتجد حب الكلام عن الأنا والذات، وبعضهم تمل مجلسه من كثرة ما يتحدث عن نفسه، ويحاول أن يتكلم بطريقة فيها مبالغة لكي يميز نفسه عن سائر الناس، فنقول: ما الذي يدعوك إلى هذا؟أنت بشر من سائر البشر، إن كنت تتكلم عن خير وعبادة فحديث الإنسان عن نفسه في العبادات مدخل إلى الرياء، تكلم عن الحق، تكلم عن الخير، تكلم عن مكارم الأخلاق، لكن تمييز نفسك حتى تنظر إلى الآخرين وتضعهم في درجة غير لائق، تجد مثلاً بعض الناس يقول: والله أنا ما أعالج إلا في تخصصي، ونحن ما نشتري ملابسنا إلا من المكان الفلاني، وأنا ما أفصل إلا عند الخياط الفلاني، أنا بصراحة ما يعجبني إلا البنـز فقط، أي سيارة ثانية لا أستطيع أن أقودها، فهو مغرور بنفسه غروراً عجيب جداً، ويحاول أن يميز نفسه بطريقة ممقوتة، وإن كان الجالسون يهزون رءوسهم أمامه إعجاباً ظاهرياً وهم في حقيقة الأمر يحتقرونه ويمقتونه.إذاً محاولة تمييز النفس بشيء دون سائر الناس من علامات الغرور ولا حول ولا قوة إلا بالله، النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل، فقال: (يا رسول الله! أين أبي؟ فقال: أبوك في النار، فولى الأعرابي يبكي، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا أعرابي! أبي وأبوك في النار) يعني: المسألة أني وإياك في أمر واحد، فمحاولة تميز الإنسان بشيء من أجل أن يظهر وضع نفسه، أو مكانة نفسه بدرجة معينة عن الآخرين هذا في الحقيقة من قمة الغرور، وهذا والله ملاحظ وموجود عند كثير من الناس.
أسباب الغرور
ما هي أسباب الغرور أيها الإخوة؟ من أسباب الغرور: الشهرة، والشهرة الرياضية بالذات من أسباب الغرور، نجم الكرة الفلانية لا يلتفت ولا يريد أحداً يسلم عليه.هداف الدوري لهذا العام فلان بن فلان، لماذا لا يسلم، وما هو الذي ميزه عن عباد الله أجمعين؟أليس سيقف مع سائر الخلائق يوم القيامة؟أليس الموت سيأتيه كما سيأتينا؟ فما الذي ميزه؟فالشهرة سواءً كانت في الجانب الرياضي، والحديث يكون عليها مناسباً ما دمنا في نادي النصر.الشهرة المالية: إنسان مشهور بالمال والثراء، تجد كثيراً من الناس وهذا للأسف موجود بكل صراحة، ومن خالط الناس لاقى منهم نصباً، يعرف هذا الأمر الذي يخالط طبقات الناس على مختلف مستوياتهم الفكرية والعلمية والمادية والاجتماعية والوظيفية، فتجد الإنسان الذي في الطبقة الرابعة عشرة أحياناً لا يريد أن يسلم، لأن هذا في السادسة والخامسة، وكأنه لا يعلم أن الله قادر على أن يميت كل ليلة واحداً، وأن الطبقة الرابعة عشرة سيحل فيها شخص محل الثاني، أقصد أنه: ينبغي للإنسان ألا يغتر بشيء زائل، وإن كان هناك من شيء نرتفع به ونرتقي به، فهو أمر باق، ولا يبقى للإنسان ذكر إلا ما كان بالدعوة إلى الله والطاعة والانقياد والخضوع لله سبحانه وتعالى.شهرة المنصب، شهرة المستوى الاجتماعي، كونك من أسرة معينة من جهة معينة تنظر للناس، لكن: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) أتدرون من أغنى الناس؟ أتدرون منهم الملوك؟ الذين يقنعون بما آتاهم الله ويستغنون عن الناس، يستوي أغنى الناس وأفقر الناس إذا كان هذا الفقير غنياً عن هذا الغني ولا يمد يده إليه.لماذا ساد الحسن البصري أهل البصرة؟قالوا: احتاجوا لما عنده من العلم واستغنى عما عندهم من المال، فكن غنياً عن الناس تكن أغنى الناس، وإذا احتاج الناس إلى علمك وفقهك ومشورتك وفزعتك ونحو ذلك، فستكون سيداً عليهم وإن كنت من أفقرهم.إذا أيها الإخوة: كل شهرة زائلة إلا ما كان مرتبطاً بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وبالفقه في دين الله، فكم نجم رياضي مر علينا في تاريخ النجوم والرياضة ولكنه يلمع شهراً شهرين ثم ينتهي، وكم نجم مالي لمع فقيل: فلان بن فلان رأس ماله ملياران، ولكن مات وانتهى، والناس تشمت في ورثته حين يتقاتلون على قسمة المال.كم رجل تولى منصباً كبيراً ثم انتهى.إذاً كل مظاهر الشهرة تنتهي وقد تعود وبالاً وضلالاً على صاحبها:إن أهنا عيشةٍ قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل يبقى الحساب والعقاب ويبقى الموقف بين يدي الله جل وعلا على هذه الشهرة التي وقفت بها هل سخرتها في طاعة الله؟هل سخرتها لدعوة إلى الله؟هل بذلتها لله سبحانه وتعالى أم بذلتها لكي تفتح لك السيارات، وتعطيك الكرة توقع عليها، وتعطيك الفنيلة تختم عليها وإلى آخره؟الشهرة التي تبقى في الحقيقة هي الشهرة المرتبطة بدين الله، فبإمكانك أن تكون لاعباً مشهوراً في دنياك وبعد مماتك إذا ربطت هذه الشهرة بطاعة الله، يأتي لاعب في دولة معينة، فيؤذن ويصدح ويقول: الله أكبر في تلك البلاد الكافرة، نعم هذه شهرة أوجبت له ذكراً حميداً في حياته وبعد موته، يأتي لاعب يصلي في الملعب والناس يقفون ويصلون معه، فيقتدون بصلاته، هذه أوجبت له ذكراً حميداً في حياته وبعد مماته، هذه هي الشهرة الباقية، أما الشهرة الزائفة الزائلة والضعيفة المؤقتة فسوف تنتهي ويبقى عليك حسابها.
 تمييز النفس عن غيرها
كذلك أيها الإخوة من الأمور التي يلاحظ فيها الغرور عند كثير من الناس: أن تجده يحاول تمييز نفسه بشيء معين، وتجد حب الكلام عن الأنا والذات، وبعضهم تمل مجلسه من كثرة ما يتحدث عن نفسه، ويحاول أن يتكلم بطريقة فيها مبالغة لكي يميز نفسه عن سائر الناس، فنقول: ما الذي يدعوك إلى هذا؟أنت بشر من سائر البشر، إن كنت تتكلم عن خير وعبادة فحديث الإنسان عن نفسه في العبادات مدخل إلى الرياء، تكلم عن الحق، تكلم عن الخير، تكلم عن مكارم الأخلاق، لكن تمييز نفسك حتى تنظر إلى الآخرين وتضعهم في درجة غير لائق، تجد مثلاً بعض الناس يقول: والله أنا ما أعالج إلا في تخصصي، ونحن ما نشتري ملابسنا إلا من المكان الفلاني، وأنا ما أفصل إلا عند الخياط الفلاني، أنا بصراحة ما يعجبني إلا البنـز فقط، أي سيارة ثانية لا أستطيع أن أقودها، فهو مغرور بنفسه غروراً عجيب جداً، ويحاول أن يميز نفسه بطريقة ممقوتة، وإن كان الجالسون يهزون رءوسهم أمامه إعجاباً ظاهرياً وهم في حقيقة الأمر يحتقرونه ويمقتونه.إذاً محاولة تمييز النفس بشيء دون سائر الناس من علامات الغرور ولا حول ولا قوة إلا بالله، النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل، فقال: (يا رسول الله! أين أبي؟ فقال: أبوك في النار، فولى الأعرابي يبكي، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا أعرابي! أبي وأبوك في النار) يعني: المسألة أني وإياك في أمر واحد، فمحاولة تميز الإنسان بشيء من أجل أن يظهر وضع نفسه، أو مكانة نفسه بدرجة معينة عن الآخرين هذا في الحقيقة من قمة الغرور، وهذا والله ملاحظ وموجود عند كثير من الناس.
احتقار الذات
الشق الثاني وهو الاحتقار: الشباب بين غرور النفس واحتقار الذات:كما أننا نجد في مجتمعنا صوراً كثيرة متعددة من شباب وشيب وصغار وكبار على اختلاف أعمالهم الإدارية والميدانية والوظيفية من أصيب بدار الغرور ففي المقابل نجد عينات كثيرة، بل أعداداً كبيرة من الذين ابتلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله باحتقار الذات، ولا شك أن أصل الإنسان مجرداً عن الكرامة الإلهية حقير، الذي يغتر ينبغي أن يذكر بأصل الحقارة؛ لأنه اغتر بجانب مادي بحت، فإذا اغتر بالجانب المادي، فنقول له: أين منشأ هذا الجانب المادي؟ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [المرسلات:20-21].. فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:5-7] نذكره أيضاً بأصله من حيث التكوين والخلقة؛ لكي يعرف إذا كان يغتر بهذا العظم واللحم والجسم، والطول والعرض والمال؛ نذكره أيضاً أنك مرتبط بماء مهين، فما خلقت من يواقيت الجنة، ولا من جواهر الفردوس، ولا من لآلئ العطش، أنت مخلوق من ماء مهين، ما هو الأمر الذي تجد لنفسك به علاوة على الناس؟ يا بن آدم تقتلك الشرغة، وتدميك البقة وهي بعوضة وحشرة ضعيفة جداً تقع على يدك، ثم تدخل هذا الأنبوب الماص في جسدك وتمص الدم، ثم فجأة تلتفت فلا تجدها وتجد الدم على يدك.تقتلك الشرغة وتدميك البقة، وتحمل في جوفك العذرة، إذاً فلا تتكبر، أنت تحمل في بطنك مثلما يحملون إذا كنت تنظر إلى مقياس نفسك من هذا الجانب المادي البحت.وأنت بعد ذلك جيفة قذرة، بعد الموت لولا أن الله شرع الدفن لكان أحبابك يتضايقون من وجودك بينهم، تصبح جيفة قذرة فعلام الكبر إذن؟
 الإسلام يزيل احتقار الذات
مرض الاحتقار خطير جداً، وإذا بليت الأمة به بلاءً، فذلك يجعلهم يعجبون بالأعداء ويتمنون القرب منهم والذلة بين أيديهم والخضوع والخنوع لهم، وفي المقابل لا يريدون أن يقدموا أو يؤخروا بالنسبة لهم في أي حال من الأحوال.إن دين الإسلام قد بعث هذه الأمة بعد أن كانت أمة تأكل خشاش الأرض، بعد أن كانت جاهلة فقيرة مريضة، أعزها الإسلام، فإذا بك تجد من نفسك احتقاراً للذات! انظر ما الذي رفع أمة حقيرة، ففتحت قصور الأكاسرة والقياصرة، أمة سيوفها مثلمة، خيولها قصيرة، ملابسها بالية، هددت وروعت العالم وبنت حضارة في مدة قياسية، وحطمت حضارات كان لها من العمر القرون الطويلة، إذاً ما السر الذي رفع هذه الأمة؟ فالحق به وأدركه، وابحث عنه وتأمله، وقم به لعلك أن تصل إلى ما وصلت إليه تلك الأمة.والقرآن الكريم يرفع من شأن هذه الأمة لكي يشعر الإنسان بالعزة في النسبة إليها، فأنت لا تحتقر نفسك وأنت تنتسب إلى الله الذي خلقك وتنتسب إلى هذه الأمة الإسلامية وتنتسب إلى الرسالة التي أنت مكلف بأوامرها ونواهيها: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] كنتم خير أمة وهذا شرف ما بعده شرف، فضلنا الله وجعلنا من أمة محمد وجعل لنا الخيرية وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة:143] ومعنى وسطاً أي: عدولاً وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143].قد رضي الله شهادتنا على سائر الأمم لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143].. وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ [آل عمران:139] قد رفع الله من مكانتنا ومن مكانة أمتنا.النبي صلى الله عليه وسلم دائماً يحرص على أن يشعر الإنسان باستقلاليته الشخصية وألا يحتقر نفسه، (لا يحتقرن أحدكم نفسه) كما جاء في الحديث، وفي الحديث الآخر: (لا يكون أحدكم إمعة، يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساء الناس أسأت، ولكن عليه أن يحسن إذا أحسنوا، وألا يسيء إذا أساءوا).الحاصل أن النصوص النبوية والآيات القرآنية كلها تحث الإنسان أن يستقل بشخصيته، وفي الحقيقة لا يوجد في الإسلام احتقار للذات، كما لا يوجد في الإسلام العبارة المشهورة عند كثير من الناس فناء الذات أو تناسي الذات أو تجاهل الذات، هذا غير موجود في الإسلام على الإطلاق، بعض الناس يقول لك: فلان متجاهل لذاته يمدحه، أو يقول لك: فلان شمعة يحرق نفسه ليضيء للآخرين، المسلم يضيء طريقه ويضيء للآخرين طريقهم، المسلم ينفع نفسه؛ لأن الذي يحرق نفسه من باب أولى ألا يقدم للآخرين نوراً، الذي يحرق نفسه لا يقدم للآخرين إلا إحراقاً، فاقد الشيء لا يعطيه، إذاً لا يوجد في الإسلام إلا تحقيق للذات، واعتراف المسلم بدوره ومكانته في الحياة، ولا يوجد اعتداد بالذات ولا يوجد تجاهل أو نسيان للذات، بل يوجد تحقيق للذات، ومن حقق ذاتها؛ فإن تحقيق الذات هذا يودي به في نهاية المطاف إلى أن يكرم أمته ومجتمعه وأن ينفعهم، هذا نوع من الاحتقار المباشر وتكلمنا عنه قبل قليل.
أسباب الاحتقار
الاحتقار له أسباب عديدة منها:
 ابتذال العقل
كثير من الناس تفكيره سطحي حتى وإن بلغ ثلاثين أو أربعين سنة، أو حتى ولو كان جامعياً، عندما تناقشه في مدركات عقله وفي أمنياته، يقول: أتمنى سيارة بورش تأتي من ألمانيا.ثم ماذا؟وأتمنى قطعة أرض.ثم ماذا؟وأتمنى زوجة.ثم ماذا؟ما أريد شيئاً!أماني ضعيفة وهابطة، العقل مبتذل في الحقيقة، ولذلك أصبحت الأماني على قدر هذا الابتذال، لكن الإنسان الذي همته عالية وكبيرة، تقول له: ماذا تتمنى يا أخي؟ فيقول: لا تكفيني سيارة بورش، أتمنى أن يسخر الله هذه الأموال في خدمة الجهاد والمجاهدين.أتمنى أن أكون غنياً عن الناس بما آتاني الله، مستغنياً بعلم الله وفضله، نافعاً لهذا المجتمع، مؤدياً دوراً مهماً يذكرني الناس به بعد موتي، لا حباً في الثناء والشهرة، بل طلباً للدعاء والذكر الصالح؛ لأن الخلق هم شهود الله في هذه الأرض:إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام وأتعب الناس من جلت مطالبهم وإنسان همته علية ما يكفيه: ولو كان ما أسعى لأدنى مذلةٍ كفاني ولم أطلب قليلاً من المال المسألة لست مسألة عَرَضٍ قليلٍ من الدنيا، فالمسلم الذي لا يحتقر ذاته ولا يبتذل عقله؛ تجدون همته عالية، ليست الهمة محدودة، وكثير من الناس للأسف همته ضعيفة ومحدودة جداً، وذلك يدلك على حجم التفكير.أذكر أن شاباً كنت في مقابلة جادة معه، قلت له: يا أخي الكريم! ما هي أمنيتك؟ قال: أفتح سوبر ماركت، آخر ما يفكر فيه أن يفتح سوبر ماركت! هذه همة شاب؟! لا أقول: إنه عيب أن تفتح سوبر ماركت، لكن ينبغي أن تكون الهمة أعلى، قد تفتح سوبر ماركت، تفتح متاجر، تفتح محلات، تفتح مؤسسات، مباني، إنشاء، تعمير، لكن هذه وسيلة لغاية أعلى وأسمى ينبغي أن ترفع نفسك إليها، إذا لم تجعل لنفسك غاية وهدفاً تسعى وتتمنى أن تحققه في يوم من الأيام؛ فما هو دورك في هذه الحياة؟الناس في هذا العالم كثر ولكن وكما قال إبراهيم بن أدهم: فحسبك خمسة يبكى عليهـم وباقي الناس تخفيف ورحمه وباقي الخلق هم همج رعاع وفي إيجادهم لله حكمه فأنت إذا لم يكن لك شأن ومكانة وعلو منزلة فلا تحتقر نفسك، اعترف بوجودك، وحقق ذاتك في هذا الوجود؛ لكي لا تكون من الذين هم من سقط المتاع أو من الذين لا يعدون بأي حال من الأحوال. إذاً أيها الإخوة الاحتقار من جانبين:احتقار مباشر؛ نتيجة إحباط أو نتيجة ضعف نفسي، وهذا قد يقول له إبليس: يا أخي لماذا لا تريح نفسك وتنتحر وتريحنا منك؟ وقد يفعلها، وقد فعلها كثير من الناس.وفي الجانب الآخر يكون الاحتقار بسبب ابتذال النفس جنسياً، وبسبب ابتذال الوقت، وبسبب ابتذال الفكر.
علاج الاحتقار

 حسن اختيار الصحبة
كذلك من الأمور التي تجعل الإنسان يبعد عن نفسه احتقار الذات: أن تبحث لنفسك عن صاحب لا يحييك بلعنة، ولا يكلمك بكلام خبيث، ولا يحدثك بعبارات ساقطة، ولكن هذا شأن الكثير من الشباب في مجالسهم للأسف، فلا تجد أسباب الاحترام في مجالسهم أبداً.فعليك أن تبحث من جديد عن صحبة طيبة تبعد جانب الاحتقار، فتجد الفرد فيها حينما يقابلك، يقابلك بالبشاشة، يصافحك، يلتزمك، يعانقك، يسأل عن أحوالك؛ ماذا قرأت البارحة؟ رأيت الخبر الجميل في المجلة الفلانية عن الجهاد؟تجده يحدثك بأمور عالية جداً، ليس عن آخر أغنية، وكم سجلوا من هدف؟ وأنا لا أعترض بهذا على الرياضة على أية حال، لكن أقول: تجد الاهتمامات محصورة في هذه الجانب فقط؛ سمعت الشريط الفلاني، ما سمعت الشريط الفلاني، ما خرج الفيلم الفلاني، وهذا غاية مسعاهم من العمل ولا حول ولا قوة إلا بالله.فحينما يكون لك جلساء صالحون فإنهم يرتقون بمستواك، وأنا ألاحظ هذا جيداً، تجد شاباً عادياً أو من الشباب الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والخطايا، ثم يمن الله عليه بالجلساء الطيبين الصالحين، وبعد مدة تلاحظ مشيته تعجبك، ومظهره وملابسه وطريقته، تجد الرجل تغير حتى في أسلوب كلامه، لأن الرجل وجد من يرتقي به، ووجد من يطرد عنه احتقار الذات، وفي الحقيقة حتى هو وإن لم يشعر باحتقار الذات إلا أن سلوكه وتصرفاته دالة على احتقار ذاته، لكن لما منَّ الله عليه بالهداية وبالجلساء الصالحين الصادقين، وأكرمه بهذه الدرجة العلية تغير أسلوبه، وتغيرت هيأته وطريقته في ذهابه وإيابه وخطابه إلى آخر ذلك.
عاقبة إضاعة طاقات الإنسان
الذين يضيعون الطاقات الموجودة في النفس الإنسانية هم بهائم.الذين يصرون على إهدار الطاقة الجنسية والطاقة العقلية والأوقات، ومختلف الطاقات الموجودة في هذا البدن؛ الذين يضيعونها هم والله لا يكونون إلا كالبهائم، ولذلك تجد في مواضع كثيرة من كتاب الله مثل قول الله جل وعلا: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] هناك سمع راقٍ ولكن لا يوجد عقل وتدبر على مستوى، إذاً ما هي محصلة الأمر؟ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ [الفرقان:44] وكذلك قول الله جل وعلا: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179] وقول الله جل وعلا: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد:12] وقول الله جل وعلا: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة:18] الذين يعطلون وسائل العلم والمعرفة بالنفس وقد قال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36] سمعك وبصرك وفؤادك وعقلك هي آلات التعلم والتعليم والإنتاج والابتكار فلا تضيعها، فمن ضيعها وأصرَّ على ابتذالها في جوانب ناقصة وهابطة، فوالله ليكونن كالبهيمة، بل إن البهائم قد تنفعنا ولا تضر، وذلك قد يضر ولا ينفع ولا حول ولا قوة إلا بالله!
 حسن اختيار الصحبة
كذلك من الأمور التي تجعل الإنسان يبعد عن نفسه احتقار الذات: أن تبحث لنفسك عن صاحب لا يحييك بلعنة، ولا يكلمك بكلام خبيث، ولا يحدثك بعبارات ساقطة، ولكن هذا شأن الكثير من الشباب في مجالسهم للأسف، فلا تجد أسباب الاحترام في مجالسهم أبداً.فعليك أن تبحث من جديد عن صحبة طيبة تبعد جانب الاحتقار، فتجد الفرد فيها حينما يقابلك، يقابلك بالبشاشة، يصافحك، يلتزمك، يعانقك، يسأل عن أحوالك؛ ماذا قرأت البارحة؟ رأيت الخبر الجميل في المجلة الفلانية عن الجهاد؟تجده يحدثك بأمور عالية جداً، ليس عن آخر أغنية، وكم سجلوا من هدف؟ وأنا لا أعترض بهذا على الرياضة على أية حال، لكن أقول: تجد الاهتمامات محصورة في هذه الجانب فقط؛ سمعت الشريط الفلاني، ما سمعت الشريط الفلاني، ما خرج الفيلم الفلاني، وهذا غاية مسعاهم من العمل ولا حول ولا قوة إلا بالله.فحينما يكون لك جلساء صالحون فإنهم يرتقون بمستواك، وأنا ألاحظ هذا جيداً، تجد شاباً عادياً أو من الشباب الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والخطايا، ثم يمن الله عليه بالجلساء الطيبين الصالحين، وبعد مدة تلاحظ مشيته تعجبك، ومظهره وملابسه وطريقته، تجد الرجل تغير حتى في أسلوب كلامه، لأن الرجل وجد من يرتقي به، ووجد من يطرد عنه احتقار الذات، وفي الحقيقة حتى هو وإن لم يشعر باحتقار الذات إلا أن سلوكه وتصرفاته دالة على احتقار ذاته، لكن لما منَّ الله عليه بالهداية وبالجلساء الصالحين الصادقين، وأكرمه بهذه الدرجة العلية تغير أسلوبه، وتغيرت هيأته وطريقته في ذهابه وإيابه وخطابه إلى آخر ذلك.
سبب احتقار الشباب للنفس
ختاماً أيها الإخوة نقول لبعض الشباب: لماذا تحتقر نفسك؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمر دينها).لماذا لا يكون أحدكم هو المجدد وليس ذلك أمراً عجيباً، ولا على الله بعزيز أن يكون من بينكم مجدد، ليس على الله بعزيز أن يكون أحد لاعبي نادي النصر هو مجدد الأمة في يوم من الأيام.إذاً أيها الإخوة: لماذا نحتقر أنفسنا؟ لماذا أولئك يعجبون بأنفسهم إعجاباً بليغاً وهم كفار، والمسلم وهو على حق يذل نفسه ويحتقرها ولا يرى لنفسه دوراً ولا مكانة؟ والبعض قد تحدث له صدمة تهزه حتى يبتعد عن الاحتقار إلى تحقيق الذات، ومن أولئك الإمام الطحاوي الذي كان في حلقة مجلس، وكان شيخ تلك الحلقة هو خاله أخو أمه، فكان يجلس بجوار خاله، وكان خاله يشرح ثم يسأله: فهمت يا ولدي؟ قال: ما فهمت، فضرب على كتفه ذات يوم، وقال: قم، أنت لا تصلح لشيء، فقام ذلك العالم النحرير، قال: أنا لا أصلح لشيء؟ ثم طلب العلم حتى انتهت إليه إمامة الدين في زمانه، وجلس ذات يوم في حلقة خاله، وقال: أين خالي ليرى ذلك الذي لا يصلح لشيء.فأنت يا أخي قد يقابلك من يقول لك: أنت لا تنفع في شيء، أنت لا تصلح لشيء، أنا أذكر شاباً قابل مدير مدرسة أو شيء من هذا، وقال: أنت ما تصلح حتى خباز (طردة شنيعة للأسف!) أخبرني بها وأدركها جيداً، فاستمر حتى أنهى دراساته العليا كاملة عقب هذه الكلمات.فيا إخواني: ينبغي ألا تكون عبارات الآخرين المسلطة علينا سبباً في احتقار ذواتنا، أنت أدرى بنفسك: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14] مهما حاول الآخرون أن يحتقروك، أو أن يغضوا من شأنك، فأنت أدرى بنفسك درايةً عجيبةً دقيقة، ولكن إياك والغرور، ولا تحتقر نفسك بأي حال من الأحوال.أيها الإخوة! أقول: ينبغي ألا نحتقر أنفسنا، وينبغي أن يظهر من هذه القاعة عدد من الدعاة والخطباء والمصلحون في هذا النادي وفي المجتمع وفي أماكن عديدة، ينبغي ألا نستسلم للشيطان، وينبغي أن نحقق ذواتنا في مجتمعنا، ينبغي أن نعرف دورنا في الحياة، نحن -أيها الإخوة- ما خلقنا لكي نأكل ونشرب: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] جهاز هضمي، وجهاز عقلي، وجهاز تنفسي، وعروق وشرايين، وقلوب وأفئدة، هذا الإنسان قد أودع الله فيه أعجب مخلوقاته ودقيق صنعه سبحانه! ما أودع الله فيك هذا الأمر إلا لسرٍ عظيمٍ جداً ألا وهو أن تكون عامراً لهذه الأرض، وأن تقوم بعمارتها على الوجه والجانب الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، فينبغي ألا يحتقر أحد نفسه، ومن ابتلي بشيء من هذا، فليتذكر قول القائل: دواؤك منك وما تشعرُ وداؤك فيك وما تبصر وتزعم أنك جسمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الكبير لا تحتقر نفسك، بل أنت كل شيء إذا منَّ الله عليك بالهداية وأكرمك بالاستقامة والملازمة واتباع كتابه وسنة نبيه، ولا أود أن أطيل أكثر من هذا، فإن الإخوة قد أرسلوا لي كرتاً أصفر أو أحمر ما أدري ماذا تسمونه، المهم أنه حان وقت الصلاة بعد قليل.وأختم هذه المحاضرة بأن أسأل الله جل وعلا أن تكون خالصة لوجه، فهذه نفثات من محب لكم في الله، ومن محب للأندية الرياضية خاصة أن تعود على أنشطة اجتماعية وثقافية ورياضية، وأن يعود التوازن إليها من جديد، وأن تتميز أنديتنا تميزاً، فهذه نفثات ميسورة إن وافقت فيها حقاً فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان فيها خطأ فمن نفسي والشيطان. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
 حسن اختيار الصحبة
كذلك من الأمور التي تجعل الإنسان يبعد عن نفسه احتقار الذات: أن تبحث لنفسك عن صاحب لا يحييك بلعنة، ولا يكلمك بكلام خبيث، ولا يحدثك بعبارات ساقطة، ولكن هذا شأن الكثير من الشباب في مجالسهم للأسف، فلا تجد أسباب الاحترام في مجالسهم أبداً.فعليك أن تبحث من جديد عن صحبة طيبة تبعد جانب الاحتقار، فتجد الفرد فيها حينما يقابلك، يقابلك بالبشاشة، يصافحك، يلتزمك، يعانقك، يسأل عن أحوالك؛ ماذا قرأت البارحة؟ رأيت الخبر الجميل في المجلة الفلانية عن الجهاد؟تجده يحدثك بأمور عالية جداً، ليس عن آخر أغنية، وكم سجلوا من هدف؟ وأنا لا أعترض بهذا على الرياضة على أية حال، لكن أقول: تجد الاهتمامات محصورة في هذه الجانب فقط؛ سمعت الشريط الفلاني، ما سمعت الشريط الفلاني، ما خرج الفيلم الفلاني، وهذا غاية مسعاهم من العمل ولا حول ولا قوة إلا بالله.فحينما يكون لك جلساء صالحون فإنهم يرتقون بمستواك، وأنا ألاحظ هذا جيداً، تجد شاباً عادياً أو من الشباب الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والخطايا، ثم يمن الله عليه بالجلساء الطيبين الصالحين، وبعد مدة تلاحظ مشيته تعجبك، ومظهره وملابسه وطريقته، تجد الرجل تغير حتى في أسلوب كلامه، لأن الرجل وجد من يرتقي به، ووجد من يطرد عنه احتقار الذات، وفي الحقيقة حتى هو وإن لم يشعر باحتقار الذات إلا أن سلوكه وتصرفاته دالة على احتقار ذاته، لكن لما منَّ الله عليه بالهداية وبالجلساء الصالحين الصادقين، وأكرمه بهذه الدرجة العلية تغير أسلوبه، وتغيرت هيأته وطريقته في ذهابه وإيابه وخطابه إلى آخر ذلك.
الأسئلة

  كلمة قصيرة عن الآخرة
السؤال: نرجو تذكيرنا بكلمة قصيرة عن الآخرة وجزاك الله خيراً؟الجواب: في الحقيقة لعلي أحوجكم إلى التذكير والله، لكن لا بأس أن يداوي الطبيب وإن كان مريضاً. إخواني! نحن أمام ثلاثة أمور: الرصيد، والخاتمة، والمستقبل، أما الرصيد فأعني به الحسنات والسيئات، فالمسلم لا يضيع عليه شيء، جلوسكم في هذا النادي مكتوب لكم عند الله جل وعلا، وسوف تفتح السجلات والصحف يوم القيامة وكلٌ سيرى أعماله، فمن قدم خيراً فسيجده مكتوباً، ومن قدم غير ذلك فسيجده مكتوباً ولا يضيع عند الله شيء: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] اللمز والغمز، وإماطة الأذى عن الطريق، والبشاشة والمصافحة والكلمة الطيبة، وكل دقيق وجليل سوف تجده مكتوباً: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8].. وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49].فيا إخوان! الرصيد دائن ومدين، له وعليه، فينبغي أن تجتهدوا في ملء الرصيد ما دام أن هناك حركة وقدرة على العبادة والدعوة وإمكانية التزام، لكن إذا وضع الإنسان في قبره: قَال رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100].المسألة ليست بالأمر الهين، فالذي يهمه رصيده في الدنيا، فليفكر في رصيده في الآخرة، والذي يدخلك الجنة بعد رحمة الله سبحانه وتعالى هو العمل، فالميزان سوف يوضع لك، وتوزن الحسنات والسيئات، نعم الكثير منا يعمل حسنات كثيرة، لكن رجل عنده مليونان، والمطلوب منه ثلاثة ملايين، هذا لا شك أنه خاسر، فلا يغرك يا أخي! إذا صليت الفجر مع الجماعة، وكذلك الظهر والعصر والمغرب فكثر الله خيرك، لكن فلنقدر أن ذلك اليوم رصيدك من الحسنات كان ألف حسنة وجلست ذلك المجلس، فأخذتم فلان بن فلان، وأخذتم تغتابون عرضه، وهكذا غيبة وراء غيبه حتى استلم من حسناتكم خمسمائة حسنة، وقلتم: خذ يا فلان هذه حسناتنا مجاناً، فأنتم بفعلكم هذا توزعون الحسنات التي اكتسبتموها على الناس، بقي لكم خمسمائة حسنة مثلاً فقلتم: هاتوا لنا شريطاً وشغِّلوه وفيه صورة امرأة، ومقطع أغاني، ومعزف وذهبت ثلاثمائة حسنة ... وإلى آخره، ما باقي لك من عملك إلا مائتي حسنة، وفي المقابل قد يكون عندك سيئات تفوق هذا كله، إذاً مسألة الرصيد انتبهوا لها جيداً وحساب الادخار والتوفير مهم جداً، اسأل نفسك كم بلغ رصيدك في الحسنات والسيئات تلق الطوام والمصائب.سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! الذي لا دينار له ولا درهم، قال: لا، المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال وصلاة وصيام كالجبال، فيأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته؛ أخذ من سيئاتهم فطرح على سيئاته، ثم طرح في النار) ولا حول ولا قوة إلا بالله!فيا إخوان لا تقدموا على الله مفلسين، وحاسبوا أنفسكم، وقدموا لأنفسكم خيراً، ومن ثم ننتقل من قضية الرصيد إلى قضية الخاتمة:متى نموت؟لا ندري، هل نضمن أن هؤلاء الموجودين كلهم يعيشون إلى الغد؟ ربما أن واحداً منهم يموت الليلة ونسأل الله طول العمر للجميع، لكن:يا غافلاً عن العمل وغره طول الأمل الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل ينبغي للإنسان أن يستعد، لو قيل لك: ملك الموت عند الباب، فهل أنت مستعد جاهز؟ فتقول: لا والله، هذه الحاجة الفلانية لم أتب منها، والوديعة الفلانية ما أرجعتها، والمظلمة الفلانية ما تحللت منها، والإنسان في الختام تبرز أمامه ذنوبه في الأفق، فليحرص الإنسان أن يقدم على الله خفيفاً من الذنوب، مثقلاً بالحسنات والأعمال الصالحة، فالخاتمة يا إخوان أمر ينبغي أن يشغلنا، وكفى بالموت واعظاً.لماذا قست القلوب وماتت؟يسهر الواحد من بعد المغرب إلى آخر الليل ما ذكر الله قط، ثم يأتي ويرمي نفسه كالجيفة مضيعاً لصلاة الفجر، ويقوم الصباح وفمه ذو رائحة نتنة، ويأتي وينظر إلى الناس بعيون جاحظة من السهر، ثم هو متأخر عن أعماله ووظيفته، ثم يعود إلى البيت بصياح أعدوا الطعام.. إلى آخره، ثم ينام إلى العصر ويستيقظ، هذه حال كثير من الناس المساكين؛ سهرات في الليل وتأخر عن العمل، وسوء علاقة مع أهله، إنها حياة مملة، حياة الموت أريح منها والله، لا يذكر الله أبداً، من حين يركب إلى حين ينـزل وهو في موسيقى ودندنة ما هذه الحياة!أخي المسلم! أعط نفسك حظاً كاملاً من الراحة والنوم، يصلي الفجر: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً [الإسراء:78] صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل والنهار، ثم يجلس في مكانه يستغفر قليلاً، ثم يشم هواء الصباح الذي ما خبثته ذنوب بني آدم بعد، ثم ينطلق قوياً نشيطاً، ثم بعد ذلك يعود إلى بيته أنساً بأهله وأولاده ويفتح بابه لإخوانه، حياة الطاعة والاستقامة والالتزام بأمر الله ومجالسة الصالحين والأبرار؛ حياة كلها لذة.قبل أيام يقول لي شاب في مسجد: والله كانت حياتنا أفلام سكس، وخلاعة وسهرات، وقلة أدب وسفرات، يقول: كنا نعيش عيشة نكد، يقول: ونحن نعطي كل ما تريده النفس، نعطيها سفرة لـبانكوك أو كازبلانكا، نشرب ونشرب، نفعل ونفعل، شريط وشريط، كل ما تشتهيه النفس، يقول: والله ما وجدنا راحة، وأنظر إليه وأتأمل في وجهه، وإذا في وجهه نور، وهذه اللحية الموفرة، ثم ماذا يا أخي؟ قال: والله ما وجدت الراحة إلا في التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، ومجالسة الأبرار والصالحين، والالتزام بأمر الله، لقد اطمأننت اطمئناناً عجيباً حتى لو جاء الموت فأنا مستعد. الأمر الآخر: أمر المستقبل: كثير من الشباب يهمه أمر المستقبل، أقول: يا أخي أطمئن نفسي وأطمئنك أن إذا كنت حريصاً على المستقبل فالزم طاعة الله، وفي الحديث: (من أصبح وهمه الدنيا، جعل الله فقره بين عينيه، ووكله إلى نفسه، وشتت الله عليه ضيعته، ومن أصبح وهمه الآخرة، تكفل الله برزقه، وأتته الدنيا راغمة، وجمع الله له ضيعته).إذاً يا إخوان إذا كان يهمك مستقبلك خاصةً المستقبل المادي والمستقبل الوظيفي فالعمر بيد الله، إذا كتبت لك حياة، فالزم طاعة الله وسيأتيك من الخيرات: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96] هات إيمان وتقوى وخذ حظوظاً من المال والنعم والخيرات من الله، بل قد يكون حظك من الدنيا ملايين، لكن أنت تفنيها وتذيبها بالمعاصي كما في الحديث: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) تصبح ذاك اليوم وقد كتب الله لك مكسباً خمسين ألفاً أو ستين ألفاً في صفقة ما خطرت على بالك، لكن تصبح على معصية -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فتحرم الرزق بالذنب، ثم بدلاً من أن تكون الخمسين الألف لك صارت لعبد من عباد الله الصالحين؛ لأنها كانت مقسومة لك، فدفعت ما قسم لك بمعصية ولا حول ولا قوة إلا بالله.والله لا يزيد العباد إلا بالطاعة: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] فلا بد يا أخي أن تطمئن إلى أن أمر المستقبل بيد الله، فألح بسؤال الله دائماً:من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب الله يغضب إن تركت سؤالـه وبني آدم حين يسأل يغضب بقدر سؤالك وإلحاحك إلى الله؛ فالله يعطيك: (ما من عبد يسأل ربه مسألة إلا دفع عنه من البلاء بقدرها أو ادخرها له في الآخرة أو آتاه إياها) اسأل الله كل شيء، ارتبط بالله، تفتح لك خيرات الدنيا، وإذا التزمت بأمر الله وكتابه، فلك نعيم الآخرة.أسأل الله أن يجمعني وإياكم في دار كرامته، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يجعل اجتماعنا هذا مبروراً وذنبنا مغفوراً، وألا يجعل من بيننا شقياً ولا محروماً، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الشباب بين غرور النفس واحتقار الذات(1-2) للشيخ : سعد البريك

http://audio.islamweb.net