اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تأملات في صفات عباد الرحمن للشيخ : أسامة سليمان


تأملات في صفات عباد الرحمن - (للشيخ : أسامة سليمان)
ذكر الله عز وجل في سورة الفرقان صفات لعباده المؤمنين، من تواضع وحلم وقيام وصدقة.. وغيرها؛ وذلك حتى يتخلق بها المسلم، فيفوز ويسعد في الدنيا والآخرة.
صفات عباد الرحمن الواردة في سورة الفرقان
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53]، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]، خلقنا من عدم، وأطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وهدانا من ضلال، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:120]، يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك، وأشهد أن نبينا ورسولنا وشفيعنا وسيدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ما ترك من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، قال للناس في حجة الوداع يوم عرفة وكانوا يزيدون على المائة الألف: (إنكم ستسألون عني يوم القيامة فماذا أنتم قائلون؟ فارتفعت الأصوات تقول: نشهد أنك بلغت الرسالة يا رسول الله، فجعل يرفع سبابته إلى السماء ثم ينكتها إلى الأرض قائلاً: اللهم فاشهد)، ونحن نشهد أنك بلغت الرسالة يا رسول الله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين، شرح الله صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وكما قال حسان :وضم الإله اسم النبي إلى اسمهإذا قال في الخمس المؤذن أشهدوشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمديَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:فحديثنا اليوم بحول الله وفضله وتوفيقه يحمل عنوان: تأملات في صفات عباد الرحمن، وهي اثنتا عشرة صفة في سورة الفرقان لعباد الرحمن. فما هي صفاتهم؟ اسمع إلى قول الله سبحانه: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا [الفرقان:63-75]، لن نستطيع أن نقف على كل هذه الصفات، ولكننا سنأخذ بعض هذه الصفات سريعاً.
 

التواضع من صفات عباد الرحمن وضده الكبر
الصفة الأولى: قال تعالى: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63]، صفة التواضع وضده الكبر، ورب العالمين تبارك وتعالى قد ذم الكبر في كتابه فقال عز وجل: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:60]، أي: يستكبرون عن دعائي: سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم الكبر في أكثر من حديث، فما هو الكبر حتى نتجنبه؟ وما هي أنواع الكبر؟ وما هي درجات الكبر؟ ثم نذكر نماذج من تواضع سلفنا الصالح، أضف إلى ذلك تواضع خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، فأقول: قد بين النبي عليه الصلاة والسلام أن الكبر هو: رد الحق واحتقار الناس، ففي الحديث عند الإمام مسلم لما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: يا رسول الله إني أحب أن يكون نعلي نظيفاً، وثوبي نظيفاً، أذاك من الكبر يا رسول الله؟ قال: لا، الكبر بطر الحق)، يعني: رد الحق، ولذلك كان من صفات عباد الرحمن: أنهم يقبلون الحق ولو من صبي صغير طالما معه دليل، وأما الكبر على الحق، ورد الحق فهو من صفات عباد الشيطان، واحتقار الناس بأن ينظر إليهم وكأنهم أدنى منه.ثم انظر إلى تواضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم: فقد كان يلتحف الأرض، ويردف خلفه، وكان صلى الله عليه وسلم يصافح الصبية، تقول أمنا عائشة : (كان يخصف نعله في بيته عليه الصلاة والسلام، ويكنس بيته، ويعاون زوجاته صلى الله عليه وسلم) . ولذلك يقول الأحنف بن قيس : عجباً لابن آدم، يتكبر على وجه الأرض وقد خرج من مجرى البول مرتين: من مجرى بول أبيه ثم من مجرى بول أمه.بنا إلى درجات الكبر وأنواعه:
 الكبر على العباد
ثالثاً: الكبر على العباد، ولذا فاحذر أن ترى نفسك أفضل من أحد، بل لابد أن تشعر أنك أقل من الجميع، واهضم حق نفسك، وتأمل إلى عمر وهو يقول لـحذيفة أمين سر رسول الله في المنافقين الذين تخلفوا في غزوة تبوك أو غيرهم، فيبكي ويقول: يا حذيفة ! أستحلفك بالله أسماني رسول الله مع المنافقين أم لا؟ عمر يخشى على نفسه من النفاق، أما نحن فقد أمنا من مكر الله عز وجل، ثم انظر إلى حال الأغنياء الذين يريدون أن يقيموا الناس بأموالهم، فيقولون: يا رسول الله إن للفقراء رائحة تزعجنا وتؤلمنا فاجعل لنا مجلساً آخر غير مجلسهم، فلا نريد أن نخالط الفقراء في مجلس واحد، فأنزل الله قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28].ثم أيضاً من الناس من يتكبر على الخلق بمكانته الاجتماعية: سواء بملكه، أو رئاسته، أو منصبه، فنقول له: اعلم أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، وهذه قصة تبين لنا أن الملك لا يساوي شيئاً: فقد أمر ملك من الملوك خادمه أن يأتي له بكوب من ماء، فلما جاءه الخادم بكوب الماء وشربه ثم سأله أحد جلسائه -وكان حكيماً- ماذا تصنع إن عز الماء فلم تجد شربة ماء؟ قال: أنفق نصف ملكي لأحصل عليها، قال: فإن حبس الله هذه الشربة في بدنك فما أنت صانع؟ قال: أنفق النصف الآخر، قال: فمال هذا الملك الذي لا يساوي شربة ماء؟! فانظر إلى من ابتلاهم الله -نسأل الله أن يعافينا ويعافيكم- بحبس البول في المثانة، فيعملون لهم قسطرة لإخراج هذه القطرات من البول.فالذي يتجبر بملكه وبمكانته يوم أن يصاب بأدنى أذى يجأر إلى ربه عز وجل، ومن الناس من يتكبر بماله، ومن الناس من يتكبر بمظهره وجماله، وهذا أكثر ما يكون في النساء، لذا لابد أن يعلم الجميع أن الدود سيأكل هذا الجمال، وسيضم بين القبر ويفنى.ولذا ينبغي على العبد العاقل أن يتواضع لربه عز وجل، قال تعالى: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63]، فهذه هي الصفة الثانية من صفات عباد الرحمن، صفة الحلم، وهذا ما سنبينه في الخطبة الثانية إن شاء الله تعالى.أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
الحلم من صفات عباد الرحمن وضده الغضب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد: فإن من صفات عباد الرحمن بعد التواضع الحلم، قال تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63]، وصفة الحلم بينها ربنا في قوله: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34]، مر نفر من اليهود بعيسى عليه السلام فسبوه ولعنوه، فأحسن لهم القول فسئل: يسبونك وتحسن إليهم! فقال: كل إناء ينضح بما فيه، فهذا دأبهم وهذا دأبي، وانظر أيضاً إلى حلم خير الأنام عليه الصلاة والسلام، ففي سنن أبي داود والحديث عند البخاري أيضاً في كتاب العلم: (أن رجلاً دخل المسجد فبال فيه، فاجتمع الصحابة عليه لينهروه وليزجروه، فقال صلى الله عليه وسلم: دعوه حتى يكمل بولته -أي: لا تقطعوا عليه بولته- ثم أريقوا عليه سجلاً من ماء). يقول ابن حجر في الفتح: انظر إلى حلم الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم عندما اختار أقل المفاسد؛ لأنه حينما يتبول في المسجد فإنه سيصيب مكاناً واحداً، لكن حينما يمنع ويزجر فسيفر من بين يدي الصحابة ويصيب المسجد كله، فهذه الأولى، والثانية: أنه ربما يصاب بأذى نظراً لحبس البول في جوفه فاختار عليه الصلاة والسلام أقل المفاسد، ثم قال لأصحابه: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، وألان عليه الصلاة والسلام الحديث للرجل وعلمه، حتى إن بعض الروايات جاء فيها: (خرج الرجل وهو يقول: اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد سوانا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أيها الأعرابي لقد حجرت واسعاً)، وأنا أسأل: لو فعل رجل جاهل اليوم هذه الفعلة في أي مسجد من مساجدنا ماذا سنصنع به؟! يحمل مباشرة إلى خشبة غسله، فيغسل مع أهل القبور! لعدم الحلم من الناس، وما دخل العنف في شيء إلا شانه، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه. عطس رجل عند عبد الله بن المبارك ولم يقل: الحمد لله، فقال له ابن المبارك : أخي في الله ماذا يقول المسلم بعد أن يعطس؟ قال: يقول: الحمد لله، قال: إذاً يرحمك الله، لكن لو أن واحداً منا عطس ولم يحمد الله لقال له آخر: تعلم يا جاهل! عطست دون أن تحمد الله، لكن الأدب الإسلامي أن تعلمه برفق، وتأمل وانظر إلى إبراهيم وهو يقول لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:42-45]، يقول الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: انظر إلى التلطف في العبارة فقد كرر لفظ: (يَا أَبَتِ) أربع مرات؛ ليستحث عند أبيه مشاعر الأبوة، وفي المقابل انظر إلى غلظة الأب: أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي [مريم:46] ولم يقل: يا بني ولكن قال: يَا إِبْراهِيمُ [مريم:46]، وكأنه يتنكر لبنوته، يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [مريم:46-48]، يا له من حلم من إبراهيم عليه السلام، فالحلم من صفات عباد الرحمن عز وجل، فإياك إياك أن تجهل لجهل سفيه عليك، فإن معك ملكاً يرد على السفيه حتى إذا رددت عن نفسك رحل الملك وتركك معه.وهذا موقف آخر يحكي لنا حلم النبي عليه الصلاة والسلام: (ففي حنين عندما وزع الغنائم بين المسلمين قال له رجل: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله عز وجل! فقال: رحم الله أخي موسى لقد أوذي أكثر من ذلك فصبر) فقد قالوا عن موسى عليه السلام كما عند البخاري في كتاب الغسل : أنه آدر، يعني: به انتفاخ في الخصيتين، وقالوا: موسى لا يغتسل معنا عرياناً، وكان في شريعتهم أنه يجوز للرجل أن يغتسل عرياناً مع الرجال، فقد أخرج البخاري في كتاب الغسل، باب: من اغتسل عرياناً وحده: أن بني إسرائيل قالوا: إن موسى لا يغتسل معنا عرياناً، فهو مريض بكذا، وأشاعوا ذلك، فنزل يوماً يغتسل وترك ملابسه على حجر، فإذا بالحجر ينطلق بملابسه، فخرج موسى من البحر يجري خلف الحجر ويقول: ثوبي حجر -يعني: ثوبي يا أيها الحجر- فمر على قوم من بني إسرائيل فنظروا إليه فإذا هو أكمل ما خلق الله عز وجل فذلك قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:69]. قال رجل لرجل من السلف: إن قلت كلمة ستسمع عشرا، يعني: إن قلت كلمة واحدة فيها سفه أو جهل ستسمع مني عشرا، فقال له: وأنت إن قلت عشرا لن تسمع بفضل الله كلمة واحدة. فهذا هو الحلم الذي أمر الله به، فإياك إياك أن تجهل على جهل الجاهلين أو استهزاء المستهزئين. أسأل الله تبارك وتعالى أن ينصر دينه، اللهم انصر دينك في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم ارزقنا علماً نافعاً، ارزقنا التواضع والحلم، خلِّقنا بالتواضع والحلم.اللهم كما حسنت خلقنا فحسن أخلاقنا، وحرم وجوهنا على النار. يا رب العالمين نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك يا رب من سخطك والنار. يا رب لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، استر عوراتنا، آمن روعتنا، نسألك رضاك والجنة، نعوذ بك من سخطك والنار، ارزقنا علماً نفعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وجسداً على البلاء صابراً.اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، اللهم ارزقنا الشهادة في سبيلك، انصر أطفال فلسطين، استر عورات نسائهم، اربط على قلوب المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، عليك باليهود ومن والاهم، زلزل الأرض من تحت أقدامهم، أرنا فيهم آية فإنهم لا يعجزونك، اللهم مكن لدينك في الأرض.اللهم إن ليل المسلمين قد طال فاجعل له فجراً يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وغمنا، علمنا القرآن وخلقنا به، ارزقنا حب القرآن، ارزقنا فهم القرآن، ارزقنا نور القرآن، بارك في أرزاقنا، اجعلنا من أهل القرآن، علمنا من القرآن ما جهلنا، ذكرنا من القرآن ما نسينا.نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، استر عوراتنا.اللهم بدلنا من بعد خوفنا أمناً، ومن بعد ضيقنا فرجاً، ومن بعد عسرنا يسراً.اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم اعف عنا وعلى طاعتك أعنا، ومن شرور خلقك سلمنا. اجعل ثأرنا على من ظلمنا، لا تجعل مصيبتنا في ديننا، لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، كره إلينا الكفر والفسوق والعصيان. اجعلنا يا ربنا من الراشدين.آمين، آمين، آمين.وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.
 الكبر على العباد
ثالثاً: الكبر على العباد، ولذا فاحذر أن ترى نفسك أفضل من أحد، بل لابد أن تشعر أنك أقل من الجميع، واهضم حق نفسك، وتأمل إلى عمر وهو يقول لـحذيفة أمين سر رسول الله في المنافقين الذين تخلفوا في غزوة تبوك أو غيرهم، فيبكي ويقول: يا حذيفة ! أستحلفك بالله أسماني رسول الله مع المنافقين أم لا؟ عمر يخشى على نفسه من النفاق، أما نحن فقد أمنا من مكر الله عز وجل، ثم انظر إلى حال الأغنياء الذين يريدون أن يقيموا الناس بأموالهم، فيقولون: يا رسول الله إن للفقراء رائحة تزعجنا وتؤلمنا فاجعل لنا مجلساً آخر غير مجلسهم، فلا نريد أن نخالط الفقراء في مجلس واحد، فأنزل الله قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28].ثم أيضاً من الناس من يتكبر على الخلق بمكانته الاجتماعية: سواء بملكه، أو رئاسته، أو منصبه، فنقول له: اعلم أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، وهذه قصة تبين لنا أن الملك لا يساوي شيئاً: فقد أمر ملك من الملوك خادمه أن يأتي له بكوب من ماء، فلما جاءه الخادم بكوب الماء وشربه ثم سأله أحد جلسائه -وكان حكيماً- ماذا تصنع إن عز الماء فلم تجد شربة ماء؟ قال: أنفق نصف ملكي لأحصل عليها، قال: فإن حبس الله هذه الشربة في بدنك فما أنت صانع؟ قال: أنفق النصف الآخر، قال: فمال هذا الملك الذي لا يساوي شربة ماء؟! فانظر إلى من ابتلاهم الله -نسأل الله أن يعافينا ويعافيكم- بحبس البول في المثانة، فيعملون لهم قسطرة لإخراج هذه القطرات من البول.فالذي يتجبر بملكه وبمكانته يوم أن يصاب بأدنى أذى يجأر إلى ربه عز وجل، ومن الناس من يتكبر بماله، ومن الناس من يتكبر بمظهره وجماله، وهذا أكثر ما يكون في النساء، لذا لابد أن يعلم الجميع أن الدود سيأكل هذا الجمال، وسيضم بين القبر ويفنى.ولذا ينبغي على العبد العاقل أن يتواضع لربه عز وجل، قال تعالى: الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63]، فهذه هي الصفة الثانية من صفات عباد الرحمن، صفة الحلم، وهذا ما سنبينه في الخطبة الثانية إن شاء الله تعالى.أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.
الأسئلة

 حكم التدخين أثناء الوضوء
السؤال: هل التدخين ينقض الوضوء؟الجواب: لا، لكنه حرام.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تأملات في صفات عباد الرحمن للشيخ : أسامة سليمان

http://audio.islamweb.net