اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أهمية الإيمان باليوم الآخر للشيخ : محمد المنجد


أهمية الإيمان باليوم الآخر - (للشيخ : محمد المنجد)
إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، والبشر لا يمكن أن تستقيم لهم حياة أو نظام أو علاقة أو أعمال إلا بالإيمان باليوم الآخر؛ وهنا يتحدث الشيخ عن أهمية الإيمان باليوم الآخر وآثاره على حياة المسلم، مع ذكر فوائد الإيمان به.
الإيمان باليوم الآخر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون )َ)[آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.إخواني: جعل الله اليوم الآخر بعقابه وثوابه نهايةً لهذا العالم الذين نعيش فيه، والله عز وجل حكمٌ عدلٌ لا يظلم أحداً، جعل الجنة أهلاً لمن أطاعه، وجعل النار عقاباً لمن عصاه، وأخذ العهد على نفسه أن يثيب من أطاعه وألا يظلمه شيئاً، وأخذ العهد على نفسه أن يجعل الكفار المشركين في النار خالدين مخلدين، فقال سبحانه وتعالى: فَحَقَّ وَعِيدِ [ق:14].أيها الإخوة: واليوم الآخر نعمة عظيمة من نعم الله، والإيمان به ركن من أركان الإيمان، وهو أن تؤمن بالله واليوم الآخر وبالرسل والكتب والنبيين وبالقدر خيره وشره، والذي لا يؤمن باليوم الآخر عاقبته سوداء، ومصيره إلى جهنم -والعياذ بالله- وقد كابر في هذه المسألة المشركون كثيراً، وناقشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها طويلاً، وكان أحدهم يأتي بالعظم البالي فيفته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: أتزعم أن ربك يعيد هذا؟ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] .. وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [الأنعام:29] فأنكر الكفار اليوم الآخر.إن الكفرة العصاة لا يستطيعون أن يتحملوا التفكير في أن هناك يوماً آخر، وأن هذه الأعمال التي تعمل في الدنيا لا بد من الجزاء والحساب عليها، وأهل الشهوات لا يستطيعون أن يتحملوا في أدمغتهم وأذهانهم شيئاً اسمه اليوم الآخر؛ ولذلك فهم يسارعون إلى نفيه ويتكبرون ويستكبرون في الاعتراف به، وبعضهم يتناساه ويتغافل عنه ولا يفكر به نهائياً؛ لأن التفكير في المصير أمر مؤلم خصوصاً بالنسبة لأولئك العصاة الذين حادوا عن منهج الله عز وجل، والله الحكيم العليم يعلم أن البشر لا تسمح حواسهم أبداً على هذه الأرض، ولا يستقيم لهم نظام، ولا تحكم أمورهم وعلاقاتهم وأعمالهم إلا باليوم الآخر الذي يكون وراء هذه الحياة الدنيا.وبدون اليوم الآخر فإن هؤلاء البشر -كما هو حادث الآن- سينطلقون في شهواتهم في كل اتجاه، ويتكالبون على المتاع المحدود -متاع الحياة الدنيا- وترى المصارعة والتصارع بين الأفراد والأنظمة، والأجناس والطبقات يغير بعضهم على بعض، وينطلق الكل في الغابة كالوحوش الكاسرة يأكل القوي الضعيف، والظالم يأكل المظلوم وهكذا، لشيء واحد وهو أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، والله عز وجل يبتلي البشر ليعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو في شك.
 

انعكاسات وآثار الإيمان باليوم الآخر في حياة المسلم
أيها الإخوة: إن الإيمان باليوم الآخر له انعكاساته وآثاره في حياة المسلم، الإيمان باليوم الآخر هو الذي يهيئ الاهتمامات، ويجعل التعلق بالدنيا أمراً لا مجال له عندما يعلم الإنسان أن هذه الدنيا زائلة، وأن الآخرة مقبلة، وأن هذه الأيام والأنفاس ستنقضي لا محالة، وأنه سيقدم على الله في يوم يعرض فيه على ربه لا تخفى منه خافية؛ فنتيجة للإيمان بهذا اليوم، وبأن هناك حشراً وحساباً وصراطاً وجنةً وناراً، عذاباً وجزاءً، نتيجةً لهذا ستنشأ سلوكيات لم تكن لتنشأ لولا الإيمان باليوم الآخر، وستنشأ هناك أعمال لله عز وجل لم تنشأ لو لم يكن هناك إيمان بالله واليوم الآخر.وسيتسع تصور المسلم للحياة وللكون عندما يؤمن ويوقن بأن هناك يوماً آخر، وسيعلم بأن الموت في هذه الحياة ليس نهاية كل شيء، وأن هناك أشياء أخرى أعظم مما يجري الآن بكثير، ولا يمكن المقارنة أبداً، ستنفتح عيناه عليها في اليوم الآخر.وأما أولئك الكفرة الذين لا يؤمنون باليوم الآخر فإنهم يحشرون تصوراتهم وأنفسهم وقيمهم في جحر ضئيل ذليل حقير هو الحياة الدنيا، فالكفار -الآن- يعملون وينشطون ويجدون ويخترعون، ويبنون ويعمرون، ويعملون متناوبين آناء الليل وأطراف النهار؛ لأنهم يظنون أن هذه الحياة هي الحياة فقط، وأنه لا شيء بعد ذلك، وأن هذا العمر هو العمر فقط، وأنه لا عمر بعد ذلك، فلأجل ذلك هم يستغلون كل لحظة من هذه الحياة وهذه الأيام وهذا العمر؛ لكي يتمتعوا ويتقدموا، ولكي يأخذوا حظهم من هذه الحياة الدنيا، ولذلك ليس عندهم أي تفسيرٍ فيما وراء هذه الحياة الدنيا: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت:64] لهي الحياة الحقيقة كما أخبر الله عز وجل، وهي الحياة الدائمة، وحياتنا هذه لا تساوي شيئاً بالنسبة للحياة في اليوم الآخر.هذا اليوم الذي يبدأ بانقلابات في هذا الكون إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق:1] .. إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:1-6].وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً [طـه:105].فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:37].كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً [الفجر:21].ولما تقع الواقعة: لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً [الواقعة:2-6] وفي ذلك اليوم: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً [الفجر:22]فيقدم الله سبحانه وتعالى ويجيء مجيئاً يليق بجلاله وعظمته إلى ساحة القضاء للفصل بين العباد، فيُحاكمون بين يدي الجبار، والملائكة صفوفاً صفوفاً في عظم خلقتهم التي خلقهم الله عليها، فيكون الموقف عظيماً، ويكون المشهد جسيماً، وتكون العاقبة هناك فعلاً لأهل الإيمان وأهل الكفران.أيها الإخوة: نحن لم نر الجنة ولا النار، ولا الصراط، ولا الشمس وهي تدنو من رءوس الخلائق، لم نر هذه الأشياء؛ فهي لذلك بعيدة عن الحس، ولكن حس من؟ حس الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، أما حس المؤمن فهو عندما يقرأ هذه الآيات في القرآن، وعندما تتلى على مسامعه أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه يحس أن الجنة والنار فعلاً أقرب إليه من شراك نعله، يحس أنها قريبة جداً وأن الآزفة قد أزفت، وأن الموعد قد اقترب؛ فهو لأجل ذلك يعمل لآخرته ويكدح ويجد أكثر مما يعمل أهل الدنيا لدنياهم، فإذا كان أهل الدنيا يجعلون هذا اليوم الأربعة والعشرين ساعة يجعلونه على مراحل ومراتب؛ لكي لا يخلو يوم من العمل ولا ساعة من الساعات، حتى في الليل فهم يعملون في نوبات متواصلة لأجل البناء والتعمير كما يزعمون في الدنيا.بالمقارنة أهل الآخرة يقول الله عز وجل في شأنهم، هم يعملون -أيضاً- في نوبات ليلية: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ [الزمر:9] ساجداً وقائماً لأي شيء؟ يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] والله مدح المؤمنين بأنهم يصدقون بيوم الدين، ومدحهم فقال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [النمل:3].
 

فوائد الإيمان باليوم الآخر
الإيمان باليوم الآخر -أيها الإخوة- له فوائد عظيمة جداً ونتائج باهرة، فمن فوائده:
 من فوائد اليوم الآخر: أن المسلم يعمل بجد لهذا اليوم
ومن فوائد هذا اليوم أيضاً: أن الصالح عندما يعلم أن النعيم لا حدود له وأنه سيثاب ويثاب فإنه سيعمل ويعمل، يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: (اقرأ وارتق ورتل فإن منـزلتك عند آخر آية تقرؤها) عندما يعلم أنه كلما قرأ تزداد مرتبته في الجنة، وكلما قرأ سيعلو ويعلو، أليس هذا حافزاً له؟هناك كثير من أصحاب المصائب حتى في الأبدان، هناك كثير من أصحاب العاهات المستمرة، من الناس الذين أصابهم سرطانات -عافانا الله وإياكم- أو أمراض خبيثة لا علاج لها، وهم يعيشون في غرف الإنعاش أو يعيشون على سرر جثة هامدة يسحب منه الأذى ويعطى له الطعام بهذا الشراق الذي يوضع في أفواههم، لا يستطيعون حركة، أولئك المشلولون أصحاب العاهات، اليوم الآخر مهم بالنسبة لهم، ما الذي يصبرهم؟ إنه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم أهل العافية في الدنيا ما لأهل البلاء في الآخرة عند الله لتمنوا أن جلودهم قرضت بالمقاريض) فانظر كيف يدخل الإيمان باليوم الآخر حلاً لجميع المشكلات! هذا -أيها الإخوة- دين عظيم، لكن نحن المسلمين قد يخفى علينا جوانب من عظمة هذا الدين.اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم واجعلنا ممن يخافك ويتقيك، ويتبع منهجك الذي أنزلت يا رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أهمية الإيمان باليوم الآخر للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net