اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مصيبة الدين: الضلال بعد الهدى للشيخ : محمد المنجد


مصيبة الدين: الضلال بعد الهدى - (للشيخ : محمد المنجد)
بدأ الشيخ درسه بقصص أتته على شكل أسئلة فيها برهان كبير على أن السبب الفاعل في الانتكاس هو عدم التخلص من ذكريات الماضي المؤلمة ورواسبه.ثم تحدث عن طائفة من أسباب الانتكاس التي تكون من ذات الفرد أو من المجتمع والوسط الذي يعيش في داخله، وعرض جملة من المظاهر التي تظهر على المنتكس؛ سواء في بداية الانتكاس أو نهايته، ثم بعد ذلك تحدث عن العلاج، وكيف يمكن للشخص أن يبتعد عن هاوية الانحراف عن صراط الله المستقيم.وختم موضوعه بكلمات لابن القيم موجهة إلى كل من يريد العودة ولكنه يسوِّف.
رسائل تثبت أهمية خلع رواسب الجاهلية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.أما بعد:فهذا هو الجزء الثاني من الكلام على ظاهرة التراجع عن التمسك بشرع الله عز وجل والنكوص عن طريق الله وترك الاستقامة التي يكون عليها بعض المسلمين أحياناً ثم يتركونها.وقد كان الدرس الماضي بعنوان: (لا ترتدوا على أدباركم) وهذا الدرس أو الجزء الثاني من الكلام بعنوان: (مصيبة الدين: الضلال بعد الهدى) لماذا يحدث؟ تكملة الأسباب، وكيف يحدث؟ وما هو العلاج؟سبق أن تكلمنا أيها الإخوة على بعض الأسباب الذاتية أو الشخصية التي تحمل بعض الناس علىترك لطريق الاستقامة، ومن الأمور التي ذكرناها سابقاً: مسألة أهمية أن يخلع الإنسان على عتبة الإسلام جميع ملابس الجاهلية وهو يدخل طريق الاستقامة، على عتبة هذا الطريق يخلع جميع ملابس الجاهلية وأن يتخلص من كل ما علق به في ذلك المجتمع الآثم الذي كان يعيش فيه، وهاهنا أمثلة واقعية وردت في بعض الأسئلة نؤكد فيها هذا المعنى أو هذه النقطة التي كثيراً ما أودت بتمسك بعض المستقيمين إلى الهاوية، وأسوقها إليكم مختصرة قريباً مما وردت:
 خطورة عدم اجتثاث رواسب الجاهلية
هذه طائفة من الأمثلة أيها الإخوة ذكرنا في المرة الماضية أن هذه الرواسب التي تبقى في نفس هذا الشخص المستقيم الذي فتح عينيه على النور وسلك الطريق، وأصبح له زملاء طيبون، هذه الرواسب هي التي تثور في المستقبل، تبقى مثل:أرى خلل الرماد وميض جمـر وأخشى أن يكون لها ضرام فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب مبدؤها كلام الواحد أحياناً يرى الظاهر طيباً؛ لكن تحت الظاهر هناك أشياء تتفشى وأشياء تنتشر، وأشياء تقوى لأنها لم تجتث من الأصل، هذه مشكلة الكثيرين، وهي مشكلة خطيرة فعلاً أن الداء لم يجتث من الأصل، لم تعالج المشاكل كلها، لم يتخلص الشخص من آثار الماضي، فهو الآن يبدأ الحياة الجديدة ولا زالت معه الآثار السلبية السابقة؛ فلا تلبث بعد فترة من الزمن مع نوعٍ من الفتور والانشغالات الدنيوية والبرود الإيماني ونقص الإيمان أن تظهر هذه الأشياء ظهوراً قوياً مثل البركان، فيتفجر ويكون بداية السقوط وينتهي الشخص.فإذاً: التفتيش عن هذه الأمور من سلبيات الماضي، واجتثاث المنكرات الماضية من جذورها، وألا يبقى في حياتك الجديدة أي أثر من الماضي وأي داء من الماضي هذه المسألة مهمة جداً، ينبغي أن تقف على العتبة وتتخلص وتطرح جميع الأشياء الماضية.
من أسباب النكوص الذاتية

 اتهام النفس بالنفاق
ومن الأسباب الذاتية الداخلية للانهيار والانتكاس والانحراف ما يعبر عنه هذا السائل فيقول: هناك معصية أنا واقع فيها شغلت قلبي وتفكيري حتى شعرت بأني منافق، وهممت بترك الصالحين بسببها، ألا وهي تأخير صلاة الفجر إلى طلوع الشمس -أعاذكم الله- وقد حاولت أن أجاهد نفسي إلا أن النوم أثقل، والنفس أضعف، بماذا تنصحني؟!ويقول آخر: أحمد الله الذي هداني للصراط المستقيم، ولكن يحدث أن تحصل مني بعض المعاصي وأتضايق من نفسي وأتهم نفسي بأني منافق وإلا لما عملت هذه المعاصي، وبعد حينٍ أرجع إلى الله سبحانه وأستغفره ولكن يحصل ذلك مني من فترة إلى أخرى، ماذا أفعل؟!يقول الآخر: إنني شاب هداني الله بعد ما كنت ضالاً وبدأت أعمل الصالحات، ولكني أحيانا أفعل بعض المعاصي والتي تكون في غيابٍ عن أعين الناس، وحينما أذهب إلى الصلاة وأكون في الصف الأول أو أعمل عملاً صالحاً أمام الناس تحدثني نفسي بأني منافق!يقول الآخر: أنا شاب مسلم دخلت مع زملاء مستقيمين قبل ثلاث سنوات ولكن حدثت لي بعض المشكلات جعلتني أنسى الله وأفعل المعاصي بدون إحساس -على حد تعبيره- وأفكر أن أترك الشباب الطيبين لأن حياتي أصبحت حياة لا يعيش فيها شابٌ مسلم، دلني على طريق النجاة؟!فماذا نلاحظ من مجموع هذه الأسئلة أيها الإخوة؟ الذي نلاحظه قضية اتهام النفس بالنفاق، واتهام النفس بالنفاق أحياناً يكون لها أسباب حقيقية وأحياناً يكون لها أسباب وهمية، فمثلاً: أحياناً يقبل الشخص على الله. ويسلك طريق الاستقامة .. يصاحب الناس الطيبين، وبعد فترة يحصل عنده ضعف إيماني فيقع في معصية من المعاصي، أو يتكرر منه وقوع هذه المعصية وهو لا يزال مع إخوانه الطيبين .. لا يزال يطلب العلم الشرعي .. لا يزال يمارس الدعوة إلى الله .. لا يزال يمارس الواجبات الشرعية، ولكن هذا الوقوع في المعاصي جعله يعيش في جو من التناقض، كيف يكون مع هؤلاء طيباً فإذا خلا بنفسه أصبح إنساناً يقع في المعاصي، كيف يمارس هنا الدعوة إلى الله ويطلب العلم ثم في بيته يقع منه شيء من المنكرات. فإذاً يقول لنفسه: أنا عندي ازدواج في الإيمان بين الطاعة والمعصية، إذاً أنا منافق أظهر شيئاً وأبطن شيئاً آخر، إذاً أنا لا أستحق أن أكون في هذا الوسط الطيب، إذاً أنا لا بد أن أظهر على حقيقتي، هذه الوساوس من الشيطان ... هكذا يفعل، لا بد أن أظهر على حقيقتي، لا بد أن أكشف أمري للناس، إن هؤلاء الأطهار لا يصلح أن يكون بينهم واحدٌ ملوث من أمثالي، لا بد أن أفارقهم، إنني سبب نكبة وسبب فشل بينهم، إنني عنصر لا بد أن أبتر ... وهكذا؛ فتكون النهاية ترك الحياة الطيبة والاستقامة.هو يظن أنه يقصد خيراً وأنه يريد أن يظهر على حقيقته وأنه لا ينافق، لكن النهاية ما هي؟ من الذي كسب؟ الذي كسب هو الشيطان؛ لأن الأمور قد تردت، أنت صحيح أنك تعمل المعاصي وأنت ما زلت في الجو الطيب، لكن هذا الجو الطيب يا أخي يساعدك على البقاء إلى مستوى معين وعدم التردي، إذا كان الجو الطيب لا يحملك على ترك المعاصي فهو يحملك على البقاء في مستوى معين من الطاعات، إذاً هذا الجو الطيب له فائدة، ومن الخسارة الكبرى أن تترك هذا الجو الطيب، ولا تترك الشيطان يلعب بك، ويوسوس لك حتى تترك طريق الاستقامة.ومشكلة اتهام النفس بالنفاق مشكلة كبيرة، مع العلم بأن هؤلاء الناس الذين يفكرون لا يفرق بين النفاق الاعتقادي والنفاق العملي؛ هناك أشياء من النفاق العملي كبعض المعاصي: إذا وعد أخلف .. إذا اؤتمن خان .. إذا حدث كذب .. إذا عاهد غدر .. إذا خاصم فجر، لكن هذا النفاق العملي لا يعني أنك منافق مثل عبد الله بن أبي ومثل غيره من المنافقين، وأنك يجب أن تتميز عن الصف المسلم، لا. الفرق كبير، فإذاً لا بد من أن يعالج الشخص نفسه من هذه الوساوس.
من أسباب النكوص الخارجية
الآن ننتقل إلى طائفة من الأسباب الخارجية عن هذا الشخص الذي يسلك طريق الاستقامة، وهي طائفة من الأسباب الخارجية التي تكون سبباً للنكوص والارتداد على الأعقاب، وعندما نسرد هذه الأسباب ينبغي أن تضعوا نصب أعينكم أننا عندما نعرض هذه الأسباب فإننا لا نقدمها كعذر لهذا الشخص المنتكس أو الناكص على عقبيه أو المتردي أو المتراجع، أو التارك للصراط المستقيم، لكن نحن الآن نبين الأسباب سواء كان محقاً أو غير محق، طبعاً هو ليس محقاً؛ لأنه ليس هناك شيء يحمل الإنسان على ترك الاستقامة مهما كان الأمر، كل هذه أسباب من الشيطان ليوقع الذين آمنوا في حباله، فيتركوا طريق الله عز وجل.
 كثرة رؤيته للمنتكسين
ومن الأسباب: كثرة رؤية هذا الضعيف للناكصين وانسحابهم من طريق الاستقامة الواحد تلو الآخر، فيشجعه ذلك على أن ينسحب هو أيضاً إن كان في نفسه قابلية لذلك، والطيور على أشكالها تقع، وقد يريد هو أن يتخلص ويترك هذا الطريق، لكن لا يريد أن يتركه لوحده، هو ينتظر من يشجعه فإذا بدأ هذا قد يتفلت واحد آخر وثالث ويحصل هناك تشجع نفسي على الانسحاب، فيقلد الآخرين، وهو أيضاً ينسحب من طريق الاستقامة.
مظاهر من نكص عن طريق الاستقامة
هذا الرجل الذي وقع في هذه المشكلة وهو يريد أن يترك طريق الاستقامة وأن يعود إلى الضلال بعد الهدى الذي كان عليه، دعونا الآن نأخذ جولة في أعماق هذا الشخص المتزلزل ما هو وضعه؟ ما هي حالته؟ ما هي أحاسيسه؟ بماذا يفكر الآن وبماذا يشعر؟
 أحوال من تاب ثم انتكس
هؤلاء أيها الإخوة! الذين يتخلفون والذين يتركون طريق الاستقامة أحوالهم أحوالٌ وأنواع، فمنهم من يعود فعلاً إلى ما كان عليه، وربما أكثر مما كان عليه؛ لأن التوبة تدفع إلى مزيد من الأعمال الصالحة، ومنهم من يعود ثم يرجع ثم يعود ويرجع وهكذا، ومنهم من يتمنى العودة ولكنه لا يعود، ومنهم من يذهب بغير عودة.وهذا شخص يقول في إحدى أسئلته: لي زميلٌ كان مستقيماً ثم رجع إلى فسقه، فنصحته فيستقيم ولكنه يعود مرة أخرى وينكص ويتردى، ثم ينصحه مرة أخرى فيعود ولكنه لا يلبث أن يتردى، فهناك بعض الناس عندهم قضية (يرجع إذا ذكر، وبعد ذلك ينسى مرة أخرى، ثم يعود وينسى وهكذا).وهذا آخر يقول: شابٌ في الخامسة عشرة من عمره يسير مع إخوة له صالحين؛ لكنه بين حينٍ وآخر تأتيه هفوات حتى أنه يتغير تغيراً مشيناً في مظهره وفي كلامه، ثم يعود ويصبح من أحسن الشباب الموجودين، هذا أحد الأسئلة التي جاءت مرة في مناسبة من المناسبات يقول: ثم يعود ويصبح من أحسن الشباب الموجودين، ثم يعود لأفعاله القبيحة ويتصرف تصرفات كأنه ليس شاباً مستقيماً على الإطلاق. فإذاً هذه المرحلة التي تكون في سن الشباب المبكر، يقع منهم هذا التذبذب كثيراً، وترى أنه يستقيم وينتكس وهكذا، حتى يكبر ويكون عنده نوع من النضج فيستقر على حالٍ معينة، قد يستقر على الاستقامة وقد يستقر على الانتكاس.وهذا آخر يقول: كنت شاباً ضائعاً وكتب الله لي الهداية على يد أحد الإخوان، وبعد مضي فترة من الزمن إذا بهذا الذي كانت هدايتي على يده قد انحرف، وكان السبب أنه قد ارتكب خطأً كبيراً، ولقد حاولت معه كثيراً ولكن دون جدوى، مع العلم أن أخي هذا حافظ لمعظم القرآن، وكان يعلم منه الصدق والإخلاص في دعوته، أرجو النصيحة.وهذا آخر يقول: أحد أصحابي في يوم من الأيام ينصحني بترك المنكرات وعدم إسبال الثوب وغيره حيث إنه كان مستقيماً في ذلك الوقت، وقد تراجع وهو الآن يدخن، ويعزف العود ويغني ويمثل بلحيته، وأود أن أنبهه ليعود إلى الحق، ماذا يفعل؟!واحد يقول: هداني الله على يد هذا الشخص ثم هذا الشخص سافر إلى الخارج ورجع وهو متغيرٌ كلية وتارك للصلاة.الانتقال من داعية إلى الله إلى كافر تارك للصلاة مرتد عن دين الله، ولذلك هذه قضية القلب قضية خطيرة، والله عز وجل مقلب القلوب، وقد ذكرنا لكم قصة ذلك الرجل الذي وصل إلى مستوى كبير من العلم ولكن أضله الله عز وجل على علمه، فإذاً هذا شيء يدفع الإنسان فعلاً أن يفتش في نفسه، وأن يتحسس، وأن يحاول أن يتخلص من جميع هذه الشرور والآفات التي قد تأتي في نفسه، ولذلك كان من الدعاء المأثور: (اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور) ما معنى الحور بعد الكور؟ يعني: إني أعوذ بك من النقصان بعد التمام والكمال، وهذا يحدث كثيراً.
علاج الضلال بعد الهدى
والآن نبدأ بذكر طائفة من العلاجات التي قد ينفع الله بها إذا ما تنبه إليها:
 استغلال نقطة الحنين إلى الماضي
ومن الأمور المعينة على العلاج التي يجب أن يتنبه لها: أن كثيراً من هؤلاء المنتكسين في كثيرٍ من الأحيان يكون له نوع حنينٍ من الماضي، مهما كان هذا الرجل، ومهما تغير وساءت أحواله فإنه في الغالب يكون له نوع حنينٍ إلى الماضي وإلى رفقته الطيبة السابقة، وقد يحدث نفسه بالرجوع ولكن قد يسوف يقول: فيما بعد، أنا ناوٍ أن أرجع، أنا سوف أعود أنا سوف ...، وقد تمنعه اعتباراتٌ شخصية من ذلك، نضرب مثالاً حدث: هذه الرواية الله أعلم بصحتها ولها أسانيد فيها الواقدي ، والواقدي متروك عند علماء الحديث، لكن لها أكثر من طريق الله أعلم بصحتها ولكنها مشهورة في كتب التاريخ، وساقها ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية بعدة طرق:هذه قصة جبلة بن الأيهم: وكان من ملوك النصارى في جزيرة العرب، جاء وأسلم ويقال: إنه كان يطوف بالكعبة على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاء رجل من فقراء المسلمين فوطئ على إزار أو رداء جبلة بن الأيهم ، فـجبلة ملك هو يرى نفسه ملكاً من الملوك فكيف يطأ هذا الفقير الصعلوك على إزاره، فلطمه لطمة ذهبت بعينه أو بأنفه، فرفع الأمر إلى عمر فقال عمر : لا بد من القصاص لا بد من القصاص، قال: كيف يقتص مني لهذا الصعلوك؟فـعمر قال: هذه شريعة الله، قال جبلة : آتيك في الصباح فيقال: إنه في الليل جمع أصحابه وكان أتى في حاشية وسرى بهم في الليل وهرب، وارتد عن دينه وذهب إلى ملك الروم فاستقر عنده، وأكرمه ملك الروم وأغدق عليه وأعطاه أشياء كثيرة، هذا الرجل قيل وردت عنه أبيات تبين لنا نفسية مثل هذا الشخص، لأن تحليل النفسيات وفهم النفسيات في مثل هذه الحالة مهمة جداً، يقول وهو يعترف بخطئه وندمه، يعبر عن حالته بهذه الأبيات: تنصرت الأشراف من عار لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني فيها اللجاج ونخوة وبعت بها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتـني رجعت إلى القول الذي قاله عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بـالشام أدنى معيشة أجالس قومي ذاهب السمع والبصر أدين بما دانوا به من شريعة وقد يصبر العود الكبير على الدبر الرجل هذا يتحسر ويتندم ويقول: يا ليتني كنت راعي غنم، يا ليتني كنت خادماً، يا ليتني كنت ذاهب السمع والبصر، فقط أني أعيش في ديار المسلمين وأدين بما دانوا به من الشريعة، وقد يصبر العود الكبير على الدبر؛ الدبر وهو مرض يصيب الحيوانات في ظهرها، والحيوان الكبير طبعاً ليس له إلا الصبر على هذا المرض الذي إذا جاء في ظهره، يعني يقول: يا ليتني ما فعلت الذي فعلت، وأخذت قول عمر ، ويا ليتني رجعت إلى الحق، كثيرٌ من الناس الذين يتراجعون وينكصون نفسياتهم شبيهة جداً بنفسية جبلة بن الأيهم ، ولكن يمنعهم من العود اعتباراتٌ شخصية لا بد من مراعاتها وإزالتها، ولو قدر الله سبحانه وتعالى أن هذا الشخص عاد مرة أخرى واستجاب للعلاج فإن من الأمور المهمة في بداية عودته أشياء مهمة جداً: إظهار الفرح باستقباله وعودته، وعودة العلاقات الطبيعية معه إلى الوضع الطبيعي جداً، وعدم إظهار أي نوعٍ من التغيرات، أو إعادة البحث فيما مضى من صفحته السوداء، وذلك كي ينسى تلك الفترة وتطوى طياً بالكامل، ولكن لو قدر الله أن الرجل يستمر في انتكاسته وفي ضلاله ويستمر على الباطل الذي هو عليه ويتردى، فلو قضى الله عليه بذلك فلا يمكن لو حاول جنود الأرض والسماوات أن يعيدوه على ما كان عليه فلا يعود.الله عز وجل يقول: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثـية:23] قسم الله الخلق إلى أشقياء وسعداء وكتب الكتاب وقدر الأقدار وانتهى الأمر، قد لا يعود برغم جميع الجهود التي تبذل، وهنا يكون وضعه درساً وآية من آيات الله يخوف الله بها عباده المؤمنين على أنفسهم أن ينكصوا وأن يتراجعوا ويسقطوا.
عدم رد السبب في الانتكاس إلى الوسط المعايش
وأخيراً: قد يسبب هذا الوضع حالة من حالات الخوف والذعر بين إخوانه أكثر مما ينبغي، قد يسببه زهد من حول هذا الشخص من إخوانه في الله وفي نظرتهم إلى ذلك الوسط الذي يعيش فيه، وقد يستدل البعض بانحراف ذلك الشخص على سوء الوسط الذي يعيشون فيه، ولكن ينبغي أن نعلم أن الله قد كتب على أناس الضلال، وكتب عليهم الشقاوة فماذا نملك لهم؟ بعض الناس يخاف على نفسه، وقد يحدث له من شدة الخوف نفس الشيء.واحد قد يرى هذا فيتملكه الخوف الشديد والذعر ويحس أنه سيسقط وفعلاً يسقط، ولذلك لا بد أن نتأمل هذه الآية: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التوبة:115] قال الشيخ السعدي رحمه الله في التفسير: إن الله تعالى إذا امتن على قومٍ بالهداية وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم، فإنه تعالى متمم لهم إحسانه، ويبين لهم جميع ما يحتاجون إليه، وتدعو إليه ضرورتهم، فلا يتركهم ضالين جاهلين بأمور دينهم.ويحتمل أن المراد بذلك: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة:115] فإذا بين لهم ما يتقون فلم ينقادوا له عاقبهم بالإضلال جزاء لهم على ردهم الحق المبين، والأول أولى.وختاماً: فهذه كلمات من كلام ابن القيم أسوقها في ختام هذا الموضوع إلى ذلك الشخص الذي كان مستقيماً فانحرف وتلوث بالمعاصي، فرجع إلى نفسه رجعةً تذكر فيها حلاوة الماضي وطعم الإيمان الذي فقده، فتشوقت نفسه للرجوع، نسوق له كلام ابن القيم رحمه الله، اسمعوا هذا الكلام فهو في غاية الجودة في التعبير عن المقصود، يقول على الرجل الذي انتكس ويريد العودة: وصاحب هذا المشهد يشهد نفسه كرجلٍ كان في كنف أبيه، يغذيه بأطيب الطعام والشراب، ويلبسه أحسن الثياب، ويربيه أحسن التربية، ويعطيه النفقة، وهو القيم بمصالحه كلها، فبعثه أبوه يوماً في حاجةٍ له فخرج عليه في طريقه عدو فأسره وكتفه وشد وثاقه، ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب، وعامله بضد ما كان يعامله به أبوه، فهو يتذكر تربية والده وإحسانه إليه الفينة بعد الفينة، فتتهيج من قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله، ويتذكر ما كان عليه وكل ما كان فيه، فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب، ويريد ذبحه في نهاية المطاف، إذ حانت منه التفاتة نحو ديار أبيه -الآن هذه مرحلة تذكر الشخص المنتكس الماضي ويريد الرجوع- فرأى أباه منه قريباً فسعى إليه وألقى نفسه عليه، وانطرح بين يديه يستغيث: يا أبتاه! يا أبتاه! يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه، ودموعه تسيل على خديه، قد اعتنقه والتزمه، وعدوه في طلبه حتى وقف على رأسه -الولد الآن عند أبيه والعدو يسعى يطالب به حتى وقف عند رأسه- وهو ملتزمٌ بوالده ممسكٌ به فهل تقول إن والده يسلمه مع هذه إلى عدوه ويخلي بينه وبينه؟! فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالدة بولدها، ومن الوالد بولده، إذا فر عبدٌ إليه وهرب من عدوه إليه وألقى بنفسه طريحاً ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه باكياً بين يديه، يقول: يا رب يا رب ارحم.وصلى الله على محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 استغلال نقطة الحنين إلى الماضي
ومن الأمور المعينة على العلاج التي يجب أن يتنبه لها: أن كثيراً من هؤلاء المنتكسين في كثيرٍ من الأحيان يكون له نوع حنينٍ من الماضي، مهما كان هذا الرجل، ومهما تغير وساءت أحواله فإنه في الغالب يكون له نوع حنينٍ إلى الماضي وإلى رفقته الطيبة السابقة، وقد يحدث نفسه بالرجوع ولكن قد يسوف يقول: فيما بعد، أنا ناوٍ أن أرجع، أنا سوف أعود أنا سوف ...، وقد تمنعه اعتباراتٌ شخصية من ذلك، نضرب مثالاً حدث: هذه الرواية الله أعلم بصحتها ولها أسانيد فيها الواقدي ، والواقدي متروك عند علماء الحديث، لكن لها أكثر من طريق الله أعلم بصحتها ولكنها مشهورة في كتب التاريخ، وساقها ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية بعدة طرق:هذه قصة جبلة بن الأيهم: وكان من ملوك النصارى في جزيرة العرب، جاء وأسلم ويقال: إنه كان يطوف بالكعبة على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاء رجل من فقراء المسلمين فوطئ على إزار أو رداء جبلة بن الأيهم ، فـجبلة ملك هو يرى نفسه ملكاً من الملوك فكيف يطأ هذا الفقير الصعلوك على إزاره، فلطمه لطمة ذهبت بعينه أو بأنفه، فرفع الأمر إلى عمر فقال عمر : لا بد من القصاص لا بد من القصاص، قال: كيف يقتص مني لهذا الصعلوك؟فـعمر قال: هذه شريعة الله، قال جبلة : آتيك في الصباح فيقال: إنه في الليل جمع أصحابه وكان أتى في حاشية وسرى بهم في الليل وهرب، وارتد عن دينه وذهب إلى ملك الروم فاستقر عنده، وأكرمه ملك الروم وأغدق عليه وأعطاه أشياء كثيرة، هذا الرجل قيل وردت عنه أبيات تبين لنا نفسية مثل هذا الشخص، لأن تحليل النفسيات وفهم النفسيات في مثل هذه الحالة مهمة جداً، يقول وهو يعترف بخطئه وندمه، يعبر عن حالته بهذه الأبيات: تنصرت الأشراف من عار لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني فيها اللجاج ونخوة وبعت بها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتـني رجعت إلى القول الذي قاله عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بـالشام أدنى معيشة أجالس قومي ذاهب السمع والبصر أدين بما دانوا به من شريعة وقد يصبر العود الكبير على الدبر الرجل هذا يتحسر ويتندم ويقول: يا ليتني كنت راعي غنم، يا ليتني كنت خادماً، يا ليتني كنت ذاهب السمع والبصر، فقط أني أعيش في ديار المسلمين وأدين بما دانوا به من الشريعة، وقد يصبر العود الكبير على الدبر؛ الدبر وهو مرض يصيب الحيوانات في ظهرها، والحيوان الكبير طبعاً ليس له إلا الصبر على هذا المرض الذي إذا جاء في ظهره، يعني يقول: يا ليتني ما فعلت الذي فعلت، وأخذت قول عمر ، ويا ليتني رجعت إلى الحق، كثيرٌ من الناس الذين يتراجعون وينكصون نفسياتهم شبيهة جداً بنفسية جبلة بن الأيهم ، ولكن يمنعهم من العود اعتباراتٌ شخصية لا بد من مراعاتها وإزالتها، ولو قدر الله سبحانه وتعالى أن هذا الشخص عاد مرة أخرى واستجاب للعلاج فإن من الأمور المهمة في بداية عودته أشياء مهمة جداً: إظهار الفرح باستقباله وعودته، وعودة العلاقات الطبيعية معه إلى الوضع الطبيعي جداً، وعدم إظهار أي نوعٍ من التغيرات، أو إعادة البحث فيما مضى من صفحته السوداء، وذلك كي ينسى تلك الفترة وتطوى طياً بالكامل، ولكن لو قدر الله أن الرجل يستمر في انتكاسته وفي ضلاله ويستمر على الباطل الذي هو عليه ويتردى، فلو قضى الله عليه بذلك فلا يمكن لو حاول جنود الأرض والسماوات أن يعيدوه على ما كان عليه فلا يعود.الله عز وجل يقول: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثـية:23] قسم الله الخلق إلى أشقياء وسعداء وكتب الكتاب وقدر الأقدار وانتهى الأمر، قد لا يعود برغم جميع الجهود التي تبذل، وهنا يكون وضعه درساً وآية من آيات الله يخوف الله بها عباده المؤمنين على أنفسهم أن ينكصوا وأن يتراجعوا ويسقطوا.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مصيبة الدين: الضلال بعد الهدى للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net