اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التساهل في الاحتجاج بالضرورة للشيخ : محمد المنجد


التساهل في الاحتجاج بالضرورة - (للشيخ : محمد المنجد)
إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن الجهل سوف ينتشر في هذه الأمة، بسبب موت العلماء الربانيين، واتخاذ علماء ضلالاً يفتون الناس بغير علم فيضلونهم، وهاهم قد ظهروا في عصرنا، فأصبحوا يفتون الناس بارتكاب المحرمات بحجة الضرورة، فأعملوا القاعدة الشرعية في غير مكانها، واستدلوا بها على غير مدلولها، وذلك يرجع إلى أسباب ذكرها الشيخ حفظه الله، مع بيان أن لهذه القاعدة الشرعية ضوابط لا بد أن تراعى عند تطبيقها.
قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات .. أدلتها وصورها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.أيها المسلمون: حديثنا في هذه الخطبة عن موضوعٍ صعب، ولكننا نستعين الله سبحانه وتعالى في فهمه، وإدراك بعض المسائل المتعلقة به، وهو موضوع حصل فيه خلط كثير، وحصل فيه استغلالات سيئة كثيرة من كثير من أصحاب النوايا السيئة، ولذلك كان لا بد للمسلم من فهمه، وفهم ما يتعلق به، ألا وهو القاعدة الشرعية العظيمة: الضرورات تبيح المحظورات، هذه القاعدة التي ظُلمت ظلماً عظيماً من كثير من أبناء المسلمين، هذه القاعدة التي أصبح الاستدلال بها على ما هب ودب من الأمور ديدن عامة الذين يعصون الله سبحانه وتعالى.كلما أراد أحدهم أن يفعل معصية أو فعلها فناقشته في ذلك كان من حججه: الضرورات تبيح المحظورات.فما هي حقيقة هذه القاعدة؟وما هي أدلتها وصورها؟وما هي ضوابطها؟وما هي الاستخدامات الصحيحة أو المجالات وبعض المجالات التي استخدمت فيها من قبل علماء الشرع الثقات؟وذكر أمثلة على بعض الاستخدامات السيئة التي استخدمت فيها هذه القاعدة.قال الله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:145] وقال: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:173] وقال عز وجل: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:145].. إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119] لماذا شرع ربنا جواز أكل الميتة للضرورة وجواز تناول الأمر المحرم للضرورة؟ لأنه قال عز وجل: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] وقال: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة:6] وقال: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ [النساء:28] ولأن الله رحيم شرع لنا هذا.وقد أجمع الفقهاء على أن للجائع المضطر الذي لا يجد شيئاً حلالاً يدفع به الهلاك عن نفسه أن يتناول المحرم إذا لم يجد غيره، فيتناول منه بقدر ما يزيل ضرورته، لأن الله قال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:3] وقال الله سبحانه وتعالى مبيناً حالة أخرى من حالات الاضطرار: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ [النحل:106] فإذا كان المسلم قد تعرض لتهديد حقيقي وتعذيب وحشي يُراد منه أن ينطق بكلمة الكفر نطق بها لسانه وقلبه مطمئن بالإيمان.كان جبابرة مكة يعذبون المسلمين المستضعفين حتى ربما قالوا لأحدهم: هذا الجُعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. تحت وطأة التعذيب، فإذاً هذه القاعدة في الشريعة محفوظة بأدلتها، قائمة من علامات وميزات هذا الدين، ومن رحمة الله بالأمة وبالناس.ولكن أيها المسلمون! متى يصبح الشيء ضرورة؟ ما معنى كلمة الضرورة؟إن كثيراً من الناس يفسرون الضرورة بأي مشقة تعرض، بأي درجة تكون، أو يفسرون الضرورة بحاجتهم إلى التوسع في الأمور الدنيوية، ولأجل ذلك ينتهكون حرمة الشريعة.فأما الضرورة فقد ذكر العلماء تعريفها، وقالوا: إذا ترتب على عدم فعل شيء محرم هلاك، أو إلحاق الضرر الشديد بأحد الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض، فإنه عند ذلك يجوز له أن يتناول المحرم للضرورة.فتأمل كلامهم رحمهم الله في قولهم: هلاك أو إلحاق ضرر شديد كتلف عضو من الأعضاء مثلاً، عند ذلك يجوز له أن يرتكب هذا المحرم للضرورة، وهذا الكلام أيضاً فيه تفصيل، ولذلك فإننا لا يجوز لنا أن نترك الجهاد في سبيل الله من أجل المحافظة على النفوس، ونقول: إن ترك الجهاد ضرورة لأن الجهاد يسبب قتل النفس، كلا.لأن حفظ الدين أعلى، والجهاد لا بد منه لحفظ الدين، وهناك أمور تقدم وتؤخر في أبواب الضرورة، فلو أنه غص بلقمة لم يجد إلا خمراً ليبتلعها أمامه وإلا لمات وهلك واختنق، جاز له أن يتناول ما يسلك به تلك الغصة وينجو به من الهلاك، فتنجو نفسه ولو أدى لإلحاق ضرر بعقله.
 

ضوابط قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات
ولكن لا بد لنا أن نعلم ونعرف ما هي القواعد أو بعض القواعد التي ذكرها العلماء لنكون على بينة عند استخدام هذا الأمر الخطير الذي إن لم يُحسن استخدامه تعرض المستخدم للهلاك في العاجل والآجل. أولاً: يجب ألا يتسبب الإنسان لإيقاع نفسه في الضرورة، فلو أنه أتلف ماله وطعامه الطيب، وهو يعلم أنه سيضطر لأكل طعام محرم كان آثماً عند الله بفعله هذا. وكذلك فإن الضرورة لا بد أن تقدر بقدرها.إن باب الضرورة أيها المسلمون! ليس مفتوحاً على مصراعيه يدخل منه كل من هب ودب بأي طريقة شاء، وإنما هو مضبوط بضوابط وقواعد يعلمها أهل العلم الثقات، ذكروها في كتبهم، ويذكرها المفتون المخلصون للناس إذا سئلوا.فالضرورة لا بد أن تقدر بقدرها، فمن اضطر إلى الكذب مثلاً فإن أمكنه التورية لا يجوز له أن يكذب، والتورية أن يأتي بلفظ له معنى بعيد في نفسه، ومعنى قريب في نفس الوقت يقصده الشخص السامع، أو يفهمه السامع، فعند ذلك لا يجوز أن يكذب، ويستخدم التورية، وإذا اضطر إلى الكذب كأن يكون عنده مال إنسان معصوم مخبأ، فجاء ظالم يقول له: هل عندك المال؟ ولم يجد طريقة للتورية، فيجوز له أن يكذب في هذا الأمر فقط، بجملةٍ محددة لا ينتشر الكذب إلى غيرها، ومن أكره على النطق بكلمة الكفر، لا يجوز له أن يكفر بقلبه مثلاً، لأن الكفر على اللسان فقط إذا اضطر إلى ذلك.ومن جاز له التيمم للضرورة، فإذا قدر على استعمال الماء لا يجوز له أن يواصل في التيمم، ومن اضطر للإفطار في شهر رمضان من أجل المرض مثلاً، فإذا اشتد وقوي وأطاق الصيام ما جاز له أن يكمل في إفطاره، وكذلك المسافر لو أقام لا يجوز له الإكمال في الإفطار في رمضان.وخذ مثلاً من الأمثلة التي يتعرض لها كثير من الناس في هذه الأيام بسبب عدم الاحتياط في الشريعة، وعدم وجود الجهود الصحيحة التي تزيل الحرج عن كثير من نساء المسلمين، كشف الطبيب على المرأة المسلمة أو على المرأة عموماً.كشف الطبيب على المرأة المريضة، بسبب تقصيرنا وإهمالنا، وعدم تخطيطنا وانتباهنا للمحرمات وحرمات رب العالمين؛ حصل تقصير شديد في تنظيم الأمور، فصارت المرأة تضطر في كثير من الأحيان للكشف عند الطبيب الأجنبي، وهنا لا بد أن نفهم معنى تقدير الضرورة بقدرها في مثل هذا الموضع.فمثلاً: لا بد أن تبحث عن طبيبة مسلمة لزوجتك أو بنتك، فإن لم يوجد طبيبة مسلمة مؤهلة، في أي مكان تستطيع الوصول إليه وتستطيع دفع أجره، جاز اللجوء إلى طبيبة كافرة، فإن لم توجد طبيبة كافرة مؤهلة أيضاً جاز اللجوء إلى الطبيب المسلم المؤهل، فإن لم يوجد جاز اللجوء إلى الطبيب الكافر، فهل يتبع الناس هذا التنفيذ؟ثم: إذا جاز للطبيب الكشف عن المرأة الأجنبية، فيجب أن يكون بغير خلوة، وأن يحضر محرمها مثلاً، وأن يكشف على موضع العلة فقط، وإذا كان النظر إلى موضع العلة يكفي فلا يجوز له أن يلمس، وإذا كان يكفيه لمس من وراء حائل لا يجوز له أن يلمس بغير حائل، وإذا كان يتوجب أن يلمسه بغير حائل فلا يلمس ما حوله من المنطقة التي لا علاقة لها بالعلة، ولا علاقة لها بالعلاج أيضاً، وإذا كان يكفيه أن يفحص لمدة دقيقة مثلاً، فلا يجوز له أن يتعدى هذه الفترة، وكل إنسان مؤتمن على حريمه، وما أكثر التفريط في هذا الأمر في هذه الأيام!ثم إن الضرر لا يزال بمثله أو شيء أكبر منه، فمثلاً لو قالوا له: اقتل فلاناً وإلا سلبنا مالك، فلا يجوز له أن يقتله، بل لو قالوا له: اقتل فلاناً وإلا قتلناك، وفلان هذا مسلم معصوم، لا يجوز له أن يقتله لأن النفوس في الشريعة سواسية، فكيف يجوز له أن يقتل غيره من المسلمين لكي يدفع القتل عن نفسه؟ ولذلك قال العلماء: لا يجوز للجنود المسلمين قتال الجنود من المسلمين بغير وجه حق، ولو كانوا مكرهين، ولو كان الإكراه بالقتل.وكذلك لو أكره جندي مسلم بالقتل على أن يدل العدو على ثغرة ينفذون منها إلى البلد المسلم، لكي يحتلونه ويوقعون القتل والتشريد في أهله، ما جاز له أن يدلهم ولو قتلوه.ويرى أكثر أهل العلم أنه لو أكره على الزنا بامرأة مسلمة عفيفة، لا يجوز له أن يزني بها، ولو أكره بالقتل لما يترتب على ذلك من المفسدة العظيمة المنتشرة، من انتهاك عرضها، وتحطيم شرفها وشرف أسرتها، أو زوجها، واختلال النسب، وإنما يصبر على القتل صابراً محتسباً لوجه الله تعالى.
 

ضوابط الإكراه وشروطه
ثم إن كثيراً من الناس يقولون لك: نحن أكرهنا فما هو الإكراه الذي يباح به الأمر المحرم؟هل هو ضرب سوط أو سوطين مثلاً لأن ينتهك حرمة الله بالزنا على سبيل المثال؟قال الفقهاء: الضرب الذي يعتبر إكراهاً هو ما كان فيه خشية تلف النفس، أو أحد الأعضاء، أو ألم شديد لا يطيق تحمله، فعند ذلك قد يجوز أن يفعل أمراً، وينبغي أن يدرك الأمر أيضاً قبل الإقدام عليه، فما هو الإكراه؟ ليست المسألة سهلة أيضاً، بل إنهم ذكروا شروطاً للإكراه، كأن يكون المكره متمكناً من التنفيذ، أو يكون المكرَه عالماً أو غالباً على ظنه أن المكرِه سينفذ وعيده، فلو قال الظالم لزوجته: إن لم تكشفي وجهك على إخواني، فأنت طالق، أو إني سأطلقك، فإن هذا الإكراه إذا كانت تعلم أنه سيوقعه جاز لها الكشف عن وجهها في هذه الحالة للضرورة مع كرهها لذلك؛ لأن الإكراه بالطلاق في بعض المواضع يعتبر إكراهاً سائغاً.وكذلك أن يكون المكره عاجزاً عن دفع الإكراه عن نفسه، إما بالمقاومة أو الفرار. وكذلك أن يكون الإكراه بشيء فيه هلاك للمكره، أو ضرر عظيم كالقتل أو إتلاف عضو من الأعضاء، أو التعذيب المبرح، أو السجن الطويل الذي لا يخرج منه، وكذلك أن يكون الإكراه فورياً كأن يهدده بالقتل فوراً إذا لم ينفذ، أما إذا قال له: إذا لم تفعل كذا ضربتك غداً أو بعد غدٍ فلا يعتبر إكراهاً صحيحاً، فتأمل الشروط التي وضعها الفقهاء لهذا؛ لتعلم -أيها المسلم- أن المسألة ليست ألعوبة، وأن القضية ليست سهلة.
 

أسباب التساهل في إفتاء الناس بحجة الضرورة
ثم قارن بين هذا وبين ما يقوم به كثير من مفتي السوء بإفتاء الناس ببعض الأمور بحجة الضرورة في غير محلها، فما هي أسباب ذلك؟لماذا يتساهل بعضهم في إفتاء الناس في أمور بحجة الضرورة وليس فيها ضرورة؟
 تورط بعض المفتين في محرم من المحرمات
وقد يكون الشخص الذي يقول للناس: افعلوا ولا حرج.. هذه ضرورة، قد يكون متورطاً في أمر محرم في حياته الشخصية، فلكي لا يلومه الناس يفتيهم بالجواز. وكذلك عدم العلم الدقيق والقدرة على تصور الواقع، وهناك أناس عندهم حسن نية يقولون للناس: افعلوا ضرورة، ما هو السبب؟ قالوا: نحن نريد أن نحبب الناس إلى الدين، ولذلك نحن نيسر عليهم ونفتح المجالات لهم، ونقول: اعملوا ولا حرج، وهذه ضرورة، لماذا؟ لتحبيب الناس في الدين.هؤلاء -أيها الإخوة- يدخلون الناس إلى الدين من باب، ثم يخرجونهم من الدين من باب آخر، مسيئون وليسوا بمحسنين، وأضرب لكم مثلاً:شيخ في حلقة جاءه شخص فقال -ومع الأسف أيها الإخوة أهل العلم المتمكنون من العلم قلة جداً، ولذلك الناس لا بد لهم أن يذهبوا إلى المأمون ولا يسألوا أي شخص- جاءه شخص وقال: يا شيخ! أريد أن أنقل عفش بيتي في نهار رمضان، وهذا أمر متعب في رمضان هل يجوز أن أفطر؟ قال: لا بأس؛ للضرورة أفطر، حتى قال أحد الحاضرين من النبهاء من عامة الناس، قال: يا شيخ! لماذا لا تقول له أن ينقل عفش بيته في الليل؟!
توجيهات لابد أن يعلمها المستفتي

 أن الضرورة تقدر بقدرها
ومن قواعد الشريعة: أن الضرورة التي تقدر بقدرها لا بد أن تكون ضرورة فعلاً، فيها حرج عظيم على الشخص، لا يطيق تحمله فعلاً، وليست مسألة توسع في مكاسب وزيادة أرباح مثلاً، أو مشقة بسيطة يمكن تحملها، فهذه ليست ضرورة ولا داعي لأن نخادع أنفسنا ونكذب على الله سبحانه وتعالى، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهل فقهنا -أيها الإخوة- شيئاً مما يتعلق بهذه القاعدة العظيمة التي ذكرها أهل العلم؟ وهل عرفنا الآن سبيل المتلاعبين وأنه يجب أن نصدق مع الله سبحانه وتعالى؟اللهم فقهنا في ديننا، وقنا شر أنفسنا، اللهم كن لنا عوناً على طاعتك يا رب العالمين! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
أمثلة لحالات الضرورة فيها صحيحة وحالات فاسدة
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، لا إله إلا هو سبحانه وتعالى خلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجة، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء، لا إله إلا الله الحي القيوم، لا إله إلا الله فعال لما يريد.وصلى الله وسلم على نبينا محمد الرحمة المهداة، السراج المنير، والبشير النذير، الذي أرسله الله رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.أيَّها المسلمون: لا بأس أن نذكر الآن بعض الحالات التي فيها ضرورة صحيحة، وبعض الحالات التي ليس فيها ضرورة وإنما يستخدم الناس كلمة الضرورة زوراً وبهتاناً على الشريعة.فمثلاً: الكذب في الحرب ضرورة مع الكفار، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة) والكذب لأجل الإصلاح بين المتخاصمين ضرورة من أجل التوفيق بين المتخاصمين من المسلمين، إذا لم يجد حلاً إلا ذلك. وكذلك غيبة رجل لا يصلح في الزواج تُقدِّم إلى أناس وأنت تعلم حاله، يجوز أن تغتابه للضرورة لا حرج في ذلك. وسفر المرأة بغير محرم يكون ضرورة في حالات: كمن مات محرمها في الطريق، أو أجبرت على الخروج من بلد بالقوة وليس عندها محرم، أو مضطرة للهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وليس عندها محرم، وعائشة رضي الله عنه في غزوة بني المصطلق لما تركها الجيش وذهبوا وظنوا أنها في الهودج، وهي كانت تبحث عن عقدها بعيداً عن الجيش تركوها وذهبوا، فلما مر بها صفوان بن معطل السلمي رضي الله عنهما اقتاد بعيرها وذهب بها للضرورة؛ لأنها مقطوعة.لو شاهدت حادث سيارة في طريق سفر وامرأة تحتاج إلى إسعاف تأخذها للضرورة لا حرج في ذلك، ترك الجماعة في المسجد لوجود مجنون أو مريض في البيت يخشى عليه، يحتاج إلى من يقف بجانبه ويرعاه لأن حالته خطرة، هذه ضرورة تترك لأجلها صلاة الجماعة.لكن ترك صلاة في المسجد لأجل المباريات والكلام الفارغ، ما حال أكثر المسلمين؟وضع النقود في البنوك الربوية لحفظها إذا لم يوجد إلا هي ضرورة، لأن المال بالتجربة يضيع أو يترك، وهناك مؤسسات عندها أموال كثيرة، وأناس أغنياء من المسلمين أين يضعون نقودهم؟ فيضعونها إذاً في البنوك الربوية إذا لم يوجد إلا هي مع وجوب السعي لإقامة البنوك الإسلامية -كما ذكرنا قبل قليل- من القادرين على السعي لا بد منه.السفر إلى بلاد الكفار لعلاج لا يوجد إلا في بلاد الكفار جائز للضرورة، وذكر بعض أهل العلم في حالة عصرية الاضطرار إلى عقد التأمين المحرم في بلد لا تستطيع قيادة سيارتك فيه إلا بعقد التأمين، لا تستطيع، يمنعونك ويخالفونك ويسحبون رخصتك، ويمنعونك من قيادة السيارة، أنت مكره في هذه الحالة لأنك لا بد أن تستعمل سيارتك، لا تستطيع أن تمشي المسافات الطويلة، ولكن ما رأيكم بمن يؤمنون على سيارتهم لغير ضرورة؟ ما أحد دفعه إليها ولا ضرب يده عليها، ومع ذلك يقوم بعقد التأمين المحرم، يقول: أخشى أن يحدث حادث، أتوقع.. يمكن.. وبناءً على هذه الممكنات يرتكبون عقد التأمين المحرم قطعاً، وهو نوع من أنواع الميسر والقمار لا يجوز فعله.العمل في البنوك الربوية حرام ليس بضرورة أبداً ولا يجوز، الأعمال الأخرى موجودة وأرض الله واسعة، إذا لم تجد في البلد فأرض الله واسعة، وإذا لم تجد يجوز لك أن تمد يدك إلى الناس، لو قال واحد ما وجدت، نقول: الشحاذة جائزة للضرورة، لكن العمل في البنوك لا يجوز، الشحاذة جائزة، العلماء أباحوا التسول للضرورة، فيجوز.الاستلاف من البنوك الربوية للمشاريع التجارية أو الزواج ونحوه، حرام لا يجوز، وكذاب الذي يدعي أنها ضرورة، لا يجوز. الاستلاف من البنوك الربوية: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].السماح ببيع الخمور في بلاد المسلمين، وفتح الملاهي، ودخول الكفار إلى المساجد للفرجة بحجة أن البلد مضطر إلى العملة الصعبة التي يأتي بها هؤلاء السياح، سبحانك هذا بهتان عظيم!سفر المرأة بغير محرم لغير ضرورة لا يجوز وحرام، والعلاج بالمحرمات فإن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها، أو العلاج بالموسيقى كما يقولون، أو الإفطار في رمضان لأجل نقل عفش أو وظيفة أو عمل غير ضرورة، لو كان جهاداً في الجيش لقلنا: أفطر تَقوَّ على جيش الكفار.رجال المطافئ يطفئون حريقاً صعباً طويلاً جداً يتقوون لإطفاء الحريق، لكن هذا يقول: وقت طويل وعمل طويل.حلق اللحية لمجرد الخوف من توقيف بسيط أو مساءلة كما يفعل في بعض البلدان الذين لا يخافون الله سبحانه وتعالى، فيوقفون أصحاب اللحى ويفتشونهم، واحد ذهب إلى بلد وهو ملتحي أوقفه موظف التفتيش.. وين يا أخ؟ماذا؟ما هذا الذي عليك؟قال: لحية، ما تعرف أن اللحية ممنوع؟ سبحان الله! ومن الذي منعها؟ فحلق اللحية لمجرد خوف توقيف بسيط أو مساءلة لا يجوز وليس بضرورة، لكن لو خاف أنه يسجن سجناً مؤبداً أو يقتل ويلحق به ضرر عظيم، يجوز له حلقها للضرورة، أما لمجرد كلمة أو كلمتين يسمعها من الأذى يجب عليه أن يتحمل ذلك في سبيل الله.وضع البنات في مدارس مختلطة بدون حجاب للدراسة، والمرأة هذه تفتن وربما تفعل الفاحشة، وتجعل لها خليلاً من أجل الشهادة، لا، لا نريد الشهادة وليست بضرورة، قالوا: حتى يرغب المتقدمون لها بالزواج؛ لأنها صاحبة شهادة، لا يا أخي! يرزقها الله.وزعموا أن الربا ضرورة عصرية، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وجلب عمال الكفار إلى جزيرة العرب لفتح أعمال تجارية لا يجوز.إجهاض الجنين من المرأة التي تريد أن تحافظ على رشاقتها، قال: هذا الجنين الآن يشوه الشكل ويسبب انتفاخ البطن، وتجعد الجلد .. نجهض، حرام.أو إجهاض الزانية لكي تتوسع في الزنا بزيادة حرام.كشف الطبيب على المرأة الأجنبية بغير حاجة ولغير ضرورة، وترك المرأة للحجاب عند السفر للخارج ليس بضرورة، وأصرفكم بهذه المسألة سمعتها في الليلة الماضية من فتاوى إذاعة لندن أستغفر الله.. برنامج بين السائل والمجيب.السؤال عن حكم مصافحة المرأة الأجنبية. بدأ المفتي يفتي في إذاعة لندن يقول: إن هناك كثيراً من الأمور التي تساهل الناس فيها، وأحوال كثيرة في الواقع مخالفة للشرع، فاستبشرنا خيراً وبعد ذلك، قال: وقد وردت الأدلة المانعة لتحريم المصافحة وقالت عائشة : (ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط) ولا كذا.. وكان يبايعهن فيكتفي في المبايعة من بعد، وو.. إلخ، قال: ولكن في النهاية كل هذه الأدلة ليس فيها دليل على التحريم لأنها خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم.الله أكبر! لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] وهو الذي قال عليه الصلاة والسلام وهذا دليل ما جاء به المفتي الضال المضل، قال عليه الصلاة والسلام: (لأن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) وإنما قال: جاءت امرأة في المركز الفلاني ومدت يدها للمصافحة، هذا إحراج، قال: هذا إحراج ماذا نفعل؟ هذا إحراج صارت ضرورة يصافح المرأة الأجنبية، قال: وجاءت امرأة اسكتلندية مهرولة تريد أن تعانقني، إحراج.أيها الإخوة! إن هذا الموضوع مؤلم وخطير، وقد آثرت أن أطرقه بنوع من التفصيل لكني أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا وإياكم في دينه، لأن الفقه في الدين أيها المسلمون! أمر مهم جداً لكي لا نقع في هذه المحظورات بحجج واهية لا يقبلها الله، هذا دين، وهذه أمانة، وهناك حساب، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يخفف عنا أهوال يوم القيامة.اللهم إنا نسألك أن تتجاوز عنا يا رب العالمين! وأن تغفر لنا ذنوبنا وتكفر عنا سيئاتنا، وأن تدخلنا الجنة مع الأبرار، اللهم سامحنا في تقصيرنا في حقك، اللهم تجاوز عنا ما فعلنا من المآثم والمعاصي والسيئات، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
 أن الضرورة تقدر بقدرها
ومن قواعد الشريعة: أن الضرورة التي تقدر بقدرها لا بد أن تكون ضرورة فعلاً، فيها حرج عظيم على الشخص، لا يطيق تحمله فعلاً، وليست مسألة توسع في مكاسب وزيادة أرباح مثلاً، أو مشقة بسيطة يمكن تحملها، فهذه ليست ضرورة ولا داعي لأن نخادع أنفسنا ونكذب على الله سبحانه وتعالى، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهل فقهنا -أيها الإخوة- شيئاً مما يتعلق بهذه القاعدة العظيمة التي ذكرها أهل العلم؟ وهل عرفنا الآن سبيل المتلاعبين وأنه يجب أن نصدق مع الله سبحانه وتعالى؟اللهم فقهنا في ديننا، وقنا شر أنفسنا، اللهم كن لنا عوناً على طاعتك يا رب العالمين! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التساهل في الاحتجاج بالضرورة للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net