اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مظاهر نقص الاستقامة للشيخ : محمد المنجد


مظاهر نقص الاستقامة - (للشيخ : محمد المنجد)
حث الإسلام على الاستقامة في الدين وأخذ الإسلام كله، لكن واقع الناس مع الاستقامة عجيب جداً، فإن الناظر يجد التباين بين الظاهر والباطن ظاهراً، ولزيادة الإيضاح فقد ذكر الشيخ صوراً من مرض نقص الاستقامة إضافة إلى آثارها السلبية.
فضل الاستقامة وتعريفها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... وبعد:إخواني! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.نسأل الله تعالى أن يجعل لقاءنا هذا لقاءً نافعاً، وأن يرزقنا وإياكم الإخلاص والاستقامة، فالله سبحانه وتعالى قد أوصانا بالاستقامة وأمرنا بها، فقال جل وعلا: أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت:6]، ورسولنا صلى الله عليه وسلم قال لنا: (استقيموا ونعما إن استقمتم)، وقال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) .وقد أمر الله نبيه بالاستقامة، فقال: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112]، وقال لموسى وهارون: قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا [يونس:89]، ولما أراد رجلٌ من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصيه وصية لا يسأل بعدها أحداً غيره عن شيء، قال: (قل آمنت بالله ثم استقم)، وفي رواية قال لرجل: (استقم وليحسن خلقك)، وقد وعد الله أهل الاستقامة بالثواب العظيم، فقال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13].. إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].. وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً [الجـن:16] والله سبحانه قال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير:27-28].أما الاستقامة فقد تنوعت ألفاظ السلف في تعريفها، فمنهم من قال: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله.- ومنهم من قال: استقاموا على أداء الفرائض.- ومنهم من قال: أخلصوا الدين والعمل.- ومنهم من قال: استقاموا على طاعة الله.- ومنهم من قال: لم يروغوا روغان الثعلب. قال ابن رجب رحمه الله: "الاستقامة سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريجٍ عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك".إذاً: نحن الآن أمام التعريف الجامع للاستقامة، وهو: فعل الطاعات وترك المنهيات؛ فعل الطاعات الظاهرة والباطنة وترك المنهيات الظاهرة والباطنة.
 

واقع الاستقامة في حياة الناس
أيها الإخوة! عند النظر للواقع الذي نعيش فيه الآن، نرى أن أكثر الناس على غير دين الله، وأكثرهم يصدون عن سبيل الله، وفي وسط هذه الظلمات قامت الدعوة بدين الله لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهي لا تزال في تقدمٍ وانتشارٍ ولله الحمد.إن بوادر اليقظة الإسلامية التي تعم اليوم أرجاء العالم الإسلامي وحتى الأقليات الإسلامية في بلدان كثر هي أمر واقع، وإن ظهور علامات التدين على كثيرٍ من الأشخاص لا شك أنه نتيجة لهذه الصحوة وظهور هذه اليقظة هو أمرٌ من أمر الله سبحانه وتعالى.ونحن مع فرحنا واستبشارنا بهذه النعمة الإلهية من ظهور أمر الدين وانتشاره؛ فإننا في نفس الوقت نحذر حذراً عظيماً مما يخالط هذه الصحوة، وهؤلاء الناس الذين تظهر عليهم بوادر الاستقامة ومظاهرها، الخشية العظيمة التي نخشاها على أنفسنا وعلى الآخرين من فشو الأمراض الباطنة ونقص الاستقامة الذي هو عيب أي عيب، فإن الكثير ضعف عندهم معيار الالتزام، وتقلص المفهوم الحقيقي للتمسك بهذا الدين، ولقد ظهرت علامات التدين على كثيرٍ من الأشخاص تأثراً بالجو العام، وإذعاناً لبعض الفتاوى، أو حماساً بعد سماع موعظة أو محاضرة، فهؤلاء الذين يغشون اليوم التجمعات الإسلامية من هم هؤلاء؟ ما هي صفاتهم؟ ما مقدار تمسكهم بهذا الدين؟ لا بد أن ننقد أنفسنا لنصحح الواقع، ولا بد أن نعلم مواطئ أقدامنا ومواقعنا حتى ننظر هل نحن على الصراط المستقيم أم أنه يوجد عندنا من الانحرافات ما يجب علينا أن نصححه؟ فهذا بيان للحقيقة، وتنبيه للغافلين، ونصيحة للمقصرين، وكلنا مقصرون.بيان الاستقامة أمر مهم؛ لأننا لن نسلم إلا إذا جئنا الله بقلب سليم، وكذلك فإننا لا نريد أن نكون عقبة في طريق التزام الناس بالإسلام.. لا نريد أن نكون منفرين عن شرع الله.. لا نريد أن يكون عندنا من التصرفات ما يكون سداً بين الناس وبين الدخول في هذا الدين والشريعة، فكم من الكفرة لما رأوا بعض التصرفات من بعض المسلمين عدلوا عن الدخول في دين الله، وكم من العامة الذين رأوا تصرفات بعض الذين عندهم شيء من الالتزام الظاهر حملوا على هذا الدين وعلى هذه الاستقامة، وقالوا: هؤلاء المتدينون انظروا إليهم ماذا يفعلون! هل تريدون أن نكون مثل هؤلاء؟ والناس كثيرٌ منهم جهلة، لا يفرقون بين الإسلام والمسلمين، يقولون: الإسلام هو هذه التصرفات التي نراها من المسلمين.. الاستقامة والالتزام والتدين هو هذه المعاملة التي نلقاها من المتدينين.. الناس عندهم هذا المبدأ وهم لا يميزون، ليتهم يعرفون الرجال بالحق، لكنهم مع الأسف يعرفون الحق بالرجال! ولذلك فإن كثيراً منهم يكون عنده تصورات خاطئة وقناعات مغلوطة عن حقيقة الاستقامة مما يرونه من تصرفات بعض المتدينين في الظاهر.
 

الاستقامة على الدين ظاهراً وباطناً
إن الالتزام بالإسلام والاستقامة على دين الله هو ظاهرٌ وباطن، هو مخبرٌ ومظهر، هو حقيقة وجوهر كما أنه شكل ومظهر ينتج ويظهر على المسلم في الخارج، ونحن نريد أن يكون التزامنا بالإسلام داخلي وخارجي، شيء يقر في القلب فينعكس على التصرفات وعلى الأعمال.. أعمال القلب وأعمال الجوارح.ينبغي أن نعالج القلب قبل أن نعالج العادات والتقاليد والملابس مع أن الكل من الدين، لكن هناك أولويات، ونحن نوقن بالارتباط بين الظاهر والباطن، ونحن نعتقد أن هناك مضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.نعتقد أن تحكيم الشريعة في كل شيء يقود إلى إصلاح الظاهر والباطن، وأن ديننا قد أمر بإصلاح الظاهر والباطن، والله سبحانه وتعالى قال: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] لم يقل: ذروا ظاهر الإثم فقط، ولا قال: ذروا باطن الإثم فقط، قال: ذروا ظاهر الإثم وباطنه، فظاهر الإثم كل ما يظهر للناس من البذاءة والفحش والسب واللعن والشتم.. ونحو ذلك.وباطن الإثم كل ما يكون في القلب.. من الحقد والحسد والعجب والغش واحتقار الخلق.. ونحو ذلك: وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:120] الباطن مهم جداً والظاهر مهم كذلك، ولولا أن الظاهر مهم ما جاءت الشريعة بأحكام اللباس وسنن الفطرة والزينة والشعر والانتعال والنظافة وكل أمرٍ من الأمور التي تميز المسلم ظاهرياً عن غير المسلم، ولما شرعت الشريعة لنا وجوب مخالفة أهل الكتاب وغير المسلمين حتى في صبغ الشعر وفي الصلاة حفاة بغير نعال، وفي اللحية والشارب وغير ذلك، حتى نهينا عن التشبه بالحيوانات والبهائم، والذين يطيلون شواربهم اليوم مخالفون للهدي النبوي الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وحذرنا: (من لم يأخذ من شاربه؛ فليس منا) يجب قص ما طال عن الشفة، وأولئك النسوة اللاتي أطلن أظافرهن مثل الوحوش وصبغنها بالمناكير الحمراء وغيرها، هؤلاء المتشبهات بالحيوانات والبهائم والوحوش الكاسرة هن على استعداد بالخدش بها في أقرب مناسبة تقوم بها قائمة.إذاً أيها الإخوة! الظاهر أمر عظيم وليس هناك في الإسلام شيء اسمه قشور ولب، والذين ينادون بتقسيم الإسلام إلى قشور ولباب أناسٌ ضالون مخطئون، الإسلام كلٌ لا يتجزأ.. الإسلام يؤخذ كله ويطبق كله، ومع الأسف فإن الناس اليوم يغترون بالظاهر، وليت أن ظاهر الأكثرية ظاهراً إسلامياً؛ إذاً لقلنا: إنهم على الأقل قد امتثلوا شيئاً من الدين، لكن الناس اليوم يعتنون بالمظاهر.. في الثياب والحفلات والزينات والطعام والشراب والسياحة، حتى العبادات إذا سمعوا قارئاً يقرأ بصوتٍ جميل، قال: صوتٌ رائع، ويجعلون حجهم سياحة، وعمرتهم أكل وحكايات في الحرم، هذا حالهم.وطائفة أخرى من الناس دخلوا في الدين ظاهرياً؛ فهذا أطال لحيته وأعفاها، والتزم الثوب بطوله الشرعي الذي لا ينزل عن الكعبين، ولكن قلبه ينطوي على أنواع من المفاسد، والأمور العظيمة، ولذلك التصرفات الناتجة عنه والتعامل مع الناس بل مع زوجته وأولاده في البيت وأقربائه وجيرانه من أسوأ ما يمكن.وأناسٌ قد أخذوا بنصيبٍ من هذا وهذا الالتزام الظاهري والباطني، ولكن عندهم نقص، نحن كلنا مقصرون ولذلك هذه دعوة حقيقة للالتزام بالإسلام ظاهراً وباطناً.ولسنا من الذين ينخدعون بالظاهر، ولا بالذين يقومون الناس على الظاهر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً وعنده رجل، فمر رجلٌ فقال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي عنده: (ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجلٌ من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجلٌ آخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للجالس عنده: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجلٌ من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا) هذا الضعيف المستضعف خيرٌ من ملأ الأرض من أمثال هذا الذي تقول عنه: إنه من أشراف الناس.ولما كانت امرأة من بني إسرائيل ترضع صبياً لها، أقبل رجلٌ ذو شارة حسنة وهيئة وفخامة ولباس وحشم، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الصبي الثدي، وأقبل وقال: اللهم لا تجعلني مثله، أنطقه الله في المهد، ونحن اليوم في خضم هذه الجاهلية التي يتعارك فيها ومعها؛ فإننا نحتاج إلى شخصيات إسلامية قوية ذات إيمان وإخلاص ذات علم وعمل: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66] نحتاج إلى أناسٍ يتمسكون بالدين ظاهراً وباطناً.. نحتاج إلى أناس لا يلعبون بالدين، وإنما يكونون صادقين مع الله سبحانه وتعالى في تمسكهم به، وقلنا أن الناس اليوم قد اهتموا بالمظاهر السيئة، وبعضهم عنده مظاهر طيبة وبواطن سيئة، ولكن الأكثرية -كما قلنا- بعيدون عن شرع الله.. يلعبون بهذا الدين لعباً، وهؤلاء هم الذين ذمهم الله سبحانه وتعالى، فقال: أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف:98] ... مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء:2] ... فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ [الطور:11-12]، والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ * وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [المائدة:57-58].. وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الأنعام:70].هذه النوعية التي تلعب بالدين ابتداءً من العقيدة:ولا تك مرجياً لعوباً بدينه ألا إنما المرجي بالدين يمزح وقل إنما الإيمان قولٌ ونيةٌ وفعل على قول النبي مصرح فهذا الإيمان قول وعمل واعتقاد، والذين يقولون: إن الإيمان بالقلب فقط هم أناسٌ يلعبون بالدين، ويتخذونه لعباً ولهواً، هؤلاء الذين يتحايلون على شرع الله قد عرفناهم، وقد جاءت تصريحاتهم موافقة لما في قلوبهم من الاستهزاء بالدين.. هؤلاء الذين سموا الربا فوائد وعوائد استثمار، والذي سموا الخمر مشروبات روحية، والذين سموا الرقص والموسيقى والغناء والتماثيل فن، والذين سموا الرشوة أتعاب، هؤلاء الذين يلعبون بالدين قد عرفناهم، وميزناهم جيداً في الواقع، هؤلاء الذين يتتبعون الرخص ويضربون كلام العلماء بعضه ببعض، هؤلاء يلعبون بالنار، الذين يفتون في المجالس في الأهواء ويتكلمون في الدين يخبطون بغير علم، كما قال الأول: ما قال ربك ويلٌ للأُلى سكروا وإنما قال ويل للمصلين قد عرفنا الذين يقولون: لِمَ يأخذ رجل أربعة نسوة ولا تأخذ المرأة إلا واحد؟ فلماذا لا تأخذ المرأة أكثر من رجل؟ قد عرفنا هؤلاء.أيها الإخوة! نريد أن نلقي الضوء على عقيدتنا وتصرفاتنا نحن؛ نحن الذين نرى أننا نريد الصراط المستقيم والهداية، نسعى للتمسك بهذا الدين.. نريد أن نرى أنفسنا على ضوء الشريعة، الشريعة أمرتنا بأي شيء؟ هل أمرتنا بجزء من الإسلام أو أمرتنا بالإسلام كله؟ هل قالت: أسلموا في وقت الرخاء، ثم تراجعوا في وقت الشدة؟ بماذا طالبتنا الشريعة؟ ما هو المنهج والموقف من هذه الشريعة؟ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:208-209].. ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] كلكم ادخلوا في الإسلام أو ادخلوا أنتم جميعاً في شعائر الإسلام كلها، لا تتركوا شعيرة إلا وطبقتوها بما تستطيعون: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف:170] فالله عز وجل قال: يُمسِّكون بالكتاب، فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك، هذا الفرق بين يمسِكون بالكتاب ويمسِّكون بالكتاب، إنها صيغة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة، وهذه الصورة هي التي يريد الله منا أن نأخذ بها كتابه، ونحن نعلم كما علمنا الله ورسوله أن الجد والقوة في أخذ الدين شيء والتعنت والتنطع والغلو والتطرف هو شيء آخر، ولذلك نحن نعلم جيداً الذين يوجهون إلينا سهام التطرف والتنطع بلفظة الأصولية اليوم، نعرفهم ونميزهم ونعرف معنى التمسك بالدين على وجهه صحيح. إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر، لكنها تنافي التميع.. إنها لا تنافي سعة الأفق، لكنها تنافي الاستهتار.. لا تنافي مراعاة الواقع، لكنها تنافي أن يكون الواقع هو الحكم على الشريعة، لأن الدين يقول: إن الشريعة هي الحكم على الواقع، وليس العكس.والله سبحانه وتعالى علمنا ونبهنا إلى أن كتابه الكريم هذا قولٌ فصل وما هو بالهزل، بل هو حقٌ وجد، ليس فيه سائبة هزلٍ بل كله جدٌ محض، هو فاصل بين الحق والباطل قد بلغ الغاية في ذلك، فليس بالهزل ولم ينـزل باللعب، ويجب أن يكون مهيباً في الصدور: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:63] خذوا ما ألزمناكم من الفرائض والشرائع من أحكام كتابه.. اعملوا باجتهادٍ في أداء ما افترضنا عليكم من غير تقصيرٍ أو توانٍ، لا تتخاذلوا ولا تتهاونوا ولا تتراجعوا في الميثاق كما نقض بعض الناس ميثاقهم وعهدهم مع الله، قال الله لنبيه: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ [الزخرف:43-44] ستسألون عن هذا المنهج والدين وعن هذه الشريعة.. اثبت يا محمد -صلى الله عليه وسلم- على ما أنت عليه، وسر في هذا الطريق لا تحزن ولا تعبأ بالمنافقين والذين يريدون أن يصدوك عن سبيل الله.إذاً: الذين يتنازلون عن شيءٍ من الدين من أجل متاع دنيوي أو فتنة بسيطة تعرضوا لها، هؤلاء ما دخلوا الدين أصلاً كما ينبغي.إن شريعة الله أغلى وأبقى من أن يضَّحى بجزءٍ منها مقابل متاع دنيوي، وقد حذَّرنا الله تحذيراً شديداً لما قال لنبيه: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:49]، فإذاً يجب أن نأخذ الإسلام كله وأن نطبق الشريعة كلها، والله سمى الذين يتركون شيئاً من الدين أنهم أصحاب فتنة: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:49] سماها الله فتنة يجب أن تحذر وينتبه لها.والإسلام ليس مظهراً فقط مع أن المظهر من الإسلام، قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177] ليست القضية قضية توجه إلى جهة معينة فقط في الظاهر لكنها قضية صحوة في القلب أيضاً: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37] والذين يظنون أن هناك مسلكاً وسطاً بين الشريعة والواقع، وأنه يمكن أن يجمعوا بين الشريعة والواقع المنحرف، ويأخذوا من الشريعة أشياء ومن الواقع أشياء، ويظنون أن هذا من الحكمة هؤلاء حذرنا الله منهم، فقال الله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً [النساء:150-151].
 

هل نحن مستقيمون على الشريعة؟
أيها الإخوة! نحن نريد أن نعرف جيداً ما مدى التزامنا وتمسكنا بهذا الدين، وهل نحن صادقون فعلاً فيما نزعمه من أننا مستقيمون على الشريعة وأننا متدينون، السؤال الكبير: هل نحن متدينون حقاً؟ السؤال المطروح: هل نحن فعلاً في أنفسنا مستمسكون بالكتاب؟ هل نحن قد أخذنا الكتاب بقوة كما أمرنا الله فقال: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ [البقرة:63] ... خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا [البقرة:93] وكما قال الله آمراً موسى: فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ [الأعراف:145]، وقال عن يحيى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12] أم أننا نحن عندنا تلاعب وعندنا قصورٌ كبير؟ ما مدى حرصنا على الاستقامة؟ هل استقامتنا كاملة أم أن عندنا نقص في الاستقامة؟مرض نقص الاستقامة أسوء من مرض نقص المناعة، فإن الأشياء الجسدية ابتلاء، أما الأشياء التي تكون في الدين؛ فإن مصيبة الدين لا تعدلها مصيبة، ولذلك إذا ألقينا الضوء الآن على الواقع الموجود وعلى هذه النوعيات الموجودة من الذين يقولون آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم من جهة وقد عرفنا صفاتهم، ونريد أن نلقي الضوء أيضاً على هذه الفئة التي تقول باستقامتها على الشريعة، والذي يقول لنفسه: قد تدينت والتزمت واستقمت، نريد أن نناقش أنفسنا ونقدم كشف حساب.إن نظرةً في الواقع وفي النفس لتوحي بأن هناك تقصيراً كبيراً للغاية، وأن هناك مرضاً يستشري وهو مرض نقص الاستقامة.
 

صور مرض نقص الاستقامة
مرض نقص الاستقامة له عدة صور في الواقع:- مرض نقص الاستقامة الذي أودى بالإيمان في وادٍ سحيق.- مرض نقص الاستقامة الذي شوه صورة الإسلام وشوه جمال الإسلام في أعين الناظرين إلى بعض الذين يزعمون التدين.- مرض نقص الاستقامة الذي سبب الانتكاس حقيقة، والارتداد على الأعقاب، والنكوص على الأدبار.- مرض نقص الاستقامة الذي أوجد عناصر مشوهة تزعم الانتساب إلى الدين، وليس عندها منه إلا النـزر اليسير.- مرض نقص الاستقامة الذي جعل بعض الناس يقولون: نحن نلتزم بالإسلام إلى حدٍ معين لأنه لا طاقة لنا بأخذ الدين كله، والذين يقولون: ما عندنا استعداد لتقديم التضحيات.
 مظاهر أخرى مخالفة للاستقامة
ينبغي أن تكون استقامتنا على الدين استقامة صحيحة كاملة واعية، أن نمسك بهذا الدين فعلاً، لا نترك إلقاء السلام على الناس بحجة أنهم غير متمسكين، وأن عندهم نوعاً من الفسق؛ بل أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وابتسامتك في وجه أخيك صدقة، دع الغيبة التي تكون بخلاف النصيحة، ودع التظاهر بالانشغال وليس عندك شيء لتبدي نفسك شخصاً مهماً، واترك الضعف والوهن، ودافع عن عرض أخيك المسلم، أليس من السوء كل السوء أن كافراً يستهزئ بمسلم مثلاً وتضحك أنت مشاركةً لهذا الكافر؟ أليس من الخلل في الاستقامة أن يكون عندنا السرعة في الحكم على الآخرين وانطلاقه من الهوى والعاطفة؟ أليس بخلاف الاستقامة أن نحكم بالنيات بالفساد ولا يعلم النيات إلا الله، ولم يظهر لنا هذا الرجل شيء؟ وينبغي أن نحمل أمر أخينا المسلم على أحسنه، أليس مما ينافي الاستقامة إهدار الأموال العامة من المياه والكهرباء وغيرها ولو كنت أنت لا تدفع الفواتير؟ أليست هذه ملك لبيت مال المسلمين في الأصل وإن فرط فيها من فرط وضيع فيها من ضيع، فهل أنت تشارك المفرطين والمضيعين؟ أليس مما ينافي الاستقامة أن نتشدد مع من تحتنا من الناس بشيء لا تأمر به الشريعة بحجة الحزم في العمل، وننفر الناس من أهل الدين مع أن المسألة لا تساوي كل هذا الأمر من الحملة والعقاب؟ أليس مما ينافي الاستقامة أن يتأخر الإنسان من عمله ويخرج قبل الوقت ويتكلم مع بقية زملائه، والمراجعون يقفون في الطوابير، فيترك العمل ويعطل العالم؟
محاسبة النفس وتقويمها
أيها الإخوة: إن الكلام في هذا الموضوع يطول ويطول، والمظاهر المخالفة للاستقامة سواءً كانت مخالفة لكمال الواجب أو لكمال المستحب كثيرة، وأعود فأقول: نحن نحتاج أن نحاسب أنفسنا وننظر في أمرنا ونسأل الله سبحانه وتعالى السداد.أيها الإخوة: إن العمر قصير، وإننا مقبلون على يومٍ لا بد منه: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281].إننا نحتاج أن نقوم أنفسنا فعلاً على ضوء هذه الشريعة، وأن نكون عباداً ناصحين مخلصين مستقيمين، لا نريد أن نكون أصحاب مظاهر، ولا نعمل ليقال: إننا عملنا كذا، وإنما نربي أنفسنا ونستقيم على الدين وعلى الشريعة.ينبغي أن نكون دعاةً بأفعالنا قبل أن نكون دعاة بأقوالنا، لا بد أن تزول هذه الغثائية الموجودة في عالم الصحوة.. لماذا تأخر النصر؟ لماذا استمرأ الأعداء؟ لماذا طال ليلنا؟ السبب من أنفسنا نحن، فإذا كنا نريد أن نكون صادقين مع الله وصادقين في اتباع الشريعة؛ فلا بد أن نقوم بتنـزيه أنفسنا من هذه النقائص والعيوب.أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وأن يتوب علينا أجمعين، وأن يرزقنا حسن الخاتمة، إنه سميع مجيبٌ كريم.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
 مظاهر أخرى مخالفة للاستقامة
ينبغي أن تكون استقامتنا على الدين استقامة صحيحة كاملة واعية، أن نمسك بهذا الدين فعلاً، لا نترك إلقاء السلام على الناس بحجة أنهم غير متمسكين، وأن عندهم نوعاً من الفسق؛ بل أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وابتسامتك في وجه أخيك صدقة، دع الغيبة التي تكون بخلاف النصيحة، ودع التظاهر بالانشغال وليس عندك شيء لتبدي نفسك شخصاً مهماً، واترك الضعف والوهن، ودافع عن عرض أخيك المسلم، أليس من السوء كل السوء أن كافراً يستهزئ بمسلم مثلاً وتضحك أنت مشاركةً لهذا الكافر؟ أليس من الخلل في الاستقامة أن يكون عندنا السرعة في الحكم على الآخرين وانطلاقه من الهوى والعاطفة؟ أليس بخلاف الاستقامة أن نحكم بالنيات بالفساد ولا يعلم النيات إلا الله، ولم يظهر لنا هذا الرجل شيء؟ وينبغي أن نحمل أمر أخينا المسلم على أحسنه، أليس مما ينافي الاستقامة إهدار الأموال العامة من المياه والكهرباء وغيرها ولو كنت أنت لا تدفع الفواتير؟ أليست هذه ملك لبيت مال المسلمين في الأصل وإن فرط فيها من فرط وضيع فيها من ضيع، فهل أنت تشارك المفرطين والمضيعين؟ أليس مما ينافي الاستقامة أن نتشدد مع من تحتنا من الناس بشيء لا تأمر به الشريعة بحجة الحزم في العمل، وننفر الناس من أهل الدين مع أن المسألة لا تساوي كل هذا الأمر من الحملة والعقاب؟ أليس مما ينافي الاستقامة أن يتأخر الإنسان من عمله ويخرج قبل الوقت ويتكلم مع بقية زملائه، والمراجعون يقفون في الطوابير، فيترك العمل ويعطل العالم؟

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مظاهر نقص الاستقامة للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net