اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حديث علي وفاطمة رضي الله عنهما في الذكر قبل النوم للشيخ : محمد المنجد


حديث علي وفاطمة رضي الله عنهما في الذكر قبل النوم - (للشيخ : محمد المنجد)
ورد في السنة كثير من الأحاديث التي فيها بيان لأذكار النوم والحث على المداومة عليها، ومن هذه الأحاديث حديث علي وفاطمة رضي الله عنهما، وهذا الحديث هو عنوان هذا الدرس، وقد شرحه الشيخ ذاكراً الروايات المختلفة التي وردت في الحديث، وقام باستنباط كثيراً من الفوائد منه.
شرح حديث علي وفاطمة
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.وبعد:فحديثنا في هذه الليلة -أيها الإخوة- في سلسلة الرقائق، وهو حديث علي رضي الله عنه: (أن فاطمة عليها السلام شكت ما تلقى في يدها من الرحى فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً، فلم تجده فذكرت ذلك لـعائشة فلما جاء أخبرته قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت أقوم فقال: مكانك، فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: ألا أدلكم على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما فكبرا أربعاً وثلاثين، وسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين فهذا خير لكما من خادم). وهذا الحديث رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في ثلاثة مواضع من كتابه الصحيح أو في أربعة.والقصة يقول فيها علي رضي الله عنه: إن فاطمة شكت ما تلقى في يدها من الرحى، والرحى: هو آلة الطحن التي كان يطحن بها، وأرته أثراً في يدها من الرحى، واشتكت فاطمة رضي الله عنها مجل يدها، والمجل: هو التقطيع الذي يحصل لليد نتيجة العمل، وهو غلظ اليد الذي يحدث عند مباشرة الأعمال، فكل من عمل عملاً بكفه تجد فيه تقطيعاً إذا كان يمارس العمل بكفه دائماً، فيقول علي رضي الله عنه -وهو الزوج المشفق على زوجته ولاشك أن النبي عليه الصلاة والسلام عرف من ينتقي لابنته- يقول علي رضي الله عنه، قلت لـفاطمة : لو أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته خادماً فقد أجهدك الطحن والعمل، وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوجه فاطمة ، قال علي لـفاطمة ذات يوم: [والله لقد سنوت حتى اشتكيت ظهري، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي] ومعنى سنوت: يعني: عملت مكان السانية، والسانية: هي الناقة التي تسحب الماء من البرك فيقول علي رضي الله عنه: من الحاجة عملت عمل الناقة في سحب المياه من الآبار بالدلاء لأجل الأجرة، فقالت فاطمة: [وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي] فهذه فاطمة رضي الله عنها جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في عنقها، وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها كما جاء في رواية أبي داود لهذا الحديث.وفي رواية: وخبزت حتى تغير وجهها؛ لأن الخباز مع لفح نار الفرن يتغير لون وجهه كل ذلك حصل لـفاطمة رضي الله عنها، فاقترح عليها علي رضي الله عنه أن تذهب إلى أبيها تطلب خادماً، حيث إن علياً لم يستطع أن يوفر لها خادماً، وسمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه سبي فاقترح عليها أن تطلب جارية تخدمها من أبيها من هذا السبي الذي جاء، فقال لها: [لقد جاء أباك سبي فاذهبي إليه فاستخدميه -الألف والسين والتاء تجيب الطلب- أطلبي خادماً وجارية تخدمكِ، فذهبت فاطمة رضي الله عنها إلى أبيها محمد صلى الله عليه وسلم فلم تجده، ووجدت جماعة يتحدثون فاستحيت ورجعت] وفي رواية: (فذكرت ذلك لـعائشة فلما جاء أخبرته عائشة أن ابنتك فاطمة جاءت تسأل عنك).وفي رواية مسلم : (حتى أتت منزل النبي صلى الله عليه وسلم فلم توافقه فذكرت ذلك له أم سلمة بعد أن رجعت فاطمة) فهذا معناه أن فاطمة رضي الله عنها ذهبت تبحث عنه في بيتين، ذهبت إلى حجرة عائشة وذهبت إلى أم سلمة تبحث عن أبيها لتسأله خادماً، وجاء في رواية: أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما جاء بك يا بنية؟ فقالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت) يقول علي رضي الله عنه: [ما فعلت؟ قالت: استحييت] ما استطعت أن أطلب، فلعلها رضي الله عنها ذهبت أولاً للبحث عن أبيها فلم تجده، ثم جاءت مرة ثانية فوجدته لكن استحيت أن تطلب، ثم بعد ذلك تشجعت فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته الخادم، فقال: (ألا أخبرك ما هو خير لك؟) وفي رواية: قال علي رضي الله عنه لزوجته: (أن تنطلق معه فانطلقت معه فسألاه فقال: ألا أدلكما ...) وجاء في هذا الحديث الذي قرأناه أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي جاءهما وقد أخذا مضجعهما فقال علي : (بأبي يا رسول الله! والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة : لقد طحنت حتى مجلت يداي -وقد جاءك الله بسبي وسعة فأعطنا خادماً من هذه السبي- فقال عليه الصلاة والسلام: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم) يقول: كيف أعطيك وهذا السبي الذي جاءنا نبيعه ونأخذ ثمنه وننفقه على أهل الصفة الفقراء الذين كانوا يأوون إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، أهل الصفة ليس عندهم أهل ولا مال ولا بيوت، وإنما كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يلازمونه على شبع بطونهم.وجاء في رواية قال: (فأتانا وعلينا قطيفة إذا لبسناها طولاً خرجت منا جنوبنا وإذا لبسناها عرضاً خرجت منها رءوسنا وأقدامنا، ولما دخل عليه الصلاة والسلام قالت: فذهبت أقوم -وفي رواية: فذهبنا نقوم- فقال صلى الله عليه وسلم: مكانك أو مكانكما -أي: الزما مكانكما لا تقوما- فجلس بيننا صلى الله عليه وسلم فقال: إني أخبرت أنك جئت تطلبين، فما حاجتك؟ قالت: بلغني أنه قدم عليك خدم فأحببت أن تعطيني خادماً يكفيني العجن والخبز، فإنه قد شق علي، قال: فما جئت تطلبين أحب إليك أو ما هو خير منه؟ قال علي: فغمزتها، فقلت: قولي ما هو خير منه أحب إلي، فقالت ذلك، فقال: فإذا كنتما على مثل حالكم اليوم الذي أنتما عليه .. ثم ذكر التسبيح) وفي رواية: (أنه لما دخل عليها أدخلت رأسها في اللفاع حياء من أبيها) ويحمل هذا أنها فعلت ذلك أولاً فلما تآنست به رفعت وجهها إليه وكلمته.وفي بعض الروايات: قال: (ما كان حاجتك أمس؟ فسكتت، مرتين، فقال علي : أنا والله أحدثك يا رسول الله! فذكرته له) فهذا يحمل على أنه سأل فاستحيت أولاً فكلمه علي ثم لما زال الخجل تكلمت هي وأنشطها للكلام زوجها فتكلمت وطلبت.وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم أتاهما فقال: (ما الذي أتى بكما، قال علي : شق علينا العمل، فقال: ألا أدلكما ....) وذكر الحديث، وفي رواية: قال: (ما جاء بك يا بنية؟ قالت: جئت أسلم عليك واستحيت حتى إذا كانت القابلة، قال: ائت أباكِ وذكر مثلها، حتى إذا كانت الليلة الثالثة قال لها علي رضي الله عنه: امشي فخرجا معاً).فهذه الأحاديث وهذه الروايات تدل على أنه ربما حصل ذلك بإتيانهما ثم بإتيانه إليهما، المهم أنه عليه الصلاة والسلام، قال: (ألا أدلكما على ما هو خيرٌ لكما من خادم -خير مما سألتماني-؟ قالا: بلى. فقال: كلمات علمنيهن جبريل، إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما من الليل تسبحان ....) فذكر لهما التسبيح ثلاثاً وثلاثين والتحميد ثلاثاً وثلاثين والتكبير أربعاً وثلاثين، قال: (فتلك مائة باللسان وألف في الميزان) أي أن الأجر عند الله الحسنة بعشرة أمثالها، وفي رواية: (فأمرنا عند منامنا بثلاثٍ وثلاثين وثلاثٍ وثلاثين وأربعٍ وثلاثين من تسبيحٍ وتحميدٍ وتكبير) سبحان الله ثلاثاً وثلاثين قبل النوم، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين مرة يقول ذلك.
 

الخوارج وقتال علي لهم
هذه هي الوصية أي: أن الذكر أنفع من الخادمة، وأفضل.علي رضي الله عنه حافظ على هذا الذكر ولم يتركه أبداً، جاء في رواية أن علياً رضي الله عنه قال: [فما تركتها بعد، فقالوا له: ولا ليلة صفين ؟ قال: ولا ليلة صفين] وهذا الرجل الذي قال له ذلك جاء في رواية: أنه: ابن الكواء يقول لـعلي رضي الله عنه: ولا ليلة صفين؟ فقال: [قاتلكم الله يا أهل العراق ! نعم ولا ليلة صفين.] عبد الله بن الكواء من أصحاب علي رضي الله عنه لكنه كان متعنتاً في السؤال، وقد ابتلي علي رضي الله عنه بأشخاص ما شفوا غليله ولا صبروا معه، ولا حققوا ما يريد، كان يريد أن يقر الأمر وتستقر الخلافة، ولكنهم ما شفوا غليله ولذلك قال في نهاية حياته: [اللهم مللتهم وملوني فاقبضني إليك].لم يكن مع علي من الرجال مثلما كان مع أبي بكر وعمر ، ولذلك لم يكن الأمر مستتباً له، فكان ابن الكواء نموذجاً ممن كان مع علي رضي الله عنه، وكان معه أفاضل وعلماء وصحابة ولا شك؛ لكن ابتلي -أيضاً- بأشخاص فيهم ما فيهم منهم عبد الله بن الكواء لما حدثهم علي بالقصة، قال: [فما تركت بعد فجاء عبد الله بن الكواء يقول: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين، ويحك! ما أكثر ما تعنتني لقد أدركتها من السحر]. وفي رواية: [فإني ذكرتها من آخر الليل فقلتها] وفي رواية: [إلا ليلة صفين فإني أنسيتها حتى ذكرتها من آخر الليل فقلتها] فهذا يدل على لزومه للذكر رضي الله عنه وأنه حتى ليلة صفين وهي المعركة التي جرت بين علي رضي الله عنه وأهل الشام، حتى أنهم اقتتلوا مقتلة عظيمة وأقاموا بـصفين عدة أشهر وكانت المعركة عبارة عن وقعات كثيرة؛ لكنهم ما قاتلوا في الليل إلا مرة وهي ليلة الهرير، سميت بذلك لكثرة ما كان الفرسان يهرون فيها، وقتل من الفريقين في تلك الليلة عدة آلاف.وقد أوشك علي رضي الله عنه على النصر حتى رفع أهل الشام المصاحف وطالبوا بتحكيم القرآن، وحدث بعد ذلك توقف المعركة، وكانت سنة سبع وثلاثين وخرج الخوارج عقب التحكيم في أول سنة ثمانية وثلاثين، وقتلهم علي رضي الله عنه في النهروان وحاول علي رضي الله أن يحسم الأمر لكنه لم يتهيأ له ذلك، ولم يكتب الله عز وجل له ذلك، وكان الخوارج هم السبب في عدم حسم الأمر حيث انقلبوا عليه، وقالوا: حكم الرجال في كتاب الله، وأرسل علي رضي الله عنه ابن عباس فناقشهم وناظرهم ورجع من الإثنا عشر ألفاً ثمانية آلاف وهؤلاء كان عندهم سرعة في الرجوع وسرعة في الرد، وهؤلاء الذين قاتلهم علي رضي الله عنه في سنة ثمانية وثلاثين للهجرة بـالنهروان كان منهم ذو الثدية الذي كان مقطوع اليد، في عضده مثل حلمة ثدي المرأة أسود، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام علياً أنه سيقاتل الخوارج وأنه سيقتلهم، وأن آيتهم ذو الثدية هذا، ولذلك فإن علياً رضي الله عنه بعد المعركة طلب البحث عن ذي الثدية فلم يوجد، فأمر بالبحث فلم يوجد، ثم حلف أنه يوجد، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كذب، فبحثوا عنه بين القتلى حتى وجودوه فخر علي رضي الله عنه ساجداً لله شكراً.وكان هؤلاء قد أفسدوا في الأرض حتى أنهم خرجوا على علي رضي الله عنه وعلى المسلمين يكفرون مرتكب الجريمة، حتى كفروا علياً ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة حتى أنه اجتمع ثلاثة منهم قبل عام أربعين للهجرة في موسم الحج، قالوا: ما هي سبب مشكلات المسلمين؟ فخرجوا من الاجتماع بأن سبب مشكلات المسلمين ثلاثة: علي ومعاوية وعمرو بن العاص ، فما هو الحل؟! قالوا: نقتلهم ونريح المسلمين من شرهم، فتفرقوا في البلدان على أساس أن واحداً منهم يغتال علياً ، وآخر يغتال معاوية وآخر يغتال عمرو بن العاص ، فأما معاوية رضي الله عنه فقد طعن فاكتوى منها فبرأ، وعمرولم يصل في تلك الصلاة إماماً صلى غيره فطعن غيره، وأما علي رضي الله عنه فإنه خرج عليه عبد الرحمن بن ملجم بسيف ظل يسقيه السم شهراً، فخرج عليه في الظلام واختبأ له فخرج عليه فضربه على جبهته بهذا السيف المسمم وسال الدم من جبهته على لحيته فتذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أشقى الناس عاقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه حتى يبل منها هذه) يعني: لحيه رضي الله تعالى عنه، وقتل أشقى الناس خير الناس في ذلك الوقت وهو علي رضي الله عنه، وبعد ذلك حمل علي ثم توفي فيما نحسبه شهادة له رضي الله عنه وذهب إلى ربه.ومن ضلال الخوارج أن عبد الرحمن بن ملجم لما أخذوه فربطوه قطعوا يديه فلم يتكلم، ورجليه كذلك، فلما أرادوا أن يقطعوا لسانه كما جاء في بعض الروايات صرخ، فقالوا: مالك؟ قال: لساني أذكر به الله، وهو الذي قتل خير الناس في ذلك الوقت علياً رضي الله عنه.فهؤلاء خرجوا على المسلمين فكفروا المسلمين، فكل من ليس معهم فهو كافر وقتلوا خير المسلمين، وذهبوا إلى أحد المسلمين وكان معتزلاً الفتنة ومعه مصحف يقرأ به، وعنده وليدة حامل، فأخذوه وأخذوا المصحف منه وقتلوه وذبحوه وأراقوا دمه في النهر، وأخذوا الوليدة وبقروا بطنها وأخذوا الجنين الذي في بطنها وقتلوه، ثم مشوا إلى بستان كتابي نصراني فأراد بعضهم أن يأخذ منه تمراً، فقال بعضهم لبعض: لا. هؤلاء أهل كتاب أوصانا بهم النبي صلى الله عليه وسلم خيراً، ولا يجوز أن تأخذه إلا بحقه، فجاءوا إلى صاحب البستان يفاوضونه، فقال: واعجبا لكم تقتلون صاحبكم المسلم ثم تأتون تفاوضونني على التمر؟حتى هذا النصراني تعجب من صنيعهم، فهؤلاء بقية الخوارج الذين كان أحدهم قد قتل علياً رضي الله عنه، وكان علي رضي الله عنه قد قتل معظمهم وأراح المسلمين من شرهم، ولكن بقيت منهم بقية ثم بعد ذلك تفرقوا في البلدان تسعة منهم: عبد الله بن إباظ التي تنسب إليه فرقة الأباظية ويقولون: هؤلاء من مكفري مرتكب الكبيرة، وتطوروا بعد ذلك فأنكروا رؤية الله في الجنة وقالوا: إن القرآن مخلوق، وقد أخذوا من المعتزلة خلق القرآن وهكذا عندهم بدع في الدين، ولازالوا هكذا إلى الآن.المهم أن علياً رضي الله عنه مع شدة وهول المعركة لم ينس هذا الذكر تلك الليلة مع أن المعركة تنسي كل شيء لكنه ما نسي أن يقوله وتذكر قبل الفجر وقال به، فهذا الذكر العظيم يدل على أن ذكر الله عز وجل يقوي البدن كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله، فأن رسول الله لما علم فاطمة قال: إنه خيرٌ من خادم، معناها أن ذكر الله عز وجل يقوي الأبدان.وكذلك فإنه صلى الله عليه وسلم قد اختار لابنته أن تبقى على حالها ولم يعطها ذاك الخادم، وإنما أعطاها بديلاً وهو ذكر الله.وكذلك فإنه اختار لابنته ما أحب لنفسه من إيثار التحمل والصبر على الشدة والقلة، تعظيماً لأجرها، وقد كان يستطيع أن يعطيها من الذهب ما شاء، ولكنه اختار لها ما اختار لنفسه، واختار لها ما هو أكثر نفعاً لها في الآخرة، وآثر أهل الصفة لأنهم فقراء قد وهبوا أنفسهم لسماع العلم وضبط السنة على شبع بطونهم منهم: أبو هريرة رضي الله عنه من زهران يرجع نسبه إليه، هذا الذي وقف نفسه على العلم على شبع بطنه فقط، ومع ذلك كان لا يجد في كثير من الأحيان ما يشبع به بطنه، فأهل الصفة وقفوا أنفسهم للعلم والجهاد يخرجون في جيوش المسلمين لا همَّ لهم إلا العلم والجهاد، اشتروا أنفسهم من الله بالقوت، وأخذ العلماء من الحديث تقديم نفقة طلبة العلم على غيرهم، لأنه أنفق عليهم.
 

زهد السلف رضي الله عنهم
وكان بـالسلف الصالح من شغف العيش وقلة ذات اليد وشدة الحال، وأن الله حماهم من الدنيا مع إمكان أن تحصل لهم الدنيا صيانة لهم من تبعاتها؛ لأن يوم القيامة فيه وقوف للسؤال عن كل درهم من أين اكتسبته وفيما أنفقته؟ ولذلك فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، ويوقفون في الحساب فيقولون: على أي شيء نحاسب وإنما كانت سيوفنا على عواتقنا في سبيل الله؟ أي: كل الذي كان عندنا هي سيوفنا على عواتقنا نجاهد في سبيل الله، ولذلك يقال لهم: ادخلوا الجنة، فيدخلون قبل الأغنياء بخمسمائة عام وأصحاب الجد -الغنى- محبوسين، ولكن هذا الحبس لا يشترط أن يكون عذاباً، فإذا كان أهل الغنى قد أنفقوا في سبيل الله وصرفوه فيما يرضي الله فإنه يكون لهم زيادة في الحسنات، وقد ترتفع مراتبهم في الجنة فوق الفقراء بعد ما يدخلون، لكن الدخول أولاً للفقراء، ثم أهل الغنى إذا بذلوه في طاعة الله يدخلون متأخرين؛ لكن ربما تكون مرتبة بعضهم فوق مرتبة الفقراء من أجل الصدقات التي تصدقوا بها.
 

من فوائد حديث علي وفاطمة
وفي هذا الحديث أن الإنسان يحمل أهله على ما يحمل عليه نفسه من إيثار الآخرة على الدنيا إذا كانت له القدرة على ذلك، لأن بعض النساء قد لا تكون لها القدرة، فربما لو أنه أراد أن يحملها على شيء من الشدة طلبت الطلاق وخرجت من البيت وتركت له البيت والأولاد، وكثير من النساء بفعل ما في المجتمع من الانحرافات والترف ترسخ في ذهنها قضية البحث عن الماديات (طلب الخدم) وأنها ربما لا تعمل شيئاً وتلقي بكل شيء على الخدم، وتتفرغ هي لذهابها خارج البيت ومشاويرها وسهراتها، والنبي صلى الله عليه وسلم لما أوصى بذات الدين لأجل أنها تحرص على الدين وتقيم له الوزن العظيم، ولذلك فإن الإنسان لابد أن يكون حكيماً، قد يجد أحياناً في نفسه شيئاً من الزهد لكن أهله لا يطيقون، لكن إذا كانوا يطيقون حملهم معه على الزهد. كذلك استدلوا بالحديث على جواز دخول الرجل على ابنته وزوجها بغير استئذان، لكن هذا فيه نظر؛ لأنه جاء في بعض طرق الحديث أنه استأذن.وكذلك في هذا الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم معصوم فلا يقاس على غيره من غير المعصومين، كما إذا جاء ودخل وجلس بينهما، ثم إن هذا الحديث فيه إظهار الشفقة على البنت والصهر، فإنه أتاهما في بيتهما وجلس بينهما، وقال: ألا أعلمكما؟ فيؤخذ منه أن على الإنسان أن يبر بصهره، فلو قال أحدهم: زوج البنت ليس من الأرحام، لقلنا: نعم. ليس من الأرحام لأن الرحم قرابة الرجل من جهة أبيه وأمه، لكن كونه ليس من الرحم لا يعني أنه لا يبر ولا يحسن إليه، فإن الأصهار لهم -أيضاً- معاملة حسنة في الإسلام، فمن ذلك هذا الحديث.ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم جاء مرة المسجد فوجد علياً رضي الله عنه مضطجعاً على التراب فجعل ينفض عنه التراب وقال له: (قم يا أبا تراب ) يداعبه، فصار علي رضي الله عنه لا يحب إلا هذه الكنية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كناه بها لما لاصق التراب، وكان قد خرج من البيت عندما حصل بينه وبين فاطمة رضي الله عنهما شيء، فخرج إلى المسجد فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إليه ليطيب خاطره. وكذلك: فإن مواقف النبي عليه الصلاة والسلام مع علي وفاطمة متعددة تدل على أنه كان يبر بصهره كما يبر بابنته صلى الله عليه وسلم، وعلى أن الإنسان إذا كان عنده زوج بنت أو زوج أخت أن عليه أن يصلح من شأنهما وألا يقول: ليس لي دخل فيهما ولا في حياتهما، بل إنه كلما استطاع أن يحسن العلاقة ويدخل السرور، وأن يسعى في دوام الألفة، ويزيل سوء التفاهم، وأن عليه أن يفعل ذلك وهو من الواجبات. وكذلك في هذا الحديث: أن من واظب على هذا الذكر لم يصبه الإعياء، لأن فاطمة شكت التعب فأحالها النبي صلى الله عليه وسلم على هذا، أفاد هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ وهذا يدل على أن الذكر له أثر في تقوية البدن كما تقدم، فإذاً من فوائد الذكر أنه يقوي البدن كما أنه يقوي القلب، فهو يزيد النفس ثباتاً، والقلب طمأنينة، والإنسان رباطة جأش، كما أنه يقوي الجسد وهذا دليل على ذلك. وكذلك: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني بزيارة بنته في بيتها، ولا يقطعها بعد الزواج كما يفعل بعض الناس إذا تزوجت ابنته كأنما هو شر ألقاه عن عاتقه، ولا يسأل عنها ولا عن بيتها ولا عن حالها، فهذا تفقد منه صلى الله عليه وسلم.وكذلك في هذا الحديث: أن الإنسان يعطي الأوكد فالأوكد والأكثر استحقاقاً، وبعض الناس الآن إذا جاء يعطي الزكاة ربما حابى بها قريباً أو أعطى شخصاً ليس بفقير ذاك الفقر، مع وجود شخص مستحق وأشد حاجة وأفقر؛ لكن بالمحاباة يترك الأفقر والأحوج ويعطي الأقرب أو من له علاقة به ونحو ذلك، والرسول مع أنها ابنته وزوج ابنته لكن قدم الأوكد -الأفقر الأحوج- فمع أن هذه ابنته وزوجها لكن ما أعطاهما على حساب الأحوج، وإنما قدم الأحوج. وفي هذا الحديث كذلك: أنه إذا حصل ازدحام في الحقوق فإنه يؤثر صاحب الحق الأقوى، وفيه جواز أن تشتكي البنت لأبيها ما تلقاه من الشدة، ولم ينكر عليها أنها اشتكت، فلو اشتكت -مثلاً- تعب العمل في البيت، واشتكت من أذى أطفالها وأنها تلقى شدة في تربيتهم، أو أنهم يتمردون عليها أو أنهم يعاندون ونحو ذلك فإن لها أن تشتكي لأبيها، وأن الأب عليه أن يقوم بدور الناصح الموجه، وأن مسئوليته عن ابنته لم تنته بتزويجها، وإنما هي مستمرة في التسديد والإصلاح والنصيحة وتخفيف ما يصيب البنت من نتيجة أعباء الزواج؛ لأن البنت في بيت أبيها قد تكون مدللة، وقد يكون عندها من يخدمها، فإذا انتقلت إلى بيت رجل آخر صار حمل البيت عليها، وأيضاً بالإضافة إلى ذلك وخدمة الزوج الجديد وما يضاف من الحمل والوحام، وهو ما يصيب من الإرهاق والتعب، ثم الوضع والرضاعة مع الخدمة، البنت يختلف عليها الجو جداً، فعلى الأب أن يكون حكيماً في نصح ابنته في مواجهة الواقع الجديد بعد الزواج هذه مسألة مهمة, وكثير من البيوت تنجح بسبب مواصلة الأب فلا يقول الأب: أنا انتقيت لها الكفء وانتهت مسئوليتي، لا. يجب أن يواصل القيام بالمسئولية وأن يواصل الاعتناء بالبنت حتى بعد زواجها، وكثير من الأباء من خيرهم وبرهم أنهم لا زالوا يشرفون على بناتهم ويعتنون بهن حتى بعد الزواج بسنوات طويلة، وربما يكون هناك من أشرف على ابنته وجلب الطعام إليها في بيت زوجها، وخدمتها والاعتناء بأولادها، وهكذا لا تزال الرعاية مستمرة.والحديث فيه منقبة لـعلي رضي الله عنه من جهة منزلته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه دخل عنده وجلس بينه وبين زوجته، وأنه اختار له أمر الآخرة على أمر الدنيا وآثر ذلك له.وكذلك في هذا الحديث: أن هذه الكلمات التي تقال مائة مرة قبل النوم يشبهها كذلك ما يقال بعد الصلوات، فقد ورد في بعض كيفيات الأذكار التي بعد الصلوات مثل أذكار قبل النوم: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين، هذه كيفية صحيحة من كيفيات الأذكار بعد الصلاة، وكذلك وردت قبل النوم، وبعد الصلاة الكيفية المشهورة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاًوثلاثين، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.وفيه ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الشدة وأنهم احتملوا ذلك وخرجوا من الدنيا في نظافة، وأنهم لم يتقذروا بما فيها. وفيه -أيضاً- تسلية لكل من اشتدت حاله أن من هو أفضل منه لاقى ما هو أشد، فلعل أن يكون فيه درس له أيضاً على الصبر. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين يسيرون على خطاهم، ويتأثرون بسيرتهم ويعملون بها، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
 

الأسئلة

  الإحرام من الميقات عند قصد العمرة
السؤال: سافرت إلى جدة لهدفين: للعمل والعمرة، والهدف الأساسي هو العمل، فأحرمت من جدة وعملت العمرة؟الجواب: إذا كنت قاصداً العمرة سواءً كان هدفاً أول أو هدفاً ثانياً فلا بد أن تحرم من الميقات، وإذا لم تحرم من الميقات فإن عليك دم يذبح في مكة ويوزع على فقراء الحرم، وإذا كنت تقصد العمل فقط وتقول: إذا تهيأ لي وقت اعتمرت وإذا لم يتهيأ لي وقت رجعت من دون عمرة، فتحرم من حيث ما تهيأ لك، سواء جزمت بالعمرة من جدة أو من غيرها.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حديث علي وفاطمة رضي الله عنهما في الذكر قبل النوم للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net