اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الغيظ المكتوم بين الظالم والمظلوم [1] للشيخ : محمد المنجد


الغيظ المكتوم بين الظالم والمظلوم [1] - (للشيخ : محمد المنجد)
الظلم من شيم النفوس، وهو فساد في الأرض، وتعدٍ لحدود الله، وله صور ومجالات، وأشكال شتى تزل فيها الأقدام، ولذا يجب على كل مسلم أن يعرف الظلم ليتجنبه، وفي هذه المادة ذكر للظلم مع ذكر صور له مشهورة، فاقرأ لتعرف وتلزم.
تحريم الظلم وعاقبته الوخيمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]. أما بعد: فإن الظلم حرامٌ؛ حرمه الله تعالى على نفسه، وحرمه بين الخلق، فقال عز وجل في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرماً بينكم، فلا تظالموا) وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي؛ ألا فلا تظالموا).والظلم من طبيعة الإنسان، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72] وقال تعالى: إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]، فمن طبيعة الإنسان الظلم؛ يظلم في المجالات المختلفة، يظلم دائماً إلا من عصمه الله تعالى: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفةٍ فلعلة لا يظلمُ
 النبي صلى الله عليه وسلم والصالحون من أمته يتجنبون ما يمكن أن يؤدي إلى الظلم
ولأجل خطورة الظلم كان الصالحون يخشونه على أنفسهم، ويبتعد الكثير منهم عن القضاء؛ فرفض كثيرٌ من العلماء تولي القضاء خشية أن يظلم أحد الخصمين، فيبوء بالإثم والانتقام من الله تعالى، مع أنه ربما يكون مجتهداً مخطئاً، ولكن حتى لا يحيف أو يداخله الهوى.أعرض كثيرٌ من الصالحين والعلماء عن تولي القضاء لأجل خشية الظلم؛ لأنه يخاف أن يظلم، ويعلم ما هي عقوبة الظالم في الدنيا والآخرة.وعن أنسٍ قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم -ارتفعت الأسعار- فقالوا: يا رسول الله! سَعِّرْ لنا -افرض تسعيرةً للبضائع- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحدٌ منكم يطلبني بمظلمة في دمٍ ولا مال) رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.هذا النبي عليه الصلاة والسلام يرفض التسعير خشية أن يكون قد ظلم البائع الذي يجوز له أصلاً أن يبيع كيف يشاء وبالسعر الذي يريد، ولذلك رفض التسعير خشية أن يظلم الباعة، وقال لأصحابه وهو النبي عليه الصلاة والسلام: (وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحدٌ منكم يطلبني بمظلمة في دمٍ ولا مال).وأما التسعير فقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه إذا حصل احتكارٌ وظلمٌ، واجتمع الباعة على رفع الأسعار في الأشياء التي يحتاج إليها الناس كالأقوات، جاز التسعير عليهم لمنع ظلمهم، وأما في الأحوال العادية فلا تسعير؛ لأنه في الأصل منعٌ للبائع من حقه، فالنبي عليه الصلاة والسلام يرفض ذلك خوفاً من أن يلقى الله وفي عنقه مظلمة لأحد.
أنواع الظلم: بحسب من يقع عليه
والظلم -أيها المسلمون- على أنواعٍ ثلاثة:الأول: ظلم العبد لربه؛ كما قال تعالى: إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] يرزقهم ويعافيهم ثم يشركون به، ويجعلون له صاحبةً وولداً، أو يحلفون بغيره، أو يشركون الشرك الخفي، فيقولون: لولا الله وفلان فالشرك هو أعظم الظلم على الإطلاق.الثاني: ظلم العبد لنفسه؛ ويكون بسائر المعاصي، قال عز وجل: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1].وثالثاً: ظلم العبد لغيره، والله تعالى قد يسامح ويغفر، ولكن في ظلم العبد للعبد لا بد من القصاص، لأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً.
 الوسوسة في الطهارة ظلم وتعدٍّ
وقد وصف الشارع صاحب الوسوسة بأنه ظالم، وعددٌ من الناس يقعون في هذا المرض العظيم يُهلكون أنفسهم، ألا ترى أنه قد وصفهم بالظلم كما جاء في حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه عليه الصلاة والسلام الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (هكذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) الذي يزيد على الثلاث مسيءٌ ومتعدٍ وظالم، وبعضهم يمكث في دورة المياه ساعات يعيد الوضوء ويزيد، لا ينفك عن هذه الفعلة وهو ظالم، فلو تأمل الموسوسون هذا الحديث لكفاهم.
من صور الظلم
فإذا جئنا -أيها الإخوة- إلى ظلم العباد بعضهم لبعض، فلنعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم ظلم المسلم لأخيه المسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) الحديث رواه البخاري .وظلم العباد لبعضهم في هذا الزمان منتشرٌ وشائعٌ للغاية، حتى صارت الجلطات وأمراض الضغط وما يحصل من الأزمات النفسية والقلبية شعاراً في هذا العصر ودليلاً على كثرة الظلم وانتشاره، وانعكس الظلم في شكل أمراضٍ خطيرة تصيب الناس لما يقع عليهم من حرمانهم حقوقهم ومن ظلمهم.
 من ظلم المسلم لأخيه سوء ظنه به
وصور ظلم الأخ لأخيه المسلم كثيرة، ومن ذلك ظلمه في تفسير مواقفه، وبناء ذلك على سوء الظن، وهذا مثالٌ من السنة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزكاة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب -أي: منعوا زكاة أموالهم فلم يؤدوها- فقال صلى الله عليه وسلم: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله -وهذا ذمٌ له وتأكيدٌ للتهمة عليه- وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً ، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله -خالد كيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله ثم لا زكاة في الوقف وقد جعل خيله وسلاحه وقفاً على المجاهدين في سبيل الله، فأنتم تظلمون خالداً ، لأنه جعل أمواله التي عنده وقفاً على المجاهدين في سبيل الله- وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي عليه صدقه ومثلها معها) رواه البخاري .وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استعجل من العباس زكاة سنتين أخذها مقدماً للحاجة مقدماً، فلما جاء وقت الزكاة ولم يعط العباسُ زكاتَه، لأنه كان قد أعطاها من قبل، ولما ظلمه بعض الناس، أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أداها من قبل، وأنه لو كان عليه فرقٌ فإنه سيتحمله هو من جيبه صلى الله عليه وسلم، لأنه عمه، وعم الرجل صنو أبيه. والشاهد من هذه القصة التي رواها البخاري رحمه الله أن بعض الإخوان يظلمون أخاهم المسلم بتفسير مواقفه بناءً على سوء الظن تفسيراً غير صحيح، إذاً فليتقوا الله في أخيهم، وليحملوا أمره على أحسنه، نسأل الله السلامة والعافية.اللهم لا تجعلنا من الظالمين، ونجنا من القوم الظالمين، اللهم إنا نعوذ بك من الظلم وأهله، اللهم لا تجعلنا من الذين يظلمون الناس يا رب العالمين.اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين، وأن تُذل الشرك والمشركين، وتهزم أعداء الدين، اللهم إنا نسألك الأمن والرخاء لبلادنا وبلاد المسلمين يا رب العالمين.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الغيظ المكتوم بين الظالم والمظلوم [1] للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net