اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة والموضوعة [2،1] للشيخ : محمد المنجد


الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة والموضوعة [2،1] - (للشيخ : محمد المنجد)
إن حب الناس للنبي صلى الله عليه وسلم دفعهم لقبول ما يروى عنه دون تثبت، لاسيما إذا خاطب ما يروى عليهم عواطفهم ومشاعرهم، ورتب على قليل الفعل جزيل الأجر.وهذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة قد تركت آثاراً سيئة على الفرد والمجتمع كالتفرقة بين المسلمين، وإلغاء قواعد في أصول الفقه، وإيقاع المسلمين في الشرك، ورد الحديث الصحيح، وغيرها من الآثار السيئة التي بينتها هذه المادة، والتي بينت كذلك:خطورة التقول على النبي صلى الله عليه وسلم .. وخطورة انتشار هذه الأحاديث .. أسباب الوضع .. فضل العلماء في الذب عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم وتنقيحه .. وأسباب انتشار هذه الأحاديث بين الناس.
خطورة انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.إخواني في الله، أهل هذا البلد الآمن: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإني والله مسرورٌ ومنشرح الصدر لهذا اللقاء، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل مجلسنا هذا مجلساً يرضاه سبحانه وتعالى، وأن يجعل فيه خيراً كثيراً للسامع والمتكلم.أيها الإخوة: كان في الذهن أكثر من موضوعٍ لإلقائه في هذه الليلة، ورأيت الآن وأنا في مجلسي هذا أن أبدأ معكم بالموضوع المتفق عليه أصلاً وهو: (الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة والموضوعة)؛ لأني أخشى لو أنني بدأت بالموضوع الآخر ألا ننتهي منه، وأن يطول الكلام عليكم جداً، ولعلكم تسمعونه في مناسبة أخرى إن شاء الله، وعلى العموم فهذا الموضوع أو الموضوع الآخر مذكورة تفاصيلهما في كتب أهل العلم، ولكن حسبنا في هذه الجلسة أن نتذاكر ونتواصى معاً ونحقق قول الله عز وجل في الذين استثناهم من الخسران: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:3] وهذه الآية تبين لنا أن هناك أشياء في الإسلام لا يمكن أن تؤدى بشكلٍ فردي، ولا بد من عباداتٍ جماعية يقوم بها المسلمون، ومنها التواصي على الحق والصبر، ومن التواصي بالحق -أيها الإخوة- التواصي بالمحافظة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله سبحانه وتعالى ليبين لنا ما أنزل إلينا من ربنا، فكانت سنته صلى الله عليه وسلم شارحة للكتاب العزيز، مفصلة لمجمله، مخصصة لعمومه في بعض الأحكام، ولذلك كان لا بد لحفظ الكتاب من حفظ السنة، والذي نراه -أيها الإخوة- في هذا العصر أن تفريطاً عظيماً حصل من المسلمين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذا التفريط: التساهل في رواية الأحاديث التي تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يكون عليه السلام منا براء، ولا يمكن أن يقول عليه الصلاة والسلام مثل بعض الكلام الذي ينسبه بعض الجهلة إليه صلى الله عليه وسلم.وقد يكون في أذهان البعض أن هذا الموضوع من البديهيات، ولكن -أيها الإخوة- المتأمل في أضرار هذه المسألة وهي انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس لَيُدْرِكُ بجلاء أن المسألة خطيرة، ولعلنا نخلص من عرض هذه المحاضرة إلى شيءٍ من هذه الخطورة التي نريد أن نبينها، حتى يعي المسلم من أين يؤتى، وحتى يعي المسلم ما هو مصدر الأمراض المنتشرة في المجتمع، فإنه أحياناً يكون خارجياً، من أعداء الإسلام في الخارج، وأحياناً يكون من الداخل، وبعض المسلمين يوحون إلى آخرين بأن السبب في تقهقر المسلمين وانهزامهم مؤامرات خارجية، وقد تتخذ هذه النقطة شماعة تعلق عليها الأخطاء الداخلية التي ترتكب في المجتمع الإسلامي.
 

خطورة التقول على النبي صلى الله عليه وسلم
بادئ ذي بدءٍ -أيها الإخوة- لا بد لنا أن نذكر هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنتم تعلمون أن حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) حديثٌ متواتر، رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحواً من سبعين صحابياً وربما مائة صحابي، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن الذي أصله في الصحيحين : (من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار) وقد ترجم عليه ابن حبان رحمه الله: فصل ذكر إيجاب دخول النار لمن نسب الشيء إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو غير عالمٍ بصحته. وروى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه : (من حدث عني بحديثٍ يرى أنه كذب فهو أحد الكاذِبِيْن -أو الكاذِبَيْن-).
 

أسباب الوضع
لقد كانت حركة الوضع في الحديث من المؤامرات الباطنية التي يقصد منها تشويه الإسلام، والتي يقصد منها إشاعة الفتنة وإبعاد المسلمين عن الصحيح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان من هؤلاء زنادقة يضعون الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم كـعبد الكريم بن أبي العوجاء وغيره، الذي كان يقول لما قدم ليضرب عنقه: والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديثٍ أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام.وكان من هؤلاء أصحاب أهواءٍ كما قال ذلك الشيخ الخارجي: كنا إذا اشتهينا أمراً أو هوينا أمراً صيَّرنا له حديثاً. وممن اشترك في وضع الحديث أناسٌ يضعونه صناعة وتسوقاً جراءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إن أحدهم ليسهر عامة ليلة، في وضع حديث. ومنهم من كان ينسب إلى الزهد والتدين، ولكنه جاهل على الأقل في هذه النقطة، فكان يضع الأحاديث يظن ذلك احتساباً عند الله كـنوح الجامع ، وسمي بالجامع لأنه كان يجمع التفسير والفقه والمغازي وعلوماً كثيرة إلا شيئاً واحداً وهو التورع من الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يكن عنده، وعندما يجهل المسلم المنطلق الصحيح وتقع له شبهة، ولكنه غير معذورٍ فيها مثل هذا الرجل، لأن الأمر قد بين له ونوقش ولكنه مع ذلك أصر وقال: رأيت الناس يشتغلون بـمغازي ابن إسحاق ، وفقه أبي حنيفة فأردت إرجاعهم إلى القرآن، فقعد يضع الحديث في فضائل السور سورة سورة.ومنهم أناسٌ كانوا يضعون الأحاديث في تمجيد رؤساء مذاهبهم كما وضعت الكرامية هذا الحديث: (يجيء في آخر الزمان رجلٌ يقال له: محمد بن كرام يحيي السنة والجماعة، هجرته من خراسان إلى بيت المقدس كهجرته من مكة إلى المدينة) حديثٌ مكذوب يريدون به رفع شأن هذا المبتدع حتى يتلقف الناس منه العلم، ويزينونه في أعين الناظرين والسامعين، ويُخدع به عباد الله المسلمون.ومنهم أناسٌ كان فيهم حقدٌ على الإسلام وعلى هذا القرآن الذي نزل بلغة العرب، يريدون نسف اللغة العربية، ويريدون إعلاء شأنهم حقداً على هذا الدين، منهم بعض الفرس الذين وضعوا مثل هذا الحديث: (إن كلام الله حول العرش بالفارسية، وإن الله إذا أوحى أمراً فيه لينٌ أوحاه بالفارسية، وإذا أوحى أمراً فيه شدة أوحاه بالعربية) ما هو المقصود؟! ماذا يوحي هذا الحديث؟! ماذا يلقي في أنفس السامعين؟ إنه يلقي كراهية اللغة العربية ومحبة اللغة الفارسية. وهل سكت الجهلة المقابلون لهم من العرب؟ كلا. فإنهم وضعوا أحاديث أيضاً في فضل اللغة العربية وأن كلام أهل الجنة عربي، وفي المقابل وضعوا أحاديث في ذم بلاد خراسان مدينة مدينة. فلا يجوز أن ترد البدعة ببدعة ولا يجوز أن نرد على الخطأ بخطأ آخر! إن الرد على البدعة والخطأ -أيها الإخوة!- يكون بتبيان الصواب أولاً، ثم بنقد الخطأ والبدعة ثانياً.وبعض الوعاظ يظنون أن السبيل إلى تحميس الناس لأمرٍ معين هو أن يضع حديثاً في فضل هذا الأمر، فيأتي واعظ جاهل يرى الناس قد قصروا في زكاة الفطر مثلاً فيضع لهم هذا الحديث: (شهر رمضان معلقٌ بين السماء والأرض لا يرفع إلى الله إلا بزكاة الفطر) لماذا؟! قال: لأن الناس لا يخرجون زكاة الفطر، نريد أن نحمس الناس على إخراج زكاة الفطر.وبعضهم من الفرق الباطنية الذين كان همهم تمجيد بعض الأشخاص كشخص علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى يوصلوه إلى مرتبة الألوهية، انظروا مثلاً إلى هذا الحديث: (ستكون فتنة فإن أدركها أحد منكم فعليه بخصلتين: كتاب الله وعلي بن أبي طالب ) علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين، مناقبه مشتهرة متكاثرة لا يماري فيها إنسان مسلم يعرف الله عز وجل، ويعرف حق صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن أن تصل المسألة أن يجاء برجل ولو كان صحابياً فيُعتبر هو المرجع بعد كتاب الله.إذاً: -أيها الإخوة!- المسألة مخططٌ لها، مذاهب قامت في التاريخ يريد كل أصحاب مذهبٍ منهم أن يؤصلوا لمذهبهم بأحاديث يروجونها بين المسلمين، يؤصلون للمذهب ويقعدون له بأحاديث موضوعة ومكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم.وضعوا حديثاً عن علي : (غسلت النبي صلى الله عليه وسلم فشربت ماء محاجر عينيه فورثت علم الأولين والآخرين) ولم يكتفوا بذلك بل وضعوا حديث: (النظر إلى علي عبادة)، ونحن نعرف أن النظر إلى المصحف عبادة، هل وقف الأمر عند هذا الحد؟ كلا. لتعزيز المذهب وتأصيله أيضاً لا بد من الاختلاق في مجال التفسير فلذلك جاءوا بحديث: (اسمي في القرآن وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، واسم علي وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس:2]، واسم الحسن والحسين وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس:3]، واسم بني أمية وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس:4])، ولما وصل الحقد بهؤلاء الباطنية على صحابيٍ جليل مثل معاوية رضي الله عنه، فقد وضعوا الحديث السابق وأحاديث أخرى مثل حديث: (لكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة معاوية) عندما يسمع الناس -أيها الإخوة!- هذه الأحاديث ماذا يُحدث في قلوبهم على معاوية رضي الله عنه؟ ما هو الأثر السيء لهذا الحديث في قلوب الناس على صحابة أجلاء كرام من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ولكن المتعصبة للطرف الآخر هل ستتوب؟ كلا. فقد وضعوا أحاديث منها: (أخذ القلم من علي ودفعه إلى معاوية) علي لا يصلح فـمعاوية هو الكاتب الأمين؟! صحيح أنهم أقل شراً من أولئك ولكن المشكلة أن الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم صار أمراً سهلاً لا يُتورعُ عنه، ولا يخاف الإنسان ربه من الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم فيختلقون آلاف الأحاديث الموضوعة المكذوبة في شتى المجالات.ولما حقد هؤلاء الباطنية على أبي بكر وعمر ؛ قام بعض الناس يضع الأحاديث في فضل أبي بكر وعمر ومنها حديث لـعثمان : (لما أسري بي إلى السماء فصرت في السماء الرابعة سقط في حجري تفاحة فأخذتها بيدي فانفلقت فخرج منها حوراء تقهقه فقلت لها: تكلمي لمن أنت؟ قالت: للمقتول شهيداً عثمان) وأما الأحاديث الموضوعة في فضل أبي بكر وعمر فهي كثيرة ولكنها ليست أكثر من الأحاديث الموضوعة في فضل الرجال الذين يريد الباطنية أن يمجدوهم، ومن هذه الأحاديث مثلاً: (من شتم الصديق فإنه زنديق، ومن شتم عمر فمأواه سقر، ومن شتم عثمان فخصمه الرحمن، ومن شتم علياً فخصمه النبي صلى الله عليه وسلم) فهذه الطائفة أرادت أن تقرب بين وجهات النظر المختلفة فقالوا: نضع أحاديث في فضل الأربعة حتى تجتمع الأمة عليهم، والأحاديث في فضل الأربعة موجودة، فلماذا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وقد يحمل التعصب المذهبي الذميم بعض الناس على اختلاق الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنه مثلاً الحديث المشهور المعروف: (سراج أمتي أبو حنيفة النعمان) .. (يكون في أمتي رجلٌ كنيته أبو حنيفة النعمان هو سراج أمتي، ويكون رجلٌ في أمتي اسمه محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس) يقصدون الشافعي رحمه الله تعالى الذي هو مجدد من المجددين في الأمة في أصول الفقه، فهل سكت الطرف الآخر؟ كلا. بل اختلقوا حديث: (عالم قريش يملأ الأرض علماً) يقصدون الشافعي ، وتظهر الأشياء المتبادلة في الأخذ والرد، ولكن المشكلة أنها في مجال الأحاديث والسنة النبوية عن الرسول صلى الله عليه وسلم.وقد يحمل إرضاءٌ لخليفة أو سلطان من السلاطين رجلاً أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرضي ذلك الأمير مثلما وقع لـغياث بن إبراهيم لما كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة: (لا سبق إلا في نصل أو خفٍ أو حافر) فأضاف هذا الرجل: (.. أو جناح) لكي يرضي المهدي الذي كان يلعب بالحمام، ولكن المهدي رحمه الله كان مشهوراً بتعقب الزنادقة ، فلما سمع رجلاً يكذب من أجل إرضائه رجع إلى نفسه فذبح الحمام، فلما تولى غياث بن إبراهيم قال: أشهد أن قفاك قفا كذاب. وقد يكون دافع الانتقام من أشخاصٍ معينين أو هيئاتٍ معينة سبباً لوضع الأحاديث فمثلاً يحنق أحدهم على قاضٍ من القضاة لم يعجبه حكمه فيطلق الحكم على القضاة فيطرده طرداً فيأتي بحديثٍ مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليذم هذه الطائفة طائفة القضاة مثلاً كحديث: (عرج حجرٌ إلى الله فقال: إلهي وسيدي! عبدتك كذا وكذا سنة ثم جعلتني في حش كنيس -مرحاض، الحجر يشتكي- فقال -يعني الله عز وجل، وتعالى الله أن يقول ذلك-: أما ترضى أني عزلت بك عن مجالس القضاة) أي أن المرحاض أحسن من مجالس القضاة. وقد يحنق أحدهم على الشرطة فيضع الأحاديث في ذلك، فمنها مثلاً: (دخلت الجنة فرأيت فيها ذئباً فقلت: أذئبٌ في الجنة؟! فقال إني أكلت ابن شرطي) فلأنه أكل ابن شرطي دخل الجنة.فالمدهش -أيها الإخوة!- أنه قد يكون أحياناً السبب تافهاً، ولكن المقابل لهذا الأمر كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم.وقد يكون السبب في وضع الحديث لمصلحة شخصية في الكذاب، فمنها أن أعمى من العميان وضع حديث: (من قاد أعمى أربعين خطوة دخل الجنة) ليشجع الناس أن يقودوه. وقد حنق أحدهم مرة من المرات على معلم ولده لأنه ضرب الولد، فجاء الولد إلى أبيه يبكي، فقال: ما بك؟ قال: ضربني المعلم، قال: أما والله لأخزينه، كيف سيخزيه؟ وضع حديثاً: (معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المساكين).وقد يقع بين بعض الجهلة ممن يدعون العلم خلافاتٍ في مسائل من العلم، فماذا يفعلون؟ يختلقون أحاديث لترجيح قولٍ من الأقوال، اختلف بعضهم مرة هل سمع الحسن من أبي هريرة أم لم يسمع، فلما طال النقاش جاءهم رجل وقال: أنا عندي فصل المسألة، ما هو؟ قال: عن فلان: عن فلان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سمع الحسن من أبي هريرة). لما اختلفوا هل فتحت مكة عنوة أم صلحاً؟ ويبني على ذلك مسائل في الشريعة، جاء واحد وقال: قال رسول الله: (فتحت مكة صلحاً).فإذاً: الأسباب في وضع الحديث كثيرة، والذي يقرأ ويطلع يجد أن الأمر يتعدد باختلاف نزعات ورغبات الذين وضعوا الحديث، وبعضهم أمكر من بعض، وبعضهم أخبث من بعض، ولكن هذا الكلام قد يجعل بعض الناس يقولون: إذا كانت المسألة بهذه الكيفية فمعنى ذلك أننا سنفقد الثقة بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دامت الأحاديث الموضوعة بهذه الكثرة إذاً: ما يدرينا أن أي حديثٍ نقرأه هو حديث غير مكذوب؟ ولذلك بعض الناس عندهم شك فعلاً في السنة النبوية، أحد الناس يقول: هذه السنة (خمسون وخمسون)، خمسون في المائة، والله لا ندري؟!! لا تدري؟! تأتيك أحاديث فتقول: والله ما أدري!! وقد يكون الحديث في البخاري أو في مسلم ، وقد يكون الحديث ثابتاً صحيحاً بين العلماء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إذاً: -أيها الإخوة!- هل هذا الوضع وهذا الكذب يؤدي بنا إلى التشكك في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟!! كلا. لا يمكن أن يكون ذلك لأن الله قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] كيف يحفظ القرآن إذا لم تحفظ السنة؟ إذا كان الله قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم وحياً ليبين للأمة الكتاب الذي أنزل إليهم من ربهم فكيف يكون حفظ للكتاب بغير حفظٍ للسنة؟! ولذلك استدل بعض العلماء بهذه الآية إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] على حفظ الله لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
 

فضل العلماء في الذب عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم وتنقيحه
ولذلك -أيها الإخوة!- قيض الله لهذه الأمة علماء أفذاذاً نقحوا هذه الأحاديث، وبينوا ما هو الصحيح من الضعيف، ما تركوا حديثاً إلا وتكلموا فيه، وبينوا نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليسوا محدودين في عصرٍ أو مصرٍ بل هم يتكررون على مر العصور والدهور، ولا يخلي الله منهم عصراً غير أن هذا الضرب من العلماء نادر: وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أعز من القليل كان العالم عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله يقول: "لأن أعرف علة حديثٍ هو عندي أحب إلي من أن أكتب حديثاً ليس عندي"، ما الفائدة من الجمع فقط؟ لا بد أن أعرف هل الذي جمعت يحتج به أم لا؟ هل هو صحيح فيعمل به، أم هو ضعيف فيحذر الناس منه.قال سفيان الثوري رحمه الله: "الملائكة حراس السماء وأصحاب الحديث حراس الأرض" وقال يزيد بن زريع : "لكل دينٍ فرسان وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد" ولذلك مرة من المرات -كما ذكر الحافظ الذهبي في الميزان- أتى هارون الرشيد رحمه الله بزنديق ليقتله، فقال الزنديق: أين أنت من ألف حديثٍ وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ -يعني: ماذا تستفيد من قتلي وقد وضعت ألف حديث وقد سرت بين الناس؟- فقال له هارون رحمه الله: وأين أنت من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها حرفاً حرفاً، يبينانها للناس. فإذاً: وجد هؤلاء العلماء، ووجد هؤلاء المهتمون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد مر أحمد بن حنبل رحمه الله على نفرٍ من أصحاب الحديث وهم يعرضون كتاباً لهم فقال: ما أحسب هؤلاء إلا ممن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة) قال ابن حبان رحمه الله: ومن أحق بهذا التأويل من قومٍ فارقوا الأهل والأوطان، وقنعوا بالكسر والأطمار في طلب السنن والآثار، يجولون البراري والقفار، ولا يبالون بالبؤس والإقتار، متبعين لآثار السلف الماضين، وسالكين طريق الصالحين. بأي شيء؟ برد الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذب الزور عنه، ولذلك كان للعلماء جهودٌ جبارة في كشف الكذب، وتعيين الأحاديث المكذوبة، وتبيين الضعيف للناس والمكذوب حتى يحذروا منه، ولذلك ألفوا مصنفاتٍ خاصة في تبيان الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وفي تبيان الأحاديث المشتهرة على الألسنة، وقعدوا القواعد في روايات أهل البدع، وشددوا في قبول الحديث، ودعوا الناس إلى تلقي الصحيح، والحث على التثبت في الرواية، وألفوا الكتب في أسماء الضعفاء والوضَّاعين، وبينوا الأحاديث المسروقة والمركبة وأحاديث القصاصين، وكانت لهم مواقف من الكذابين: بفضحهم، وترك السلام عليهم، ووعظهم، والتشهير بهم، وتمزيق كتبهم بين أعينهم، والاستعداء عليهم من أهل الخير، ووصفهم بألقابٍ تناسبهم، فكان أحد العلماء يقول: فلان كذاب أكذب من حماري، وقال: فلان مَدْلٌ في جلد خنزير، وقال: فلان أكذب من فرعون ..إلخ.
 

أسباب انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس
ولكن قد يتساءل البعض: ما هي الأسباب في كثرة انتشار هذه الأحاديث؟ فنقول: منها قلة علماء الحديث في هذا العصر، وهذا لا شك فيه، والسبب الثاني: انتشار وسائل النشر والتوزيع التي تطبع الكتب وتغرق الأسواق بآلافٍ من الكتب التي فيها الشيء الكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقلما تجد واعظاً أو محاوراً أو خطيباً إلا ويسوق في ثنايا كلامه أحاديث موضوعة أو ضعيفة إلا من رحم الله من طلبة العلم الذين يتحرون فيما ينسبونه إلى رسولهم صلى الله عليه وسلم، وبعض الناس -أيها الإخوة!- تعجبهم الأحاديث الضعيفة والموضوعة لأسباب فمنها مثلاً: أنها تلمس عواطفهم، مثال: (من زار قبر والديه كل جمعة فقرأ عندهما يس غفر له بعدد كل آية أو حرف) الناس يحبون آباءهم ويحبون أمهاتهم، ويريد الواحد منهم أن يفعل شيئاً لأمه وأبيه، فيذهب عندما يسمع هذا الحديث ويطبق ليس إلا من باب العاطفة، وبعض الأحاديث الموضوعة تستدر الشفقة، إذا سمعت هذا الحديث: (إذا بكى اليتيم وقعت دموعه في كف الرحمن يقول: من أبكى هذا اليتيم الذي واريت والديه تحت الثرى، من أسكته فله الجنة) هذا الحديث المكذوب الموضوع في رحمة اليتيم قد يؤثر في عواطف الناس، فيندفعون بعواطفهم لتقبل هذه الأحاديث، وتلقفها والعمل بها، لأنه شيء عاطفي، شيء يؤثر في النفس، ولكن ما درى أولئك المساكين أن هذا كلام مكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث مؤثرة تجيش عواطف النفس وتؤثر في القلب، فلماذا لا يعملون بها؟
 

آثار انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الناس

 إلقاء الشك والريبة بين المسلمين؛ ونشر الخرافة بينهم
إلقاء الشك والريبة بين المسلمين: (احترسوا من الناس بسوء الظن) أي أن الزمان قد فسد الآن فلابد أن تسيء الظن في كل واحد، تأخذ احتياطك منه فتفترض في الأصل أنه سيء فتسيء الظن به، فتكون النتيجة أن كل مسلم ينظر لأخيه بمنظار أسود، أكيد أنه يريد أن يؤذيني! أكيد أنه يريد أن يفعل بي كذا! يريد بي شراً! وهكذا.كذلك انظر من الخرافات العجيبة (إن الله أعطاني نهراً يقال له الكوثر في الجنة لا يدخل أحدٌ أصبعه في أذنيه إلا سمع خريره) يعني: إذا أدخلت أصبعك في أذنيك فإنك تسمع خرير نهر الكوثر، ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الآن من مجرد ما نضع أصابعنا في آذاننا فإننا نسمع خرير نهر الكوثر!والأحاديث الموضوعة في فضائل الأطعمة ما أكثرها (اجعلوا في موائدكم البقل فإنه يطرد الشياطين) .. (إن الله تعالى يوكل بآكل الخل ملكين يستغفران له) .. (عليكم بالقرع فإنه يزيد بالعقل) .. (عليكم بالعدس فإنه مبارك ويرق القلب، ويكثر الدمع، وقد قدس على لسان سبعين نبياً) .. (شكا نبيٌ من قلة الولد فأمره أن يأكل البيض والبصل) إلى آخر هذا الهراء، ومنها: (اتخذوا الحمام المقاصيص فإنها تنجي الدين عن صبيانكم) إذاً والله نأخذ هذه الحمام، أو نوعاً من الحمام ونربيها في البيوت! (إذا كتبت فضع القلم في أذنيك فإنه أذكر) يعني أن هذا يقوي الذاكرة إذا وضعت القلم على أذنك، اعتقادات ليس لها أصل ولا دليل بل هوس وهراء.بعض الناس يشيع عندهم إذا كانت المرأة تسقط دائماً الجنين حديث: (يا رسول الله! إني امرأة لا يعيش لي ولد فقال: اجعلي لله عليك أن تسميه محمداً ففعلت فعاش ولدها) فصار بعض الناس الآن إذا صارت امرأته دائماً تسقط يقول: لله علي نذر أن أسميه محمداً .. لكي يعيش.التضييق على الناس في أمورٍ من المباحات، بعض الناس يرجع من دوامه الساعة الثانية والنصف تعباً مرهقاً يصلي ويتغدى، فلا يجد فرصة للراحة والنوم إلا بعد العصر فيأتيه حديث: (من نام بعد العصر ففقد عقله فلا يلومن إلا نفسه) فماذا يفعل؟ رجل هذه ظروفه الآن متعب، فنقول: لا. لا تنم بعد العصر فإنه يجلب الجنون، فماذا يفعل؟!إنسان لا يمكن أن يعيش مع زوجته أكثر من ذلك لوجود مشكلة بينه وبين زوجته، الطلاق في بعض الأحيان هو الحل الوحيد، لكن ليس في كل الأحيان، فإنه يمكن في كثيرٍ من الأحيان تدارك الوضع وتحسين الأشياء بغير الطلاق، الطلاق أحياناً يكون خطيراً، وأحياناً لا يكون الحل بالطلاق فيأتي حديث: (تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له العرش) مهما كانت سيئة خلق؟! مهما كان عدم التوافق موجوداً؟! لا يمكن أن يطلق فكيف يعيش الزوج؟! يعيش في جحيم.تحريم أشياء من المباحات فيها بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، واحد يريد مثلاً أن يتزوج، شاب يحتاج للزواج -وأهل مكة لا مشكلة عندهم في هذا الموضوع- لكن واحد يريد أن يتزوج، محتاج للزواج فأتاه الحج قبل التزوج: (من تزوج قبل أن يحج فقد بدأ بمعصية) سبحان الله! كيف يكون إعفاف الرجل نفسه وإحصانه فرجه سبباً للمعصية؟ هل هذه معصية؟! من قال ذلك؟ يقول: لا. لا يجوز، بعض الناس عندهم اعتقاد (لا يجوز الزواج قبل الحج بل لا بد أن تحج أولاً).الذي ما عق عنه أبوه في الماضي فإنه لا بد من أن يعق قبل أن يعتمر أو يحج وإلا فستصير عمرته أو حجه باطلاً، وبعض الناس عندهم اعتقادات بهذا، وأحياناً يكون أساسه حديثاً ضعيفاً أو موضوعاً.وأحياناً تؤدي الأحاديث الضعيفة والموضوعة إلى احتقار النساء، مثل حديث: (لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة)، أو حديث (شاوروهن وخالفوهن) هناك شخص كان دائماً يستشير زوجته تقول كذا فيفعل هو العكس، في يوم من الأيام تضايقت وقالت: أنت يا فلان! تأخذ بخلاف مشورتي، قال: أنا عندي حديث ((شاوروهن وخالفوهن).(سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن) إذاً: لا بد أن الواحد يمشي رويداً رويداً ويخالف مشية الرسول صلى الله عليه وسلم. (نسخ الأضحى كل ذبح) انتهت القضية فلا عقيقة ولا غيرها من الذبح! (من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له) قضاء على سنة رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه.حديث جذب الرجل في الصف، إذا أتيت ولم تجد لك مكاناً تجذب رجلاً، غير صحيح والحديث الذي فيه ضعيف والناس يطبقونه.وحديث (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني) لا بد من الزيارة لكل من أراد أن يحج، ولو ما زار فحجه باطل، أو ناقص .. إلى آخره.أيها الإخوة الكرام: لقد عرفنا أن الخطورة ليست فقط في نسبة هذه الأحاديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها خطورة في حد ذاتها، أحياناً يكون معنى الحديث صحيحاً، مثلاً: (من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له) هذا الحديث ضعيف لكن معناه صحيح، فالمجاهر بالمعصية ليست له حرمة في الغيبة، ولكن لا يجوز أن ننسب هذا الحديث فنقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له) لا. هذه مسألة خطيرة أن ننسب حديثاً ضعيفاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كان معناه صحيحاً، فكيف إذا انضاف أن هذا الحديث الموضوع له أثر سيء على الناس كما بينا في المحاضرة.
الموقف من الأحاديث الضعيفة والموضوعة
فإذاً -أيها الإخوة!- ماذا يكون موقفنا من الأحاديث المنتشرة؟ وما هو موقف الرجل العادي من هذه الأحاديث المنتشرة التي يسمعها والتي هي محفوظة في ذاكرته؟ فنقول:أولاً: طالب العلم عنده مراجع يستطيع أن يرجع إليها، هناك إما نقاد كبار مثل الحافظ ابن حجر رحمه الله، والحافظ الذهبي وغيرهما من العلماء الذين صنفوا الكتب وبينوا فيها درجات الأحاديث، وبعض الكتب في الأحاديث المشتهرة على الألسنة تذكر درجات الأحاديث، وهناك مصنفات في الأحاديث الموضوعة مثل الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني رحمه الله.وكذلك من المحدثين مثلاً العلامة الشيخ/ أحمد شاكر في جهوده في التعليقات على الأحاديث التي علق عليها، وكذلك المحدث علامة الشام الشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني في تعليقاته وفي كتبه التي ألفها ومن أنفعها سلسلة الأحاديث الصحيحة والضعيفة وضعيف الجامع وصحيح الجامع وغيرها، وما يذكره سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز علامة الجزيرة في بعض الأحاديث، فإنه من المهتمين بالأسانيد والعلل جزاه الله خيراً.ثانياً: الرجل العامي الذي لا يستطيع أن يبحث ماذا يجب عليه؟ نقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7] .. الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان:59] يجب اللجوء إلى الخبراء، إلى العلماء، فإذا لم تجد عالماً فعليك أن تسأل طالب علم موثوق يرجع إلى كتب العلماء فيخبرك ما هي درجة هذا الحديث.كذلك عليك -يا أخي!- أن تواظب على القراءة في الكتب التي تنتقي الأحاديث الصحيحة مثل كتاب رياض الصالحين فهو من أنفع الكتب، خصوصاً مع تعليقات الشيخ/ ناصر حفظه الله وهناك بعض الانتقادات على بعض الأحاديث، لكنه كتاب جيد وممتاز، وبعض الناس يذهب إلى معارض الكتاب ويشتري كتباً لكن ماذا يقرأ منها؟ الله يعلم، لو ما قرأ إلا تفسيراً مبسطاً للقرآن وواظب عليه وكتاب رياض الصالحين ، فهو شيء جيد، وشيء عظيم أن يفعل رجل عامي هذا الشيء، ممتاز جداً أن يختم أو يقرأ كتاب رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله.والكتب في الأحاديث الصحيحة كثيرة، كـالصحيحين وغيرها.كذلك عليه أن يتجنب القراءة في الكتب ذات الأحاديث غير الموثوق بها أو غير المميزة، لأن بعض الكتب تكثر فيها الأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل: بستان العارفين ، أو مثلاً: إحياء علوم الدين ، طبعاً طالب العلم قد يقرأ تخريجات الحافظ العراقي وغيره رحمهم الله لكن العامي يفتح كتاب الإحياء ويقرأ ولا يدري عن قيمة التخريجات التي تحته وهذه مشكلة، ولذلك عليه أن يتجنب القراءة في كتبٍ لا يعرف درجة الأحاديث التي فيها، وهذه كتب كثيرة منتشرة؛ كتب أذكار، وكتب أدعية، وكتب في السيرة، وإلى غير ذلك من الأشياء التي تحوي الكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فإذاً: باختصار يجب أن يجعل قراءته في الكتب الموثوقة، وأن يرجع إلى الموثوقين الذين يبينون له درجة هذه الأحاديث.
 إلقاء الشك والريبة بين المسلمين؛ ونشر الخرافة بينهم
إلقاء الشك والريبة بين المسلمين: (احترسوا من الناس بسوء الظن) أي أن الزمان قد فسد الآن فلابد أن تسيء الظن في كل واحد، تأخذ احتياطك منه فتفترض في الأصل أنه سيء فتسيء الظن به، فتكون النتيجة أن كل مسلم ينظر لأخيه بمنظار أسود، أكيد أنه يريد أن يؤذيني! أكيد أنه يريد أن يفعل بي كذا! يريد بي شراً! وهكذا.كذلك انظر من الخرافات العجيبة (إن الله أعطاني نهراً يقال له الكوثر في الجنة لا يدخل أحدٌ أصبعه في أذنيه إلا سمع خريره) يعني: إذا أدخلت أصبعك في أذنيك فإنك تسمع خرير نهر الكوثر، ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الآن من مجرد ما نضع أصابعنا في آذاننا فإننا نسمع خرير نهر الكوثر!والأحاديث الموضوعة في فضائل الأطعمة ما أكثرها (اجعلوا في موائدكم البقل فإنه يطرد الشياطين) .. (إن الله تعالى يوكل بآكل الخل ملكين يستغفران له) .. (عليكم بالقرع فإنه يزيد بالعقل) .. (عليكم بالعدس فإنه مبارك ويرق القلب، ويكثر الدمع، وقد قدس على لسان سبعين نبياً) .. (شكا نبيٌ من قلة الولد فأمره أن يأكل البيض والبصل) إلى آخر هذا الهراء، ومنها: (اتخذوا الحمام المقاصيص فإنها تنجي الدين عن صبيانكم) إذاً والله نأخذ هذه الحمام، أو نوعاً من الحمام ونربيها في البيوت! (إذا كتبت فضع القلم في أذنيك فإنه أذكر) يعني أن هذا يقوي الذاكرة إذا وضعت القلم على أذنك، اعتقادات ليس لها أصل ولا دليل بل هوس وهراء.بعض الناس يشيع عندهم إذا كانت المرأة تسقط دائماً الجنين حديث: (يا رسول الله! إني امرأة لا يعيش لي ولد فقال: اجعلي لله عليك أن تسميه محمداً ففعلت فعاش ولدها) فصار بعض الناس الآن إذا صارت امرأته دائماً تسقط يقول: لله علي نذر أن أسميه محمداً .. لكي يعيش.التضييق على الناس في أمورٍ من المباحات، بعض الناس يرجع من دوامه الساعة الثانية والنصف تعباً مرهقاً يصلي ويتغدى، فلا يجد فرصة للراحة والنوم إلا بعد العصر فيأتيه حديث: (من نام بعد العصر ففقد عقله فلا يلومن إلا نفسه) فماذا يفعل؟ رجل هذه ظروفه الآن متعب، فنقول: لا. لا تنم بعد العصر فإنه يجلب الجنون، فماذا يفعل؟!إنسان لا يمكن أن يعيش مع زوجته أكثر من ذلك لوجود مشكلة بينه وبين زوجته، الطلاق في بعض الأحيان هو الحل الوحيد، لكن ليس في كل الأحيان، فإنه يمكن في كثيرٍ من الأحيان تدارك الوضع وتحسين الأشياء بغير الطلاق، الطلاق أحياناً يكون خطيراً، وأحياناً لا يكون الحل بالطلاق فيأتي حديث: (تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له العرش) مهما كانت سيئة خلق؟! مهما كان عدم التوافق موجوداً؟! لا يمكن أن يطلق فكيف يعيش الزوج؟! يعيش في جحيم.تحريم أشياء من المباحات فيها بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة، واحد يريد مثلاً أن يتزوج، شاب يحتاج للزواج -وأهل مكة لا مشكلة عندهم في هذا الموضوع- لكن واحد يريد أن يتزوج، محتاج للزواج فأتاه الحج قبل التزوج: (من تزوج قبل أن يحج فقد بدأ بمعصية) سبحان الله! كيف يكون إعفاف الرجل نفسه وإحصانه فرجه سبباً للمعصية؟ هل هذه معصية؟! من قال ذلك؟ يقول: لا. لا يجوز، بعض الناس عندهم اعتقاد (لا يجوز الزواج قبل الحج بل لا بد أن تحج أولاً).الذي ما عق عنه أبوه في الماضي فإنه لا بد من أن يعق قبل أن يعتمر أو يحج وإلا فستصير عمرته أو حجه باطلاً، وبعض الناس عندهم اعتقادات بهذا، وأحياناً يكون أساسه حديثاً ضعيفاً أو موضوعاً.وأحياناً تؤدي الأحاديث الضعيفة والموضوعة إلى احتقار النساء، مثل حديث: (لا تسكنوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة)، أو حديث (شاوروهن وخالفوهن) هناك شخص كان دائماً يستشير زوجته تقول كذا فيفعل هو العكس، في يوم من الأيام تضايقت وقالت: أنت يا فلان! تأخذ بخلاف مشورتي، قال: أنا عندي حديث ((شاوروهن وخالفوهن).(سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن) إذاً: لا بد أن الواحد يمشي رويداً رويداً ويخالف مشية الرسول صلى الله عليه وسلم. (نسخ الأضحى كل ذبح) انتهت القضية فلا عقيقة ولا غيرها من الذبح! (من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له) قضاء على سنة رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه.حديث جذب الرجل في الصف، إذا أتيت ولم تجد لك مكاناً تجذب رجلاً، غير صحيح والحديث الذي فيه ضعيف والناس يطبقونه.وحديث (من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني) لا بد من الزيارة لكل من أراد أن يحج، ولو ما زار فحجه باطل، أو ناقص .. إلى آخره.أيها الإخوة الكرام: لقد عرفنا أن الخطورة ليست فقط في نسبة هذه الأحاديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها خطورة في حد ذاتها، أحياناً يكون معنى الحديث صحيحاً، مثلاً: (من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له) هذا الحديث ضعيف لكن معناه صحيح، فالمجاهر بالمعصية ليست له حرمة في الغيبة، ولكن لا يجوز أن ننسب هذا الحديث فنقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له) لا. هذه مسألة خطيرة أن ننسب حديثاً ضعيفاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كان معناه صحيحاً، فكيف إذا انضاف أن هذا الحديث الموضوع له أثر سيء على الناس كما بينا في المحاضرة.
الأسئلة

  لا ميزة لأحد على أحد إلا بالتقوى
السؤال: ما رأيك في الحديث الذي يقول: (سفهاء مكة سكان الجنة)؟ الجواب: هذه المسألة قد ذكرنا في الكلام أنه لا يمكن أن تكون مثل هذه الاعتبارات كافية لدخول الناس الجنة، يكون واحد من سكان مكة ، أو يكون من أجمل الناس وجهاً، وقد سمعتم كلاماً أن كل بلد فيها صالح وطالح، ولكن أحياناً تسمع كلاماً من بعض الناس، مرة من المرات أحدهم يتفاخر بقوة شخصيته أنه من أهل مكة يقول: نحن الذين أخرجنا الرسول من مكة متفاخراً!! سبحان الله العظيم! يا جماعة! كلمة الكفر تقال هكذا بكل بساطة. نكتفي بهذه الأسئلة، وجزاكم الله خيراً على حضوركم وإنصاتكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا المجلس، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الآثار السيئة للأحاديث الضعيفة والموضوعة [2،1] للشيخ : محمد المنجد

http://audio.islamweb.net