إسلام ويب

الحقوق الزوجيةللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله عز وجل القوامة للرجل على المرأة بما فضله عليها في الجسم والعقل، وبما أوجب عليه من الإنفاق عليه، وجعل حقوقاً مشتركة متبادلة بين الزوجين، وحقوقاً تجب لكل واحد منهما على الآخر.

    1.   

    أسباب القوامة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    أيها الفضلاء! نريد أن نبين الحقوق الزوجية التي يحكمها قانون القرآن في قول ربنا تبارك وتعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] ، أي: أن للنساء حقوقاً كما أن للرجال حقوقاً، لكن الرجال يتميزون على النساء بحق فوق ذلك وهو حق القوامة، للرجل حق القوامة على المرأة، والقوامة لها سببان: سبب جبلي تشريفي، وسبب حكمي تكليفي.

    أما السبب الجبلي التشريفي ففي قول الله عز وجل: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34]، فضل الله الرجال على النساء بقوة الأجساد، وشجاعة القلوب، ورجاحة العقول.

    والسبب الثاني: التكليفي، قال الله عز وجل: وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34] ، للرجل القوامة على المرأة؛ لأنه هو الذي ينفق عليها.

    1.   

    حقوق الزوج على زوجته

    والحقوق الزوجية أيها الإخوة الكرام! تشمل أنواعاً ثلاثة:

    النوع الأول: حق الزوج على الزوجة.

    والنوع الثاني: حق الزوجة على الزوج.

    والنوع الثالث: ما كان مشتركاً بينهما، أي: حق له عليها، وحق لها عليه.

    ونبدأ بحق الزوج على الزوجة؛ لأن هذا هو محل الإشكال عند بعض الناس.

    نقول: تشمل حقوق الزوج على زوجته ما يلي:

    الحق الأول: الطاعة

    أولاً: الطاعة، أوجب الله على المرأة أن تطيع زوجها ما لم يأمرها بمعصية الله عز وجل.

    فطاعة الزوج واجبة على المرأة؛ لأن الزوج هو القوام، هو رب الأسرة، هو رأس البيت، هو الذي كلف بالنفقة، والذب عن الحريم، وهو الذي يقدر على تحمل المشاق، فلا غرو أن الله عز وجل أوجب على المرأة طاعته، قال الله عز وجل: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة:228] ، وقال الله عز وجل: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء:34] .

    وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أي النساء خير؟ قال: التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، وتحفظه في نفسها وماله ).

    وإذا علم بأن طاعة المرأة لزوجها واجبة فهذه الطاعة تشمل أموراً:

    طاعة الزوج في قضاء وطره

    أولها: طاعته في الوطء، بمعنى: أن الرجل إذا دعا المرأة إلى فراشه فيجب عليها أن تطيعه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، لعنتها الملائكة حتى تصبح )، وفي لفظ آخر: ( كان من في السماء غاضباً عليها حتى يرضى )، أي: حتى يرضى عليها زوجها، لماذا؟ لأن امتناع المرأة من فراش زوجها مؤذن بشر عظيم، أولاً: هذا الرجل سيتغير قلبه على هذه المرأة، وسيشعر بأن كرامته مجروحة، ثم إن حاجته لا تلبى، وقد يفضي به ذلك والعياذ بالله إلى الوقوع في الحرام، إلى أن ينظر إلى ما حرم الله، أو يواقع ما حرم الله عز وجل، فيجب على المرأة أن تطيع زوجها على كل الأحوال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( حتى لو سألها وهي على قتب )، يعني: لو كانت المرأة راكبة بعيراً، وفوق هذا البعير ما يشبه السرج، وطلب منها زوجها أن يقضي حاجته، فإن واجباً عليها أن تلبيه، وأن تطيعه، وتلتمس في ذلك رضا الله عز وجل وإعفاف هذا الزوج.

    طاعة الزوج في تربية أولاده

    ثانياً: تطيعه في تربية الأولاد، فلو أراد الزوج أن يؤدب أحد أولاده بما أباح الله له فليس للمرأة أن تمنعه من تأديبهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والرجل راع في بيت أهله ومسئول عن رعيته )، وهذا أحياناً يؤدي إلى خلاف بين الزوجين؛ لأن المرأة بما فطرها الله عز وجل من الرفق والحنان والعطف، تريد أن تترك الأولاد على ما يشتهون، بل ربما يبلغ الحال ببعض النساء أن تؤنب زوجها لو أراد أن يوقظ الأولاد لصلاة الصبح مثلاً، خاصة في أيام الامتحانات، تقول له: هذا كان ساهراً يقرأ، اتركه، وتشعر بأن في هذا شفقة ورحمة، وقد يكون العكس أحياناً، تكون المرأة دينة، طيبة، وتريد أن تقيم أولادها على صراط الله المستقيم، والزوج يريد أن يترك لهم الحبل على غاربه.

    وقد ذكر بأن رجلاً وامرأة اختصما في حضانة ولد إلى قاض في الزمان الأول، فالقاضي خير الولد، قال له: أتختار أمك أم أباك؟ قال: أختار أبي، وكانت المرأة عاقلة، فقالت له: أيها القاضي! سله لم اختار أباه؟ فالقاضي سأل الصغير، والصغير في الغالب كلامه صريح ولا يكذب، قال له: لأن أمي تسلمني إلى المعلم في الكتاب فيقيد حركتي ويضربني إن لم أحفظ، أما أبي فيتركني ألعب مع الصبيان، فحكم القاضي بالحضانة للأم؛ لأنه تبين له أن الأم هي الأجدر والأحق بتربية هذا الصغير.

    فمن طاعة الزوجة لزوجها أن تطيعه في تربية الأولاد إذا كان يقيمهم على الصراط المستقيم.

    طاعة الزوج في الانتقال إلى سكنه

    ثالثاً: يجب عليها أن تطيعه في الانتقال إلى البيت الذي أعده للسكن ولو كان بعيداً عن بيت أهلها، ومحلة قومها، ما دام البيت الذي أعده لائقاً للسكن، وقد توافرت فيه الشروط المطلوبة، قال الله عز وجل: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6]، وقال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] ، فإن امتنعت الزوجة عن الانتقال مع زوجها إلى المكان الذي أعده للسكن فهي آثمة، وكذلك لو خرجت من بيته بغير إذنه كانت ناشزاً، فلو أنها خرجت واعتكفت في بيت أهلها فإنها تكون ناشزاً، ولعله يأتي كلام عن النشوز.

    وكذلك أيها الإخوان! لو انتقل الزوج إلى بلد آخر، مثلاً انتقل من الخرطوم إلى كسلا، أو إلى كوستي، أو إلى كادوقلي، أو إلى أي مكان، فإنه يجب على الزوجة أن تتبعه حيث كان، وكذلك لو أنه اغترب إلى بعض بلاد المسلمين، ذهب إلى مكان ما يلتمس رزقاً حلالاً، فإن الواجب على المرأة أن تنتقل معه.

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر يصطحب معه إحدى زوجاته، كان يقرع بينهن، فأيتهن خرج سهمها سافرت معه صلوات ربي وسلامه عليه؛ لأن الرجل في السفر يحتاج إلى الزوجة غالباً، لكن بشرط أن يكون هذا الزوج مأموناً، وبشرط أن يكون البلد الذي انتقل إليه مأموناً، يعني: واحد مثلاً ينتقل إلى أمريكا، ثم يريد لزوجته الصينة، الدينة، الطيبة، أن تنتقل معه إلى بلاد الكفر حيث لا تأمن على دينها، ولا تأمن على عرضها، ولا تأمن على تربية أولادها، ففي هذه الحالة لا يجب عليها طاعته.

    أيضاً من الشروط: أن يمكن اتصال الزوجة بأهلها، واتصالهم بها بحيث لا تنقطع عنهم أخبارها.

    إذاً: يجب على الزوجة أن تنتقل مع زوجها إلى أي بلد من بلاد الله بهذه الشروط الثلاثة:

    أن يكون الزوج مأموناً، أي: لا يكون قد عهد عليه تهتك ولا فجور.

    ثم أن تكون البلد التي ينتقل إليها مأمونة.

    ثم أن يمكن اتصالها بأهلها، واتصالهم بها، بحيث لا تنقطع عن أهلها وأرحامها، وقضية الاتصال هذه متوافرة الآن في أي مكان من أرض الله، والله تعالى أعلم.

    طاعة الزوج بالقيام على خدمته

    رابعاً: من الطاعة: خدمة الزوجة لزوجها، الخدمة المعقولة من مثلها لمثله، كالعجن، والكنس، والفرش، وغسل الثياب، واستسقاء الماء، والطبخ له، لا لضيوفه، فيجب على الزوجة أن تخدم زوجها في عمل البيت الخدمة اللائقة من مثلها لمثله، في عجن خبزه، وطبخ طعامه، وغسل ثيابه، وتنظيف بيته، وترتيب أثاثه، له وليس لضيوفه، يعني: لا تأتي بالضيوف ويبيتون، ثم يقول لها: قومي اغسلي! أو كل يوم تأتي بأربعة عشر رجلاً يلعبون (كوتشينه)، وهي مأمورة بأن تصنع لهم الغداء، ثم تصنع لهم العشاء، وبينهم الشاي والمكسرات والمقبلات والمشهيات، نقول: هذه كلها ظلمات بعضها فوق بعض، وهذا من الظلم الذي لا يرضاه الله، فأنت قد ملكتها لتكون زوجةً لك، لا لتكون خادمة، وقد فطر الله المرأة على أنها تهتم بأضياف زوجها، لكن يكون شيئاً معقولاً، أما في كل يوم تأتيها بعشرة، وعشرين، فمثل هذا يكون مزعجاً.

    والدليل على أن المرأة يجب عليها خدمة زوجها أن خير نساء العالمين زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يخدمنه، فنقرأ في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة : ( اشحذي المدية )، يعني: سني السكين، وكان يقول: ( ناوليني الخمرة من المسجد )، وكان يقول لها: ( اقسمي هذه الشاة )، يعني: قطعي، وكسري، ووزعي.

    وكذلك ( جاءت سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو إليه أن يديها قد مجلت لكثرة ما تطحن الحبوب بالرحى لإطعام زوجها وعيالها، وتطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعينها بخادم فقال: والله لا أعطيك، وأدع أهل الصفة، ثم جاءها هي وزوجها بعدما أويا إلى فراشهما، وجلس بينهما صلى الله عليه وسلم يقول علي : كأني أجد برد قدميه عليه الصلاة والسلام فقال لهما: ألا أدلكما على ما هو خير لكما! إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، خير لكما من خادم ).

    قال ابن حبيب في الواضحة، والواضحة أحد الكتب التي يستقى منها فقه إمامنا مالك بن أنس رحمه الله، الواضحة، والعتبية، والمدونة، ومن فوق هذا كله الموطأ.

    قال ابن حبيب رحمه الله في الواضحة: حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه الخدمة! فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة، داخل البيت، وحكم على علي كرم الله وجهه بالخدمة الظاهرة خارج البيت، والخدمة الباطنة: العجن، والطبخ، والفرش، وكنس البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كله.

    وفي الصحيح عن السيدة أسماء بنت الصديق رضي الله عنهما قالت: (تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال، ولا مملوك، ولا شيء، غير ناضح، والناضح: الجمل الذي يستقى عليه الماء، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأستقي الماء، وأخرز غربه)، والغرب: هو الدلو الذي يجلب به الماء من البئر، (وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، فكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي)، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضاً، فكانت أسماء رضي الله عنها تعلف الفرس، وكانت تستقي الماء، وكانت تخرز الدلو، وتنقل النوى على رأسها، وتعجن، والخبزة لم تكن فيها بالجودة المطلوبة فكانت تستعين بجارات لها من الأنصار رضي الله عنهن أجمعين.

    وطبعاً الآن نساؤنا لا يستقين الماء، وإنما هي تفتح الماسورة وأنت تدفع الفاتورة! يعني: هي لا تتكلف شيئاً، وفي الغالب لا تعجن، وإنما أنت تجلب الخبز من الخباز، والحمد لله ما عندك ناضح، ما عندك جمل من أجل أن تعتني به، ولا عندك فرس من أجل أن تعلفه، ولم يبق لها إلا الطبخ والكنس.

    واستثنى علماؤنا الزوجة الشريفة من ذوات الأقدار، فإنها لا تجبر على خدمة البيت إذا كان زوجها ملياً قادراً على إيجار من يخدمها.

    والإمام ابن العربي رحمه الله قال: وهذا أمر دائر على العرف والعادة، يعني: هذه المسائل ترجع إلى العرف والعادة.

    وليس للزوج أن يجبر زوجته على الخدمة الظاهرة، والخدمة الظاهرة هي الخدمة خارج البيت، لا يجوز للزوج أن يقول لزوجته: لا بد أن تعملي وتأتي بالمال، فهذا أولاً مما يتنافى مع المروءة، والخلق الكريم، ثم إنه يتنافى مع الدين؛ لأن النفقة واجبة على الرجل، ولذلك ليس له أن يجبر زوجته على الخدمة الظاهرة التي لها طابع التكسب كالنسج، والغزل، والخياطة، والتطريز؛ لأن التكسب واجب عليه.

    أيضاً من مكارم الأخلاق أن يخدم الرجل زوجته، ويعينها فيما خف من عمل البيت كالأمور المتصلة به، ككي ثيابه، وتنظيف حذائه، وإعداد طهوره.

    وقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها: ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ قالت: كان بشراً من البشر، يفلي ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة عليه الصلاة والسلام )، وكان أحياناً صلى الله عليه وسلم يكنس البيت.

    قال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله: ومن أفضل ما يخدم المرء فيه نفسه العبادات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل حتى تكون خالصةً لوجه الله، يعني: الأشياء التي تتعلق بالعبادة مثل: الغسل، مثلاً غسل الجنابة يعود الإنسان نفسه بأن يعد الماء، إذا كان يحتاج إلى تدفئة مثلاً يدفئ الماء بنفسه، ويأخذ منشفته بنفسه، وصابونه بنفسه، وما يرجل به شعره، وما يدهن به جسمه إذا كان يدهن، ونحو ذلك، من أجل أن تكون عبادة خالصةً لله عز وجل.

    جاء في الصحيح من حديث ابن عباس في وصف قيام النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الليل، قال: ( فقام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل فأتى القربة فأطلق شناقها ثم توضأ )، يعني: ذهب إلى القربة عليه الصلاة والسلام فتوضأ بنفسه، والشناق هو الخيط الذي تربط به القربة.

    إذاً: طاعة الزوج تشمل أولاً: طاعته في الوطء.

    ثانياً: طاعته في الانتقال إلى بيته، وطاعته في السفر بالشروط الثلاثة التي ذكرت.

    ثالثاً: طاعته في تربية الأولاد.

    طاعة الزوج في القيام على شئون بيته

    رابعاً: طاعته في خدمة البيت الخدمة المعقولة من مثلها لمثله، ولو وفر لها من يخدمها فجزاه الله خيراً، وليس ذلك بواجب عليه.

    وتلاحظون هاهنا حين نقول: ويوفر لها من يخدمها معناه: أنه تنازل عن بعض حقه؛ لأن هذا الذي يخدمها لا بد له من أجر.

    طاعة الزوج في امتثال أمره

    خامساً: طاعته في امتثال أمره، إذا أمرها بشيء من حقوقه، كالتزين له، وعدم استعمال شيء له أثر كريه عليها كأكل الثوم والبصل، مثلاً قال لها: أنا لا أريدك أن تأكلي ثوماً ولا بصلاً ولا فجلاً، ولا أريد منك أن تدخني سيجارة حينها، يجب عليها أن تطيعه.

    وكذلك إذا منعها من مزاولة العمل الشاق فيجب طاعته، يعني: بعض النساء مثلاً: ما شاء الله عندها همة عالية، دائماً تغسل، وتطبخ، وتكنس، إلى غير ذلك، لكن هذا يؤثر عليها وعلى إقبال زوجها عليها، وإقبالها على زوجها، تلقاها دائماً مشغولة بالطبخ، والكنس، والغسل، وكذا، وفي كل يوم تغير الأثاث وما إلى ذلك، وتهتم بالأولاد، فعما قليل تشققت يداها، وتجرحت رجلاها، وورم شدقاها، وضعفت ركبتاها، وتمعط شعرها، وشحب وجهها، ثم بعد ذلك الزوج يفتش عن أخرى، وعلى نفسها جنت براقش، فالمفروض أن تكون الزوجة متوازنة في هذا الأمر، فالعمل الشاق الذي يسبب خشونةً في بدنها ونحو ذلك، لو أنه أمرها بألا تقربه، فواجب عليها الامتثال.

    وإذا كان واجباً عليها أن تطيعه في حقوقه، فمن باب أولى أن تطيعه إذا أمرها بشيء من حقوق الله جل جلاله، كما لو أمرها بالغسل من الجنابة، أو من الحيضة، أو لو أمرها بقضاء صيام رمضان، هو يعلم بأنها أفطرت أياماً سبعة مثلاً بسبب ما، فإذا أمرها بالقضاء وجب عليها أن تطيع.

    وكذلك لو أمرها بترك المعاصي كالتبرج أمام الأقارب غير المحارم، يعني: بعض النساء مثلاً: ما عندها مانع أن تجلس أمام بني العمومة، وبني الخئولة بنصف كم، وشعرها قد بدا نصفه وسترت نصفه، وتقول لك: هؤلاء إخواني، نقول: هذا لا يجوز بإجماع المسلمين، هذا غلط، فلو أن الزوج قال لها: اتقي الله! ولا تجلسي مع أجنبي قط ولو كان من أقرب الناس إليك، فواجب عليها أن تطيعه؛ لأن الله عز وجل نهاها عن ذلك، قال سبحانه: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31]، الآية.

    وهذا كله من مسئولية الزوج الذي هو قيم على هذه الأسرة، وقد قال الله عز وجل: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته ).

    وإذا أمر الزوج زوجته بشيء من معصية الله فما ينبغي لها أن تطيعه، ( إنما الطاعة في المعروف ).

    وفي الصحيح: ( أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فتمعط شعر رأسها)، يعني: لسبب من الأسباب تساقط شعرها إما لمرض، أو لتغير جو، أو غير ذلك من الأسباب، ( فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن زوجها يأمرها أن تصل شعرها )، زوجها أمرها بأن تعمل لها شعراً، بدل الشعر الذي تمعط، وهو ما يسميه الناس الآن بالباروكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله الواصلة والمستوصلة )، وهي: التي تصل شعرها بشعر غيرها.

    طاعة الزوج بترك نوافل العبادات

    الحق السادس الداخل ضمن الطاعة: للزوج أن يمنع زوجته من الطاعات غير الواجبة لله عز وجل، كما لو منعها من صيام التطوع، فيجب عليها أن تطيعه، أو الحج التطوع، يعني: مثلاً هي حجت حجة الفريضة، وتريد أن تحج مرة ثانية فقال لها: لا، أنا محتاج إلى بقائك، والأولاد محتاجون إليك، فالواجب عليها أن تطيع في هذه الحالة، والحديث الثابت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، غير رمضان )، فرمضان لا يحتاج إلى إذن، تصوم رغم أنفه، أما غير رمضان فلا.

    هذا هو الحق الأول للزوج على زوجته: حق الطاعة، تطيعه في الوطء، وفي تربية الأولاد، وفي الانتقال إلى بيته، وفي السفر معه، وفي خدمته الخدمة المعقولة من مثلها لمثله، وتطيع كذلك فيما يأمرها به من حقوقه الخاصة، ومن باب أولى حقوق الله عز وجل ، وكذلك تطيعه لو منعها من بعض الطاعات غير الواجبة، وكلمة الواجب تعني: الفرض.

    الحق الثاني: العفة

    الحق الثاني: العفة، والابتعاد عن كل ما يدعو، إلى الريبة، يجب على الزوجة طاعةً لزوجها في طاعة الله عز وجل أن تحافظ على عفتها، وشرفها، وأن تصون عرضها وعرض زوجها وبيتها مما يدنسه، ويدخل تحت ذلك أمور:

    أولاً: لا يحل للمرأة أن تتزين لغير زوجها من الأجانب، والتزين هذا يشمل أشياء كثيرة، منها: التعطر، والتبرج، والتكسر أمامهم في المشية وفي الكلام، قال الله عز وجل: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] ، وقال سبحانه: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] ، وقال: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صنفان من أهل النار من أمتي لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها ظهور الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ).

    ومما يؤسف له أيها الإخوان! أن نساءً لا يعرفن الزينة لأزواجهن قط، فإذا كان ثمة عرس أو حفل في مكان ما فسبحان الله يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ [إبراهيم:48] ، الوجه غير الوجه، والحال غير الحال، والتسريحة، والزينة، والثياب اللماعة، والذهب الذي خزن سنين عدداً يظهر في ذلك اليوم، حتى ربما لو رآها زوجها ما عرفها وقال: ما هي بصاحبتي التي أعرف بوجهها الكالح، وثيابها التي عفا عليها الدهر، الآن هي تلبس شيئاً جديداً، وهذا من تضييع الحق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا )، يعني: زانية.

    ثانياً: لا تأذن في بيتها لغير محرم، ولو كان من أصدق أصدقاء الزوج إذا جاء في غيابه فلا تأذن له أبداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ألا إن لنسائكم عليكم حقاً، ولكم على نسائكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم لمن تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن، وطعامهن )، ومحل ذلك الخلوة، يعني: إذا كانت الزوجة وحدها في البيت، أو معها من لا يستحى منه، معها مثلاً: طفلان واحد عمره أربع سنين، وواحد عمره سنة، أيضاً لا يجوز لها أن تأذن لغير المحرم، ولو كان أخاً للزوج، ولو كان قريبه، ففي الحديث: ( إياكم والدخول على النساء! قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت )، والحمو هو قريب الزوج، لكن إذا جاء جماعة من الناس فلا مانع أن تأذن لهم كما فعلت زوجة أبي الهيثم بن تيهان رضي الله عنهما لما جاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو بكر ، و عمر ، فأذنت لهم حتى جاء زوجها الذي كان يستعذب لهم الماء، رضوان الله على الجميع.

    فإذا كان مع الزوجة أولادها الكبار مثلاً، أو بناتها الكبيرات، أو من يستحى منه، فلا مانع أن تأذن لصاحب الزوج أو لقريبه حتى يأتي الزوج، بشرط: أن تعلم بأن الزوج لا يكره ذلك الشخص، أما إذا كان الزوج يكره فلاناً من الناس، ولا يريده أن يدخل بيته فلا يحل للزوجة أن تأذن له ولو كان من الأقرباء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه ).

    الحق الثالث: الإرضاع

    ثالثاً: من حق الزوج على زوجته: الإرضاع، يجب عليها أن ترضع أولاده منها من غير أجرة، لقول الله عز وجل: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233]، والآية لفظها لفظ خبر، ومعناها: الأمر، أي: ليرضعن أولادهن، كما قال الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، فهذا أمر، أي: عليهن أن يتربصن، وهاهنا أيضاً عليهن أن يرضعن أولادهن.

    الحق الرابع: معاملة الأهل معاملة حسنة

    رابعاً: من حق الزوج على زوجته أن تعامل أقاربه معاملة حسنة، تعامل والديه، وأهله، وأقاربه، معاملة حسنة، لأن هذا من بر الزوج.

    أقول: أيضاً وأن تصبر على بعض ما يكون من أذى، فإن العادة قد جرت أن يكون من بعض أهل الزوج أذى للزوجة، خاصةً إذا كانت غريبة، فليس بالضرورة إن تنقل أي شيء يحصل إلى زوجها، لأنها هنا تضعه في موضع صعب، إما أن يقطع أرحامه، وإما أن يسيء إليها هي ويحملها ما لا تطيق.

    فلو أن المرأة عودت نفسها أن تغض طرفها عن بعض الأذى، وأن تصم أذنيها عن بعض ما تسمع، فإن الله عز وجل سيعوضها خيراً كثيراً.

    الحق الخامس: إلحاق الولد بأبيه

    خامساً: من حق الزوج على زوجته إلحاق الولد بأبيه في الدين والنسب، فالولد ينسب إلى أبيه، وسبحان الله! هذا الكلام يقرره فقهاؤنا من قديم، وما كانوا يدرون بأنه سيأتي على الناس زمان تطالب المرأة فيه بأن ينسب المولود إليها، وهذا للأسف يدعى إليه الآن في بعض بلاد المسلمين، تدعو إليه المنظمات المشبوهة التي تدعي أنها تدافع عن حقوق المرأة، وعن حقوق الطفل، المنظمات التي يسمونها: بمنظمات المجتمع المدني، وهي في غالبها مرتبطةً بجهات أجنبية خارجية تريد أن تحل عرى الأسرة المسلمة المتماسكة، وأن تجعل المرأة المسلمة كقرينتها التعيسة في بلاد الغرب التي ما عادت تعرف لها حقوقاً.

    والآن بعض النسوة اللاتي لا يتقين الله يطالبن بأنه كما ينسب الولد لأبيه، أن ينسب كذلك إلى أمه، فيقال: فلان بن فلان وابن فلانة، وهذه مغالطة، أصلاً الأم لا أحد يشك أنها أمه، لكن الأب هو الذي يحتاج إلى أن ينسب إليه، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الولد للفراش، وللعاهر الحجر ).

    هذه هي حقوق الزوج على زوجته، وهي ستة حقوق: أولها: حق الطاعة.

    ثانيها: التعفف، وصيانة عرضه عن كل ما يشينه، ويطلق ألسنة الناس فيه بالسوء.

    رابعها: أن تحسن معاملة أهله وقرابته، خاصة والديه.

    خامسها: أن تنسب الأولاد إلى أبيهم، ولا تنازعه في ذلك.

    وطبعاً يدخل في ذلك فروع كثيرة، مثلاً: لا تنازعه في التسمية، أنا أريد أن أسمي ولدي مثلاً: إبراهيم، وهي تريد أن تسميه تامر، أو سمسم، أو كذا، لا، التسمية حق للأب، وهذا مما نص عليه علماؤنا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إني رزقت البارحة بولد سميته على اسم أبي إبراهيم )، فالتسمية حق للزوج.

    1.   

    حقوق الزوجة على زوجها

    ننتقل إلى حقوق الزوجة، وحقوق الزوجة على نوعين:

    أول نوع: الحقوق المالية.

    والنوع الثاني: الحقوق المعنوية.

    أما الحقوق المالية فتنقسم إلى قسمين:

    1.   

    الحق الأول: الصداق

    أولاً: الصداق، قال الله عز وجل: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4] ، والصداق يصح أن يكون مالاً، ويصح أن يكون متاعاً، ويصح أن يكون عقاراً، ويصح أن يكون منفعةً، كما قال الله عز وجل على لسان العبد الصالح مخاطباً موسى الكليم: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص:27] ، يعني: تعمل لي في رعي الأغنام ثمان سنين، ولو أنك أكملتها عشراً كثر خيرك، فهذه منفعة.

    وكما أنكح النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً امرأةً على أن يعلمها ما معه من القرآن، وهذه منفعة أيضاً.

    الحق الثاني: النفقة

    الحق الثاني من الحقوق المالية: النفقة، والنفقة تشمل ستة أمور: الطعام، والإدام، والسكن، والأثاث، وآلة التنظيف، وأجرة الخادم إن كانت الزوجة ممن يخدم.

    فيجب عليك أيها الزوج! أن توفر لها الطعام، والطعام يعني: العيش، الخبز، وفي بعض البلاد الأرز، وفي بعضها المكرونة، وفي بعضها الكسرة، وفي بعضها العصيدة، المهم القوت.

    ثم الإدام، والإدام ضروري؛ لأن الخبز لا يؤكل وحده، لا بد من شيء يؤتدم به، وقد نص علماؤنا على أن الطعام فيه الرديء والجيد والأجود، والذي يجب على الزوج أن يبذله حسب طاقته، قال الله عز وجل: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7]، فرب إنسان يطعم زوجته في الفطور فولاً، وفي الغداء عدساً، وفي العشاء طعمية، أو كما في رواية: فلافل، وآخر يطعمها في الفطور بيتزا، وفي الغداء سمكاً، وفي العشاء كبدة، ونحو ذلك.

    والله عز وجل قد بين أن ذلك على قدر الطاقة، قال سبحانه: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7] .

    كذلك في السكن أيضاً، لا يجب عليه أن يسكنها في قصر، وفي كوخ، ولا في كذا، وإنما حسب الطاقة، قال الله عز وجل: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6]، أي: مما تجدون، يعني: من طاقة، ويسر.

    وكذلك الكسوة قال الله عز وجل: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].

    وهذه النفقة لا تستحقها الزوجة إلا إذا توافرت شروط:

    الشرط الأول: إذا دعته للدخول بعد إعطائه المدة الكافية للتجهيز بحسب العرف ولم يدخل؛ لأن الزوجة قد بذلت نفسها، يعني: لو أن رجلاً عقد على امرأة في صفر، وقالوا له: ما عندنا دخول إلا في رجب، وبين صفر ورجب خمسة شهور، فهذه الشهور الخمسة لا تجب عليه فيها النفقة، ولعلكم تحسرتم لأنكم جميعاً أنفقتم، بل بعضهم أنفق السنة والسنتين وهو لم يدخل، فلا يجب عليك النفقة إلا إذا مكنتك من نفسها، قالت لك: أنا جاهزة للدخول، بعد ذلك لو كان التأخير منك فيجب عليك أن تنفق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج بـعائشة ولم يدخل بها، صلى الله عليه وسلم إلا بعد سنتين، ولم يكن في تلك المدة ينفق عليها، فدل ذلك على أن النفقة لا تجب إلا بعد التمكين.

    أما إذا كان الزوج غائباً أو محبوساً فالنفقة واجبة لها.

    الشرط الثاني: أن تكون الزوجة ممن يمكن وطؤها، فإذا كانت صغيرة لا تقدر على ذلك، أو كانت مريضة مشرفة على الموت، فلا تجب لها نفقة قبل الدخول؛ لأنها غير صالحة للاستمتاع.

    الشرط الثالث: أن يكون الزوج قادراً على الوطء، فإذا كان الزوج غير بالغ مثلاً، أو كان مريضاً مرضاً مشرفاً فيه على الموت فلا نفقة عليه قبل الدخول؛ لأنه ميت حكماً.

    والطعام والإدام نقصد به القوت، أي: الخبز أو ما يقوم مقامه، والإدام الذي يسوغه ويصلحه، وما يلزم ذلك من الأمور الضرورية كالبصل، وما يقزح به الطعام كالملح، والبهارات، وما أشبه ذلك فإنه كله مما يجب.

    ويجب للزوجة من الطعام حد الكفاية والشبع، يعني: لا تأتي لها مثلاً في الفطور بنصف عيشة، وفي الغداء نصف عيشة، وفي العشاء نصف عيشة، ثم تتفلسف وتقول لها: إن العيش أصله مضر، كلي من غير عيش وكذا، لا، ليس لك دخل، مضر أم غير مضر، يجب عليك أن توفر لها حد الكفاية والشبع، ويراعى في تقدير مستواه حال الزوج والزوجة معاً.

    طيب، إذا كانت الزوجة غنية، والزوج فقيراً! فإنه لا يكلف بأن يأتيها بمستواها، يعني: لو تعودت هي في بيت أهلها أنها في كل يوم بعد الغداء تتناول ثلاثة أنواع من الفاكهة، وأنت ما عندك، يجب عليك الغداء فقط، ولا تكلف بأكثر من ذلك، وكذلك لو تعودت بعد العشاء أن تأكل أم علي، فلا يجب عليه أن يوفر لها أم علي، فلو تعشت فولاً الحمد لله رب العالمين؛ لأن الله عز وجل قال: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7].

    وعلى العكس لو كان الزوج غنياً وهي فقيرة، يعني: الزوج عنده مليارات، وقد تزوجها فقيرةً، فيجب عليه أن يطعمها مما يطعمه، يعني: لا يتعشى هو بيتزا أو شوارما، ويأتي لها بالفول ويقول لها: قد تعودت عليه، وهذا الأكل يضرك، لا يصح، لا بد أن يطعمها مما يطعم هو، سواءً كانت تأكل قليلاً أو كثيراً، لا بد أن يأتيها بما يشبعها.

    ولا يلزمه أن يعوضها عما فاتها حال مرضها، يعني: لو أصابتها ملاريا أياماً عشرة، فما كانت تجد للطعام طعماً ولا لذة، وإنما تشرب العصير وتعيش عليه، فلا تأتي بعد أن يعافيها الله تطالبك بالبدل عن هذه الأيام، ليس لها شيء.

    ويقدر في النفقة ما جرت به العادة من اللحم، والفاكهة، مراعىً في ذلك حال الزوجين معاً، فيفرض على القادر مثلاً: أن يطعمها لحماً ثلاث مرات في الأسبوع، وفي حق الوسط مرتين، وفي حق ضعيف الحال مرة في الجمعة أو في الشهر.

    والإنسان يعجب من هذه التفاصيل التي يذكرها الفقهاء، لكن لو سمعتم مشاكل الناس تدركون بأن الفقهاء كانوا على حق رحمة الله عليهم.

    أحياناً يتنازع الزوجان في أمور يستحي الإنسان من سماعها، تستغرب كيف وصل بهم الحد أن يحكوا ذلك للمفتي أو للقاضي أو لمن يحكم!

    كذلك يجب على الزوج وهو مما يدخل في النفقة أجرة التوليد، يعني: المرأة في الولادة قد تحتاج إلى مستشفى، قد تحتاج إلى قيصرية، قد تحتاج إلى أجرة القابلة، فهذا كله يجب عليه، ولو كانت مطلقةً طلاقاً بائناً، يعني: لو فرض بأن رجلاً طلق امرأته الطلقة الثالثة وهي حامل، فأجرة التوليد عليه؛ لأنها ضرورية للمرأة لا تستغني عنها مثل النفقة.

    أيضاً أيها الإخوان! الكسوة واجبة للمرأة على زوجها، وهي تقدر بحال الزوجين من الفقر والغنى، وبحال عادة البلد في اللباس، بحيث يلزم الرجل بتوفير ما تلبسه المرأة من قطع اللباس في بلده، ويلزم في ذلك بكسوتين: واحدة للشتاء، وأخرى للصيف، ويجوز الاكتفاء بواحدة إذا كانت تؤدي الغرض صيفاً وشتاءً، يعني: كعادة بلدنا فإن هذا الجو فيه متقارب، يعني: الصيف والشتاء الجو فيهما تقريباً واحد، فكسوة واحدة كافية.

    كذلك مما يدخل في النفقة تكاليف العلاج والزينة، يجب على الرجل أن يوفر لزوجته حطباً تتدخن به، وعطراً تتعطر به، وفحماً، وكذلك الحناء، والدهن، والكحل، وكذلك العلاج، لو احتاجت إليه.

    والغريب أيها الإخوان! أن المذاهب الأربعة يقولون: بأن علاج المرأة ليس واجباً على الرجل، لكن لو تأملنا أيهما ألزم للمرأة الزينة أم العلاج؟ لا شك العلاج! خاصةً بأن بعض الأمراض تتوقف عليها الحياة، كأمراض القلب، وأمراض المخ، والأورام -عافانا الله وإياكم- ونحو ذلك، فيجب على الرجل أن يبذل العلاج لامرأته.

    وكذلك عليه أن يوفر لها سكناً ملائماً يتناسب مع حاله وحالها وأقله حجرة مستقلة بمرافقها المشتملة على مطبخ ومرحاض، يعني: أقل شيء توفر لها غرفة، والغرفة هذه عندها الحمام المستقل والمطبخ. وما جرت عليه عادة بعض الناس بأنه يسكن امرأته مع أهله، والحمام واحد، وفي البيت رجال، عنده إخوانه مثلاً وهم شباب والمرأة تجد حرجاً؛ لأن المرأة مطبوعة على الحياء، فلو أنها ذهبت تغتسل في الحمام فإنها تجد في ذلك حرجاً، نقول: هذا من التضييع والتفريط الذي ما ينبغي للرجل أن يقع فيه.

    مسقطات النفقة

    لكن هناك مسقطات للنفقة: أولها: النشوز، لو أن المرأة نشزت، ترفعت على زوجها، أبت أن تطيعه، يدعوها إلى فراشه فتأبى، يأمرها بأن تصنع له طعاماً فتأبى، فهاهنا لا نفقة لها؛ لأن النفقة مشروطة بالطاعة، قال الله عز وجل: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء:34] .

    فإذا ظهر منها النشوز والعصيان سقطت نفقتها عنه، كما لو أنه امتنع عن النفقة عليها كان لها أن تطلب الطلاق منه، فالحقوق هاهنا متبادلة.

    ثانياً: مما يسقط النفقة الإعسار، يعني: لو فرض بأن الزوج أفلس، ولم يعد عنده شيء ينفقه، ففي هذه الحال لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، والزوجة في هذه الحالة مخيرة: إما أن ترضى بالبقاء مع زوجها من غير نفقة، وإما أن تطلب الطلاق، وعليه أن يطلقها رغم أنفه.

    لكن لو كانت الزوجة مثلاً تعلم بأن زوجها رجل غير مسيك ولا شحيح، وأنه كان ينفق عليها فيما مضى لكن أحاطت به ظروف، فرضيت أن تبقى معه وصبرت فهي مأجورة إن شاء الله.

    وإذا أنفقت الزوجة على نفسها من مالها حال إعسار زوجها، فليس لها بعد يسر الزوج وغناه أن تطالبه بما فاتها من النفقة زمن الإعسار، إذ لا يجب قضاء ما لم يجب أصلاً، يعني: لما كان الزوج معسراً كانت النفقة غير واجبة عليه فإذا أيسر ووسع عليه الأمر فليس للزوجة أن تطالبه وتقول له: في الشهور التسعة التي مضت أنت ما أنفقت علي وقد كنت في كل شهر تدفع إلي ألفاً، ففي ذمتك لي تسعة آلاف، نقول: ليس لها ذلك؛ لأن القضاء لا يجب إلا في شيء قد وجب، أما ما لم يجب أصلاً فلا قضاء له، والزوجة تعد متبرعةً بما أنفقت على نفسها.

    ثالثاً: تسقط النفقة بموت أحد الزوجين؛ لأن النفقة تجب بسبب الزوجية، فإذا مات أحدهما فقد انفصمت عرى الزوجية وانتهت بالموت، ولذلك لو دفع الرجل لزوجته نفقة سنة مقدمة، ثم مات أحدهما بعد أيام أو شهر مثلاً، فإنه يجب رد مقدار نفقة ما بقي من السنة، مثلاً: دفع لها نفقة صفر سنة ثلاثين إلى صفر 1431هـ ومات في ربيع الأول، فيجب عليها أن ترد للتركة الأحد عشر شهراً لتقسم كقسمة الميراث.

    رابعاً: تسقط النفقة بالطلاق البائن، إذا طلقت الزوجة طلاقاً بائناً فلا نفقة لها؛ لحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها حين شكت قلة النفقة وهي بائن، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس لك عليه نفقة )، اللهم إلا في حالة واحدة إذا كانت المطلقة حاملاً، قال الله عز وجل: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:6] .

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، وما قضيت لنا من أمر فاجعل عاقبته رشداً يا رب العالمين، اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، اللهم بارك لنا في أزواجنا، وبارك لنا في أولادنا، وبارك لنا في أموالنا، وقنا شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، واصرف عنا شر الأشرار، وكيد الفجار، وشر طوارق الليل والنهار، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، اللهم اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر، يا أرحم الرحمين، اللهم اجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، واجعله في صحائف حسناتنا يوم نلقاك، اللهم كما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم، وأن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأن تجعلنا إخواناً على سرر متقابلين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.