إسلام ويب

الحجابللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تكريم الله لبني آدم باللباس

    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ[سبأ:1-2]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وعظيمنا محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    أيها المسلمون عباد الله! إن الله تبارك وتعالى كرمنا معشر بني الإنسان! وجعلنا أفضل مخلوقاته، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70]، ومن أنواع هذا التفضيل أن وهب لنا هذه الثياب السابغة التي تواري سوآتنا، وتستر عوراتنا، وتجمل أجسادنا، يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف:26]، وهذه من خصائص بني آدم التي أنعم الله بها عليهم، حيث أنزل عليهم اللباس من أجل أن يكون ستراً وزينة، ستراً لسوآتهم، ومواراة لعوراتهم، وفي الوقت نفسه زينة لأبدانهم.

    إن الله عز وجل أنعم علينا بهذه النعمة العظيمة، وأباح لنا أن نلبس منها ما نشاء، ما لم يكن مخالفاً للشرع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف، ومخيلة )، فإذا فارق الإنسان هاتين الخصلتين الذميمتين: الإسراف، والكبر والخيلاء، فما عدا ذلك أباحه الله عز وجل لنا أن نستمتع به، وأن نتجمل به، وأن نرى أثر نعمة الله علينا، ( إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده )، ولما قال بعض الصحابة: ( يا رسول الله! إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً، قال عليه الصلاة والسلام: ليس ذلك من الكبر، الكبر بطر الحق، وغمط الناس )، ومعنى: (بطر الحق) أي: رده وجحده. ومعنى: (غمط الناس) أي: احتقارهم، والاستهزاء بهم.

    1.   

    صيانة الإسلام للمرأة بالحجاب

    أيها المسلمون! عباد الله، إن الله سبحانه قد جملنا رجالاً ونساء، بهذه الثياب الساترة تمييزاً لنا على سائر المخلوقات، فما رأينا شيئاً من الدواب، ولا من الأنعام، ولا من الطيور تكسى ثياباً، ما رأينا شيئاً من ذلك إلا في بني الإنسان، وكلما كان الإنسان أستر لنفسه، وأكثر تحفظاً في ثيابه، كان ذلك دالاً على مكانة دينه، وإذا رقت ثياب المرء رق دينه في حق الرجل والمرأة على السواء، لكنه في حق المرأة آكد وألزم وأوجب، حيث فرض الله عليها من التستر والصيانة ما لم يفرضه على الرجل، فقال مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الأمر مهم وخطير، ومعنى قل لأزواجك أي: ابدأ بأهل بيتك، وبناتك، ثم الخطاب العام (ونساء المؤمنين)، يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59]، أي: ذلك أدنى أن يعرفن بأنهن من الحرائر اللائي لا يبغين ريبة، ولا يدخلن أنفسهن مداخل الشك، (فلا يؤذين) أي: لا يتعرض لهن الساقطون ومن في قلوبهم مرض: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]، وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك قال الله مخاطباً نساء رسوله: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:32-33]، (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) التبرج: هو الظهور، ولذلك يقال للبناء المرتفع الذي يظهر على الأرض (برج): (تبرج الجاهلية الأولى) نسب الله التبرج إلى الجاهلية، إلى الحقبة التي كانت قبل الإسلام، حين كانت المرأة توأد وتهضم حقوقها، حين كانت المرأة لا قيمة لها، تورث كما يورث المتاع، لا وزن لها ولا رأي، فالله جل جلاله ينسب التبرج إلى تلك الحقبة المظلمة، (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) أي: لا تظهرن محاسنكن، ولا تبدين زينتكن، لا تلفتن الأنظار إليكن، والله عز وجل يخاطب بذلك أشرف النساء وأطهرهن، أمهات المؤمنين، زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الخطاب للمؤمنات كافة: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]، ومعنى: (إلا ما ظهر منها) أي: الوجه والكفان على رأي بعض أهل العلم، أو الزينة الظاهرة من الثياب ونحوها على رأي آخرين.

    الأصناف الذين تظهر المرأة زينتها عندهم

    قال تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [النور:31]، فحرام على المرأة المسلمة أن تظهر ما سوى الوجه والكفين إلا لاثني عشر صنفاً من الناس، إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] وهم الأزواج، أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] أبو الزوج، أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31]، فهؤلاء اثنا عشر صنفاً لا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي زينتها أمام أحد سواهم، هذا هو شرع ربنا أيها المسلمون عباد الله! فليس الحجاب أمراً من واحد من البشر، ولا هو لائحة من حاكم من الحكام، وإنما رب العالمين جل جلاله الذي فرض على المرأة المسلمة أن تصلي وأن تصوم، وأن تحج وتعتمر، وأن تتصدق، هو الذي فرض عليها أن تحتجب، إنه أمر من الله عز وجل من فوق سبع سماوات.

    مسارعة المؤمنات في لبس الحجاب

    ولقد سارع المؤمنات الطيبات إلى الالتزام به، والخضوع له؛ لأنه أمر ممن خلق الخلق، ممن خلق الذكر والأنثى، ممن يعلم السر والنجوى، ممن لا يحابي ولا يظلم، ولا يجور ولا يحيل جل جلاله: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: يرحم الله نساء الأنصار الأول، لما نزلت آية الحجاب شققن مروطهن فاعتجرن بها، ما انتظرن رضوان الله عليهن إلى أن يجدن مالاً فيبتعن ثياباً، ولا انتظرن إلى أن تأتي من الثياب ما يناسب أذواقهن، وإنما بادرن إلى تنفيذ أمر الله عز وجل، وشققن مروطهن فاعتجرن، أو فاختمرن بها، هذه هي المسارعة إلى أمر الله: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].

    صفة حجاب المرأة المسلمة

    أيها المسلمون عباد الله! إن الحجاب الذي ألزم الله به المرأة المسلمة ليس مجرد غطاء للرأس كما يظن كثيرات، وإنما الحجاب الذي ألزم الله به المسلمة إذا بلغت مبلغ النساء: أن يكون سابغاً ساتراً، وأن يكون فضفاضاً واسعاً، وأن يكون صفيقاً ساتراً لا يشف عما تحته، ولا يكون مشابهاً للباس الرجال، ولا للباس الكافرات، ولا يكون زينة في نفسه، فلا تلبس المرأة تلك الألوان الزاهية، التي تلفت أنظار الرجال إليها، فهذا هو تبرج الجاهلية الذي نهى الله عنه.

    حث المؤمنة على ترك العطر والبخور حال خروجها ولو إلى المسجد

    المرأة المسلمة مأمورة بأن تستر بدنها كله، لا تبدي زينتها، ولو كانت تلك الزينة وسوسة حلي، ولو كانت تلك الزينة عطراً: ( أيما امرأة خرجت من بيتها متعطرة فمرت على قوم فشموا ريحها فهي زانية )، هكذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( أيما امرأة مست بخوراً فلا تشهدن معنا العشاء الآخرة )، ولو كانت خارجة إلى المسجد فلا تتعطر، ولو كانت ذاهبة إلى بيت الله لأداء فريضة من فرائض الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعها من أن تمس عطراً، هذا كله أيها المسلمون عباد الله! صيانة للمرأة، وصيانة للرجل، ليكون مجتمعاً عفيفاً نظيفاً، طاهراً شريفاً، لا مكان فيه لريبة ولا خيانة، يطمئن الواحد منا على ابنته، وعلى أخته، وعلى زوجه، مجتمع طاهر عفيف، هذا الذي يريده الله عز وجل لنا.

    استشراف الشيطان للمرأة عند خروجها

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن المرأة عورة، وإنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان )، ومعنى: (استشرفها الشيطان) قال أهل الحديث: الاستشراف: أن يقف المرء على أطراف قدميه، ويضع كفه على جبينه، كحال من يريد أن يرى شيئاً من بعيد، فالشيطان يستشرف المرأة إذا خرجت من بيتها، فإذا وجدها محتجبة محتشمة عفيفة، خرجت على الصفة التي يحبها الله عز وجل، انصرف عنها ونأى وأعرض، فما هي بصاحبته، ولا هي حبل من حبائله، أما إذا خرجت متبرجة متعطرة متزينة، كاشفة ما أمر الله بستره، لبست القصير والضيق، فهذه هي صاحبته التي يزين بها الفاحشة، ويهيئ بها المنكرات، ويسول لكل من كان في قلبه مرض أن يقع معها فيما حرم الله عز وجل، إما أن ينظر إليها نظرة لا تحل، وإما أن يتحرش بها، وإما أن يلامسها، وإما أن يذهب إلى أبعد من ذلك، وكله في دين الله حرام، ( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما )، ( غض بصرك فإنما لك الأولى وعليك الثانية ).

    1.   

    مسئولية المؤمنين في تطبيق شريعة رب العالمين

    إن تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلنا مسئول عن إنفاذها، الأب مسئول، والأم مسئولة، والمعلم مسئول، وكذلك من كان على إدارة، أو على مدرسة، أو على جامعة، فإنه مسئول عن إنفاذ هذه الشريعة: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات:24]، لن يغني أحدٌ عن أحد: لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة:3]، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89]، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:93-95]، إن أماً تزين بنتها لتخرج إلى عرس من الأعراس حيث الرجال والنساء، أو إلى حفل، أو إلى جامعة أو مدرسة هي أم لا تتق الله في ما استرعاها، ( الأم راعية في بيت زوجها، ومسئولة عن رعيتها )، سيسألك الله عز وجل عن هذه البنت التي هي تحت رعايتك، ولحظك، ونظرك، هل أقمت حكم الله عز وجل فيها، هل ألزمتها بما شرع الله عز وجل لها، هذا أمر لا بد أن تنتبه إليه الأم، وينتبه إليه الأب، فإن بعض الآباء يظن أنه إذا صلى في المسجد خمساً، وقرأ قرآناً بعد ذلك قد برئت ساحته، وبعضهم يتأول خطأً قول ربنا جل جلاله: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، ولا يكمل الآية: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256]، والرشد فيما أمر الله به، والغي في مخالفة أمر الله عز وجل: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256]، ومن الكفر بالطاغوت أن نكفر بالجاهلية، وشرائعها، ونظمها، وأخلاقها، وعاداتها، ومن إيماننا بالله عز وجل: أن نعتقد أن الخير كله، والحق كله، والفضل كله، والمصلحة كلها فيما أمر الله عز وجل به، أو فيما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلنا مسئول، وكلنا سيحاسب، وكلنا سيقف بين يدي الله عز وجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ).

    اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، وتوبوا إلى الله واستغفروه.

    1.   

    الموقف من الدعاة إلى نشر الفاحشة في المجتمعات المسلمة

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين، لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كلٍ، وصحب كلٍ أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

    أما بعد:

    أيها المسلمون! فاتقوا الله حق تقاته، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

    فاعلموا إخوتي في الله! أن صنفاً من الناس قد فسدت أخلاقه، وانتكست طباعه، وانحرف سلوكه، ولا يرضى بالفساد لنفسه حتى ينشره بين الناس، هذا الصنف هم الذي عناهم الله عز وجل حين قال: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور:19]، صنف من الناس لا تطيب نفسه إذا رأى المسلمات عفيفاتٍ طاهراتٍ محتشماتٍ وقورات، قد سترن ما أمر الله بستره، يريد للناس أن ينطلقوا كالبهائم، ثم يجمل هذه البهيمية بعبارات رقراقة جذابة، وربما يتحدث عن المساواة بين الجنسين، وربما يتحدث عن المواطنة، وربما يتحدث عن المسئولية المشتركة، وربما يقول: إن المرأة لا بد أن تحقق شخصيتها، وتؤكد ذاتيتها، وقد مضى عصر الحريم، وأن المرأة قد انطلقت في مجالات العلم، واخترقت أجواء الفضاء إلى غير ذلك من العبارات، وكأنهم يريدون أن يجعلوا الحجاب في مقابل العلم، إما الحجاب، وإما العلم.

    وغير خافٍ على كل عاقل أنه لا تعارض ألبتة، فقد تبلغ المرأة أعلى مقام العلم وهي ملتزمة بحجابها، محافظة على عفافها، تعلم أن الحياء تاجها ووقارها، وأنها كلما كانت خفيضة الصوت، غضيضة الطرف، حافظةً لجسدها، كلما كانت أرفع عند الله مقاماً، وأعظم أنوثة وجمالاً، هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نعلمها بناتنا منذ نشأتهن الأولى، بأن المرأة كلما كانت متسترة متعففة، كلما كان صوتها خفيضاً، وكلما نأت بنفسها عن مخالفة الرجال، كلما كان ذلك أعظم لشخصيتها، وأجدر في تحقيق ذاتيتها، ثم بعد ذلك لتذهب في العلم إلى أعلى المقامات، فإن قدوة نسائنا أمنا عائشة رضي الله عنها الذي قال عنها بعض التابعين: أحلف بالله لقد رأيت الأكابر من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم يأتون عائشة يسألونها عن الفرائض والأحكام، وكانت رضي الله عنها في أعلى درجات الحجاب: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53]، فكانت رضي الله عنها أعلم الناس بالفقه، والطب، واللغة، تحفظ كتاب الله عز وجل، وهي أكثر الصحابة رواية للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي هريرة ، و جابر بن عبد الله ، و عبد الله بن عمرو بن العاص رضوان الله على الجميع، فلا تعارض ألبتة بين أن تكون الفتاة فقيهة، أو طبيبة، أو محاسبة، أو مهندسة، أو كيميائية، أو إحصائية، أو غير ذلك من ضروب العلوم النافعة، وبين أن تكون في حجابها ووقارها.

    لكن هؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا جعلوا بين الأمرين تناقضاً، حتى تحولت كثير من الجامعات إلى معارض للأزياء، تأتي الفتاة لا فخورة بعقلها، ولا متقدمة في علمها، وإنما من أجل أن تعرض جسدها، وهم في سن الصبا دون العشرين، أو فوقها بقليل يأتون إلى الجامعات على هذه الصورة المنكرة، وكثير من المسئولين في الجامعات لا يحركون ساكناً تحت دعوى الحرية، وأنه لا إكراه في الدين، وأن هذه ليست مسئوليتهم، أو خوفاً من أن ينتقدهم ويسلط عليهم ألسنة حداداً من لا يرجون لله وقاراً، وحين قام رجل مؤمن وهو مدير جامعة السودان قبل أيام معدودات بفرض الزي المحتشم على الطالبات، ما فرض عليهن نقاباً، ولا زياً موحداً، وإنما قال: ممنوع أن تلبس بنطالاً، وممنوع أن تلبس ثياباً قصيرة، أو ثياباً شفافة، وممنوع أن تكشف عن رأسها، هذا هو شرع الله عز وجل، والرجل ما زاد على أن أنفذه، وأراد أن يجعله واقعاً، كانت النتيجة أن تحركت العقارب والحيات من داخل الجامعة وخارجها، يحرضون الطالبات على أن يتظاهرن، وعلى أن يعتصمن، وأن يعقدن مؤتمرات، ويشجعوهن على ذلك كتاب الأعمدة، هكذا أرادوا.

    إنني أقول أيها المسلمون! عباد الله! المسئولية مسئوليتنا جميعاً، آباء، وأزواجاً، ورعاةً، وحكاماً، ومدراء، سنوقف جميعاً بين يدي الله عز وجل ليحاسبنا على ذلك كله، فلنعد للسؤال جواباً.

    أسأل الله عز وجل أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ولا يجعلنا أتباعه، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، اللهم ارزق نساءنا وبناتنا الستر والعفاف، وأعنهن على أمر دينهن ودنياهن، ووفقهن لما تحب وترضى يا أرحم الراحمين! ويا أكرم الأكرمين!

    اللهم إنا نسألك لإخواننا في ليبيا، وفي سوريا، وفي اليمن فرجاً قريباً، ونصراً عزيزاً، اللهم اجبر كسرهم، اللهم فك أسرهم، اللهم أحسن خلاصهم، اللهم ارحم شهداءهم، اللهم داو جرحاهم، اللهم كن لهم ناصراً ومعيناً يا أرحم الراحمين! ويا أكرم الأكرمين! اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا، ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن بنى هذا المسجد المبارك، ولمن عبد الله فيه، ولجيرانه من المسلمين والمسلمات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى جميع المرسلين.