إسلام ويب

التحذير من أعياد الكفارللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله لكل أمة عيدا يحتفلون به ويظهرون نعمة الله عليهم في أعيادهم، وخص الله المسلمين بثلاثة أعياد: عيد الجمعة وعيد الفطر وعيد الأضحى، وجعل الله لهذه الثلاثة الأعياد مظاهر تعبدية يتعبد المسلمون بها، وحرم الشرع الحكيم الاحتفال بأعياد الكفار لأنها أعياد كفرية، فمن احتفل بها فقد عظم الكفر والعياذ بالله

    1.   

    أعياد المسلمين

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    أيها الفضلاء! فالحديث في هذا الدرس إن شاء الله يتناول التحذير من الأعياد المحدثة التي تواطأ على الاحتفال بها فئام من المسلمين، أعني بذلك: الأعياد التي ارتبطت بأديان سوى دين الإسلام، وكنت أظن أن البلاء يقتصر على هذه البلاد وما جاورها حين نرى جماعات من شباب المسلمين، بل من شيوخهم ونسائهم يعمدون إلى الاحتفال بما يسمى بعيد الميلاد، وكذلك الاحتفال برأس السنة الميلادية، كنت أظن أن البلاء قريب، لكنني قبل أيام كنت في بعض بلاد الإسلام التي لا يكاد يوجد في أهلها كافر قط، وإنما كلهم على دين الإسلام، فوجدت أن لهذه الأعياد شأناً عظيماً، حتى إنهم ليزينون الفنادق والشوارع، ويهيئون الأسباب، ويفرغون وسائل للاحتفال بهذه الأعياد الكفرية، ونعلم أن وسائل التغريب التي تعمل في بلاد المسلمين على تمييع الشخصيات الإسلامية، وتذويبها تهون من شأن هذه المظاهر من أجل أن يعتادها الناس ويألفوها، ولا بد في هذا الدرس إن شاء الله أن نبين جملة من المسائل المتعلقة بهذا الشر المستطير، وأسأل الله عز وجل أن يهدينا جميعاً سواء السبيل.

    يا أيها الإخوة الكرام! النصوص الشرعية قد تواترت في حصر الأعياد التي ينبغي أن يحتفل بها المسلمون في أعياد ثلاثة: عيد أسبوعي يتكرر في كل أسبوع، وهو عيد الجمعة، ثم هناك عيدان سنويان أحدهما يكون عقب عبادة الصيام، والآخر يكون عقب الوقوف بعرفة، وكل الأعياد الثلاثة المظاهر فيها مظاهر تعبدية، ذكر ودعاء وصلاة وصدقة وإطعام للطعام، وما أشبه ذلك، فيخرج المسلمون في هذه الأعياد الثلاثة، وقد لبسوا من أحسن ثيابهم، وتعطروا وتطيبوا، يخرجون إلى بيوت الله عز وجل، أو إلى المصلى، فيكبرون ويهللون ويذكرون الله عز وجل ذكراً كثيراً، ويتبعون ذلك أو يسبقونه بالصدقات، أو نحر الأضاحي، ونحو ذلك من المظاهر التي هي ذكر وشكر وعبادة لله عز وجل، وتقرب إليه بما يرضيه، هذه أعيادنا معشر أهل الإسلام.

    وفي حديث أنس رضي الله عنه قال: ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال عليه الصلاة والسلام: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم الأضحى )، فقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما )، يعني: أنه لا يجوز الجمع بين هذين العيدين الجاهليين المحدثين، وبين العيدين الإسلاميين اللذين نزلا من عند الله عز وجل، يعني: ما يمكن للمسلم أن يجمع بين أعياد الإسلام وأعياد الجاهلية، وبين أعياد المسلمين وأعياد الكفار، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( دخل عليّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بغناء يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، يعني: ما كانتا تحترفان الغناء، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ! إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا )، انتبه! قال صلى الله عليه وسلم: ( إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا ) فهنا حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد المسلمين في ذلك اليوم، وبين أن لكل قومٍ عيداً من مسلم أو كافر، كما قال الله عز وجل: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ [الحج:67]، لكل قومٍ عيد، فلا يمكن للمسلم أن يكون مائعاً ذائباً حيث يحتفل بأعياد أهل الإسلام وأعياد أهل الجاهلية، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( هذا عيدنا ) يقتضي حصر عيدنا في هذا، وليس لنا عيد سواه، قال تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة:148].

    وحسبنا أيها الإخوة الكرام قول نبينا عليه الصلاة والسلام: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) أي: مردود عليه لا قيمة له. ثم هناك مسألة لا بد من التنبيه عليها، وهي أننا معشر المسلمين قد نهينا عن التشبه بالكفار، لا نتشبه بهم في عباداتهم، ولا في هيئاتهم، ولا في ألفاظهم، ولا نتشبه بهم كذلك في أعيادهم، وقد تواترت الأدلة الشرعية على ذلك، وهناك نصوص تنهى عن مطلق التشبه بهم، كقول الله عز وجل: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية:17-19]، فأخبر الحق سبحانه وتعالى أنه جعل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون.

    وقوله جل جلاله: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:18] يدخل في الاسم الموصول (الذين لا يعلمون) كل من خالف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم من يهودي أو نصراني، أو بوذي أو مجوسي، أو ملحد أو دهري، كل هؤلاء قد خالفوا شريعته عليه الصلاة والسلام، فهم من الذين لا يعلمون، وأهواؤهم: هي ما يهوونه، أي: ما يحبونه وما تزينه لهم شياطينهم.

    وقال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105]، فنهانا ربنا جل جلاله عن مشابهة اليهود والنصارى الذين تفرقوا واختلفوا، فصاروا أحزاباً وشيعاً وجماعات وفرقاً، وكلما كان الإنسان أبعد عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا، كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة التي نهينا عنها، وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، وهذا حكم خطير من نبينا عليه الصلاة والسلام: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، ولذلك قال الإمام أبو العباس بن تيمية عليه رحمة الله: وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، فظاهر هذا الحديث يقتضي أن المتشبه بالكفار كافر، لكن لو لم نقل بهذا الظاهر، فأقل الأحوال أن يقول: يحرم التشبه بهم.

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟! قال: فمن؟ )، يعني: من غيرهم، وفي حديث أبي هريرة : ( قيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا أولئك )، يعني: ينهانا عليه الصلاة والسلام عن اتباع سنن من كان قبلنا، سواء كانوا من أهل الكتاب كالروم، أو كانوا من غيرهم كالفرس المجوس، قال ابن بطال رحمه الله: أعلم صلى الله عليه وسلم أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور، والبدع والأهواء، كما وقع للأمم من قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخرة شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائماً عند خاصة من الناس.

    إذاً: أيها الإخوة الكرام! قول ربنا جل جلاله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا [آل عمران:105]، وقوله تعالى: وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الروم:31-32]. كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53]، قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( لتتبعن سنن من كان قبلكم )، هذه كلها نصوص تنهى عن مطلق التشبه، وهناك نصوص أخرى تنهى عن التشبه بهم في أمور مخصوصة، و من ذلك مثلاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن نصبغ الشيب، وأن نغيره، وعلل ذلك بالمخالفة، قال عليه الصلاة والسلام: ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم )، ولذلك كان كبار الصحابة كـأبي بكر و عمر رضي الله عنهما يصبغون بالحناء والكتم، وأما النبي عليه الصلاة والسلام فإن الله عز وجل قد توفاه وليس في رأسه ولا لحيته عشرون شعرة بيضاء، والمقصود بأن النبي عليه الصلاة والسلام، أمرنا بصبغ الشيب وتغييره، وعلل ذلك بمخالفة اليهود والنصارى.

    وكذلك أمرنا صلوات ربي وسلامه عليه بأن نلتزم في سمتنا بهيئة معينة، قال عليه الصلاة والسلام: ( خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى )، فأمرنا عليه الصلاة والسلام أن نقص شواربنا وأن نوفر لحانا، ليس كما يصنع بعض الناس الآن، حيث تجد شاربه: كثاً ضخماً، ثم إن لحيته إما أن يجزها جزاً، ويحلقها حلقاً، وإما أن يدع منها شعيرات لا تكاد ترى، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يأمرنا في الشارب؛ لأنه على الفم الذي هو مدخل الطعام والشراب بأن نحفه، وأن نخففه وأن نقصه ويأمرنا صلوات ربي وسلامه عليه بأن نوفر اللحى ونوفيها.

    وعن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم )، فاليهود كانوا لا يصلون في النعال ولا في الخفاف، فأمرنا صلى الله عليه وسلم بأن نصلي في نعالنا، ولذلك المسلم يحيي هذه السنة أحياناً كما لو صلى مثلاً في فضاء من الأرض، أو صلى في مكان يعني: غير المسجد ليس فيه فرش فإنه يستحب له أن يحيي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي في نعليه.

    1.   

    النهي عن التشبه بالكفار والاحتفال بأعيادهم

    وكذلك نهانا صلوات ربي وسلامه عليه عن التشبه بهم في أعيادهم، يقول أهل العلم: والتشبه بالمشركين وموافقتهم في أعيادهم لا تجوز من طريقين: الطريق الأول العام، وهي النصوص التي مضت التي تنهى عن موافقة أهل الكتاب والتشبه بهم فيما ليس من ديننا ولا عادة سلفنا، وقولنا: (فيما ليس من ديننا) يعني: لا أحد يأتي فيقول: القساوسة والحاخامات قد طالت لحاهم، فينبغي أن نخالفهم فنحلق لحانا أو نخففها، فهذا نقول له: لا؛ لإن إعفاء اللحى من ديننا ومن هدي سلفنا. بل إن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان كث اللحية تملأ لحيته صدره عليه الصلاة والسلام، وكذلك أصحابه رضوان الله عليهم، ومن قبل ذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال هارون وحكى عنه القرآن: يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [طه:94]، وقد ( لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في السماء الخامسة، فإذا هو شيخ عظيم اللحية عظيم العثنون، ما رأيت شيئاً أجمل منه قط )كما قال عليه الصلاة والسلام. فالمقصود من هذا الكلام بأننا منهيون عن موافقة أهل الكتاب فيما ليس من ديننا ولا عادة سلفنا. والسؤال الذي يطرح نفسه أيها الإخوان: هل من ديننا وعادة سلفنا أن نحتفل بالكرسمس أو برأس السنة؟ هل كان الآباء والأجداد يحتفلون بهذه الأعياد الكفرية؟ لو أي إنسان منا طرح هذا السؤال على نفسه فالجواب معلوم.

    النصوص من القرآن في النهي عن الاحتفال بأعياد الكفار

    والطريق الثاني في نفس أعياد الكفار: النهي عن الاحتفال بهذه الأعياد من الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقول ربنا جل جلاله: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان:72]، وهذه الآية قد تأولها غير واحد من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وغيرهم بأنهم لا يشهدون أعياد الكفار.

    فقد روى أبو بكر الخلال في الجامع بإسناده عن محمد بن سيرين وكان سيداً من سادات التابعين أنه قال: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72]، قال: هو الشعانين، عيد من أعياد الكفار، وقال مجاهد بن جبر وهو أحد أبرز تلاميذ عبد الله بن عباس قال: لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان:72] أعياد المشركين، وكذلك قال الربيع بن أنس : أعياد المشركين، الله عز وجل مدح في هذه الآية من لا يشهدونها، ولا يحضرونها، فكيف بالموافقة فيما يزيد على ذلك، كيف بمن صنع الطعام، وتربص بذلك اليوم وانتظره انتظار المشتاق الهائم، وخرج فرحاً مسروراً يصنع ما يصنع

    أولئك القوم، بل أثنى عليهم وحمدهم، ولا يخفى عليكم بأن الله عز وجل سمى تلك الأعياد زوراً.

    النصوص من السنة في النهي عن الاحتفال بأعياد الكفار

    وأما في السنة فما مضى من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى قد أبدلكم بهما خيراً منهما )، لما قدم المدينة ولأهلها يومان يلعبون فيهما، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إن الله تعالى قد أبدلكم بهما -أي: بهذين اليومين الجاهليين- خيراً منهما يوم الفطر ويوم الأضحى )، وما ينبغي الجمع بين البدل والمبدل منه، يعني: مثلاً الإنسان هل يجمع بين الوضوء والتيمم؟ الجواب: لا ما يجمع بينهما، أي لا يجمع بين البدل والمبدل منه، فكذلك ههنا لا يجمع المسلم الموحد بين الاحتفال بأعياد المسلمين التي هي عبادة وقربة، وصلة للأرحام وإحسان للناس، وذكر وشكر لله عز وجل، وبين أعياد الكفار التي هي فسق ومجون وزيغ عقدي، وصد عن سبيل الله عز وجل.

    والحديث الثاني: حديث ثابت بن الضحاك قال: ( نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذبح إبلاً ببوانة وبوانة موضع، فأتى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله، قال: لو نذرت أن أذبح إبلاً ببوانة، فقال عليه الصلاة والسلام: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعياد أهل الجاهلية؟ قالوا: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم)، والنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث سأل سؤالين عن بوانة: هذا المكان الذي نذرت فيه أن تذبح إبلاً، هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية ، يعني صنم؟ قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فدل ذلك على أن الذبح بمكان عيدهم ومحل أوثانهم معصية لله عز وجل، وأنتم تعرفون بأن كثيراً من الناس الآن يصنعون الطعام، ويخرجون إلى الحدائق والمتنزهات، ولربما يلبسون الجديد، ينشأ صغارهم وقد ارتبطوا بهذه الأيام الجاهلية والأعياد الكفرية، ويكون الإثم على الأبوين اللذين ميعا عقيدة الولاء والبراء وضيعاها.

    وكلمة العيد مشتقة من العود؛ لأنه يعود عاماً بعد عام، والعيد يجمع أموراً، ومن ذلك: اجتماع الناس فيه، ومن الأعمال التي يقومون بها في العيد، بعضها عبادات، وبعضها عادات، مثلاً في العيد الناس يصلون، ويكبرون ويهللون، ومن العادات: أنهم يصنعون أطعمة معينة، يعني: جرت عادة الناس مثلاً في الزمان المتأخر بأنهم في عيد الفطر يصنعون نوعاً من الخبائز، وفي عيد الأضحى يصنعون أطعمة معينة، أو شراباً معيناً، ونحن لا نقول بأن هذا مستحب ولا واجب، ولا كذا، وإنما هو مباح، يعني: لا حرج فيه. وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقاً، وقد يختص بزمان معين، مثلاً الزمان كيوم الجمعة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيداً )، وكذلك الاجتماع، يقول ابن عباس رضي الله عنهما:( شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) وكذلك كلمة العيد قد تطلق على المكان كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تتخذوا قبري عيداً )، أي: تجتمعون عنده، وقد يكون لفظ العيد اسماً لمجموع اليوم والعمل فيه، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر :( دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا.)

    فلذلك أيها الإخوة الكرام! لو أن الإنسان احتفل مع هؤلاء بأعيادهم الكفرية، فقد عظمها من حيث يشعر أو لا يشعر، وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفعل شيئاً من أعياد الجاهلية على أي وجه كان؛ لأن أعيادنا مخصوصة، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غدٍ )، يعني بذلك يوم الجمعة عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا يوم قد هدانا الله له، وأولئك قد اختلفوا فيه، فاختار اليهود يوم السبت، واختار النصارى يوم الأحد، ونحن المسلمين قد هدانا الله ليوم الجمعة، ولذلك نهانا صلى الله عليه وسلم عن إفراده بالصيام ،ففي الحديث( لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم على واحدة من أمهات المؤمنين يوم الجمعة، فوجدها صائمة، قال لها: أصمت بالأمس؟ قالت: لا، قال: أتريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري ) ، يعني: إما أن تصوم مع الجمعة الخميس، أو تصوم مع الجمعة السبت، أما إفراده بالصيام فقد نهانا عنه صلوات ربي وسلامه عليه.

    ‏3_1 إجماع العلماء عل حرمة الاحتفال بأعياد الكفار :-

    وأما الإجماع أيها الإخوة الكرام! فقد تواتر عند المسلمين خاصتهم وعامتهم بأن هذه الأمة خيرها في أولها، وعافيتها في أولها، ففي القرون المفضلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: ( خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ما عهدنا أن المسلمين في تلك القرون المفضلة كانوا يحتفلون بشيء من تلك الأعياد لا بعيد النيروز الذي كان يحتفل به المجوس، ولا بأعياد الجاهلية التي كانت معروفة في الجزيرة العربية، ولا بشيء من أعياد اليهود ولا النصارى، ثم في شروط عمر رضي الله عنه التي اتفق عليها الصحابة وسائر الفقهاء- وهذا في زمان عزة الإسلام وقوته- أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، فإذا كان عمر يشترط على الكفار الأصليين ألا يظهروا أعيادهم، فهل يسمح للمسلمين أن يحتفلوا بها؟ يعني: واضح هاهنا القياس الأولوي بأن الكافر الذي يعتقد تعظيم هذا العيد، وينتظره، إذا كان منهياً عن إظهاره والإعلان بشعائره فيه، فكيف يسوغ للمسلم أن يشاركهم في شيء من ذلك؟!

    وقد روى البيهقي في باب كراهة الدخول على أهل الذمة في كنائسهم، والتشبه بهم، بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم)، وللأسف هذه سنة سيئة قد تواطأ عليها الناس في هذه السنوات المتأخرة، بأنهم يشكلون وفوداً يطوفون على هذه الكنائس في أعيادهم ويهنئونهم، وربما يأكلون من طعامهم، ولهم في ذلك شبهات سنعرض لها إن شاء الله تعالى.

    وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: (من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم -عيد النيروز وهو من أعياد المجوس- ومهرجانهم) وأيضاً المهرجان هذه الكلمة نفسها كلمة فارسية، قال رضي الله عنه: (من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة)، فهذا عمر رضي الله عنه ينهى، وهذا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يتكلم بهذا الوعيد الشديد الذي لا يقال مثله بالرأي، ويجعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار والعياذ بالله، فكيف يتأتى لمسلم أيها الإخوة الكرام! بأن يقول: بأن هذا الأمر لا شيء فيه، ولا حرج على المسلم أن يفعل.

    إجماع العلماء على حرمة الاحتفال بأعياد الكفار

    وأما الإجماع أيها الإخوة الكرام! فقد تواتر عند المسلمين خاصتهم وعامتهم بأن هذه الأمة خيرها في أولها، وعافيتها في أولها، ففي القرون المفضلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ما عهدنا أن المسلمين في تلك القرون المفضلة كانوا يحتفلون بشيء من تلك الأعياد لا بعيد النيروز الذي كان يحتفل به المجوس، ولا بأعياد الجاهلية التي كانت معروفة في الجزيرة العربية، ولا بشيء من أعياد اليهود ولا النصارى، ثم في شروط عمر رضي الله عنه التي اتفق عليها الصحابة وسائر الفقهاء- وهذا في زمان عزة الإسلام وقوته- أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، فإذا كان عمر يشترط على الكفار الأصليين ألا يظهروا أعيادهم، فهل يسمح للمسلمين أن يحتفلوا بها؟ يعني: واضح هاهنا القياس الأولوي بأن الكافر الذي يعتقد تعظيم هذا العيد، وينتظره، إذا كان منهياً عن إظهاره والإعلان بشعائره فيه، فكيف يسوغ للمسلم أن يشاركهم في شيء من ذلك؟!

    وقد روى البيهقي في باب كراهة الدخول على أهل الذمة في كنائسهم، والتشبه بهم، بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم)، وللأسف هذه سنة سيئة قد تواطأ عليها الناس في هذه السنوات المتأخرة، بأنهم يشكلون وفوداً يطوفون على هذه الكنائس في أعيادهم ويهنئونهم، وربما يأكلون من طعامهم، ولهم في ذلك شبهات سنعرض لها إن شاء الله تعالى.

    وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: (من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم -عيد النيروز وهو من أعياد المجوس- (ومهرجانهم) وأيضاً المهرجان هذه الكلمة نفسها كلمة فارسية، قال رضي الله عنه: (من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة)، فهذا عمر رضي الله عنه ينهى، وهذا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يتكلم بهذا الوعيد الشديد الذي لا يقال مثله بالرأي، ويجعل ذلك من الكبائر الموجبة للنار والعياذ بالله، فكيف يتأتى لمسلم أيها الإخوة الكرام! بأن يقول: بأن هذا الأمر لا شيء فيه، ولا حرج على المسلم أن يفعل.

    1.   

    الأعياد وشرعيتها

    يا أيها الإخوة الكرام! الأعياد من جملة الشرع، ولسنا مخولين في أن نحدث أعياداً من تلقاء أنفسنا، قال الله عز وجل: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ [الحج:67]، كما أن لكل أمة قبلة، ولكل أمة صلاة، ولكل أمة صياما، ولكل أمة حجا، كذلك لكل أمة عيد، يعني: حتى من ليسوا على دين مثل: الصينيين، وأعني: غير المسلمين ،فهؤلاء لا يعرفون حلالاً ولا حراماً، ولا هدياً ولا نظاماً، ولا عبادة، لكن عندهم أعيادهم التي يعظمونها، وعندهم رأس السنة الصينية، واليهود عندهم رأس السنة العبرية، وهؤلاء الأقباط عندهم رأس السنة القبطية لكل قوم عيد، لكل قوم منسك، فالموافقة في العيد موافقة في الكفر والعياذ بالله، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا ) والرسول صلى الله عليه وسلم ينهانا عن التشبه بهم حتى في العبادة ،فقد نهانا صلى الله عليه وسلم أن نصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لأن عابدي الشمس يسجدون لها في تلك الأحوال، كما في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: ( ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب )، والصلاة هي عبادة محضة، عبادة نهانا صلى الله عليه وسلم أن نتشبه بهم فيها، فالعيد وتوابعه أيضا ًمن الدين.

    ثم أيها الإخوة الكرام! نسأل سؤالاً: أعياد هؤلاء القوم هل هي عبادة لله؟ هل هي ذكر وشكر؟ هل هي طاعة واستقامة، أم أن أعيادهم معصية وصخب ومجون وممارسة لما حرم الله عز وجل؟ ومثل هذا كله لا يجوز، يعني: أنا لا أريد أن أعدد المظاهر التي يفعلها بعض المسلمين ممن خفت عقولهم، ورق دينهم من الذين يخرجون إلى الشوارع في ليلة رأس السنة، فيصيحون ويصخبون ويعربدون في الطرقات، ولربما يأتون بالأفعال التي يأنف منها الصبيان والمجانين من التقاذف بالطماطم والبيض، وهذا هو محض المحاكاة الممقوتة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )، والله عز وجل قال: وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ [القصص:77]، فالبيض هذه نعمة من نعم الله عز وجل، وبعض الناس ربما يمر عليه الشهر والشهران ولا يأكل بيضة واحدة، وتجد هؤلاء الهبل يخرجون في الشوارع يتقاذفون بالبيض، وأحياناً يرش بعضهم بعضاً بالماء، بل حدثني رجال النيابة بأنه قبل عامين وجدوا إنساناً يقذف الناس ببوله، قاتله الله، يعني: جمع بوله المبارك في زجاجة! ثم بعد ذلك يرش به الناس، وحق لهم أن يسقوه إياه، فأقول: هذه كلها مظاهر ينبغي أن نبين للناس أنها من السفه الذي لا يمارسه من كان عنده نسبة من عقل.

    1.   

    شبهات يتعلق بها من يحتفل بأعياد الكفار

    بقي بعد ذلك أيها الإخوة الكرام! هناك شبهات يتعلق بها هؤلاء الناس، ومن هذه الشبهات يقول قائلهم: قال الله تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8]. نقول: ليس في الآية دليل أصلاً على المطلوب، يعني: ما قال الله عز وجل: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تشاركوهم في أعيادهم، وأن تدخلوا عليهم في كنائسهم، ما قال الله ذلك، وإنما أمرنا بالبر والقسط، أمرنا بأن نعدل معهم وأن نحسن إليهم، أما أن نشاركهم في كفرهم فهذا لا يتأتى، قال الله عز وجل: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6]، فهذه الآية يفهمها كثير من الناس خطأ، الكافر الذي يسكن دار الإسلام ولم تظهر منه عداوة تجاه المسلمين، فلا مانع من أن نحسن إليه، ونتصدق عليه، ولا مانع من أن نعوده إذا مرض، ونعزيه إذا مات له ميت، أما أن نشاركه في كفره، وأن ندخل عليه في كنيسته أو بيعته، فهذا ما لا يقول به عاقل.

    ثانياً: بعض الناس يقول: بأنهم يهنئوننا في أعيادنا ويشاركوننا فكيف لا نفعل ذلك في أعيادهم؟

    نقول لهم أيها الإخوان: المكافأة ليست بلازمة، فلو أن كافراً دخل المسجد لا يلزم من ذلك أن ندخل الكنيسة، يعني: الكفار دخلوا المسجد زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لما جاء نصارى نجران وناظروه ودعاهم إلى الإسلام عليه الصلاة والسلام فأبوا، قالوا: ( قد كنا مسلمين من قبلك، فقال: كذبتم، يمنعكم من الإسلام ثلاث- أي: ثلاث خصال-: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وقولكم: اتخذ الله ولداً )، وفي الأخير صالحوه بعدما عرض عليهم المباهلة، قال الله عز وجل: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيْهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61]، لكنهم نكلوا عن المباهلة وصالحوه على أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وهم نصارى نجران، جاءوا فدخلوا المسجد، لكن ما سمعنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد دخل عليهم في كنائسهم أو في أديرتهم.

    كذلك لو أن كافراً قال للمسلم: مبارك عليك عيدك، فلا يلزم أن يقول له المسلم في عيده الكفري: مبارك عليك عيدك؛ لأنه كما قال أهل العلم: كأنه يقول له: مبارك عليك كفرك، ولا يكون في الكفر بركة بوجه من الوجوه.

    ثم شبهة ثالثة يتعلق بها بعض الناس، يقولون: بأننا حين نشاركهم فإنما نظهر سماحة الإسلام ونظهر بأن المسلمين قوم ليسوا متنطعين ولا متطرفين.

    نقول لهم: أولاً: هؤلاء الناس يعرفون الإسلام أكثر مما يعرفه كثير من المسلمين، وهم يعلمون يقيناً بأن دين الإسلام يحكم بأن كل ما عداه باطل، قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، وقال سبحانه: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، يعلمون بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا أكبه الله على وجهه في النار ) ، فهذه نصوص واضحة، ويقرءون في سورة المائدة: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17]،وقوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73]، فهذه نصوص واضحة، ولذلك مهما فعلت أيها المسلم من أجل أن تظهر خلاف ما قرره دينك، فأنت أولاً إنما تنادي على نفسك بالنفاق؛ لأنك لست على الجادة، ثم بعد ذلك تظهر نفسك أمام هؤلاء القوم مظهر الكذاب الأفاك الذي يظهر خلاف ما يبطن، ولذلك أيها الإخوان! الوضوح لا أفضل منه، ولا أحسن، ونحن المسلمين لا نحتاج إلى مثل هذا الدجل، فإننا نؤمن بنبي الله عيسى، ونؤمن بنبي الله موسى، ونجلهم ونوقرهم، وإذا ذكرناهم سلمنا عليهم، ونعتقد بأن موسى وعيسى من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك ذكروا عن بعض حكام المسلمين في زمان مضى، بأنه جمع في عيد من الأعياد بين شيخ المسلمين وكبير النصارى أو قسيسهم، وبين كبير اليهود أو حاخامهم، ثم قال لهم: ليثبت كل واحد منكم أنه سيدخل الجنة، وأن الآخرين لن يدخلوها، فقال حاخام اليهود لقسيس النصارى: تكلم أنت أولاً، فقال قسيس النصارى لشيخ المسلمين: بل تكلم أنت أولاً، يعني: كل واحد يحيل على الآخر، فالشيخ رحمه الله ما تردد، قال له: أيها الملك! إذا كان اليهود سيدخلون الجنة لأنهم آمنوا بـموسى فنحن داخلوها؛ لأننا آمنا بموسى، وإذا كان النصارى سيدخلون الجنة لأنهم آمنوا بعيسى فنحن داخلوها؛ لأننا نؤمن بعيسى، وإذا كنا داخليها فهم محرومون منها لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم. يعني نحن سندخل الجنة لأننا نؤمن بـموسى وعيسى ومحمد، وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، أما هؤلاء فإنهم يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء:150-151].

    ثم نسأل سؤالاً أيها الناس! نقول لهم: هذه السياسة درجتم عليها من سنوات طويلة، ماذا أثمرت؟ يعني: من سنوات طويلة في كل عيد من أعياد هؤلاء تذهبون إليهم في كنائسهم، وتدخلون عليهم، وتقدمون لهم التهاني، فهل خفف هذا من غلوائهم؟ وهل ثناهم عن مؤامراتهم وحقدهم على الإسلام؟ أبداً والله، كما قال الله عز وجل: لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:118-120]، أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.

    وصلى الله وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم.