إسلام ويب

الاعتداء على المال العامللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب على المسلم أن يتحرى الحلال وأن يجتنب الحرام، ولقد غلظت الشريعة الإسلامية حرمة المال العام تغليظاً شديداً، ومع ذلك نجد أن هناك من يتصرف فيه بما يعود عليه وعلى رعيته بالضرر، من إنفاق كثير على الحرس والجنود، وشراء أسلحة وأدوات لقمع الشعوب، وبذل لأموال ضخمة لأصحاب الأقلام والحناجر التي تحول هزائم الحاكم انتصارات وغيرها

    1.   

    الحث على تحري الحلال وترك الحرام

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل ربه حق الجهاد، ولم يترك شيئاً مما أمر به إلا بلغه، فتح الله به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وهدى الناس من الضلالة، ونجاهم من الجهالة، وبصرهم من العمى، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    أيها المسلمون عباد الله! فإن الله تبارك وتعالى قد أوجب علينا حكاماً ومحكومين، أن نتحرى الحلال الطيب في مكاسبنا، ومطاعمنا، وملابسنا، وألا تمتد أيدينا إلى حرام قط، ( فإن كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به )، وقد خاطبنا ربنا جل جلاله في القرآن بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172]، وحرم علينا أكل المال بالباطل، فقال: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [النساء:29-30]، أي: ما ذكر في الآية التي قبلها، عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء:30].

    1.   

    تغليظ حرمة المال العام والتشديد فيه

    أيها المسلمون عباد الله! إن أكل المال الحرام حرام، ومن أشد المال حرمة ما كان مالاً عاماً يرجع نفعه إلى مجموع المسلمين، لا مالك له على التعيين، بل الناس جميعاً فيه شركاء، لا يتعلق به حق خاص، بل هو مال عام للسائل والمحروم، للغني والفقير، للحاكم والمحكوم، للكبير والصغير، الكل فيه شركاء، هذا المال العام شدد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثبت عنه في الحديث أنه قال: ( إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، أولئك لهم النار يوم القيامة )، ولما كان صلوات ربي وسلامه عليه قافلاً من ديار بني عبد الأشهل إلى مسجده المبارك، مر على مقبرة البقيع، فقال: (أف وتف، وكان معه أبو رافع رضي الله عنه يقول: فلزقت في درعي وتأخرت، فالتفت إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ما لك؟ قلت: يا رسول الله! سمعتك تقول: أف وتف، فقال عليه الصلاة والسلام: ليس ذلك لك، ولكن هذا قبر فلان ابتعثته ساعياً على صدقات بني فلان، فغل نمرة، فدرع مثلها الآن في قبره من نار )، جازاه الله عز وجل بمثل صنيعه؛ لأن عدل ربنا جل جلاله قد قضى أن مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123].

    والمال العام يجب على الناس جميعاً حكاماً ومحكومين أن يكفوا أيديهم، وأن يغضوا أبصارهم، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم من ماله، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإن أيسرت قضيت. هذا دستور عمر رضي الله عنه، ومن قبله أبو بكر رضي الله عنه، فإنه لما ولي الخلافة أراد أن يتجر من أجل أن يطعم أهله وعياله، فأمره عمر بن الخطاب ، و أبو عبيدة ، وجماعة من المهاجرين والأنصار أن يترك التجارة، ثم جلسوا معه وفرضوا له عطاءً، ألفين في كل شهر، فقال لهم: أنا ذو عيالٍ كثير زيدوني، فزادوه خمسمائة رضي الله عنه، فكان عطاؤه في كل شهر قمري ألفين وخمسمائة درهم، وثوباه إن أخلقهما ردهما وأخذ غيرهما، ودابته التي كان يركبها، يأكل مثلما كان يأكل قبل أن يلي خلافة المسلمين وإمرة المسلمين، هذا هو دستور الحكم في ديننا، وهذه هي الخلافة الراشدة في شرع نبينا صلوات ربي وسلامه عليه.

    يا أيها المسلمون يا عباد الله! إن كلاماً كهذا لا بد أن يتذكره الناس في هذه الأيام، بعدما أذهب الله عن بعض بلاد المسلمين الأذى، وعافاهم من البلوى، ونزع الملك من طواغيتهم الذين ساموا المسلمين سوء العذاب، وبدلوا الدنيا والدين، هؤلاء الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، وصدوا عن سبيل الله، وآذوا عباد الله، وضيقوا سبل الدعوة إلى الله قد نزع الله منهم الملك، وأذهب شرهم، وكف بأسهم، لكن بعد ذلك ظهرت فضائحهم، وبدا عوارهم، وثبت أن بعضهم قد سرق من مال الله من الذهب وحده طناً ونصف طن، وأما ثروته التي نهبها من مال الله سوى الذهب فتبلغ ثلاثة عشر ملياراً من الدولارات، قرينه في الفسق والفجور والصد عن سبيل الله، ذكرت الأخبار أنه سرق من مال الله سبعين ملياراً.

    وآخر دندن زماناً طويلاً أنه يحارب الاستعمار، ويجابه الإمبريالية، وأنه زعيم الثورة، ثبت في هذه الأيام وهو ما زال متشبثاً بالحكم، عاضاً عليه، لصيقاً بكرسيه، لا يبالي بأن يهلك الحرث والنسل، ثبت أن مجموع ثروته هو وأزواجه وأولاده مائة وثلاثون ملياراً من الدولارات، كدسها في بنوك تلك الدول الإمبريالية والاستعمارية، التي كذب على الناس زماناً طويلاً بأنه يحاربها ويجاهدها.

    أيها المسلمون عباد الله! لا غرابة، فمن بدل شرع الله، وغير أحكام الله، فأحل الحرام وحرم الحلال، فليس إلا لصاً متغلباً، وليس إلا عدواً صارخاً، وتصرف هؤلاء الظلمة الفسقة المستبدين، المبدلين لشرع الله، المغيرين لأحكام الله في الأموال والثروات، فرع عن تصرفهم في الرقاب والأبدان، فإذا كان هؤلاء لا يبالون بأن يضربوا رقاب الشعوب، وأن يجلدوا أبشارهم، فإنهم لا يبالون بنهب أموالهم، وسرقة ثرواتهم، والعبث بمقدراتهم، فهذا فرع عن ذاك، فقد بدا من حال هؤلاء أنهم لا يفرقون بين الملك الخاص والملك العام، ولا يبالون بأن يضموا هذا إلى ذاك، وأن يأكلوا أموالهم إلى أموالهم، لا يبالون بشيء من هذا كله؛ لأنهم عياذاً بالله فقدوا التمييز بين الحلال والحرام.

    ألا أيها المسلمون! يا عباد الله! اعلموا أن المال العام شأنه عند الله عظيم، وقد قال ربنا جل جلاله: وَمَنْ يَغْلُلْ )) أي: يسرق من المال العام، يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران:161]، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت الأنصاري رضي الله عنه ساعياً على الصدقة، ثم قال له واعظاً ومذكراً، وزاجراً ومعلماً: ( انطلق أبا الوليد، ولا ألفينك يوم القيامة تأتي على رقبتك بعير له رغاء، أو شاة لها ثغاء، أو بقرة لها خوار، أو رقاع تخفق، أو صامت، تقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، وتلا هذه الآية -صلوات ربي وسلامه عليه- وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران:161] )، قال أهل التفسير: أي يأتي يوم القيامة معذباً بحمل ذلك المال الذي سرقه مهما كان كثيراً، مفضوحاً على رءوس الأشهاد، لا يحمله على رقبته وقد غض الناس أبصارهم، بل إن كان بعيراً له رغاء، وإن كان بقرة لها خوار، وإن كانت شاة لها ثغاء؛ من أجل أن ينظر إليه الناس كلهم أجمعون، ويعلمون أنه لص خائن، وأنه مخادع سارق، ما استحى من الله عز وجل حين امتدت يده للمال الحرام.

    أيها المسلمون عباد الله! إن الناظر في حال التاريخ الإسلامي يعلم يقيناً أن هذه العلة ليست بجديدة، فمن زمان بعيد ألف حكام المسلمين أن يتصرفوا في المال بغير حسيب ولا رقيب، يقول المؤرخون: خطب عبد الملك بن مروان في الناس، وذكر كلاما ًطويلاً، وكان مما قال: ألا إن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون من هذا المال ويطعمون، وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، تكلفوننا أعمال المهاجرين وأنتم لا تعملون مثل أعمالهم، فما بيني وبينكم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. هذا دستور الظالمين، ومنطق المستبدين، ليس منطق أبي بكر ولا عمر ، ولا عثمان ولا علي ، ولا دستور القرآن، ولا هدي الإسلام، وإنما من عنده، يريد أن يقيم الناس بالسيف، لا يطعم جائعاً، ولا يكسو عارياً، ولا يكفل يتيماً، ولا يفك أسيراً، ولا يفرج كربة مكروب، ولا هم مهموم، ولا يغيث ملهوفاً، وإنما يعامل الناس بالقوة، والقوة وحدها.

    1.   

    مظاهر تضييع المال العام

    ولو انتقلنا نقلة سريعة إلى حال المسلمين المعاصرين مع حكامهم سنجد أن هؤلاء الحكام إلا من رحم الله، ينفقون هذه الأموال ذات اليمين وذات الشمال في غير ما شرع ربنا جل جلاله، وفي غير ما سن نبينا صلى الله عليه وسلم.

    المظهر الأول: الإنفاق الكبير على حرس الحاكم وجنوده

    من مظاهر تضييع الأموال الإنفاق الكثير على الحرس والجنود، وتأمين الحاكم ومن معه بما يرهق الميزانية، وبما يفوق ميزانية التعليم وميزانية الصحة.

    تقول كتب التاريخ: لما ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الخلافة، كان للخليفة قبله ثلاثمائة شرطي، أي: في ثياب الشرط، وثلاثمائة حارس في ثياب عادية من أجل أن يدفعوا عنه، ويمنعوا من يريده بسوء، فلما ولي عمر رضي الله عنه الخلافة، وأخبره رجاء بن حيوة أنه خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، وصعد على المنبر وخطب في الناس، ثم نزل تبعه هؤلاء الحرس، فالتفت إليهم رحمه الله، وقال لهم: إن لي عنكم بالأجل حارساً، وبالقدر حاجزاً، فمن أقام منكم فله عشرة دنانير، ومن شاء أن يلحق بأهله فليفعل، فسرحهم جميعاً؛ لأنه رجل مؤمن يعلم أن الأجل واحد، إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49]، ويعلم أن الله وكل بالعبد ملائكة يحفظونه من أمر الله، لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11] يؤمن بهذا يقيناً فلا يحتاج إلى حارس.

    المظهر الثاني: رصد الأموال الهائلة لشراء خبراء وأسلحة وأدوات لأجل قمع الشعوب

    من هذه المظاهر أيها المسلمون عباد الله! مما كشفت عنه الأحداث الأخيرة: أن ميزانيات ضخمة، وأموالاً هائلة ترصد من أجل استجلاب الخبراء الكفرة، ومن أجل استيراد الأسلحة والأدوات التي تقمع بها الشعوب وتزجر، ما بين قنابل مسيلة للدموع، وهراوات ضاربة، وعصي مكهربة، ورصاص مطاطي، وغازات محرمة، وغير ذلك من أنواع، وما كشف منها إلا القليل، وهذا كله من المال العام موجه ضد من يملكون هذا المال من الأمة والشعب.

    ومن مظاهر التهاون بالمال العام: أن أموالاً كثيرة تنفق على حفلات ما أنزل الله بها من سلطان، فالبلاد كلها تضاء أنوارها، وتزين شوارعها، وتلصق صور الزعيم في كل مكان، تارة احتفالاً بيوم مولده، وتارة احتفالاً بعيد ثورته، وتارة بيوم انتصاره على خصومه، وهكذا يهدر المال، وفي الناس فقير محروم، وأسير مقهور، ومسكين جائع، ومريض ضائع، فهذا كله لا يهم.

    المظهر الثالث: شراء الذمم والأقلام والحناجر التي تنافق للحاكم

    من مظاهر إتلاف المال في غير فائدة: أن أموالاً تبذل لشراء الذمم، لشراء الأقلام التي تنافق، وتدبج المقالات، لشراء الحناجر التي تصرخ وتصور هزائم الزعيم انتصارات، وإخفاقاته إنجازات، أموال تصرف على هؤلاء جميعاً من أجل تزيين الباطل، ومن أجل أن يكتب أحدهم، أو ينطق بما يسود الله به وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وفي الوقت نفسه يمسك المال عن وجوه أمر الله بإنفاقه فيها، فيمسكه عن الدعوة إلى الله، وعن الجهاد في سبيل الله، وعن إغاثة الملهوفين، وإطعام المحرومين، وكسوة العارين، وإيواء المشردين، وغير ذلك من وجوه جعل الله لها أولوية وأهمية، فهذا الذي يحصل أيها المسلمون عباد الله في بلاد المسلمين.

    إن المطلوب منا جميعاً حكاماً ومحكومين أن نعلم علم اليقين، أنه ( لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع -ومن بينها- عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ ) والله جل جلاله سائل كل منا عن هذا المال، ولذلك قال من نور الله قلوبهم: إن الإنسان إذا مات فإنه يبتلى بمصيبتين عظيمتين: الأولى أنه يفقد ماله كله، والثانية: أنه يحاسب عليه كله، فيا من تمد يدك إلى المال العام فتسرق منه، اعلم بأنك عما قريب تاركه، ومخلفه وراء ظهرك، وسيرثه أولادك وأحفادك وأزواجك، ثم بعد ذلك يحاسبك الله عز وجل عن النقير والقطمير.

    أسأل الله عز وجل أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يطعمنا حلالاً، وأن يستعملنا صالحين، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يختم لنا بالحسنى، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    نصيحة للمسئولين في السودان بخصوص المال العام

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كلٍ وصحب كل أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

    أما بعد:

    أيها المسلمون! فاتقوا الله حق تقاته، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، واعلموا إخوتي في الله أن مقتضى النصيحة والإنصاف أن يقال في هذا المقام: بأن بلادنا هذه والحمد لله في نعمة، وحكامنا ما حظروا الدعوة إلى الله، بل فتحوا لها الأبواب، ويسروا لها الأسباب، فما ضروا المساجد ولا راقبوها، ولا آذوا الشباب، ولا منعوا حجاباً، ولا حظروا نقاباً، ولا ضروا أحداً في دينه، بل أسباب الدين والتدين مكفولة، والحمد لله رب العالمين.

    لكن مقتضى النصيحة أن نقول: إن سفهاً في استعمال المال العام حاصل، وإن تقارير المراجع العام في كل سنة سبة في جبين الناس، حين يثبت أن الاختلاسات تزيد عاماً بعد عام، وأن الناس ممن يلون المسئولية لا يتورعون عن أن يمدوا أيديهم إلى هذا المال، وأن كثيرين يتخوضون في مال الله بغير حق، وأنهم لا يبالون بحلال ولا حرام، والناس يرون بأبصارهم، ويسمعون بآذانهم أن فلاناً من الناس تولى مسئولية وهو صعلوك لا يملك من المال شيئاً، فما لبث إلا قليلاً حتى علا بناؤه، ورقت ثيابه، وتنوع غذاؤه، وظهرت النضرة عليه، مما يشي بأن المسئولية في حقه مغنم وليست مغرماً، وأنه ما دخل فيها إلا من أجل أن يتنعم بها، ومن أجل أن يستعملها فيما يريد من شهواته.

    قال خزيمة بن ثابت رضي الله عنه: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استعمل والياً يأخذ عليه عهداً كتابةً ألا يأكل مرققاً، وألا يلبس إلا خشناً، وألا يغلق بابه دون ذوي الحاجات من المسلمين، وألا يركب برذوناً، وهو النوع الجيد الفاخر الغالي من الخيول، فإن فعل حلت عليه العقوبة.

    والآن حكام المسلمين يركبون البراذين، ويأكلون المرقق، ويلبسون الرقاق من الثياب، ويغلقون أبوابهم دون ذوي الحاجات من المسلمين، لكن الناس بعد ذلك يأملون في أن يعرفوا مخصصاتهم، كم راتب الواحد منهم؟ وما هي امتيازاته؟ وما هي مخصصاته؟ وما الذي تكفله له الوظيفة ؟ وكيف كان حاله حين ولي المسئولية؟ وما هو حاله حين يغادرها طوعاً أو كرهاً؟ هذا الذي يريد الناس أن يعرفوه، أما أن يروا من المسئول أنه يبني من الدور والقصور داخل البلاد وخارجها ما هو من الضخامة والفخامة والأبهة بمكان بعيد، حتى يصير حديث الناس، ثم بعد ذلك لا يقيم فيها إلا قليلاً، حاله كحال من قال لهم نبيهم: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء:128-130] فهؤلاء الذين يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون، ويأملون ما لا يدركون، ماذا يقولون لرب العالمين جل جلاله؟

    إن من الخوض في مال الله بغير علم أن تفرض على الناس مكوساً وجبايات تثقل كواهلهم، وتعكر عيشهم، حتى حجاج بيت الله الحرام ما سلموا، فهيئة الحج والعمرة تفرض على الحاج من المكوس والإتاوات ما يجعل تكاليف الحج تتضاعف مرة ومرتين، إن لم تيسروا السبيل للحجاج فكفوا عنهم أيديكم، ولا تفرضوا عليهم من الرسوم والإتاوات ما يجعل كثيراً من الناس يتردد مراراً قبل أن يقدم على أداء فريضة الله التي افترضها على عباده.

    يا حكامنا! يا مسئولينا! اتقوا الله عز وجل في الرعية، اتقوا الله في الشعب، اعلموا بأن الدول تدال، وأن الأيام دول، وما سميت الدولة دولة إلا لأنها تتداول، لا يدوم إلا الله، ولا يبقى إلا الله، كل ملك ملكه سيزول، وكل مسئول عما قريب سينزع، أو سيذهب، فيجب عليه أن يتقي الله عز وجل فيما استرعاه، فإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.

    اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، ولا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها، ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أصلح الراعي والرعية.. اللهم أصلح الراعي والرعية.. اللهم أصلح الراعي والرعية، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

    اللهم يا سميع الدعاء! ويا قريب الرجاء! يا خير المسئولين ويا خير المعطين! يا من يقول للشيء كن فيكون! نسألك لإخواننا المسلمين في ليبيا فرجاً قريباً، ونصراً عزيزاً، اللهم أحسن خلاصهم، اللهم فك أسرهم، اللهم اجبر كسرهم، اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم، ونعيذهم بعظمتك أن يغتالوا من تحتهم، اللهم أطعم جائعهم، واكس عاريهم، وداو جريحهم، وتقبل شهيدهم، واحقن دماءهم، وكن لهم ظهيراً ومعيناً يا من لا يغلب جنده، ولا يخلف وعده.

    اللهم عليك بطاغية ليبيا، اللهم عليك بجبار ليبيا وأعوانه، اللهم خذهم أخذ عزيزٍ مقتدر، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، وأرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم عليك بهم يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يا سميع الدعاء، يا قريب الرجاء، هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين.