إسلام ويب

أحكام الجنائز [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب تلقين المحتضر، وتوجيهه إلى القبلة، ويدعى له بالخير، ويستحب الإسراع بالتجهيز، ويطيب الميت، ويكفن في ثلاثة أثواب، ولا بأس بالإعلان عن الجنازة في المسجد وغيره، وأولى الناس بالصلاة على الميت وصيه، ويشترط لصلاة الجنازة ما يشترط للصلاة.

    1.   

    حكم التداوي

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    ونحن نقرأ في القرآن قول ربنا جل جلاله: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص:41]. وقوله: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، ونقرأ قول إبراهيم عليه السلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:78-80]، وكذلك نقرأ في سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام؛ أنه كان يصيبه الحمى، وكان يصيبه الصداع، وهذا دليل على استيلاء النقص على جملة البشر، فما حكم التداوي؟ أو ما حكم أن يطلب الإنسان الدواء والعلاج؟

    نقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجب على الإنسان أن يتداوى إذا مرض؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر فقال: ( تداووا عباد الله، ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله )، وأكثر العلماء على أن التداوي ليس بواجب، وإنما قد يكون مندوباً، وقد يكون مباحاً، وقد يكون مكروهاً.

    قالوا: ما يتعلق الوجوب إلا إذا كان يخشى على نفسه التلف لو أنه ترك العلاج، أو تلف العضو، يعني: لو ترك العلاج مات أو تعطل عضو من أعضائه، ففي هذه الحالة نقول: التداوي في حقه واجب، وكذلك التداوي يكون واجباً عند خوف العدوى، يعني: لو أن إنساناً مثلاً مصاب بمرض من الأمراض التي تعدي كالجذام - عافانا الله وإياكم - أو مثلاً المرض الذي انتشر قبل فترة الذي سمي بإنفلونزا الخنازير، أو إنفلونزا الطيور أو كذا، مما ينتقل بالرذاذ أو بالنفس أو ما أشبه ذلك، ففي هذه الحالة نقول: التداوي واجب؛ لأن الضرر ليس قاصراً على المريض، وإنما ينتقل إلى غيره، وكذلك لو أن الإنسان عرف من نفسه عدم الصبر على المرض ففي هذه الحالة أيضاً يكون التداوي واجباً، وفي غير هذه الحالات يمكن أن يقال: بأن التداوي مندوب.

    وقد يكون التداوي مكروهاً إذا كان الضرر الذي سيترتب عليه أعظم من الضرر الحاصل، يعني: أحياناً الإنسان يصاب بمرض فيذهب إلى الطبيب فيقول له: بأن علاجه كذا، لكن هذا العلاج سيترتب عليه كذا وكذا وكذا، فيبين له الطبيب بأن ضرر الدواء أكثر من ضرر المرض الذي هو عنده.

    1.   

    من أحكام الاحتضار

    وهذا الحكم دائماً يذكرونه قبيل الحديث عن أحكام الجنائز، ونذكره هاهنا بالتبع.

    تلقين المحتضر وقراءة سورة يس عليه وتوجيهه إلى القبلة

    المحتضر يلقن كلمة التوحيد، ويقرأ عليه سورة يس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بذلك.

    وأيضاً استحب أكثر أهل العلم توجيهه إلى القبلة؛ لأن الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى المدينة مهاجراً سأل عن البراء بن معرور رضي الله عنه، (فقيل له: يا رسول الله! قد قضى، يعني: مات، وأوصى بثلث ماله لك وأن يوجه إلى القبلة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قد أصاب الفطرة، وثلث ماله مردود على ولده )، يعني: ثلث المال الذي أوصى به للنبي عليه الصلاة والسلام قال: رددته على أولاده. و سعيد بن المسيب رحمه الله لما كان في سياق الموت وجهوه إلى القبلة، فأنكر ذلك وقال: أولست على القبلة؟

    قال النووي رحمه الله: وتوجيههم لـسعيد دليل على أن هذا الأمر كان معروفاً عندهم، أي: عند الصحابة رضوان الله عليهم، وعند التابعين رحمة الله عليهم، ولذلك وجهوا سعيداً إلى القبلة، ومعلوم أن (خير المجالس ما استقبل به القبلة)؛ لذلك الإنسان لو أراد أن يقرأ قرآناً فخير له أن يستقبل القبلة، ولو أن الإنسان أراد أن يدعو فخير له أن يستقبل القبلة، ولو أراد أن يجلس في مجلس علم فخير له أن يستقبل القبلة، ولذلك توجيه المحتضر إلى القبلة مطلوب.

    تغميض عينيه وتغطيته والدعاء بالخير

    وبعد ذلك إذا خرجت الروح فإننا نغمض عينيه كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما فعل بـأبي سلمة بن عبد الأسد ، ونسجيه أي: نغطيه، وندعو بالخير؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما ضج أهل أبي سلمة قال لهم: (لا تقولوا إلا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على دعائكم)، فالملائكة حاضرون.

    شد لحييه ووضع شيء ثقيل على بطنه

    واستحب أهل العلم كذلك شد لحييه، أي: نجمع لحييه إلى رأسه، من أجل ألا يتغير منظره، وفمه لا ينفتح، ولربما عند الغسل يدخل فيه شيء من الماء.

    واستحب بعض أهل العلم كذلك أن يوضع على بطنة شيء ثقيل، يعني: إذا كنا سنتأخر في تجهيزه لسبب ما، فإنه يوضع على بطنه حجر أو نحو ذلك؛ لئلا ينتفخ.

    1.   

    تجهيز الميت وتكفينه

    وبعد ذلك يشرع في تجهيزه؛ لأن كرامة الميت الإسراع به.

    تغسيل الميت

    وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسرع بالجنازة، وقد مضى معنا ذكر القواعد المتبعة في تغسيل الميت، وأن هذه القواعد مأخوذة كلها من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للنسوة اللائي غسلن ابنته زينب رضي الله عنها: ( اغسلنها ثلاثاً أو خمساً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، وابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور ).

    تطييب الميت

    وقضية وضع الطيب في مواضع السجود استحبها كثير من أهل العلم لشرفها، فإن أشرف مواضع الإنسان هي التي يضعها على الأرض ذلاً بين يدي الله عز وجل، جبهته وكفاه، وركبتاه، وأطراف قدميه، قالوا أيضاً: تطيب المغابن، وهي التي يظن أنها مجتمع الوسخ كتحت الإبطين، وباطن الركبتين، وما إلى ذلك.

    واستحب بعض أهل العلم أن يطيب الميت كله.

    كفن الرجل

    ثم بعد ذلك يستحب أن يكون الكفن أبيض، وأن المطلوب في كفن الرجل أن يكون ثلاثة أثواب؛ (لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيهن قميص ولا عمامة أدرج فيهن إدراجاً) وهذه الأكفان توضع بعضها فوق بعض، وكل واحد من الأثواب الثلاثة أطول من الذي فوقه، يعني: الكفن الأول قصير، وما تحته أطول، والأخير هو أطول الثلاثة.

    وهذا الكفن قبل أن ندرج فيه الميت يستحب أن يجمر (نبخره)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، وهذا الميت نجففه قبل أن نضعه على أكفانه، وليس في هذا سنة، لكنه من باب دفع مفسدة ابتلال الكفن، وإلا معلوم بأن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لما كان حياً، لما اغتسل عليه الصلاة والسلام قالت ميمونة بنت الحارث (فأتيته بالمنديل فرده وجعل ينفض الماء بيديه عليه الصلاة والسلام).

    قال العلماء: ليس ذلك كراهية للتنشيف، وإنما لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان متعجلاً، أو ليبين جواز التنشيف، وجواز تركه، وإما ليخالف فعل المترفين، أو لغير ذلك من العلل، لكن يجوز للإنسان إذا اغتسل أو توضأ أن يجفف أعضاءه، ويجوز له ألا يجفف، فكذلك بالنسبة للميت لئلا يبتل كفنه، الأفضل أن نجففه.

    كيفية إدراج الميت في كفنه

    ثم بعد ذلك ندرجه في الكفن الأول، وذلك بأن نرد طرف الكفن الأيسر على شقه الأيمن، نبدأ باليمين، ثم نرد الطرف الأيمن على شقه الأيسر، ثم الثوب الذي بعده كذلك، ثم الثوب الأخير، ونربطه لئلا ينتشر مع الريح ومع كذا، والأفضل أن نربطه عند رأسه، وعند رجليه، وعند حقويه، هذه ثلاثة أربطة، ولو جعلناها خمساً أيضاً فلا بأس ولا حرج.

    كيفية وضع المرأة عند حملها على الجنازة

    وقبل أن نحمل المرأة الأفضل أن نجعل عليها شيئاً من قوس، ثم نسجي فوقه ثوباً لئلا نحدد جسدها؛ لأنه معلوم بأن الميت يشد عليه الكفن شداً فيحدد جسده، والمرأة لما كانت في الدنيا قد أوجب الله عليها أن يكون ثوبها فضفاضاً لا يصف، فلو أننا حملناها على تلك الحال سيدرك الناظر إن كانت نحيفة، أو إن كانت بدينة، فالأفضل أن نجعل فوق نعشها قوساً ثم نطرح عليه ثوباً، وهذا الذي أوصت به فاطمة رضي الله عنها، فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أسرع أهله لحوقاً به عليه الصلاة والسلام، فهي أول واحدة ماتت من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك لما دخلت عليه وهو في مرض موته سارّها بكلمات فبكت، ثم سارّها بكلمات فضحكت، فقالت عائشة : (ما رأيت كاليوم بكاءً أشبه بضحك، فسألت فاطمة ، فقالت لها: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان بعد موته عليه الصلاة والسلام قالت لـعائشة : أخبرني بأنه مقبوض في مرضه ذاك فبكيت، ثم أخبرني أنني أول أهله لحوقاً به فضحكت)، ولذلك ما عاشت بعده إلا ستة أشهر رضي الله عنها. ولما كانت في مرض موتها كان معها أسماء بنت عميس التي هي زوجة أبي بكر الصديق ، وكانت قبل أبي بكر زوجة لـجعفر بن أبي طالب رضي الله عن الجميع، فـفاطمة شكت لـأسماء قالت لها: ما أقبح ما يصنع بالمرأة أن تكفن ويطرح عليها ثوب يحددها، فقالت لها أسماء : ألا أريك شيئاً رأيته في أرض الحبشة! قالت لها: وما ذاك؟ فدعت بأعواد ثنتها، ثم طرحت عليها ثوباً، يعني: جاءت لها بعود وجعلته قوساً، ثم طرحت عليه ثوباً، وهذا العود لا يعرف حجمه فقالت لها فاطمة: ما أطيب هذا وأحسنه، إن أنا مت فافعلي بي ذلك، ففعل بها رضي الله عنها وأرضاها، وهذا يدل على أنه لا مانع من أن نستفيد من تجارب غيرنا بما يحقق مقاصد ديننا وشرعنا، مثلما نستفيد الآن باستعمال هذه الآلات التي توصل الصوت وما إلى ذلك، وليست هي من اختراع المسلمين، بل وليست هي من صناعة المسلمين.

    المفاضلة بين المشي أمام الجنازة وخلفها

    وتقدم معنا الكلام في أن الجنازة يصح للماشي أن يمشي أمامها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها، أما الراكب فيمشي خلفها ولا يتقدم عليها، فإذا كنت تركب سيارة، فلا تمش أمام الجنازة، بل السنة أن تسير خلفها، والسنة أن يكون الناس صامتين حال مسيرهم مع الجنازة.

    1.   

    الصلاة على الميت

    بعد ذلك نصلي عليها، ويستحب أن نكثر العدد ما استطعنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه: ( ما من مسلم يموت فيصلي عليه أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه )، والحديث في صحيح مسلم ، وفي صحيح مسلم كذلك: ( ما من مسلم يموت فيصلي عليه جماعة يبلغون مائة جاءوا فيه شفعاء إلا شفعهم الله فيه )، فالمائة خير من الأربعين، والألف خير من المائة، وكلما استطعنا أن نكثر العدد فهو أفضل.

    الإعلان عن الجنازة

    ولا مانع من أن نعلن عن الجنازة في المسجد أو في غير المسجد، وهذا مما يخطئ فيه بعض الناس، فإنهم إذا سمعوا إنساناً قام في المسجد، أو استعمل مكبر الصوت، فقال: أيها الناس! توفي اليوم فلان بن فلان، والدفن سيكون في مقابر كذا، يقولون: هذا نعي، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النعي، نقول: لا، هذا ليس بصحيح، فليس هذا نعياً، وإنما هو إعلام بموت الشخص من أجل أن ننفعه بتكثير المصلين، ومن أجل أن ننفع الناس بأن يدركوا الأجر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله من الأجر قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله من الأجر قيراطان، قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ قال: مثل الجبلين العظيمين )، وفي لفظ: ( أصغرهما مثل جبل أحد )، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لما مات النجاشي صعد على المنبر وقال: (مات اليوم أخ لكم صالح في أرض الحبشة قوموا لنصلي عليه)، فالرسول صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي رضي الله عنه، وأمر الناس بأن يصلوا عليه صلاة الجنازة، وكان هذا منه في مسجده عليه الصلاة والسلام، ومثله أيضاً لما صعد على المنبر وعيناه تذرفان فنعى للناس زيداًو جعفر و عبد الله بن رواحة حين قتلوا في مؤتة رضوان الله عليهم أجمعين.

    أما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النعي، فهو محمول على نهي الجاهلية الذي كان به المفاخرة، مثل: مات اليوم سيد الرجال، وبطل الأبطال، وكذا وكذا، مما كانوا يقولونه من الفخر الكاذب، وأن يضفوا على الإنسان ما ليس فيه، فهذا هو الممنوع المحذور، وهو ممنوع سواء كان في المسجد أو في غير المسجد.

    أولى الناس بالصلاة على الميت

    أيها الإخوة الكرام! أولى الناس بالصلاة على الجنازة من أوصى بأن يصلي عليه، يعني يقول: إن أنا مت فليصل عليّ فلان، فهاهنا يتقدم فلان هذا ويصلي، سواء كان بعيداً أم قريباً، يعني: من قرابته، أو من غير قرابته فإنه يصلي عليه، وقد فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، فأوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر ، وأوصى عمر أن يصلي عليه صهيب بن سنان الرومي مع أنه كان في الناس عبد الله بن عمر ولده، وكان في الناس سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وهو ابن عمه وزوج أخته فاطمة بنت الخطاب ، لكن عمر أوصى أن يصلي عليه صهيب فنفذت وصيته.

    كذلك عثمان أوصى أن يصلي عليه الزبير بن العوام رضوان الله على الجميع.

    فأولى الناس بالصلاة على الميت وصيه، ثم بعد ذلك وليه الأدنى فالأدنى، ونبدأ بالأب؛ لأن الأب أحنى عليه، فإذا مات الولد فأولى الناس بالصلاة عليه أبوه؛ لأن الأب أحنى على الولد من حنو الولد على الأب، ثم بعد الأب الجد؛ لأن الله عز وجل سمى الجد أباً، قال سبحانه: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ [البقرة:133] وإبراهيم ليس أباً لـيعقوب وإنما جده؛ لأنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

    وهذا كله في حالة عدم وجود السلطان (الأمير) أو الحاكم، فإذا وجد السلطان فهو أولى من غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولا يؤمنَّ الرجل الرجل في سلطانه )، وقال: ( ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين إلا ووصيته عند رأسه )، وقد نجد من يقول: والله أنا ما عندي شيء أصلاً أوصي به، لا، مسألة الغسل هذه تحتاج لوصية، والصلاة محتاجة إلى وصية، فكل منا يكتب وصيته.

    أركان صلاة الجنازة

    صلاة الجنازة لها خمسة أركان، وهي: النية، والقيام، والتكبيرات التي أقلها أربع، والدعاء، والسلام.

    والنية: هي أن ينوي الإنسان الصلاة على من حضر من موتى المسلمين، ونحن لا نصلي على غير المسلمين؛ لأن الله قال: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى [التوبة:113]، وكذلك لا نصلي على المنافقين؛ لأن الله قال: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84]، فالصلاة تكون على المسلم سواء كان براً أو فاجراً، وسواء مات ميتة طبيعية، أو مات محدوداً، أو مات قصاصاً، أياً ما كان فإننا نصلي عليه، حتى المنتحر طالما أنه مسلم، فإننا نصلي عليه، لكن بعض العلماء قالوا: أهل الفضل لا يصلون عليه؛ زجراً لغيره أن يتعاطى مثل فعله.

    ثم بعد ذلك التكبيرة الأولى ونقرأ بعدها فاتحة الكتاب؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )، وصلاة الجنازة صلاة، ولذلك نقرأ فاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى. ثم بعد التكبيرة الثانية نصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها مقدمة بين يدي الدعاء، ( فإن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلاً يدعو، فقال: عجل هذا، إذا أراد أحدكم أن يدعو فليبدأ بحمد الله وتمجيده، ثم ليصل عليّ، ثم ليتخير من الدعاء أطيبه ).

    فالإنسان دائماً إذا أراد أن يدعو، وأراد أن تكون دعوته مجابة، فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه، والصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأفضل الصلاة الصلاة الإبراهيمية، بعد التكبيرة الثانية نقول: (اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد)، ولو أن الإنسان قال: (اللهم صل وسلم على نبينا محمد) ، فإنه يكفي.

    وبعد التكبيرة الثالثة الدعاء، فلو قلت: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا) طيب، ولو قلت: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد) إلى آخره طيب، ولو دعوت بأي دعاء طيب، هذا بعد التكبيرة الثالثة: اللهم اغفر له وارحمه إذا كان الميت ذكراً، وإذا كان أنثى: اللهم اغفر لها وارحمها.

    وهنا مسألة وهي: لو أن الإنسان جهل الميت، يعني: أحياناً يؤتى بجنازة، والإمام ما يبين أهو ذكر أم أنثى، ففي هذه الحالة نقول: اللهم اغفر له وارحمه على اعتبار الميت، أو نقول: اللهم اغفر لها وارحمها على اعتبار الجنازة، يعني: يمكن أن تذكر ويمكن أن تؤنث. كذلك إذا كان أكثر من ميت فإننا نجمع، يعني: لو كان هناك أكثر من ميت فإننا نقول: اللهم اغفر لهم وارحمهم، وإذا كان هناك موتى، ممكن أن يجعلوا بالتوازي، ويمكن أن يجعل بعضهم خلف بعض، ويقرب إلى الإمام الذكر، والأنثى تكون مما يلي القبلة، وإذا كانوا كلهم ذكوراً أو كلهم إناثاً فيقرب إلى الإمام الأفضل، من كان أكثر قرآناً، أو من كان أسلم عملاً فيما يبدو للناس، وإلا القلوب ما يطلع عليها إلا الله جل جلاله، لكن نحن نعمل بالظاهر، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد كان يجعل الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، وكان يقرب إلى القبلة أكثرهم قرآناً.

    1.   

    مسائل في صلاة الجنازة

    أيها الإخوة! عندنا في صلاة الجنازة مسائل يحسن التنبيه عليها:

    اشتراط الطهارة وسائر الشروط التي للصلاة

    المسألة الأولى: صلاة الجنازة يشترط لها ما يشترط للصلاة، فالصلاة التي نصليها يشترط لها الطهارة من الحدث، والطهارة من الخبث، وستر العورة واستقبال القبلة وترك المبطلات، كذلك صلاة الجنازة لا بد فيها من هذه الشروط.

    حكم المسبوق

    المسألة الثانية: من جاء مسبوقاً. أحياناً يأتي الإنسان إلى المقابر، فيجد الناس قد شرعوا في صلاة الجنازة وقد فاتته تكبيرتان مثلاً، وقد ذكرت لكم بأن أقل التكبير في صلاة الجنازة أربع، وهذا الذي استقر عليه العمل كما قال النووي رحمه الله، فبعد سلام الإمام تأتي بما فاتك، يعني: أنت أدركت مع الإمام تكبيرتين، فإذا سلم الإمام فلا تسلم معه، بل تأتي بعد سلامه بتكبيرتين، وإذا كانت الجنازة موضوعة تأتي بالتكبير والذكر الذي فيه، أما إذا رفعت الجنازة، يعني: أحياناً الإمام يسلم ومباشرة ترفع الجنازة، ففي هذه الحالة تأتي بالتكبيرات مباشرة من غير ذكر وتسلم، المهم أن تكملها أربعاً.

    الصلاة على القبر

    المسألة الثالثة: من فاتته الصلاة على الجنازة فإنه يصلي على القبر، يعني: يصلي على الجنازة بعد ما تقبر، وقد فعل هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: المرة الأولى لما ماتت المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، ماتت بالليل، فالصحابة قاموا عليها حتى دفنوها، فالنبي عليه الصلاة والسلام علم حين أصبح قال: ( هلا آذنتموني، دلوني على قبرها، فصلى عليها وهي في القبر، وقال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم ) صلى الله عليه وسلم، فهنا صلى على هذه المرأة بعدما قبرت، وكذلك صلى على أم سعد أي: سعد بن معاذ رضي الله عنه فإنه ماتت أمه، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة من غزواته، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر صلى عليها بعد شهر، وكان بين صلاته ودفنها شهر كامل، ولذلك كثير من العلماء قالوا: بأنه بعد الشهر لا يصلى على القبر، يعني: ما يأتي مثلاً واحد بعد سنة فيقول: أنا أصلي على فلان، وإن كان بعض العلماء يقولون: لا تحديد؛ لأنه اتفق أنه كان بين صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودفن تلك المرأة شهر، وما أدراكم لو كان أكثر من شهر أنه صلى الله عليه وسلم ما كان سيصلي عليها، لكن هذا من باب عرض الآراء، وإلا فإن كثيراً من العلماء قالوا: ما يزاد على الشهر.

    وقوف الإمام في صلاة الجنازة على الذكر والأنثى

    المسألة الرابعة: إذا كانت الجنازة لذكر، فالسنة أن يقف الإمام عند رأسه أو صدره، وإذا كانت الجنازة لأنثى فالسنة أن يقف عند وسطها أو عجيزتها.

    الصلاة على الطفل

    المسألة الخامسة: بالنسبة للطفل إذا صلينا عليه، فإننا لا نقول: اللهم اغفر له وارحمه؛ لأنه في الجنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( صغار أمتي دعاميص الجنة، يلقى أحدهم أباه فيأخذ بناحية ثوبه، ولا يدعه حتى يدخل الله أباه الجنة )، فالطفل ما نقول في الصلاة عليه: اللهم اغفر له وارحمه، وإنما ندعو لوالديه، نقول: (اللهم اجعله لوالديه سلفاً وذخراً وفرطاً وأجراً، وثقل به موازينهما وأعظم به في أجورهما، ولا تفتنا وإياهم بعده، اللهم اجعله في كفالة إبراهيم )، ونحو ذلك من الدعاء، لكن ما ندعو له بالمغفرة؛ لأنه أصلاً ما تلوث بالذنوب، ولا جرى عليه القلم.

    وهل نقول: قياساً على حكمة فصل مقابر المسلمين عن مقابر غيرهم، وهي وقاية المسلمين مما يتعرض إليه الكافر في قبره، فهل كون قبر المسلم محاطاً بقبور الصبية أو الأطفال الرضع بشارة خير أنه لا يعذب في قبره؟

    نقول: الله أعلم، لكن هناك آية هي أخوف آية في القرآن يقول عز وجل: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123]، فالمسألة ليست فوضى، أني أعيش في حياتي مجرماً متعدياً لحدود الله، آكلاً للربا، ولأموال الناس بالباطل، ومنتهكاً للأعراض، وساعياً بالفساد في الأرض، فإذا جاء الموت أقول: المسألة كلها شفاعة، ضعوني في النصف من أجل صرف ملائكة العذاب، هذا الكلام لا ينفع، فقد قال ربنا جل جلاله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، فالإنسان ما يعول على مثل هذا.

    1.   

    الأسئلة

    الاكتفاء بالطيب في حنوط الميت

    السؤال: في حنوط الميت وتطييبه هل يكفي الطيب فقط، أم لا بد من وضع القطن على المغابن؟

    الجواب: يكفي التطييب، ما يشترط أن نضع له قطناً تحت جناحيه، أو بين غفريه.

    تعريف الموت

    السؤال: ما هو تعريف الموت؟

    الجواب: قال أهل العلم: الموت ليس بعدم محض، وإنما هو مفارقة الروح للبدن إلى حين، فقولنا: (الموت: مفارقة الروح)؛ لأن الإنسان روح وبدن، والبدن قد عرف الناس كثيراً من أسراره، أما الروح فما نعرف عنها شيئاً، قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، لكن الله عز وجل أخبر بأن هذه الروح تصعد، وأخبر بأنها تقبض وتتوفى، والرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً أخبرنا بأنها تنعم، وأنها تعذب، لكن ما حقيقتها؟ ما ماهيتها؟ الله أعلم، ولذلك نقول: الموت ليس بعدم محض، وإنما الموت مفارقة الروح للبدن إلى حين. قال علماؤنا: تعلق الروح بالبدن على خمسة أوجه:

    أولها: تعلقها بالبدن والإنسان في بطن أمه فيه روح، فإنه أربعة شهور تنفخ فيه الروح، ولذلك الآن يرونك صور الطفل وهو في بطن أمه يتحرك، ويتلفت لأن فيه روحاً.

    ثانيها: تعلق الروح بالبدن إذا خرج من بطن أمه، وبدأ يأكل ويشرب ويبكي ويسمع له صوت، وينظر وما إلى ذلك.

    ثالثها: تعلق الروح بالبدن حال النوم، فالروح تكون متعلقة بالبدن، لكنه تعلق ناقص؛ فالآن أنا أسمع وأرى وأتكلم، والإنسان وهو نائم ما يرى وما يتكلم في الغالب، فالروح متعلقة بالبدن، لكنه تعلق ناقص.

    رابعها: تعلق الروح بالبدن في القبر، فإذا وضع في قبره، يقول الله عز وجل للملائكة: ( أعيدوا روح عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى ).

    خامسها وهو أكملها: تعلق الروح بالبدن يوم القيامة، حيث تعاد الروح للبدن، ويخرج الناس من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم. نقول: هذا أكمل التعلقات؛ لأنه بعد ذلك ليس هناك نوم، ولا موت، فأهل الجنة لا ينامون، والرسول صلى الله عليه وسلم سئل: (هل في الجنة نوم؟ قال: النوم أخو الموت )، وفي النار كذلك؛ لأن الله عز وجل قال: ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [الأعلى:13]، يعني: لا هو ميت، ولا هو عايش عيشة مثل الناس، نسأل الله العافية.

    إذاً: تعلق الروح بالبدن على خمسة أنواع: أولها تعلقها وهو جنين في بطن أمه، ثم تعلقها بالبدن إذا خرج من بطن أمه، ثم تعلقها بالبدن وهو نائم، ثم تعلقها بالبدن في القبر، ثم أكملها إذا خرج يوم القيامة.

    تمني الموت في مكة والمدينة

    السؤال: هل يستحب أن يطلب الواحد منا الموت في مكة أو المدينة؟

    الجواب: سيدنا عمر طلب الموت في المدينة، كان في آخر عمره يدعو ويقول: اللهم إنه قد كبرت سني، ورق عظمي، وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مفرط ولا مضيع، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتة في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم أي: المدينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من استطاع منكم أن يموت بها فليمت، فإن من مات بها كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة )، لكن الدعاء بالموت ما ينبغي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، وليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي ).

    نصيحة لمن يفر من شهود المحتضر خوفاً من الموت

    السؤال: بعض الناس يكونون حاضرين موتاهم عند الاحتضار، ولكن يخرجون خوفاً من الموت، ماذا تقول لهؤلاء؟

    الجواب: أقول لهم كما قال ربنا: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة:8]، يعني: أنت لو فررت فإن الموت سيتلقاك كأنه منتظرك، فهذا ليس فعل العقلاء بغير شك.

    كيفية قبض ملك الموت أرواح الناس في ساعة واحدة مع تباعد المسافات

    السؤال: كيف يقبض ملك الموت هذه الأرواح كلها في ساعة واحدة، علماً بأن هناك واحداً في الشرق وواحداً في الغرب؟

    الجواب: ابن عباس سئل هذا السؤال، فقال: أرواح بني آدم بين يدي ملك الموت كالقصعة بين يدي الآكل، يعني: كصحن الفول، فالإنسان مرة يأكل من هاهنا، ومرة يدرك الزيت من هناك، ومرة يبحث عن الجبن من هنا، كذلك ملك الموت، يأخذ من كل محل ما أراد، والله على كل شيء قدير.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم اجعل خير عملنا خواتمه، وخير عمرنا أواخره، وخير أيامنا يوم نلقاك.

    اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتوفنا وأنت راض عنا غير غضبان، وأحسن الختام يا علام.

    اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، وأنزل على قبورهم الضياء والنور، والفسحة والسرور، وجازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، وارحمنا اللهم برحمتك إذا صرنا إلى هذا المصير، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.