إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الحي يوسف
  3. أحكام الدفن والتعزية وزيارة المقابر [1]

أحكام الدفن والتعزية وزيارة المقابر [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله أموراً وأحكاماً تعزز الأخوة بين المسلمين، وتقوي من أواصر المدة بين المؤمنين، ومن ذلك تعزية أهل الميت في ميتهم، لتسليتهم وجبر مصابهم، وحكمها سنة، وتتأتى بأي لفظ يحصل به الغرض من تسلية أهل الميت، وما يدخل عليهم الصبر والسلوان، ويعزى كل من كان له صلة بالميت، كما يجتنب أثناء التعزية النياحة، وجعل أهل الميت يصنعون الطعام للناس وغيرها من المخالفات.

    1.   

    حكم التعزية

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى المهاجرين والأنصار، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    أيها الفضلاء! الكلام في هذا الدرس إن شاء الله يتناول الأحكام الخاصة بالتعزية، وذلك في مسائل:

    المسألة الأولى: في حكمها.

    والمسألة الثانية: في ألفاظها.

    والمسألة الثالثة: في وقتها.

    والمسألة الرابعة: من الذي يعزى.

    والمسألة الخامسة: في المخالفات التي تقع في التعزية.

    حكم تعزية أهل الميت

    أما بالنسبة للمسألة الأولى، وهي حكم التعزية، فنقول: التعزية سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان من هديه صلوات ربي وسلامه عليه إذا مات لواحد من أصحابه ميت أنه يبادر إلى تعزيته وتسليته وتخفيف مصابه، فثبت عنه صلوات ربي وسلامه عليه ( أن رجلاً من أصحابه كان يحضر مجلسه المبارك، وكان له بني يصحبه، يجلسه أمامه، يديم النظر إليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتحبه؟ فقال: يا رسول الله! أحبك الله كما أحبه، ثم إن هذا الرجل غاب عن المجلس فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الصحابة: يا رسول الله! إن بنيه ذاك قد هلك، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أيما أحب إليك؟ أن تمتع به حياتك، أو لا تأتي غداً باباً من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك، فقال: يا رسول الله! بل الثانية، قال: فهي لك، فقال الصحابة: يا رسول الله! أله خاصة أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم )، هذه تعزية من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي الذي فقد ولده، وقد حثنا نبينا عليه الصلاة والسلام على التعزية، والحديث إسناده حسن، قال عليه الصلاة والسلام: ( من عزى أخاً له في مصيبة كساه الله يوم القيامة حلة خضراء يحبر عليها، قال أحد الصحابة: يا رسول الله! وما يحبر عليها؟ قال: يغبط )، يغبط على هذه الحلة التي كسي إياها.

    هذه التعزية أيها الإخوة الكرام! فوائدها عظيمة، يعني: لو أن مسلماً مات له ميت، والموت مصيبة بنص القرآن، كما قال الله عز وجل: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة:106] هذه المصيبة تطيش معها العقول، وتذهل عنها الأحلام، والإنسان يحتاج إلى من يثبته، يحتاج إلى من يأمره بالصبر، ولذلك قال علماؤنا: في التعزية فوائد:

    أولها: تهوين المصيبة، وتسلية المصاب، وأمره بالصبر، واحتساب الأجر والرضا بالقدر، هذه كلها من فوائد التعزية.

    ثانيها: أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، نأمره بالصبر وهذا من المعروف، نأمره بالذكر وهذا من المعروف، وفي الوقت نفسه ننهاه عن الجزع؛ لأن الجزع منكر، ننهاه عن التسخط على قضاء الله وقدره؛ لأن هذا منكر، ننهاه عن النياحة والندب، ننهاه عن فعل الجاهلية من ضرب الخدود وشق الجيوب وما إلى ذلك.

    ثم ثالثاً أيضاً من فوائد التعزية: الدعاء للميت، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عزى أسماء بنت عميس رضي الله عنها في زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: ( اللهم اخلف جعفر في أهله، وبارك لـعبد الله في صفقة يمينه ) يعني: عبد الله بن جعفر ، فهذا دعاء للميت، كذلك لما عزى أم سلمة رضي الله عنها في زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي رضي الله عنه، قال: ( اللهم اغفر لـأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، اللهم أفسح له في قبره ونور له فيه )، هذا دعاء للميت، فالتعزية مشتملة على هذه الفوائد كلها: تهوين المصيبة، ومواساة المصاب، وتسليته عن مصيبته، وأمره بالصبر والرضا بالقدر، وتسليم الأمر لله عز وجل، وفيها كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها الدعاء للميت، وهي من باب التعاون على البر والتقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه )، يعني: لك أن تتصور الآن لو مات لك ميت، ثم لم يأتك من يعزيك فكيف يكون حالك؟ وكلنا قد جرب هذا، إذا مات له ميت، أو أصيب في صفي أو خليل، أو والد أو ولد، ثم بعد ذلك تتابع عليه الناس، هذا يأمره بالصبر، وهذا يذكره بما أعد الله له من الأجر، وهذا يدعو للميت، وهذا يذكره بمن مضى من الأولين، كما فعل أحد الناس لما مات لرجل ولد يقال له محمد، جاء من يعزيه قال له:

    اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد

    وإذا ذكرت مصيبة تسلوا بها فاذكر مصابك في النبي محمد.

    إذا ذكرت ولدك هذا الذي مات، فاذكر مصابك الأعظم لموت النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم.

    الألفاظ التي يعزى بها أهل الميت

    المسألة الثانية: في ألفاظها، قال الإمام النووي رحمه الله: لا حجر في ألفاظ التعزية، كل ما يتأدى به الغرض الذي مضى ذكره، من تهوين المصاب، والأمر بالصبر، وابتغاء الأجر والرضاء بالقدر، وما إلى ذلك فكله تعزية، فليس للتعزية لفظ مخصوص لا يتعدى، لكن لو أن الإنسان استحضر ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام فهو أولى، النبي عليه الصلاة والسلام لما أرسلت إليه إحدى بناته تخبره أن ولدها يحتضر عزاها صلى الله عليه وسلم بقوله: ( إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب ) هذا إخبار بقدر الله عز وجل، بأن الله عز وجل أعطى، والله عز وجل أخذ ما أعطى جل جلاله، ثم إخبار بالقدر في مسألة أخرى، كل شيء عنده بأجل مسمى، كل حي إلى فناء، كل باكٍ سيبكى، من يبكي اليوم سيبكى عليه غداً، كل شيء عنده بأجل مسمى، كل باكٍ سيبكى، وكل ناعٍ سينعى، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:35]، ثم الأمر بالمعروف، قال لها صلى الله عليه وسلم: ( فلتصبر ولتحتسب ) تصبر على قضاء الله، وتحتسب الأجر عند الله عز وجل.

    هذا كان هدي الصالحين، كما في سنن الترمذي من حديث عيسى بن سنان الحنفي رضي الله عنه قال: مات ولدي سنان فدفنته، فإذا أبو طلحة الخولاني يقول لي يعني: في المقابر، يعزيه بهذه الكلمات، يقول لي: سمعت أبا موسى الأشعري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا مات ولد العبد قال الله عز وجل لملائكته: أقبضتم روح ولد عبدي؟ أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فتقول الملائكة: نعم، فيقول الله عز وجل وهو أعلم: ماذا قال عبدي؟ تقول الملائكة: حمدك واسترجع، فيقول الله عز وجل: ابنوا له بيتاً في الجنة سموه بيت الحمد ) هذه تعزية لهذا الرجل الذي مات ولده.

    وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كان يهون على كل إنسان أصيب بهذه المصيبة بكلمات تذهب عنه حرارتها وألمها، ولذلك لو أن الإنسان قال للمصاب: أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك، وبارك لك في عقبك، ونحو ذلك من الكلمات، أو قال له: البقاء لله، أو الدوام لله، أو كل نفس ذائقة الموت، ونحو ذلك من الكلمات التي يذكره فيها بهذه الحقائق الشرعية والبينات القطعية، فهذا كله مطلوب، وهذا كله سائغ إن شاء الله.

    وقت التعزية

    المسألة الثالثة: ما هو وقتها؟ التعزية تشرع في كل وقت، قبل الدفن وبعده، لكن بعض العلماء استحبوا أن تكون التعزية بعد الدفن، وقالوا: لأنه قبل الدفن يكون أهل الميت مشغولين بتجهيز ميتهم، مقبلين على خاصة أمرهم، ثم إنهم بعد الدفن تكون وحشتهم أعظم لفراق صاحبهم، فهم بحاجة إلى من يثبتهم، بحاجة إلى من يذكرهم، ولذلك قالوا: التعزية بعد الدفن أطيب، قالوا: وتجوز قبل الدفن إذا كان جزعهم شديداً، يعني: أحياناً أيها الإخوة يموت ميت شاب حديث السن بما يسمى موت الفجأة، يكون في كامل صحته وفي ميعة صباه، وعنفوان شبابه، وفجأة يموت، فيصاب أهله بما يسمى بالذهول، يكونون ذاهلين مستغربين، كيف مات هذا الإنسان؟ ففي مثل تلك الأحوال لعل التعزية قبل الدفن تكون أبلغ؛ لأن هذا الأمر قد حصل، وأن المصيبة قد وقعت، وأنتم يا أهل الميت بين أمرين:

    الأمر الأول: إما أن ترضوا بقضاء الله، فيكون لكم الأجر والثواب، ونذكرهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها ).

    والأمر الثاني: أن تجزعوا لما أصابكم، وأن تتسخطوا على قضاء الله وقدره، فتجتمع عليكم مصيبتان: مصيبة الموت، ومصيبة الوزر والعياذ بالله، فنقول: التعزية تكون بعد الدفن، ولا بأس أن تكون قبل الدفن لو دعا لذلك داعٍ.

    ثم أيضاً أيها الإخوة الكرام! لا تحد التعزية بثلاثة أيام، يعني: بعض الناس يعتقد أن التعزية لا تجوز بعد ثلاثة أيام، بل تجوز التعزية إلى ما شاء الله؛ ( لأنه لما مات جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم صعد على المنبر وعيناه دامعتان، وأخبر بأنه قد أخذ الراية زيد فقتل، فهو شهيد، ثم أخذ الراية جعفر فقتل فهو شهيد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقتل، ثم صمت صلى الله عليه وسلم حيناً، ثم قال: فهو شهيد، ورأيت في سريره ازوراراً، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله يعني: خالداً ففتح الله عليه.

    فأمهل صلى الله عليه وسلم آل جعفر ثلاثة أيام، ثم أتاهم بعد ذلك، فدعا بأولاد جعفر، فجعلت زوجة جعفر تفرح له، -تفرح له، يعني: تحزنه، تشكو إليه اليتم، تشكو إليه الفاقة، تشكو إليه الضياع- فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ اللهم اخلف جعفراً في أهله، وبارك لـعبد الله في صفقة يمينه، ثم دعا للحلاق فحلق رءوسنا )، هكذا يقول عبد الله بن جعفر رضي الله عنه.

    ولذلك نقول: التعزية أيها الإخوان لا تحد بثلاثة أيام، يعني: لو أن إنساناً كان مسافراً، وفي أثناء سفره مات ميت، فجاء بعد حين لا بأس أن يذهب لتعزية أهل ذلك الميت، متى ما علم بأن تعزيته تهون مصابهم، وتدخل السرور عليهم، وتقع منهم موقعاً طيباً، يذهب إليهم فيعزيهم، ولو كان ذلك بعد حين.

    الذين يجب تعزيتهم من أهل الميت

    المسألة الرابعة: من الذي يعزى؟ يعزى كل من كانت له بالميت صلة، سواء في ذلك الكبير والصغير والرجل والمرأة، والشاب والشيخ، سواء كان الميت أباً أو ولداً أو زوجاً أو حميماً أو صديقاً يعزى، كل من كانت له بالميت صلة يعزى، لكن قال أهل العلم: بأنه لا تعزى المرأة الشابة خوف الفتنة، أما الذي يحدث من بعض الناس بأنه يأتي للمرأة إذا مات لها ميت، مات زوجها أو مات أبوها أو كذا، وهو ليس محرماً لها، ثم بعد ذلك يصافحها، أو أشنع من ذلك يعني: يمسك بها ويبكي معها فهذا من أبطل الباطل، وهذا من الأفعال الشنيعة التي ينبغي أن يتنزه عنها كل مسلم يرجو لله وقاراً، يا عبد الله! جئت للتعزية ترجو الأجر والثواب، فما هذا الذي تصنع؟ بأي كتاب أم بأية سنة أبيح لك أن تحضنها وترفع صوتك بالبكاء معها؟ أنت جئت تبتغي أجراً فاحتقبت وزراً، وجئت تحيي سنة فأتيت ببدعة، بل أتيت منكراً عظيماً، فمثل هذا ينبغي أن ننزه أنفسنا عنه.

    التعزية أيها الإخوة الكرام! للمرأة لا بأس، لكن بالطريقة الشرعية، التي مضى ذكرها، أن أعزيها في مصابها: أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك، وأخلف عليك، وآمرها بالصبر والاحتساب، ولو كان هناك شيء أبشرها به فلا بأس، فمثلاً لو كان هذا الميت قد مرض بداء عضال، أبشرها بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أن المرض كفارة، ( ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من ذنوبه وخطاياه )، نبشرها بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مرض قبل الموت مرضاً شديداً حتى قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: ما أغبط أحداً على هول موت بعد الذي رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنعزيها بمثل هذا، الرسول صلى الله عليه وسلم عزى بعض النساء، فمثلاً لما مات حارثة بن سراقة رضي الله عنه يوم بدر، مات شهيداً، أصابه سهم غرب، سهم طائش، فأمه أم حارثة قالت: ( يا رسول الله! أخبرني إن كان حارثة في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك سليت نفسي بالبكاء، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أوهبلتي يا امرأة! إنها جنان وإنه لفي الفردوس الأعلى )، يعني قال لها: ليست جنة واحدة، وإنما هي جنان، وولدك في الفردوس الأعلى، وكذلك يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ( لما قتل أبي يوم أحد: جعلت أكشف عن وجهه وأبكي، ولده يقول: جعلت أكشف عن وجهه وأبكي، والناس ينهونني ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، وجعلت عمتي فاطمة تبكي التي هي أخت عبد الله بن عمرو بن حرام عليه من الله الرضوان، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تضله بأجنحتها حتى رفعت )، هذه تعزية من الرسول صلى الله عليه وسلم لتلك المرأة، وكذلك ذكرت منذ قليل بأنه صلى الله عليه وسلم عزى أم سلمة : (اللهم أغفر لـأبي سلمة ، وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، اللهم أفسح له في قبره ونور له فيه)، ولذلك نقول أيها الإخوان! لا بأس بتعزية المرأة التعزية المشروعة، أما التعزية المبتدعة التي يخالطها منكرات، وبدع محدثات، فمثل هذا نسأل الله العافية يكون قد أتى وزراً عظيماً.

    بعض المخالفات التي تقع في التعزية

    المسألة الخامسة: أيها الإخوة الكرام، أريد التنبيه على بعض المخالفات التي تقع في التعزية، من هذه المخالفات النياحة، يقال ناحت المرأة تنوح نوحاً إذا رفعت صوتها بالبكاء، وهذه النياحة الآن للأسف ليست قاصرة على النساء، بل يأتيها بعض الرجال خاصة في المقابر، والنياحة محرمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( النائحة ما لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب )، قال الإمام النووي رحمه الله: وفي هذا دليل على تحريم النياحة، بل بعض أهل العلم كالإمام ابن حجر الهيتمي عد النياحة من كبائر الذنوب، ولا يخفى عليكم أن النبي صلى الله عليه وسلم لو سمى ذنباً كفراً، فهذا دليل على أنه من الذنوب الكبار، فهاهنا النبي صلى الله عليه وسلم سمى النياحة كفراً، ( ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت )، ولذلك ما كان عليه العرب الأولون أن الواحدة منهن تقول: وا سيداه، وا عضداه، يا مرمل النسوان! يا ميتم الولدان! يا كذا يا كذا، هذا من النياحة، وقد يسمى ندباً.

    وأيضاً ما جرت عليه عادة نسائنا من قول إحداهن: يا حبيب قساي، يا كذا، يا من كنت تأتينا بكذا وكذا، يا ضوء القبيلة، إلى آخر ما يقوله النساء، هذه كلها من القبائح المنكرة التي ينبغي أن نتعاون في النهي عنها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليعذب الميت ببكاء أهله عليه )، إذا أهمل تعليمهم أو إذا أوصى بأن يبكى عليه بهذه الطريقة.

    أيضاً من المخالفات التي تحصل أيها الإخوان في التعزية: قضية صناعة الولائم، وإقامة المآتم بالصورة التي نراها، أن أهل الميت يتكلفون تكلفاً شديداً في إطعام المعزين، وأن يسقوهم الماء المثلج، وأن يأتوهم بالمشروبات من شاه وقهوة ونحو ذلك، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصنع لأهل الميت طعام، ( اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم )، وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: ( كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصناعة الطعام من النياحة )، نعم ممكن لو أن ناساً جاءوا من مكان بعيد يعزون، أو جاءوا مسافرين مثلاً يقدم لهم طعام، أما أن أهل الحي والأقارب يأتون فيطعمون أهل الميت، هذا خلاف السنة، السنة أن الجيران والأرحام هم الذين يصنعون لأهل الميت ثلاثة أيام؛ لأنهم مشغولون بمصابهم.

    أيضاً: من المخالفات أيها الإخوان الاشتغال بالتعزية عما هو أهم، فتجد بعض الناس في المقابر بعد دفن الميت مشغولون بتلقي العزاء، وتفقد من غاب ممن حضر، والسنة بعد دفن الميت أن نصنع ماذا؟ أن ندعو له، ( استغفروا لصاحبكم واسألوا له التثبيت فإنه له الآن يُسأل )، أما أن أشتغل بتلقي العزاء، وكذا وانشغل عن الدعاء للميت، فهذا خلاف ما أمر به نبينا صلى الله عليه وسلم.

    أسأل الله عز وجل أن يرزقنا الاقتداء به، والسير على نهجه، فبعد الفراغ من الكلام على أحكام التعزية.

    1.   

    مسائل متعلقة بأحكام المقابر

    نتناول الأحكام الخاصة بالمقابر التي هي منازلنا جميعاً، بعد حياة تطول أو تقصر لا بد أن نأوي إلى تلك المقابر، نسأل الله أن يجعل قبورنا رياضاً من رياض الجنة، وألا يجعلها حفراً من حفر النيران.

    حكم زيارة المقابر

    أول المسائل التي تتعلق بالمقابر أيها الإخوان! أن زيارتها مستحبة، واستحبابها مأخوذ من السنة القولية والسنة العملية، أما السنة القولية فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة )، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر قال: (فزوروها) وذكر العلة عليه الصلاة والسلام بأنها تذكر الآخرة، وأما السنة العملية، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور بقيع الغرقد، وكان يزور شهداء أحد، وقد زار قبر أمه آمنة بنت وهب بالأبواء، قال الصحابة رضي الله عنهم (كنا في الطريق بين مكة والمدينة، فمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبر، فجلس عنده طويلاً يبكي حتى أبكانا، ثم قال عليه الصلاة والسلام: هذا قبر أم محمد آمنة )، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (استأذنت ربي في أن استغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة )، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي شهداء أحد فيسلم عليهم ويدعو لهم، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يأتي بقيع الغرقد، فيسلم عليهم، (وقبل وفاته صلى الله عليه وسلم بأيام معدودة خرج إلى البقيع ومعه مولاه أبو مويهبة رضي الله عنه، فسلم على أهل البقيع، ثم قال لهم: ليهنكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن يتبع آخرها أولها، وللآخرة شر من الأولى ).

    فالنبي عليه الصلاة والسلام ههنا ثبت بسنته العملية أنه كان يزور المقابر، هذه السنة أيها الإخوان عامة للرجال والنساء لم؟ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: ( فزوروها ) هذا أمر عام للجميع، للرجال والنساء، ثم أيضاً هناك أدلة مخصوصة تبين جواز زيارة النساء للقبور، من هذه الأدلة ما ثبت في الحديث الصحيح ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بقيع الغرقد فـمر على امرأة جالسة عند قبر تبكي، فسأل عنها فقيل له: إنها قد أصيبت بولدها، فقال لها عليه الصلاة والسلام: يا أمة الله! اتقي الله واصبري، فقالت له: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي -يعني بلغتنا: خليك في حالك- ثم قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت المرأة مفزوعة حتى أتته في بيته، فلم تجد عند بابه بوابين، ما وجدت أحداً يحجزها أو يمنعها، فاعتذرت إليه وقالت: يا رسول الله! ما عرفتك، فقال لها صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى )، ووجه الدلالة من هذا الحديث أيها الإخوة الكرام! أن زيارة النساء للقبور لو كانت ممنوعة، لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( اتقي الله واصبري )، بل كان صلى الله عليه وسلم سيأمرها بالذهاب.

    ثم الحديث الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى بقيع الغرقد، وأخبر أمنا عائشة في قصة طويلة، قال لها: ( إن جبريل قد دخل عليّ ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك، فقال لي: يا محمد! إن الله يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، فقالت له عائشة : يا رسول الله! إذا أتيتهم ماذا أقول؟ فقال: قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون )، إلى آخر الدعاء، ووجه الدلالة أنه لو كانت زيارة النساء للقبور ممنوعة لقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة : ليس من حقك أن تذهبي، لكنه صلى الله عليه وسلم علمها الدعاء، ولذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة ذهبت إلى قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما فزارته، فقيل لها: يا أم المؤمنين! ألم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بلى، نهى ثم رخص، وهذا ظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم: ( كنت نيهتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ).

    ثم أيضاً أيها الإخوان! العلة (فإنها تذكركم الآخرة)، والمرأة بحاجة إلى تذكر الآخرة كالرجل، بل ربما أشد، ولذلك نقول: زيارة النساء للقبور مشروعة، لكن على الصفة المشروعة، والصفة المشروعة أن تخرج في حجابها وحشمتها غير متزينة ولا متخضبة، وفاتني أن أذكر أن من المخالفات الشنيعة التي يقع فيها نساء هذه البلاد أن إحداهن - ولا أقول كلهن- تتعمد قبل الذهاب إلى التعزية أن تتخضب وتكتحل وتتزين وتلبس فاخر حليها، وأحسن ثيابها، من أجل أن تفتخر بذلك أمام المعزيات، ولذلك بيوت العزاء أحياناً كأنها بيوت أعراس؛ لأن كل واحدة تحرص على أن تظهر في أبهى زينة وأكمل هيئة، أعوذ بالله من قلة العقل، التعزية التي هي للاتعاظ والاعتبار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حولوها عن غايتها، فأقول: لو أن المرأة خرجت لزيارة القبور تخرج في حجابها وحشمتها غير متزينة ولا متطيبة ولا متعطرة.

    ثانياً: تذهب إلى القبور بنية صالحة، بنية الاعتبار والاتعاظ والادكار.

    ثم ثالثاً: لا تحدث عند القبر منكراً من صياح أو نياحة أو ضرب خد أو شق جيب، أو دعاء بدعوى الجاهلية، وكذلك ما تحدث يعني أمراً منكراً، وإنما تذهب للسلام على الميت والدعاء له.

    رعاية المقابر وحرمتها والأدب عند الدخول إليها

    المسألة الثانية أيها الإخوة الكرام! يجب علينا رعاية حرمة المقابر، ومن رعاية حرمتها ألا نجلس عليها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لئن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر )، ومن رعاية حرمتها ألا نمشي عليها، بل ذهب بعض أهل العلم ومنهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله ورضي عنه إلى كراهية المشي بالنعال بين القبور مطلقاً، استدلالاً بحديث بشير بن الخصاصية رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بقيع الغرقد فرأى رجلاً يلبس نعلين سبتيتين فقال له: يا صاحب السبتيتين اخلع عنك سبتيتيك )، والسبتيتان نوع من النعال اليمانية؛ لأنها نعال فاخرة، أكثر العلماء يقولون: النبي صلى الله عليه وسلم نهى ذلك الرجل؛ لأن تلك النعال كانت شعار أهل الخيلاء، مثل مركوب النمر مثلاً، فهي شعار لأهل الخيلاء، وقال بعضهم: بل النبي صلى الله عليه وسلم لأنه رأى في نعليه قذراً، لكن الإمام أحمد كان من ورعه إنه إذا اقترب من المقابر يخلع نعليه، لكن أقول أيها الإخوة الكرام الذي عليه أكثر العلماء: أنه لا حرج في المشي بالنعال بين المقابر، لكن ما يجوز لك أن تصعد على القبر بنعليك، وهذا يحصل كثيراً بالجنائز، الناس يشغلون عن ذلك، ويتدافعون ولربما مشوا على القبور، وهذا حرام.

    أيضاً أيها الإخوة الكرام! مما تنزه عنه المقابر: أن تجعل مكاناً للغو الحديث، بمعنى: أن الناس في المقابر يتخذونها مكاناً للقيل والقال، والونسة، ولربما النكات ولربما الضحك والقهقهة، فهذا مما لا ينبغي أن يكون، وهو مما يخالف حرمة المقابر، ورعاية تلك الحرمة، وتعظيم حرمة هؤلاء الأموات.

    حكم بناء المساجد على القبور

    المسألة الثالثة: مما ينهى عنه تأكيداً: بناء المساجد على القبور، وهذه من المصائب العظام التي وقع فيها بعض أهل الإسلام، أنهم يبنون على القبر مسجداً، ولربما يدخلون في المسجد قبراً، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد النهي عن ذلك، لما ذكرت له أم سلمة و أم حبيبة رضي الله عنهما كنيسة رأتاها في أرض الحبشة، وما فيها من التصاوير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله )، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) (فإني أنهاكم عن ذلك) والنهي للتحريم.

    الناس يتعلقون بشبهتين: شبهة يتعلقون بها من القرآن، وشبهة من السنة، أما من القرآن فيستدل بعضهم بقول الله عز وجل: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، يعني: الفتية الصالحون أهل الكهف بعد ما أعثر الله عليهم، كما قال: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا [الكهف:21] يعني: بعدما غابوا تلك السنوات الثلاثمائة الشمسية، أو الثلاثمائة وتسعة القمرية، وجاء القوم وقفوا عليهم، ورأوهم بأعينهم بأنهم صاحين، وقد طالت أظافرهم وغزرت شعورهم كما قال الله عز وجل: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [الكهف:18] يعني: من صورهم، يعني: لك أن تتصور الآن جدك الذي مات قبل ثلاثمائة سنة، الآن ذهبت فوجدته موجوداً جالساً كيف شعره، وكيف أظفاره؟ هؤلاء كانوا نياماً، والله عز وجل يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ [الكهف:21]، قال أصحاب السلطة والملأ بعد ما حصل التنازع: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21].

    طيب! الجواب أيها الإخوة الكرام! أولاً: هؤلاء القائلون هل نجزم بأنهم مؤمنون؟ ما نجزم، ربما يكونون كفاراً، والكافر لا غرابة أن يقول مثل هذا، ولا نعتقد بأن المسجد المسجد، وإنما المسجد مكان السجود، سواء كان سجوداً لحق.. سجوداً لله، أو كان سجوداً لباطل، كسجود لصنم أو لشمس أو لقمر أو لغير ذلك.

    ثانياً: إذا سلمنا بأنهم مسلمون، نقول: شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا إذا جاء شرعنا بخلافه، وشرعنا قد جاء بخلافه يقيناً، وإلا ففي القرآن نجد كثيراً من الأشياء التي هي من شرع من قبلنا، مثلاً قول الله عز وجل: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا [الأنعام:146]، هل هذه الأشياء محرمة علينا؟ قول الله عز وجل كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ [آل عمران:93] إسرائيل عليه السلام يعقوب حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، هل هي حرام علينا؟ ليست حراماً؛ لأن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أذن لنا في أكلها، وقد أنزل الله عليه: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام:145].

    ثم الشبهة الثانية التي يتعلقون بها: يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبره في مسجده، نقول لهم: وهل فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ اللهم لا، فالنبي صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين دفن في حجرة عائشة ، وحجرة عائشة ما كانت في المسجد، وإنما كانت مجاورة للمسجد، بدليل أنها رضي الله عنها وهي حائض الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدخل رأسه وهو معتكف فترجل رأسه عليه الصلاة والسلام، وكان يقول لها: ( ناوليني الخمرة، -يعني: وهو في المسجد عليه الصلاة والسلام- تقول له: إني حائض، يقول لها: حيضتك ليست في يدك )، يعني: أدخلي يدك، فدل ذلك على جواز دخول بعض الحائض لا كلها في المسجد.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة ، ولم يدفن في المسجد، ثم كان الأمر على ذلك في عهد أبي بكر و عمر و عثمان و علي و الحسن بن علي ، و معاوية بن أبي سفيان ، و يزيد بن معاوية و معاوية بن يزيد بن معاوية ، ثم جاء من بعدهم مروان بن الحكم ، ثم جاء من بعدهم عبد الملك بن مروان وخلال تلك الفترة كانت أيضاً خلافة يسيرة لـعبد الله بن الزبير رحمة الله على الجميع، ولم يحصل هذا إلا في عهد الوليد بن عبد الملك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من ثمانين سنة، الوليد أراد أن يوسع المسجد النبوي مثلما فعل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، الرسول صلى الله عليه وسلم وسع، لكن وسع من الناحية الغربية، وجاء عمر رضي الله عنه فوسع من ناحية الشمال، ثم جاء عثمان رضي الله عنه فبناه بناءً طيباً، بالساجي ونحوه، ثم جاء الوليد فأراد أن يوسعه من الناحية الشرقية، طيب! التوسعة من الناحية الشرقية ما تتأتى إلا إذا أدخل الحجرات في المسجد، اعترض العلماء على ذلك، ولكن الوليد أصر ونفذ ما أراده لكنه احتاط، فجعل حول قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه جداراً مثلثاً، وحرف عن القبلة بحيث لا يتأتى لأحد أن يستقبل القبلة والقبر معاً، إما أن يستقبل القبلة أو يستقبل القبر.

    ونقول أيها الإخوان! هل يقاس غير النبي صلى الله عليه وسلم على النبي عليه الصلاة والسلام؟ ما يقاس عليه، ولذلك ما ينبغي، مهما كان صلاح الإنسان أو حتى لو جزمنا بأنه من أولياء الله، أو كان من العلماء، أو كان من الشهداء، أو نحوهم ما ينبغي أن يدفن في مسجد، ولا ينبغي أن يبنى على القبر مسجد، بل النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البناء على القبور مطلقاً، حتى الآن ما يحصل في بعض البلاد، أو عندنا أحياناً في بعض القبور على قلة، أن القبر يبنى عليه بالإسمنت والجص ونحوه ويعلى، هذا كله قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بأس بأن يرفع القبر، ولو وضعنا حجارة أيضاً لا بأس على أساس أنه يتميز فلا يداس عليه ولا يجلس ولا يحفر، ولا ينبش، لكن أن يعلى ويجصص، فهذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

    الدعاء المأثور عند الدخول إلى المقبرة

    المسألة الرابعة: ماذا نقول إذا أتينا أهل القبور؟ يا أيها الإخوة الكرام! ينبغي للإنسان إذا ذهب إلى المقابر أن يسلم على الموتى، وأن يدعو لهم، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية )، ولربما قال: ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون )، ولا بأس أيضاً بأن يرفع الإنسان يده ويدعو، فقد ثبت من حديث أمنا عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه ودعا، يعني: مراراً يرفعها ويخفضها في بقيع الغرقد، فلو أن الإنسان رفع يديه ودعا لأهل المقابر: اللهم اغفر زلتهم، اللهم ضاعف حسناتهم، اللهم ارحم غربتهم، اللهم نور ظلمتهم، اللهم آنس وحشتهم، ونحو ذلك من الدعوات، فهذا طيب إن شاء الله، وقد أخبر ربنا عن عباده الصالحين بأنهم يقولون: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10] يدعون لمن مضى من الأموات.

    وأيضاً أيها الإخوة الكرام! لا مانع أن تخص ميتك بالسلام، يعني: أنا دخلت المقابر فسلمت على الجميع، ثم بعد ذلك آتي إلى قبر فلان من الناس الذي أريد أن أزوره: الوالد أو الوالدة أو الصديق أو نحو ذلك، أقف قبالة وجهه، وأقول له: السلام عليك يا فلان! أسأل الله عز وجل أن يغفر لك ويرحمك ويكرم نزلك، ويوسع مدخلك، ونحو ذلك من الدعوات الطيبات، فإنه إن شاء الله ينتفع بها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأن الميت ينتفع بالدعاء.

    قراءة القرآن عند المقابر

    يبقى بعد ذلك أيها الإخوة الكرام! مسألة قراءة القرآن عند المقابر، لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ القرآن في المقابر، لكن المطرف بن عبد الله بن الشخير ، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل ومن قبلهم عبد الله بن عمر كانوا يرون بأن هذا لا بأس به، لا بأس بأن يقرأ الإنسان قرآناً يعني عند المقابر، ويهب ثوابها للأموات، أو لميته المعين، لا حرج في ذلك إن شاء الله.

    الذبح عند المقابر

    وتبقى مسألة أخيرة: وهي النهي عن الذبح عند القبر، لا مانع من الصدقة، أني آتي ببهيمة فأذبحها، ثم أوزع لحمها على نية أن هذه البهيمة صدقة عن فلان من الناس، لا بأس بهذا، لكن ممنوع أن آخذ البهيمة وأذبحها عند القبر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن العقر عند القبر، وبذلك نكون قد أتينا على أهم المسائل، أسأل الله عز وجل أن يعلمني وإياكم علماً نافعاً، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.