إسلام ويب

ديوان الإفتاء [521]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لله تعالى في خلقه آيات تجري بأمره، يرحم بها من يشاء ويعذب بها من يشاء، ومن هذه الآيات الريح التي هي من جند الله تعالى، أهلك بها أقواماً، ونصر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا يجوز سبها، ومثلها المطر الذي أغرق به قوم نوح، ورحم به آخرين، ولذا شرع له آداب عدة ينبغي للمسلم المحافظة عليها.

    1.   

    أحكام تتعلق بهبوب الرياح

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد, البشير النذير والسراج المنير, وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    أما بعد:

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته, وأحمد الله الذي جمعنا في هذه الليلة المباركة ليلة الجمعة, في حلقة جديدة من هذا البرنامج, وأسأل الله سبحانه أن يجمعنا في جنات النعيم, إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:47-48].

    وفي بداية هذه الحلقة أقول: بأنه مع تباشير فصل الخريف, وربما هبت الرياح وكثر الغبار, وربما نزل المطر.

    وهاتان الظاهرتان الكونيتان الدالتان على قدرة ربنا جل جلاله تتعلق بهما أحكام:

    أولاً: لا يجوز سب الريح, فبعض الناس إذا هب الغبار واتسخت البيوت أو اتسخت الثياب, لربما سب الريح أو لعن الغبار وما إلى ذلك, وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( لا تسبوا الريح فإنها من جند الله ), فالريح من جند الله سبحانه وتعالى, ينصر بها من شاء ويهلك بها من شاء, كما قال عليه الصلاة والسلام: ( نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ), فالنبي عليه الصلاة والسلام نصره الله بالريح في غزوة الأحزاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب:9].

    وعاد أهلكها الله عز وجل بريح صرير عاتية: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة:7].

    ثانياً: الإنسان يدعو إذا هبت الريح يقول: ( اللهم إني أسألك من خيرها, وخير ما أرسلت به, وأعوذ بك من شرها، وشر ما أرسلت به ).

    ثالثاً: إذا هبت الريح فعلى الإنسان أن يتذكر أنها آية من آيات ربنا جل جلاله, ويتذكر قول ربنا: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [يوسف:105], كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: ( إذا رأى غيماً فإنه يدخل ويخرج ويتغير وجهه، فـعائشة رضي الله عنها قالت له: يا رسول الله! إن الناس إذا رأوا الغيم استبشروا, فما بالك يصيبك الكرب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وما يدريني فإن الله تعالى حكى عن قوم أنهم قالوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [الأحقاف:24], قال الله عز وجل: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:24-25] ).

    1.   

    أحكام تتعلق بنزول المطر

    أما بالنسبة للمطر فلا بد من بيان جملة من الأحكام والآداب:

    أولاً: أن نزولها من آثار صفة ربنا جل جلاله الرحمن الرحيم, فهو سبحانه وتعالى رحمن ورحيم, ومن آثار رحمته أنه ينزل هذا الغيث إحياءً للبلاد, وغياثاً للعباد, وإنباتاً للزرع, ودراً للضرع, وغير ذلك من المنافع العظيمة, يقول الله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [الأعراف:57-58].

    ثانياً: يستحب الدعاء عند نزول المطر, فإنها ساعة رحمة: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [الشورى:28], فإذا جاء المطر ينبغي للإنسان أن يستقبل القبلة, وأن يدعو الله عز وجل بما شاء من خير الدنيا والآخرة, ويتعرض لرحمة ربه جل جلاله.

    ثالثاً: إذا نزل المطر كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعرض له ولا يتوارى منه, وإنما يخرج عليه الصلاة والسلام من أجل أن يصيبه شيء من هذا المطر، وكان يقول: ( إنه حديث عهد بربنا ).

    رابعاً: إذا اشتد المطر وخيف من الضرر, فإنه يسن للإنسان أن يدعو فيقول: ( اللهم حوالينا ولا علينا, اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ), كما كان يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن الأعرابي لما أتاه وشكا إليه جدباً وقحطاً, وطلب منه أن يستسقي: ( دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالسقيا فأمطرت السماء وما رأى الناس الشمس سبتاً -أي: أسبوعاً كاملاً لا يرون الشمس- فلما كانت الجمعة التي تليها جاء الرجل نفسه فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يمسكها، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا, اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ).

    خامساً: لو تأخر المطر فإن نبينا عليه الصلاة والسلام علمنا صلاة تسمى صلاة الاستسقاء, فإنه لما شكا إليه الناس جدب البلاد وتأخر المطر عن إبان نزوله: ( وعدهم عليه الصلاة والسلام يوماً فخرج متبذلاً متخشعاً متضرعاً متواضعاً, فصلى بالناس ركعتين ثم وعظهم وأمرهم بالاستغفار والصدقة وتقوى الله عز وجل, ثم استقبل القبلة وحول رداءه, وقال: اللهم أغثنا, اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم إنا نسألك غيثاً مغيثاً عاماً غدقاً طبقاً سحاً مجللاً, اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب, اللهم اسق عبادك وبلادك وبهائمك, اللهم إنا خلق من خلقك, فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك, اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ), إلى غير ذلك من الأدعية الطيبة المباركة.

    وهذه هي صلاة الاستسقاء, وهي طلب السقيا من الله عز وجل, ولا يملكها غيره جل جلاله.

    سادساً: نزول المطر من الأعذار التي يباح بها ترك الجماعة, إذا نزل المطر فيمكن للإنسان أن يصلي في بيته, فإن الجماعة يعذر الإنسان في تركها إذا كان مريضاً يشق عليه الذهاب إلى المسجد, أو إذا كان ممرضاً لمريض يحتاج إلى من يلازمه, وأولى إذا كان يلازم محتضراً, يعني: إنساناً في حال الاحتضار ونزول الموت.

    ثم أيضاً: من أعذار ترك الجماعة: الخوف, لو كان الإنسان يخاف من إنسان ظالم, أو من حيوان مفترس, فيجوز له أن يترك الجماعة.

    سابعاً: لو كان المطر ينزل وليس كل مطر وإنما المطر الذي يحمل أوساط الناس على أن يضعوا أيديهم على رءوسهم, يعني: ليس المطر الذي هو عبارة عن نقط تنزل من السماء, وإنما مطر فيه شدة، حتى يتسبب في الوحل الشديد الذي هو من أعذار ترك الجماعة؛ فلو كان هناك وحل يشق على الإنسان معه الوصول إلى المسجد جاز له أن يصلي في بيته.

    ثامناً: مع نزول المطر يباح الجمع بين العشاءين, المغرب والعشاء, فلو جئنا لصلاة المغرب مثلاً وبدأت السماء تهطل بالمطر, فنؤذن للمغرب ثم نؤخر الإقامة يسيراً, ثم نقيم ونصلي ثم نؤذن للعشاء داخل المسجد, ولا نؤذن بالسماعات الخارجية؛ لئلا نشوش على الناس, ثم نقيم الصلاة ونصلي العشاء أربعاً, نجمع بين المغرب والعشاء, وننصرف إلى بيوتنا, حتى لو أمسكت السماء بعد ذلك, فقد أدينا ما علينا, وأخذنا برخصة ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    إخوتي وأخواتي! هذه بعض الأحكام التي أذكر بها مع تباشير فصل الخريف, ونسأل الله عز وجل أن يجعلها أمطار خير وبركة, وأن يعم بنفعها المسلمين, ونسأل الله أن يرزقنا شكر نعمته, فإن المطر من نعم ربنا جل جلاله, والريح من نعم ربنا جل جلاله, والشمس من نعم ربنا جل جلاله, والهواء من نعم ربنا جل جلاله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34].

    1.   

    آداب متعلقة بليلة ويوم الجمعة

    أقول: بأن هذه الليلة المباركة ليلة الجمعة يستحب فيها أن نكثر من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنها ليلة مباركة, وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( إن من خير أيامكم يوم الجمعة, فأكثروا من الصلاة علي فيه, فإن صلاتكم معروضة علي, قالوا: كيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ -يعني: بليت- فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )، فنكثر من الصلاة والسلام على نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك نحرص غداً إن شاء الله على أن نبكر إلى بيوت الله عز وجل, وأن نلتمس الأجر والثواب بذلك, وقد قال عليه الصلاة والسلام: ( من غسل يوم الجمعة واغتسل, وبكر وابتكر, ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فأنصت, كان له بكل خطوة يخطوها أجر صيام سنة وقيامها, وذلك على الله يسير )، فنبكر إن شاء الله إلى المساجد.

    وبعض الناس يشكو من أن خطبة الجمعة قد تكون مكررة, أو قد تكون فقيرة المعلومات, أو رتيبة الأداء, أو غير ذلك مما يشكو منه الناس, لكن نقول: إلى أن يصلح الله الحال, فنحن نلتمس الأجر والثواب أياً كان الإمام, وأياً كانت الخطبة, والأجر والثواب ليس مترتباً على جودة الخطبة, أو براعة الخطيب, وإنما هي مترتبة على هذه الأمور التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم, ( غسل واغتسل, وبكر ), (بكر) أي: مشى وسعى إلى المسجد باكراً, (وابتكر) أي: حضر الخطبة من أولها, (ودنا من الإمام فأنصت), هذا هو الذي يترتب عليه الثواب: ( كان له بكل خطوة يخطوها أجر صيام سنة وقيامها, وذلك على الله يسير ).

    وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: ( من تطهر يوم الجمعة بأحسن ما يجد من طهر, ثم لبس من أحسن ثيابه, ثم مس من طيبه أو طيب بيته, ثم خرج إلى المسجد فلم يفرق بين اثنين, ثم صلى ما كتب الله له أن يصلي, ثم إذا صعد الإمام المنبر جلس واستمع وأنصت, غفر له ما بين الجمعة والجمعة, وزيادة ثلاثة أيام ).

    نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء.

    وإذا كان من وصية لإخواننا الأئمة والخطباء فهو أن يعنوا بتوجيه الناس في خطبهم إلى ما ينفعهم, ومناقشة قضاياهم؛ لئلا يزهدوا في خطبة الجمعة.

    أسأل الله أن يعيننا وإياهم، وأن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى, أسأل الله أن يبلغنا الآمال, وأن يختم بالباقيات الصالحات الأعمال, والحمد لله في البدء والختام, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى جميع المرسلين.

    1.   

    الأسئلة

    المتصل عندي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: امرأة كانت تصلي إحدى الصلوات وبجوارها ابنتها على السرير، وخافت عليها أن تسقط فأزاحتها جانباً, ووضعتها في مكان آمن ثم واصلت صلاتها.

    السؤال الثاني: عامل يشتغل في شحن الخرسانة, فيقول له صاحب العربة: وجه الخرسانة الجيدة من الأعلى والرديئة من تحت ويجبره على هذه الوجاهة، فهل عليه ذنب, أم الذنب يتحمله صاحب العربة؟

    السؤال الثالث: بعض إخواننا يعملون في المملكة العربية السعودية ويتابعون هذا البرنامج، فعندما يكونون جالسين معاً يرسلون واحداً منهم ليأتيهم بسجائر فهل الإنسان الذي يرسلونه مشترك معهم في الذنب؟

    الشيخ: شكراً لك.

    المتصل عندي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ( من مس الحصى فقد لغا, ومن لغا فلا جمعة له )، فهل التصوير بالموبايل أو التسجيل أثناء خطبة الجمعة يعتبر لغواً؟

    السؤال الثاني: إذا أسقطت المرأة جنينها بعد أربعة أشهر فأكثر, فقد يدفنه بعض الناس في البيت, فهل يجوز دفنه في البيت أم يدفن في المقابر؟

    السؤال الثالث: يا شيخنا! شخص عهد إلي بسر وأكد علي ألا أخبر به شخصاً آخر, فجاء شخص وسألني عن هذا الشيء فبقيت بين خيارين: إما أن أكذب أو أخون العهد, فماذا أصنع في هذه الحالة؟

    الشيخ: طيب! وتسمعين الإجابة بإذن الله.

    إصلاح المرأة رقدة ابنتها أثناء الصلاة خوفاً عليها من السقوط

    السؤال: بالنسبة لسؤال أخينا عبد القادر شلعي بأن امرأة كانت تصلي, وابنتها إلى جوارها فوق السرير, وخشيت عليها من السقوط, فأصلحت من رقدتها وواصلت صلاتها، فما الحكم؟

    الجواب: الحركة أحياناً في الصلاة قد تكون واجبة, وقد تكون مستحبة, وقد تكون مباحة, وقد تكون مكروهة، وقد تكون محرمة, فالحركة التي تكون في الصلاة لا ينتظمها حكم واحد, وإنما تعتريها الأحكام التكليفية الخمسة.

    فمثال الحركة الواجبة: لو أن إنساناً كان يصلي, فرأى إنساناً أعمى يمشي نحو خطر, أو وجد طفلاً يسير نحو خطر, فيجب عليه أن يتحرك من أجل أن ينقذ هذه النفس المعصومة.

    ومثال الحركة المستحبة: لو أن إنساناً يصلي في المسجد مع جماعة المسلمين, فانسحب واحد من الناس من الصف لأن وضوءه انتقض, أو لأنه تذكر أنه ليس على وضوء مثلاً, فيستحب لهذا الإنسان أن يتحرك من الصف المفضول, ويتقدم ليسد تلك الثغرة ويلحق بالصف الفاضل.

    ومثال الحركة المباحة: لو أن إنساناً أصابته حكة أو أنه عطس فوضع يده على أنفه.

    ومثله أيضاً ما ابتلينا به أجهزة الهاتف الجوال, فلو أنها في أثناء الصلاة شوشت, فينبغي للإنسان أن يسارع إلى إغلاقها، وكف تلك الأصوات التي تزعج الناس في صلاتهم.

    فبالنسبة لهذه الأخت ليس عليها حرج إن شاء الله, طالما أنها لم تستدبر القبلة, ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القدوة والأسوة: ( صلى حاملاً أمامة بنت زينب رضي الله عنهما, فكان إذا سجد وضعها, فإذا قام رفعها ), فلا حرج إن شاء الله في هذه الحركة.

    تعاون العامل مع صاحب العربة بوضع الخرسانة الجيدة في الأعلى وإخفاء الرديئة

    الشيخ: أما بالنسبة لصاحب القلاب أو صاحب العربة الذي يقول للعاملين عليها: ضعوا النوع الجيد من الخرسانة أو من الرمل في الوجه كما يقولون أو في الجزء الأعلى, وما دون ذلك ليكن ما يكون، فأقول: لا شك بأن هذا هو عين الغش الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام, ولا يجوز لهؤلاء العاملين أن يتعاونوا مع هذا الرجل في هذا الإثم؛ لأن الله تعالى قال: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    ( وكان نبينا عليه الصلاة والسلام: في السوق فوضع يده في صبرة طعام، فأصابت يده بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟! قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: هلا جعلته فوق الطعام ليراه الناس, من غش فليس منا ).

    المشاركة في الإثم بين جالب السجائر ومستهلكيها

    الشيخ: أما بالنسبة لإنسان يرسلوه من أجل أن يأتي بشيء محرم كالسعوط أو السجائر؛ فلا يجوز له أن يأتي بشيء من ذلك لما سبق بيانه من قول ربنا: وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2], والشيء الذي لا يجوز لي أن أتناوله لا يجوز لي أن أشتريه لغيري, فالسجائر والسعوط سبق الكلام عليهما مراراً في أن فتوى المجامع الفقهية المعتبرة في أنحاء العالم الإسلامي قاضية بتحريمها؛ لكونها مضرة بالبدن ومضرة بالاقتصاد, ولما يترتب عليها من الأذى بالنسبة للشخص المدخن وبالنسبة لغيره من الناس.

    قياس تسجيل الخطبة بالموبايل بمس الحصى أثناء الخطبة

    السؤال: أختنا إيمان من بور سودان تسأل عن قول نبينا عليه الصلاة والسلام: ( من مس الحصى فقد لغا, ومن لغا فلا جمعة له ), تقول: فما حكم استعمال بعض الناس الموبايل من أجل أن يسجل خطبة الجمعة؟

    الجواب: إذا كان هذا بإذن الإمام فلا حرج؛ ومثله أيضاً من يقومون بتصوير الخطبة أو نقلها عبر الإذاعة, فإذا كان ذلك بإذن الإمام فلا حرج؛ لأن الشريعة أباحت للمصلي أن يتكلم مع الإمام يوم الجمعة, كما مضى معنا في صدر البرنامج, ( بأن الرجل دخل يوم الجمعة وقال: يا رسول الله! أمسكت السماء وأجدبت الأرض, وهلكت الأموال, فادع الله أن يغيثنا فداك أبي وأمي ), فالنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر على الرجل أنه تكلم معه وهو يخطب؛ بل دعا فقال: ( اللهم أغثنا, اللهم أغثنا, اللهم أغثنا ), ثم رجع إلى خطبته عليه الصلاة والسلام.

    ومثله أيضاً لما دخل سليك الغطفاني رضي الله عنه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( يا هذا! أصليت ركعتين؟ قال: لا, قال: قم فصل ), فإذا كان الكلام بين المصلي والإمام مباحاً, فمن باب أولى ما كان دونه إذا كان بإذن الإمام.

    أما إذا لم يأذن الإمام فلا يجوز للإنسان أن يسجل ولا أن يصور ولا أن يفعل شيئاً.

    دفن السقط الذي له أربعة أشهر داخل البيت

    الشيخ: بالنسبة للمرأة إذا حصل لها إملاص أو إجهاض, فإذا أجهضت وهذا الجنين قد نفخت فيه الروح, فإنه تجرى عليه أحكام الموتى؛ ومن ذلك أنه لا يدفن في البيت, وإنما يدفن في مقابر المسلمين؛ لأن هذه هي السنة التي تعلمناها من نبينا عليه الصلاة والسلام.

    المخرج لمن عهد إليه شخص بسر وسأله عنه آخر

    السؤال: أختنا إيمان تقول: بأنها عاهدت شخصاً ألا تبوح بالكلام الذي أسر به إليها, فجاء آخر فسألها عن ذلك الكلام, فهي إما أن تكذب، وإما أن تخون العهد، فماذا تفعل؟

    الجواب: لا تخوني العهد واستعملي المعاريض؛ لأنه لا يجوز إفشاء السر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا ( أن المجالس بالأمانة, وأن الإنسان إذا حدث أخاه حديثاً ثم التفت فهي أمانة ), يعني: لو أن إنساناً يريد أن يتكلم بكلام فنظر يميناً وشمالاً، فمعنى ذلك أنه لا يريد لغيره أن يسمع هذا الكلام, ولا أن يطلع عليه, وهذا عهد بعدم البوح بالكلام، والله عز وجل يقول: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ [النحل:91].

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد له ), فهذا الذي ينبغي أن يعلم, أن تستعملي المعاريض, لكن لا تبوحي بالسر الذي ائتمنت عليه.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: أسأل عن فضل صوم يوم عرفة لغير الحاج؟

    السؤال الثاني: إذا كان الإنسان قد صلى الشفع والوتر, وذهب لينام, بعد ذلك استيقظ الساعة الثانية عشرة أو واحدة في الليل, فصلى ركعتين ودعا واستغفر ونام، فهل هذا يعتبر قيام ليل؟

    فضل صوم يوم عرفة لغير الحاج

    الشيخ: بالنسبة لصيام يوم عرفة يا عمر! نسأل الله أن يبلغنا إياه, هو سنة مؤكدة لغير الحاج, فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد حثنا على صيام ذلك اليوم العظيم, وأخبرنا بأنه يكفر ذنوب سنة ماضية وسنة آتية, فينبغي لغير الحاج أن يحرص على صيام هذا اليوم المبارك.

    أما بالنسبة للحاج, فالسنة في حقه أن يفطر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما تنازع الناس في كونه صائماً أو مفطراً: ( ركب على بعيره ودعا بلبن, فشرب والناس ينظرون ).

    تأخير الوتر في حق من يقوم للصلاة آخر الليل

    الشيخ: أما بالنسبة لقيام الليل فلو كنت تضمن أن تستيقظ بالليل، كأن يكون -ما شاء الله- نومك خفيفاً أو عندك منبه أو عندك هاتف جوال, وتريد أن تقوم في الساعة الثانية عشرة أو الساعة الواحدة أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة, فتصلي لله ركعتين أو أكثر, فخير لك أن تؤخر الوتر؛ لكن لو أنك صليت العشاء, ثم صليت السنة ثم شفعت وأوترت, ثم بعد ذلك قدر الله لك أن تقوم بالليل, فلا حرج عليك أن تصلي ركعتين أو أكثر, لكن لا توتر مرة أخرى؛ لأنه ( لا وتران في ليلة ).

    وهذا السؤال يكثر في رمضان, ورمضان قريب منا إن شاء الله، نسأل الله أن يبلغنا أيامه, وأن يعيننا على اغتنامه, فلو أن الإنسان في رمضان صلى إلى أن أوتر مع الإمام ثم بدا له بالليل أن يستزيد من الصلاة, فلا حرج عليه في ذلك, وهو مأجور إن شاء الله.

    ضرر استخدام كريم تفتيح الوجه

    السؤال: أسأل عن كريم التفتيح للجسم؟

    الجواب: كريم التفتيح هذا تكلمنا عنه كثيراً وأنه لا يجوز؛ لأنه ثبت من كلام الأطباء المتخصصين في الأمراض الجلدية بأنه مضر, وأنه مسرطن, وأنه آفة من الآفات العظيمة؛ ولذلك لا يجوز استيراده, ولا يجوز بيعه, ولا يجوز استعماله؛ لأنه: ( لا ضرر ولا ضرار ).

    الرشوة إذا لم يستخلص الحق إلا بها

    السؤال: هل تجوز الرشوة في حق المغتصب؟

    الجواب: الرشوة الأصل فيها المنع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لعن الراشي والمرتشي والرائش ), وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي.

    اللهم إلا إذا تعينت الرشوة طريقاً وحيداً لنيل حق أو دفع ظلم ولم يجد سبيلاً غيرها, فإنه يدفعها والإثم على من أخذ.

    مصافحة المرأة الأجنبية وسماع الأغاني

    السؤال: ما حكم مصافحة الرجل للمرأة؟ وما حكم سماع الأغاني؟

    الجواب: السنة إذا لقي الرجل امرأة أن يسلم عليها لفظاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا مر بالنساء ألقى عليهن السلام, وما كان يصافحهن.

    أما الأغاني فإذا لم يكن يصحبها معازف, وكان الكلام طيباً فلا حرج في سماعها, ولا حرج أيضاً في أن الإنسان يتغنى بها, أما المعازف فقد منع منها نبينا عليه الصلاة والسلام.

    إخراج زكاة الفطر نقداً

    السؤال: ما حكم إخراج زكاة الفطر نقداً، أرجو التوضيح؟

    الجواب: هذه من العجائب, ما شاء الله الناس كأنهم يتوقون لمواسم الخير, فأخونا عمر قبل قليل يسأل عن عرفة, وهذا يسأل عن زكاة الفطر, وزكاة الفطر نقداً يا أخي لا مانع من إخراجها, وهذا الذي عمل به عمر بن عبد العزيز وقال به عطاء بن أبي رباح و سفيان الثوري , وكذلك قال به الإمام أبو حنيفة النعمان وقال به كثير من العلماء المعاصرين؛ عملاً بمقاصد الشريعة في إغناء المساكين في يوم العيد, والإغناء في زماننا يتحقق بالنقود -بالفلوس- فلو أن المسكين نال هذه النقود فإنه يستطيع أن يبتاع ما شاء من طعام أو لباس أو دواء أو غير ذلك, فلا حرج في ذلك إن شاء الله.

    الفرق بين البر والتقوى

    السؤال: ما الفرق بين البر والتقوى في القرآن الكريم؟

    الجواب: يا أخي الكريم! البر والتقوى كلاهما لفظ جامع يندرج تحته كثير من المفردات والأنواع, فكلمة التقوى كما قال علماؤنا رحمهم الله: أصلها من الوقاية؛ أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية, وذلك بفعل المأمور واجتناب المحظور, والصبر على المقدور.

    وكذلك كلمة البر هي في المعنى نفسه, وهي من الألفاظ التي يقول العلماء فيها: إذا اجتمعت افترقت, وإذا افترقت اجتمعت, كلفظ الفقير والمسكين, ولفظ الإثم والعدوان, ولفظ الإسلام والإيمان, فهذه الألفاظ كلها إذا ذكر أحدها في موضع فإنه يدخل فيها الآخر، أما إذا ذكرت في موضع واحد فلكل واحد منها معنى.

    فمثلاً: إذا ذكر الإسلام فهو يعني الإيمان, وإذا ذكر الإيمان فهو يعني الإسلام, أما إذا ذكرا معاً, كما في قول ربنا جل جلاله: قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، انفرد كل واحدٍ منهما بمعناه الذي يدل عليه.

    وبعض العلماء حمل الإيمان على اعتقاد القلب والإسلام على فعل الجوارح, وبعضهم حمل هذه الآية على أنها نازلة في شأن المنافقين.

    ومثلها أيضاً لفظة الفقير والمسكين, إذا اجتمعا افترقا, كما في قول ربنا جل جلاله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60], ومن هنا يبحث العلماء أيهما أشد حاجة: الفقير أو المسكين؟ فبعضهم يقول: المسكين أفضل حالاً؛ استدلالاً بقول ربنا: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [الكهف:79]، واستدلالاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليس المسكين بذاك الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان, وإنما المسكين هو الذي لا يجد غنى يغنيه, ولا يفطن له فيتصدق عليه, ولا يسأل الناس )، ويستدلون أيضاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أحيني مسكيناً ), مع كونه قد استعاذ بالله من الفقر.

    وكذلك لفظة البر والتقوى, ولفظة الإثم والعدوان, وهاهنا كما ذكرت، التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية, بفعل المأمور واجتناب المحظور.

    أما لفظة البر فهي قاصرة على الخصال التي أمر بها ربنا جل جلاله, البر: بمعنى أن يبر الإنسان فيما بينه وبين ربه, وأن يكون الإنسان باراً فيما بينه وبين الناس, يبر والديه, يبر أرحامه, يبر أشياخه, يبر جيرانه, ونحو ذلك من أنواع البر التي أمر بها ربنا جل جلاله.

    التخلص من الأرباح المالية التي فيها شبهة ربا

    السؤال: معي أرباح مالية بها شبهة ربا, فكيف أتخلص منها؟ وهل يمكن المساهمة بها في بناء مسجد؟

    الجواب: إذا كان ثمة مال لإنسان يجد في نفسه حرجاً منه, ويشعر بأنه ليس حلالاً محضاً, فإنه ينفقه في وجه من وجوه الخير, كبناء مسجد, ونحو ذلك مما يعود نفعه على المسلمين.

    اتجار الوكيل في بضاعة بغير إذن صاحب المال وأخذه من الربح الناتج عنها

    السؤال: أعمل موظفاً براتب مع رجل أعمال, حيث أبيع له بضائع, وفي بعض الأحيان أشتري بضائع من السوق وأضيف أرباحها له, فهل لي أن آخذ من هذه الأرباح نظير جهدي في شراء وبيع هذه البضائع, علماً بأن عملي براتب يشمل بضائعه فقط؟

    الجواب: يا أخي الكريم! هذا الرجل قد جعلك وكيلاً عنه في مقابل أجرة يدفعها لك في بيع بضائع معينة، وأنت تتصرف فتشتري بضائع أخرى ثم تبيعها وتربح, وتجعل الربح لهذا البائع, هذا الذي يسميه علماؤنا بيع الفضولي, يعني: ما كلفك صاحب المال بهذا التصرف, أنت تصرفت من نفسك, وتصرفك هذا موقوف على إجازة صاحب المال, بمعنى أن هذا التصرف ليس مأذوناً لك فيه, فلو أنك قمت به وصاحب المال أذن فالحمد لله, ولك أن تطالب بشيء من الربح, لك أن تخبره وتتفق معه على شيء من الربح؛ لكن لا يجوز لك أن تأخذ من غير إذنه، والله أعلم.

    المتصل: عندي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: عملي إعلامي مصور, وأسأل عن تغطيتي لصلاة الجمعة، فما أعرف الحكم فيها؛ لأن التصوير في صلاة الجمعة وغيرها يقتضي أن يكون المصور متحركاً هنا وهناك، ويتحرك يميناً وشمالاً, فيضطر أن يكون متحركاً مع الكاميرا.

    السؤال الثاني: لاحظت في مسجد من المساجد في صلاة الجمعة, وأنا داخل على المسجد رأيت قسيساً يدخل المسجد وهو معلق صليباً على صدره، فما الحكم في هذه الحالة؟

    السؤال الثالث: عند القيام ببعض المعاملات التجارية أو المعاملات الشخصية بين الأصحاب والأصدقاء, يأخذ بعضهم من بعض مالاً، فبعض المرات يكون مالاً يسيراً، كعشرة أو عشرين أو خمسين ثم يفترق بعضهم عن بعض، وقد يعرف أحدهما مكان الآخر وقد لا يعرف، فيتحرج أحدهما أن يرد للآخر المال، لا سيما وأنه مبلغٌ يسيرٌ، فما الحكم؟

    تصوير خطبة الجمعة وما يتبع ذلك من حركة للمصور

    الشيخ: بالنسبة لتغطية صلاة الجمعة, إذا كان ذلك بإذن الإمام فلا حرج؛ لأن التصوير في خطبة الجمعة أو نقلها عبر الإذاعة المسموعة يترتب عليه فائدة كبيرة, من تعميم النفع وإيصال الحق إلى فئة كثيرة من الناس, فلا حرج في ذلك -إن شاء الله- إذا كان بإذن الإمام.

    التعامل مع من يدخل المسجد وعلى صدره الصليب

    السؤال: كنت في طريقي إلى صلاة الجمعة فوجدت قسيساً يدخل المسجد وعلى صدره الصليب؟

    الجواب: هذه المسألة قد بحثها العلماء فيما مضى, فقالوا: بأن دخول غير المسلم إلى المسجد إذا كان بإذن المسلم فلا بأس, يعني: إذا كان غير المسلم يدخل إلى المسجد لمصلحة، مثلاً لكونه يريد أن يتعرف على الإسلام, أو لكونه يريد أن يناظر المسلمين, أو لكونه يستعان به في عمل لا يحسنه غيره؛ لأنه ربما يكون هناك عمل فني لا يحسنه غيره, هذا كله بشرط أن يكون بإذن المسلم.

    وقد دخل نصارى نجران إلى المسجد, وجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الإسلام والنصرانية, وأنزل الله عز وجل في ذلك آيات من صدر سورة آل عمران, ومنها قوله جل جلاله: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61], هذا هو الحكم العام.

    أما هذه الصورة التي يذكرها الأخ أن قسيساً يأتي على هيئة العزة ويحمل على صدره صليباً, وغالباً ما يكون صليباً من ذهب, ويدخل ويؤتى له بكرسي ونحو ذلك, فهذا منكر لا ينبغي أن يمكن منه, ولا أن يتاح له, أما إذا دخل من أجل مصلحة تعرفاً على الإسلام, أو مناظرة لعلمائه, أو استعانة به في عمل ما, ودخل في ذلك بإذن من المسلمين فلا حرج, أما أن يدخل على سبيل الاعتزاز بشأنه وهو يحمل على صدره ذلك الوثن, فهذا لا يجوز التمكين له بدخول المسجد ولا السكوت عليه.

    أخذ الشخص مالاً يسيراً من صديقه ثم يستحيي من رده إليه لقلته

    السؤال: هناك معاملات مالية بين الأصحاب, بمعنى أن يأخذ الإنسان من صاحبه خمسة جنيهات أو عشرة جنيهات, ثم بعد ذلك يستحي أن يردها إليه، فما الحكم؟

    الجواب: لا حياء في هذا, فإن الله عز وجل أمرنا بأن نرد الحقوق إلى أهلها, وألا نأكل أموالنا بيننا بالباطل, اللهم إلا إذا غلب على ظنه بأن صاحبه يسوءه ذلك ولا يرتضيه، ففي هذه الحالة لا يؤذيه, لكن ليس معنى ذلك أني آخذ من شخص مالاً ثم أقول: والله أنا مستحي أن أرده إليه؛ لأن الحياء هنا لا ينفع.

    لكن أقول: إذا كان بيننا تعامل ومعرفة جيدة, وغلب على ظني بأن هذا الصاحب لا يقبل أن أرد إليه هذا المال, فلا بأس أن أنفعه بشيء آخر, أو أهاديه بشيء آخر, أما أن آخذ المال وأسكت فلا ثم لا, وما أدراك يا من تظن بأن صاحبك لن يقبل, ربما هو في أمس الحاجة إلى هذه الخمسة أو العشرة, وربما لا يملك غيرها, خاصة في آخر الشهر كما هو الحال في هذه الأيام؛ فلذلك لا تبح لنفسك أن تأخذ ما لا حق لك فيه بناء على ظنك.

    وربنا جل جلاله قال: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:188].

    كما ينبغي للناس أن يتقيدوا بالسنة في كتابة هذا الدين؛ لأن الله أمرنا أمر إرشاد فقال: إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة:282], ويكون مع الكتابة إشهاد؛ لئلا يحصل نوع من الجحود أو نوع من النسيان, أو نوع من العداوة والبغضاء بين الناس.

    وهذا الأمر من ربنا جل جلاله يراد به حفظ حق الدائن والمدين, وألا يحصل بينهما ما لا ينبغي.