إسلام ويب

ديوان الإفتاء [486]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النصر وعد من الله عز وجل لعباده المؤمنين، وقد يتأخر النصر تمحيصاً للنيات، وحتى يكثر المؤمنون من اللجوء إلى ربهم، وحتى يعلموا أن النصر من عند الله وحده، وليس بقوة عدد ولا عُدد، ولحصول النصر أسباب، منها: صلاح النية والمقصد، واجتماع الكلمة، وعدم التنازع، وعدم الاتكال على النفس، والحكمة في تأخر النصر تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب والصابر من الجبان

    1.   

    من أسباب النصر

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ومرحباً بكم في حلقة جديدة من ديوان الافتاء، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.

    وقد مضى معنا الكلام في حلقة سابقة في أن لله عز وجل حكماً بالغة في تأخير النصر عن عباده المؤمنين، قد يتأخر النصر تمحيصاً للنيات، وقد يتأخر النصر من أجل أن يكثر الناس من اللجوء لرب الأرض والسموات، ويلح عليه بالدعاء الصادق، وقد يتأخر النصر من أجل أن يعلم الناس أن النصر لا بقوة عدد ولا عُدد، وإنما: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران:126]، وقد يتأخر النصر: لِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:141]، وقد يتأخر النصر من أجل أن يبالغ المجرمون في إجرامهم، والمعتدون في اعتدائهم، فيأخذهم الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر.

    وأقول أيها الإخوة والأخوات! بأن للنصر أسباباً يمكن أن نستنبطها من قصص القرآن، فإن ربنا جل جلاله حدثنا عن قصة طالوت وجالوت، فقال: أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة:246]، الآيات، وهذه الآيات المباركات نستنبط منها أسباباً يتحقق بها نصر الله عز وجل، ومتى ما تخلفت هذه الأسباب تأخر النصر أو انعدم.

    أول هذه الأسباب: الحرص على صلاح النية، ولا ينافي ذلك أن يكون القتال ردعاً للظلم ودفعاً للعدوان، لكن لا بد أن تتمحض النية في أن هذا القتال، وهذا الجهاد انتصار لدين الله عز وجل، وغضب لانتهاك الحرمات لا غضباً للنفس، ولذلك لما قال بنو إسرائيل: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا [البقرة:246]، قال أهل التفسير: أظهروا التصلب والتجلد في القتال ذباً عن أموالهم ومنازلهم، فلذلك لم يتم قصدهم؛ لأنه لم يخلص لحق الله عزمهم، ولو أنهم قالو: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أمرنا، ووجب القتال علينا، لعلهم وفقوا لإتمام ما قصدوا، فلا بد أن تتمحض النية لله عز وجل ابتداءً؛ من أجل أن يحصل النصر في النهاية والعاقبة.

    ثم ثانياً من أسباب النصر: أن الإنسان قد يظن القدرة على ترك المحظور أو القيام بالمأمور، فإذا ابتلي به نكص، قال الله عز وجل: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة:246]، هؤلاء الذين كانوا يجعجعون يطلبون من نبي الله موسى عليه السلام: أن يكتب عليهم القتال: لَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة:246]، مثل ما قال الله عز وجل: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأَوْلَى لَهمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهمْ [محمد:20-21]، ولذلك نبينا المختار عليه الصلاة والسلام أوصانا فقال: (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا)، قال الله عز وجل: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:75-77]، ولذلك الإنسان أبداً لا يعرض نفسه للبلاء: بل يطلب من الله عز وجل العون والتسديد والتوفيق متى ما حصل البلاء بالأمر أو النهي.

    ثم ثالثاً من أسباب حصول النصر: اجتماع كلمة أهل الحل والعقد، أي: أن يجلس هؤلاء ليبحثوا عن الطريق الذي تستقيم به أمورهم، ويفهمونه جيداً، ثم يعملون به، ولذلك هؤلاء الملأ راجعوا نبيهم صلوات الله وسلامه عليه في أن يجعل لهم قائداً تجتمع عليه كلمتهم، ويتوحد قصدهم.

    ثم من أسباب النصر كذلك: عدم التنازع، فإن هؤلاء الناس بدءوا ينازعون نبيهم لما قال لهم: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا [البقرة:247]، قيل: كان دباغاً، وقيل: بل كان جزاراً، يعني: كان يمتهن مهنة ربما لا تكون ذات شأن في أعين كثير من الناس، ولذلك اعترضوا قالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ [البقرة:247].

    ثم من أسباب النصر: عدم الاتكال على النفس، فإن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه سبب النصر والفوز، ولذلك لما قالوا لنبيهم: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا [البقرة:246]، نتيجة لذلك: لَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة:246]، ولما اتكلوا على الله عز وجل، وأخلصوا نيتهم حصل النصر: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ [البقرة:250-251].

    1.   

    سنة الله في تحقيق المدافعة للتمييز بين الحق والباطل

    يا إخوتاه! من حكمة الله تعالى: تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجبان يقول سبحانه: مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179]، فلو أن النصر سيأتي في ساعة من زمان، أو في يوم أو يومين، لكان الأمر هيناً، لكن الله عز وجل يطيل أمد المعركة؛ من أجل أن: يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران:179]، والصادق من الكاذب، والمقدام من الجبان، والصبور من الجزع وهكذا.

    ثم من رحمة ربنا وسننه الجارية: أن يدفع ضرر الكفار والمنافقين بالمؤمنين المقاتلين، ولولا ذلك لفسدت الأرض، يعني: الناس يحزنون على سفك الدماء، ويحزنون على إزهاق الأرواح، لكن هذه سنة الله عز وجل: وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [البقرة:251]، وفي قراءة متواترة: (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)، وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40]، صحيح بأننا نحزن لهذه الدماء الزكية التي تنزف على أرض ليبيا في هذه الأيام، لكن نقول: هذه سنة الله عز وجل، فإن الباطل لا يستسلم، الباطل يقاوم ويحاول أن يستديم أركانه، ولكن الله عز وجل يدفع بهؤلاء المؤمنين الطيبين في نحور الكفار والمنافقين، من أجل أن يحق الحق ويبطل الباطل.

    1.   

    الفرق بين العزم على القتال وحقيقته

    ثم لا بد أن نعلم إخوتي وأخواتي! بأن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته؛ لأن الإنسان قد يعزم ثم بعد ذلك ينكص على عقبيه وتنحل عزيمته، وقد كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم )، وكذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ( وأسألك الرضا بعد القضاء )؛ لأن الرضا بعد وقوع المكروه هو: الرضا الحقيقي الذي يثاب العبد عليه ويؤجر.

    1.   

    صفات القائد

    كذلك القيادة لا بد أن يتقدم لها من كان أهلها، ولذلك قال نبيهم: إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247]، إنسان مؤهل للقيادة، من ناحية العلم، ومن ناحية الجسم، ومن ناحية مضاء العزيمة، ومن ناحية صحة القصد، ومن ناحية الشجاعة والإقدام؛ ولذلك لما قال: إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247]، يقول القائل:

    تبين لي أن القماءة ذلة وأن أعزاء الرجال طيالها

    و الخنساء قالت ترثي أخاها صخراً :

    أعيني جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر ندا

    ألا تبكيان الجريء الجميل ألا تبكيان الفتى السيدا

    إلى أن قالت:

    رفيع العماد طويل النجاد ساد عشيرته أمردا

    والإمامة والقيادة ليست وراثة، وإنما هي التأهيل، ولذلك لما قال الخليل عليه السلام: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة:124]، قال الله عز وجل: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]، ولذلك اعتراض هؤلاء القوم كان منصباً على أن طالوت ليس من بيت الملك، فكيف يكون قائداً؟ فبين سبحانه أن الملك يؤتيه من يشاء، وليس ملازماً لأن يكون الأب أو الجد قائداً، فيكون الولد أو ولد الولد قائداً، لكن يكون بالجدارة لا بالنسب.

    تفقد القائد جنوده

    أيضاً نتعلم أنه ينبغي للقائد أن يتفقد جنوده، يقول الله عز وجل: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ [البقرة:249]، أي: مشى بهم، وتدبر أحوالهم، ورتبهم ونظر في أمرهم، ثم يجب على القائد أن يمنع من لا يصلح للحرب، سواء كان مخذلاً أو مرجفاً أو ملحداً؛ ولذلك حرص هذا القائد على أن يمايز الصفوف: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [البقرة:249]، والمخذل: هو الذي يخذل الجيش ويقول: ما أنتم بمنتصرين، لن تستطيعوا الفوز والظهور، وأما المرجف: فهو الذي يخوف من العدو، يقول: إن عدونا يملك من السلاح كذا وكذا، وعنده من الذخيرة كذا وكذا، وعنده من الرجال كذا وكذا، وهم أكثر عدداً، وأعز نفراً، وأقوى استعداداً ونحو ذلك، مثلما كان المنافقون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: أيحسب محمد جلاد بني الأصفر اللعب؟ لكأنا به وبأصحابه وهم مقرنون في الأصفاد، فسماهم الله عز وجل المرجفين في المدينة.

    ومن الحكمة: اختبار الجند، من أجل أن يتبين القائد من هو أهل للقتال، ومن ليس بأهل، ويشبه هذا ما يصنعه الناس في هذه الأيام، مما يسمى بالمناورات الحربية التي هي عبارة عن اختبار للجند، وتدريب لهم، وكيف ينفذون الخطط التي تعلموها.

    وكذلك ينبغي للأمير أن يتفقد جيشه، ليعرف الصابر من الجزع، وينبغي عند حضور القتال تقوية عزائم المجاهدين، وشحذ هممهم، مثلما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول: ( والذي نفسي بيده لا يقاتلنهم اليوم رجل، فيقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة )، ولا بد من تربية الناس على الإيمان بالقدر، وأن الفرار من الموت لا ينجِي مما قدره الله عز وجل، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ [البقرة:243]، وقال: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:16]، وقال: قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة:8]، ما قال الله عز وجل: فإنه مدركم، كما في الآية الأخرى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ المَوْتُ [النساء:78]، لا، هنا قال: فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة:8]، يعني: لو فررت من الموت فإنه سيقابلك من الجهة التي فررت إليها: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154]، وهذا المعنى ينبغي أن يستقر في الأذهان.

    كذلك لا بد من التفاهم بين القائد والجنود: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا [البقرة:246]، ومثله ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين قال: ( أشيروا عليّ أيها الناس! )، فلا بد من تفاهم وتناغم بين القائد والجنود.

    شجاعة القائد وتأثيرها على الجند

    ثم لا بد أن يكون القائد مثلاً أعلى في الشجاعة، ولذلك داود عليه السلام برز لـجالوت، وجالوت جبار من جبابرة الأرض، فأظهر الله عز وجل داود ومكنه من قتل جالوت، وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم مثلما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ( ما رأيت أشجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنا إذا حمي الوطيس، واحمرت الحدق، واشتدت الحرب، نتقي برسول الله صلى عليه وسلم، فلا يكون أحد أقرب إلى العدو منه، وإن الشجاع منا للذي يحاذيه )، يعني: أشجع واحد من الصحابة يكون بحذاء النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يتقدم أحد عليه صلوات ربي وسلامه عليه.

    إخوتي وأخواتي! هذه بعض المعاني التي نستفيدها من القصة، التي ساقها الله عز وجل في سورة البقرة، أسأل الله العلي العظيم القوي العزيز الذي: يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62]، أن يجعل لإخواننا في ليبيا فرجاً قريباً، ونصراً عزيزاً، وأن يقر الله أعينهم بزوال الطاغوت وأعوانه، وأن يقر الله أعينهم بأن ينتشر الأمن والعدل في ربوع بلادهم، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    1.   

    الأسئلة

    ومرحباً بأول المتصلين، تفضل.

    المتصل: يا شيخنا! لدي سؤال: أريد أن أعرف المصافحة ما حكمها؟

    المتصل: معك صلاح الدين من العشرة عندي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: يقول تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:30-31]، ما تفسيرها؟

    السؤال الثاني: إذا في واحد عنده قروش في شهامة، والشهامة عندهم نظام أنهم بعد كل سنة يقومون بتصفيات، فكيف تكون الزكاة للمال في شهامة، وهل الزكاة تشمل رأس المال والأرباح، أم تشمل رأس المال فقط؟

    السؤال الثالث: ما رأيكم فيما قاله شيخ الأزهر قبل فترة حيث كان عنده محاضرة في إدارة الفقه العالمية، فقال: لا يجوز الإفتاء على الهواء؟

    الشيخ: طيب، شكراً.

    المتصل: أنا أسأل: جاء زوجي بالشرائح الخاصة بموبايل، جاء بكمية كبيرة منها، فيستعمل جزءاً منها، وجزء آخر يكون زائداً، وأحياناً يتحول الرصيد بالغلط، ولا يظهر الرقم المحول منه، فهل ممكن أن نأخذه، أم يكون حراماً علينا، أم ماذا نعمل؟

    الشيخ: طيب.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: يا شيخ! أنا في يوم من الأيام صحوت على جنابة، وما انتبهت لها، فأكملت يومي كله وأنا أصلي طبيعي، وغيرت ملابسي الداخلية، وذهبت إلى العمل، فلما رجعت بالليل اتضح لي أني كنت على جنابة، فهل أعيد الصلوات كلها أم أغتسل فقط؟

    السؤال الثاني: عندي مشكلة تعمل لي إزعاجاً، وذلك أني بعدما أستنجي من البول، وأخرج أتوضأ، أشعر أن نقطة بول تأتي متأخرة، وهذا في بعض الأحيان وليس دائماً، وأحياناً أشعر بها وأنا في الصلاة، فما المطلوب مني؟ وكيف أتخلص منها؟

    الشيخ: طيب.

    المتصل: أنا يا شيخنا مطلقة، ولما طلقت زوجي ما أعطاني نفقة العدة، فقالوا لي: لا تسأليه، وبعد أن تمت العدة حدد لي النفقة، ولكن ما أعطاني أي شيء، وبعدما أممت الثلاثة شهور اتصل عليّ وأعطاني جزءاً بسيطاً جداً، وقال لي: باقي القروش سأعطيك إياها، وما أعطاني يا شيخنا! وأنا لا أعرف هل أسأله إياها أم قد سقطت النفقة؟

    الشيخ: طيب طيب جزاك الله خيراً.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: أسأل عن تفسير قول الله تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61].

    السؤال الثاني: أنا في أم درمان، وفيها عين ماء خاصة، وهناك مجموعة من الناس شربوا منها واستشفوا بالغسل منها.

    المتصل: لدي سؤال يا شيخ! بنتي عمرها خمس عشرة سنة، تعاني من أمراض كثيرة، تقول: أنها ترى ناساً، وأن شخصاً يقف خلفها، وتشعر بخوف، فقالوا لنا: اقرءوا عليها سورة البقرة، فقرأنا لها من المذياع، يعني: شغلنا لها الراديو، وهي تسمع من الراديو، وما أتينا لها بشيخ، وأثناء استماعها لسورة البقرة وبعد الانتهاء جاءها ألم شديد في الرجل الشمال وتورمت وكانت حاسة بتوتر شديد، وتقول: أنا متوترة، بس منتظرة متى تنتهي سورة البقرة من أجل أن تقوم، وبعدها جاءها مغص وإسهال وتعبت تعباً شديداً وبقيت يومين راقدة. وأيضاً عندها الأعراض الخاصة لما تكون في السرير تشعر أن شخصاً يقف وراءها.

    الشيخ: طيب، خير إن شاء الله، ربنا يشفيها ويعافيها إن شاء الله.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: صاحبي عنده دكان، تقريباً له عشر سنوات لم يجرده، فكيف يخرج الزكاة؟

    السؤال الثاني: كان عندي خمسة ملايين، وبقيت سنة إلى أن وصلت تقريباً عشرة ملايين، وحصلت زيادة، أريد أن أخرج الزكاة، كيف أخرجها؟ والقروش احتمال تزيد، وأنا شغال في السوق.

    الشيخ: طيب شكراً يا محمد! أكرمك الله.

    مصافحة النساء للرجال

    الشيخ: بالنسبة للأخت التي سألت عن المصافحة نقول: المصافحة ليست من السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مر بالنساء سلم عليهن، وما كان يصافحهن عليه الصلاة والسلام، ولما قال له النساء في البيعة: ( ألا تصافحنا؟ قال: إني لا أصافح النساء، وإنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة )، والله عز وجل يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    تفسير قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله ...)

    السؤال: أخونا صلاح الدين من العجرة، سأل عن قول ربنا جل جلاله في سورة التوبة: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ [التوبة:30]؟

    الجواب: بين ربنا جل جلاله نوعاً من أنواع الفساد العقدي الذي وقع فيه اليهود والنصارى، وهي: نسبة الابن إلى الله عز وجل، وربنا سبحانه قد نفى ذلك في كثير من آيات القرآن كقوله سبحانه: مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:91-92]، وقوله: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:88-92]، وقوله: بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام:101]، والسورة التي نحفظها جميعاً والتي تعدل ثلث القرآن قال فيها ربنا جل جلاله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]، ولذلك بعض العلماء قال بأن هذه السورة قد نفت أنواع الشرك كلها، قال: تأملت الشرك فوجدته يأتي من جهة أن يكون الشيء علة أو معلولاً، ومن جهة الأشكال والأنواع، ومن جهة الأعوان والأضداد.

    وهذه الجهات الثمان كلها قد نفيت في هذه السورة المباركة حين قال ربنا جل جلاله في وصف نفسه: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، فهو أحد في ذاته وأسمائه وصفاته: اللهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:2]، أي: الذي تصمد إليه المخلوقات في حوائجها، وهو السيد الذي كمل سؤدده، والعليم الذي كمل علمه، والحليم الذي كمل حلمه جل جلاله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]، ولذلك عابهم الله عز وجل فقال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ [التوبة:30]، وعزير كان رجلاً صالحاً من بني إسرائيل.

    وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ [التوبة:30]، والمسيح: هو كلمة الله التي ألقاها إلى مريم وروح منه، وهو عبد الله ورسوله الذي أيده الله بالمعجزات، وبين ربنا جل جلاله أن كون المسيح من أم بلا أب لا يقتضي بنوته لله عز وجل، فإن أبلغ منه حالاً: آدم عليه السلام الذي كان من غير أم ولا أب، قال سبحانه: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59].

    ثم قال: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ [التوبة:30]، والقول لا يكون إلا بالفم، لكن إذا قال ربنا جل جلاله: قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ [التوبة:30]، أو: (قولهم بألسنتهم)، فمعنى ذلك أنه كذب، كما في قول الله عز وجل: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [الكهف:5]، وقال سبحانه: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح:11]، فهاهنا قال: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ [التوبة:30]، أي: يماثلون ويشابهون ويساوون قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ [التوبة:30]، أي: الذين قالوا: الملائكة بنات الله، قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة:30]، أي: كيف يصدون عن الحق ويصرفون عنه.

    ثم بين ربنا جل جلاله انحرافاً آخر من انحرافاتهم العقدية: بأنهم اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ [التوبة:31]، الأحبار: علماء اليهود، والرهبان: عباد النصارى، أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ [التوبة:31]، حين أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فأطاعوهم، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31].

    زكاة المال الذي فيه شهامة

    الشيخ: أما سؤالك عن المال الذي فيه شهامة. فنقول: الزكاة واجبة في أصل المال وربحه، إذا حال الحول فيزكى رأس المال وما نتج عنه من ربح، كذلك من كان يملك شيئاً من بهيمة الأنعام فإنه عند حلول الحول يزكي الأصل والنتاج.

    منع الإفتاء على الهواء

    الشيخ: وأما قول القائل: بأنه لا يجوز الإفتاء على الهواء فلعله يقول ذلك من باب الاحتياط لدين الله أن يقول الناس فيه ما لا يعلمون، وإلا فالإفتاء على الهواء شأنه شأن من يأتي فيسأل الإنسان سؤالاً فيجيبه أو لا يجيبه، فإن كان يعرف الجواب أجاب، وإن كان لا يعرف الجواب يقول: لا أدري، وهذا الذي كان يصنعه قدوتنا وأسوتنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي كان يصنعه أصحابه من بعده والتابعون لهم بإحسان، وما زال هذا مسلك أئمة الهدى من زمان بعيد.

    وكذلك الآن الإنسان الذي يجلس في قناة فضائية، أو في إذاعة مسموعة ويوجه الناس أسئلتهم إليه، فإن كان يعرف الجواب أجاب، وإن لم يكن يعرف الجواب فلا حرج أن يقول على الملأ: لا أدري، أو يقول: الله أعلم، أو يطلب من السائل أن يؤجله إلى حلقة أخرى، وهذا يحصل أحياناً في هذا البرنامج، ولا حرج في ذلك إن شاء الله.

    الواجب على من حول إليه رصيد بالتلفون خطأ

    الشيخ: أما الأخت عُلاء من يثرب فقد سألت عن تحويل رصيد بالغلط.

    نقول: إذا كان لا يعرف من الذي حول هذا الرصيد، ولا يمكن الوصول إليه من أجل أن يرد إليه ما حول، ففي هذه الحالة لا سبيل إلا الانتفاع به، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن ضالة الغنم؟ قال: ( هي لك، أو لصاحبها، أو للذئب )، يعني: إذا فقدها صاحبها وأنت ما انتفعت بها، فما بقي إلا أن يأكلها الذئب، فهنا أيضاً الرصيد قد فقده محوله، وأنت لا تستطيع الوصول إليه لترده إليه، ففي هذه الحالة لا حل إلا أن تنتفع به، أو يذهب عليكما معاً، ويكون هذا من تضييع المال، وفي الحديث: ( إن الله تعالى كره لكم القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ).

    الواجب على من صلى الصلوات وهو جنب ولم ينتبه لجنابته

    الشيخ: أما أخونا صديق من السعودية فقد سأل سؤالين يتعلقان بالطهارة، يقول: بأنه استيقظ على جنابة ولم ينتبه يومه كله، فصلى الصلوات كلها، ثم بعد ذلك عرف أنه كان جنباً.

    نقول: يا صديق! أولاً: لا إثم عليك؛ لأن هذا خطأ، والله عز وجل قال: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5].

    ثانياً: يجب عليك الاغتسال، وإعادة الصلوات التي صليتها من آخر نومة نمتها، وهذا قد حصل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثبت في الحديث الصحيح، ( أنه خرج على الصحابة، فأقيمت الصلاة، فأشار إليهم أن مكانكم، ودخل عليه الصلاة والسلام، وخرج ورأسه ولحيته تنطف ماءً ثم قال: إني تذكرت أني كنت جنباً )، وكذلك سيدنا عمر رضي الله عنه صلى بالناس في الجرف، ثم صلى بالناس صلاة الصبح، ثم نظر في ثيابه فإذا أثر مني، فقال: وما أراني إلا احتلمت، وما أراني إلا صليت بأصحابي جنباً، فاغتسل رضي الله عنه وأعاد الصلاة.

    الشعور بنزول نقاط بول بعد الوضوء

    الشيخ: وأما قولك أنك بعد الوضوء أحياناً تشعر بنقطة بول.

    فنقول: هذا غالباً يا صديق ! وسواس، عافانا الله وإياك وسائر الناس، والشيطان يعبث بك من أجل أن يوهمك بأن الطهارة قد انتقضت، فيأتي يعبث أحياناً على فخذ أحدكم يوهمه بأن شيئاً قد خرج، ولربما ينفخ على مقعدة أحدكم يوهمه أن شيئاً قد خرج، والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن نقطع دابر هذا الوسواس وألا ننصرف إلا بيقين: ( فلا ينصرفن حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً ) والأصل أنك تطهرت واستبرأت من بولك، فلا تدع للشيطان سبيلاً عليك، ولا تتأثر بهذا الذي يوهمك إياه، فإذا فرغت من بولك، فخذ كفاً من ماء فانضح به فرجك، وبعد أن تلبس ثيابك خذ كفاً من ماء فانضح به سراويلك، من أجل أن تقطع هذا الوسواس وتدفعه.

    رفض الزوج دفع نفقة العدة لزوجته المطلقة

    الشيخ: أما أختنا هاجر من بحري فقد ذكرت أنها طلقت، وأن صاحبها لم يدفع لها نفقة العدة.

    أقول: هذا لا يجوز، هذا من أكل أموال الناس بالباطل، فلو أن إنساناً طلق امرأةً فإنه يجب عليه أن ينفق عليها، وأن يسكنها فترة العدة، قال الله عز وجل: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:6]، وأيضاً يجب عليه إذا عزم على الطلاق أن يمتعها، قال الله عز وجل: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ [البقرة:241]، وقال جل جلاله: فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:49]، ولذلك القول الراجح والعلم عند الله تعالى: بأن متعة المطلقة واجبة.

    ما معنى المتعة؟ معناها أنك لما تزوجتها اشتريت لها شيئاً من ذهب، وشيئاً من ثياب، وشيئاً من متاع، ودفعت شيئاً من مال يسمى مهراً أو صداقاً، كذلك إذا طلقتها لا بد من أن تجبر كسرها، وأن تأخذ بخاطرها كما يقول الناس، وتأتي بشيء من الهدايا، هذا من المعروف ومن الإحسان الذي ينبغي أن يعامل به المسلم المسلمة، إذا طلقها أن يمتعها، هذا الذي يجب.

    تفسير قوله تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ...)

    الشيخ: وأما أخونا إبراهيم من الشمالية فقد سأل عن قول ربنا جل جلاله في سورة الرعد: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61]؟

    نقول: الله جل جلاله يا إبراهيم ! من أسمائه: الشهيد، قال سبحانه: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:53]، وقال جل جلاله: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ [العاديات:7]، وقال جل جلاله: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سبأ:47]، فربنا جل جلاله شهيد بمعنى: أنه حاضر عالم حكم قاض سبحانه وتعالى، وهذه الآية تفيد علم ربنا المطلق، مثل ما قال في أوائل السورة: اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ المُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:8-10]، الله جل جلاله يقول: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ [يونس:61]، أي: في أي شأن من الشئون، وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ [يونس:61]، أي: إذا كنت بحال تلاوتك للقرآن، وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا [يونس:61]، أي: يرى الله عز وجل مكانك، ويسمع كلامك، ويعلم حالك، ولا يخفى عليه شيء من أمرك، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7]، هذا هو معنى الآية والعلم عند الله تعالى.

    الاستشفاء بعين ماء

    الشيخ: أما سؤالك عن عين ماء في أم درمان يستشفي بها بنو الإنسان، فيشفى بعضهم.

    فنقول: هذا لا علم لي به يا أخي! وما ينبغي للناس أن يسارعوا لمجرد أن ناساً زعموا أن هذه العين شافية فيشربون منها، نحن نعلم بأن الشفاء في زمزم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنها: ( طعام طعم، وأنها: شفاء سقم )، وأخبرنا بأن: ( ماء زمزم لما شرب له )، لكن إذا علم بالتجربة أن عين ماء فيها شفاء فهذا لا بأس به ولا حرج، فضل الله واسع، لكن أقول: ينبغي التريث والتثبت، وما ينبغي أن نسارع ونتبع كل إشاعة تصدر من هنا أو هناك.

    نصيحة لمن يخيل إليه أنه يرى أشباحاً أو أن شخصاً يقف وراءه فيخاف منه

    السؤال: أم محمد من النيل الأبيض ذكرت بأن: لها بنتاً تخاف، ويخيل إليها أنها ترى أشباحاً، أو أن شخصاً من ورائها، وتشعر إذا قرئت عليها سورة البقرة بألم في رجلها اليسرى، ومغص في بطنها، وإسهال وما إلى ذلك من أعراض.

    الجواب: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيها ويعافيها، والذي أرشدك إليه يا أم محمد أمور:

    أولها: الإكثار من الدعاء، فإن الشافي هو الله، وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى أو اشتكى أحد أصحابه يدعو فيقول: ( اللهم رب الناس، أذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً )، فالدعاء مطلوب، وربنا جل جلاله هو الشافي كما قال: وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة:14]، وكما قال إبراهيم عليه السلام: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80].

    ثانيها: الرقية، يعني: ربما يكون الشياطين يعبثون بها فيخوفونها: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، والأفضل الرقية بفاتحة الكتاب وسورة البقرة، سورة البقرة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة )، وأخبر: ( بأن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة )، فما تفعلونه من تشغيل هذه السورة شيء طيب، والألم الذي تشعر به هو من منزلة الألم الذي يشعر به المريض إذا طعن بالحقنة التي فيها الدواء، لكن هذا الألم إن شاء الله عاقبته راحة وشفاء.

    ثالثها: أكثروا من الاستعاذة، قول: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:97-98]، فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:56]، فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36]، نكثر من الاستعاذة التي معناها: الالتجاء إلى الله عز وجل، والاعتصام بجنابه ليصرف عنا شر كل ذي شر.

    زكاة المال الذي كان في بداية الحول خمسة آلاف فصار في نهايته عشرة آلاف

    السؤال: أخونا صلاح الدين قال: بأنه كان عنده خمسة آلاف قبل سنة، ووصلت إلى خمسة عشر ألفاً الآن.

    الجواب: نقول: يا صلاح الدين ! زادك الله من فضله عند حلول الحول زك الأصل والربح، يعني: لا تزك الخمسة مليوناً، وإنما زك الخمسة عشر كلها، يعني: اجعل لك حولاً، أحصِ ما عندك ثم بعد ذلك زكه كله، زك رأس المال وما نتج عنه من ربح، ثم بعد ذلك تريث، يعني: لا يضرك ما زاد وما نقص خلال حول كامل، وإن شاء الله في مثله من حول آت إذا صارت هذه الخمسة عشر خمسة وأربعين زكها كلها، وإذا صارت -لا قدر الله- هذه الخمسة عشر عشرة، زك العشرة ولا يضرك ما كان خلال العام، وربما خلال العام نقصت فصارت عشرة، ثم عند حلول الحول صارت خمسين فزك الخمسين.

    الواجب على من لم يجرد دكانه عشر سنين

    الشيخ: وأما صاحبك الذي له دكان، وقد مضت عليه سنوات عشر ولم يجرد هذا الدكان، فيلزمه أمران: أولهما: التوبة إلى الله، يتوب إلى الله مما كان من تفريط وتقصير، فإنه لا يجوز تأخير الزكاة بعد حلول حولها.

    ثانياً: يجتهد في الرجوع إلى دفاتره وينظر كم كان رأس ماله عندما بدأ هذه التجارة، ثم عند حلول الحول كم كان سيزكي، ثم في الحول الذي بعده كم كان سيزكي، يعني: لا بد أن يزكي ما مضى؛ لأن هذه ديون قد ترتبت عليهِ، وهو مقصر وآثم لتأخير الزكاة إن كان عنده من المال ما يبلغ نصاباً في ذلك الوقت.

    التسبيح بالمسبحة

    السؤال: هل يجوز التسبيح بالمسبحة المسماة: بالألفية؟

    الجواب: التسبيح بالمسبحة وسيلة، وقد اتفق أهل العلم على أن التسبيح بالأصابع أفضل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اعقدوهن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات )، فإذا كان الإنسان يشق عليه الإحصاء بأصابعه، خاصة من يذكرون الله ذكرًا كثيرًا، وهم الموفقون المسددون المفردون كما سماهم نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا حرج عليهم من استخدام الآلة أيًا كانت، سواء كانت مسبحة أو كان العداد هذا الذي اخترعه الناس، أو غير ذلك، فهي وسيلة، وللوسائل حكم المقاصد.

    التيمم الواحد لصلاة المغرب والعشاء وقراءة القرآن لمن عجز عن الوضوء

    السؤال: امرأة كبيرة في السن ولا تستطيع الوضوء، فتتيمم لتصلي المغرب والعشاء وقراءة القرآن، وكذلك قيام الليل، هل يجوز ذلك؟

    الجواب: لا ينبغي أن يصلى بالتيمم الواحد أكثر من فرض واحد، يعني: التيمم لا بد من تجديده لكل فريضة؛ لأن الله قال: وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43]، قالوا: قوله جل جلاله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً )) معناه: أنه ينبغي الحرص على الماء في كل فريضة، فإذا لم يجدها يتيمم، لكن لو أن الإنسان تيمم للفريضة جاز له أن يصلي به ما اتصل بها من نافلة، وجاز له أن يقرأ القرآن، ويمس المصحف وغير ذلك مما يستباح بالتيمم الذي هو بديل الوضوء.

    الأكل والشرب من مال الفنان الذي جمعه من الغناء

    السؤال: صديقي فنان ما شاء الله، وماله كله من الغناء، وأحيانًا نخرج مع بعضنا إلى المطاعم والمنتزهات، فيقوم بدفع الحساب، فهل هذا الذي يدفعه لنا في المأكل والمشرب حلال أم حرام؟

    الجواب: والله يا أخي! أما إذا كان صديقك فناناً بمعنى: أنه -ما شاء الله- صوته جميل، ومرات يغني ويدندن بكلام طيب فلا بأس، كل واشرب معه.

    وأما إذا كان صديقك فناناً يغني بالكلام القبيح، المحرض على الشهوات، والمثير للغرائز فإن هذا لا يجوز، وإذا كان كلاماً طيباً أو قبيحاً معه المعازف فعلى قول جماهير العلماء أيضًا لا يجوز. لكن لما كانت المسألة خلافية يا أيها السائل! أقول: من ناحية الفتوى يمكنك أن تأكل وتشرب من مال صديقك، أما من ناحية الورع فخير لك ألا تأكل ولا تشرب من مال هذا الفنان، ادفع عنك ولعل الله يجعلك سبباً في هدايته.

    العطر للنساء

    السؤال: أعطونا فتوى عن العطر بالنسبة للنساء؟

    الجواب: لا يحتاج إلى فتوى؛ لأنه شيء معلوم بأن المرأة تتعطر في بيتها، عند زوجها ومحارمها، أما إذا خرجت متعطرة فمرت على قوم فاشتموا ريحها، فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: بأنها زانية.

    رؤية الأحلام المزعجة بالتهديد بدخول النار

    السؤال: جاءتني أحلام مزعجة، وهي تهددني بالدخول في النار، وأنا حيرى، وأنا الحمد لله بحجابي ونقابي كاملاً، لكن الذي حصل لي جعلني في اكتئاب شديد، أفيدوني؟

    الجواب: يا أمة الله! لا تكتئبي ولا تنزعجي، فمن هو خير منك عبد الله بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن الصاحب الجليل، والإمام العلم، والفقيه الكبير رضي الله عنه: رأى في منامه النار، وجعل يقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فأتاه ملكان فقالا له: لن تراع لن تراع، فلما حكى هذه الرؤية لـحفصة و حفصة حكتها للنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل )، فما ترك قيام الليل بعدها رضي الله عنه وأرضاه، فطالما أنكِ والحمد لله على خير واستقامة، لعل الله عز وجل أراد أن يرسل إليكِ نذيراً من أجل أن تداومي على الطاعة، وأن تثبتي على الاستقامة، فأكثري من الاستعاذة بالله من النار، وهو سبحانه قادر على أن يقينا وإياكِ إياها.

    حال من يرضى لأهله مشاهدة المسلسلات الساقطة

    السؤال: هل الذي يرضى لِأهله مشاهدة المسلسلات ديوث؟

    الجواب: إذا كانت هذه المسلسلات فيها من المنكرات والموبقات والشرور، يعني: مثل هذا الذي يقوله الناس: مسلسل نور ومهند أو مسلسل كذا، يعني: حسب ما سمعنا من الناس بأن فيها من الشر والدياثة شيء عظيم، فالذي يرضى لأهله أن يجلسوا ويشاهدوا هذا لا شك أنه ديوث، مع الاعتذار للناس، نسأل الله أن يتوب علينا جميعاً.

    نصيحة للزوجة التي تخاف على زوجها كلما خرج من عندها

    السؤال: أنا امرأة متزوجة من رجل شفوقة عليه جداً، وكلما يسافر لعرس أو عزاء -وأنا لست راضية- يخيل إليّ أنه سيحصل حادث أو يموت وأنظر لأولادي، وهذه الخيالات تطاردني، أفيدوني؟

    الجواب: يا أمة الله! اتقي الله واصبري، واعلمي أن لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد:38]، واعلمي أن الموت له ساعة لا تتقدم ولا تتأخر، يعني: ليست قضية الموت متوقفة على ذهاب زوجك لعرس أو عزاء، بل الموت سيأتيه في الوقت الذي قدره الله ولو كان معك في فراش واحد، وأنت كذلك وأنا والثالث والرابع وهو وهي، كلنا سيأتينا الموت في الوقت الذي قدره الله عز وجل لنا، وليس الأمر متوقفاً على ذهاب إلى هنا أو هناك، لذلك لما قال المنافقون وهم يتهكمون على شهداء أحد: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران:168]، قال الله لهم: قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ المَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:168]، فأنت مأجورة على شفقتك على زوجك، وعاطفتك نحوه، ولكن لا ينبغي لك أن تتمادي مع هذه الخيالات.

    مقدار كفارة اليمين لكل مسكين

    السؤال: كم كفارة اليمين لكل واحد؟

    الجواب: كفارة اليمين لكل واحد، إما طعام أو كساء، وأما الطعام فلكل مسكين نصف صاع، ونصف الصاع على الاحتياط كيلو ونصف من التمر، أو كيلو ونصف من الدقيق، والأفضل من هذا أن تعمل أكلاً جاهزاً وتدعو المساكين فتطعمهم، وبذلك تبرأ ذمتك إن شاء الله.

    أما بالنسبة للكسوة: فيكون ثوباً يصلح للصلاة، إما جلباباً وسروالاً، أو قميصاً وبنطالاً تبرأ ذمتك به إن شاء الله.

    الأكل مع أهل الكتاب ومصادقتهم

    السؤال: هل يجوز صداقة الكتابيين والأكل معهم؟

    الجواب: نعم، يجوز لك أن تأكل مع الكتابيين من طعامهم بنص القرآن، قال الله عز وجل: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهمْ [المائدة:5]، يعني: إذا كان طعاماً مباحاً يجوز لك أن تأكل معهم، ويجوز لك أيضاً أن تتخذ منهم صاحبًا، لكن لا تكن مجرد صحبة، بل ادعه إلى الإسلام، وحاول أن تنقذه من النار.

    علاج الوسواس

    السؤال: ما هو علاج الوسواس؟

    الجواب: علاج الوسواس يكون في أمور خمسة:

    أولها: الإكثار من الدعاء: رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:97-98].

    ثانياً: الإكثار من قراءة آية الكرسي؛ لأنها أشد شيء على الشيطان.

    ثالثاً: التهليل مائةً إذا أصبحت، ومائة إذا أمسيت.

    رابعاً: أن تهمل هذا الوسواس، ولا تلتفت إليه، سواء كان وسواساً في العقيدة، يأتي يقول لك: من خلق هذا؟ من خلق هذا؟ حتى يقول لك: فمن خلق الله؟ حينها قل: آمنت بالله ورسله، ولا تتمادى مع هذه الأفكار.

    كذلك لو وسوس لك فيما يتعلق بالقضاء والقدر، أو وسوس لك فيما يتعلق بالعبادة أو غير ذلك، هذا كله تهمله.

    خامساً: الإكثار من ذكر الله عز وجل بإطلاق، تسبيحاً وتحميداً وتهليلاً وتكبيراً ونحو ذلك؛ لأن ذكر الله يرضي الرحمن ويطرد الشيطان.

    مصير الذي يفسد بين المرء وزوجه

    السؤال: ما مصير الذي يخرب بيت الحلال؟ وماذا تفعل من طلقت؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( لعن الله من خبب امرأة على زوجها )، وقال الله عن المجرمين من السحرة والمشعوذين: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة:102].

    تقديم الرجل اليمنى عند الخروج من البيت

    السؤال: إذا خرجت من البيت أقدم رجلي اليمنى أم اليسرى؟

    الجواب: هذا أمر على السعة، يعني: ليس فيه تقييد، الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا تقديم اليمنى في دخول المسجد واليسرى في الخروج منه، وعلمنا تقديم اليسرى في دخول الخلاء واليمنى في الخروج منه، أما بالنسبة للبيت قدم هذه أو هذه، لكن لو قدمت اليمنى تيمناً بأن ييسر الله أمرك ويبارك لك في سعيك، فلا حرج إن شاء اللهِ.

    بيع الرصيد بزيادة على قيمته

    السؤال: ما رأي الدين في بيع الرصيد بالشهر، بزيادة مائة أو بزيادة عشرة؟

    الجواب: لا حرج في بيع الرصيد؛ لأنها سلعة وأحداث.

    إهمال الحيوانات حتى تموت جوعاً

    السؤال: أنا اشتريت معزة وماتت من الجوع بسبب الإهمال غير المقصود وأنا متأثر.

    الجواب: أسأل الله أن يعوضك، طالما أنك ما قصدت فالله عز وجل قال: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5]، لكن الإنسان لو اتخذ حيواناً أو طيراً فينبغي له أن يحسن إليه في طعامه وشرابه؛ لئلا يكون ظالماً.

    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.