إسلام ويب

السويق وذي أمر وبحرانللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أراد كفار قريش الانتقام لما أصابهم في غزوة بدر، حيث جاء أبو سفيان ومعه مائتا راكب إلى قرب المدينة فأحرقوا بعض النخيل وقتلوا رجلين كانا في حرث لهما، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم ففروا هاربين وألقوا زادهم وسويقهم ليخف حملهم، فسميت غزوة السويق، ثم كانت غزوة ذي أمر عندما تآمرت غطفان لقتال المسلمين، ثم غزوة بحران وكلها لم يحصل فيها قتال ولقاء.

    1.   

    غزوة السويق

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى, وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه, عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار, وعدد ما اختلف الليل والنهار, وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا علماً نافعاً, وارزقنا عملاً صالحاً, ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    الغزوة الثامنة من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم هي: غزوة السويق:

    وسببها أن قريشاً أوجعتها الهزيمة التي أصابتها يوم بدر, فحلف أبو سفيان أنه لا بد أن يغزو المسلمين, فخرج ومعه مائتا راكب حتى أتى مكاناً يقال له: العريض في طرف المدينة, ثم صدرت منه ومن جيشه أفعال عبثية, حيث حرقوا بعض النخيل, وقتلوا رجلين كانا في حرث لهما.

    ولما بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في طلب أبي سفيان لكنه ولى الأدبار, وأخذ يلقي ما كان معه من الزاد, وكان أكثره من السويق, ولذلك سميت تلك الغزوة بغزوة السويق.

    ولو تأملنا في هذه الغزوة نجد أنها لم تحقق شيئاً من أهدافها, فلم تلق في قلوب المسلمين رعباً, ولا أعادت لقريش هيبة, ولا أحدثت في المسلمين مقتلة, ولا أخذت بثأر المشركين يوم بدر.

    يعني: قتلت رجلين مسالمين في حرث لهما, والمسلمون قد قتلوا منهم سبعين من الصناديد المقاتلين.

    ثم بعد ذلك قضية أن تولي المشركون الأدبار, وإلقاء الزاد عنهم متخففين من حملها, وهذا يدل على أن القوم كانت قلوبهم في جناحي طائر, وهذا يحقق مقولة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( نصرت بالرعب من مسيرة شهر ), ويحقق مقولته عليه الصلاة والسلام حين قال: ( وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ).

    1.   

    غزوة ذي أمر

    الغزوة التاسعة: غزوة ذي أمر:

    (ذي أمر), بفتح ثم فتح ثم شد ذي أَمَرّ.

    غزا النبي صلى الله عليه وسلم نجداً يريد غطفان, وغطفان من القبائل التي كانت عداوتها للإسلام دفينة, وسيأتي معنا في غزوة الأحزاب بأنه كان لهم دور في تجييش الناس ضد المسلمين.

    ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل على المدينة عثمان بن عفان عليه من الله الرضوان, وسار صلى الله عليه وسلم إلى ديار غطفان, وأقام بها شهر صفر كله, ولم يلق كيداً, والإقامة في دار العدو تدل على السيطرة والتمكن وإرغام أنفه.

    فلو أن عدواً -لا سمح الله- غزا الخرطوم وأقام بها شهراً, فهذا يدل على أنه لا مقاومة تردعه، وأنه هو المنتصر.

    فإذا أقام العدو في أمن وأمان شهراً كاملاً, ولم يلق كيداً ولم يتعرض لأذى, فمعنى ذلك: أن أهل الخرطوم أيقاظ نيام, أموات غير أحياء, وما يشعرون أيان يبعثون, لكن لو حدثت هناك مقاومة ومناوشة وإصابة للعدو وإلحاق للأذى به, فهذا يدل على أن في القوم حياة.

    1.   

    غزوة بحران

    الغزوة العاشرة: غزوة بحران.

    نلاحظ أن هذه الغزوات كانت متوالية، فقد كانت غزوة السويق في ذي الحجة, ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر ذي الحجة، ثم غزا غطفان غزوة ذي أمر, وأقام هناك شهر صفر كاملاً, ثم جاءت غزوة بحران في ربيع الأول, ومعنى ذلك: أن هذه الغزوات كانت تسير بوتيرة متسارعة.

    خرج عليه الصلاة والسلام يريد قريشاً, واستعمل على المدينة الرجل المبارك عبد الله بن أم مكتوم وهو الذي نزل فيه قول ربنا: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2].

    وبالمناسبة فإن هذا الصحابي الجليل كان يشارك في بعض الغزوات, وكان المسلمون يقولون له: إن الله قد عذرك فقال: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ [النور:61], فكان يقول: دعوني أحمل الراية, فإني رجل أعمى لا أفر؛ لأن الرجل الأعمى لا يدري بما هنالك, هل الجيش منتصر أم مهزوم؟ ولذلك يبقى في مكانه لا يفر, وهذا من حبهم للجهاد عليهم من الله الرضوان.

    واستعمال النبي صلى الله عليه وسلم إياه على المدينة؛ يدل على أن العاهة لا تمنع صاحبها من أن يكون له دور, وهذا في غير الإمامة العظمى؛ لأن الإمامة العظمى شرطها: سلامة الأعضاء, فلا يصح أن يكون الإمام الأعظم أعمى, ولا أقطع ولا أشل, بل لا بد أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً حراً ذكراً سليم الأعضاء عدلاً عالماً, لا تلحقه رقة في إقامة الحقوق وضرب الرقاب, خبيراً بحماية الثغور.

    أما ما دون الإمامة العظمى فلا بأس أن يستعمل فيها من كان به إعاقة, ولذلك استعمل نبينا عليه الصلاة والسلام عبد الله بن أم مكتوم على المدينة في هذه الغزوة.

    والعلماء رحمهم الله اختلفوا في القضاء: هل من شرط القاضي أن يكون بصيراً؟ ولم يختلفوا في أن من شرط القاضي: أن يكون عالماً, ولا يخفى أن العلم يوجد عند البصير ويوجد عند الضرير.

    لكن هل يمكن أن يكون الأعمى قاضياً؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم.

    ولا خلاف بينهم في جواز أن يكون الأعمى مفتياً إذا توفرت فيه الشروط, أو أن يكون إماماً للناس الإمامة الصغرى.

    فالمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة بحران يريد قريشاً, لكنه لما بلغ بحران رجع ولم يلق حرباً, ولم يواجه أحداً صلوات ربي وسلامه عليه.

    إذاً في هذا الدرس تكلمنا عن ثلاث غزوات:

    الغزوة الأولى: غزوة السويق, وسميت غزوة السويق لأنهم رموا بالسويق, والسويق هو زاد مخصوص، وهو الشعير إذا أذيب في الماء، فهذا يسمى سويقاً.

    الغزوة الثانية: غزوة ذي أمر, وقصد النبي صلى الله عليه وسلم بها غطفان؛ لأجل ألا يتأمروا على الإسلام.

    الغزوة الثالثة: غزوة بحران, سار النبي صلى الله عليه وسلم يريد قريشاً لكنه لم يبلغها, وفي هذا إخافة لهم.

    نقف عند هذا الحد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.