إسلام ويب

غزوة بدرللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خرج النبي صلى الله عليه وسلم لاعتراض عير قريش، وخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر من أصحابه، ولما علم أبو سفيان بذلك أرسل إلى كفار قريش يستنصرهم فخرجوا وعددهم ألف مقاتل، فنزلوا بدراً ونزل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وبات متضرعاً إلى ربه، فأيده الله بإنزال المطر على المسلمين طهرة وإنزال الملائكة نصرة، وتقليل الكفار في أعين المسلمين، وإلقاء الرعب في قلوب قريش.

    1.   

    خروج النبي لأخذ عير قريش

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    لقد تقدم معنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في جمادى الثانية من السنة الثانية من الهجرة إلى مكان يقال له العشيرة أو ذي العشيرة، من أجل أن يستولي على عير لقريش وهي في طريقها إلى الشام، لكن قدر الله عز وجل أن هذه العير أفلتت، ولم يدركها النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه.

    ثم إنه في رمضان، أي: بعد تلك الغزوة بثلاثة أشهر سمع النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذه العير قافلة من الشام في طريقها إلى مكة، فطلب من أصحابه رضوان الله عليهم أن يخرجوا، وقال لهم: ( إن عيراً لقريش قد أقبلت فاخرجوا لعل الله ينفلكموها )، فخرج معه الصحابة مسرعين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: ( فمن كان ظهره حاضراً فليخرج معي )، ولم ينتظر عليه الصلاة والسلام من كان يريد أن يأتي بظهره من علو المدينة، بل خرج معه من كان ظهره حاضراً، وكان عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً.

    1.   

    عدد الذين خرجوا مع رسول الله في موقعة بدر

    بعض كتَّاب السير يذكرون أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر، وبعضهم يذكر أنهم كانوا ثلاثمائة وتسعة عشر، ولا تعارض بين هذه الروايات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد خلف عثمان لتمريض زوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لما جاء البشير بانتصار المسلمين في بدر كان عثمان في بقيع الغرقد يدفن رقية ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ضرب لـعثمان بسهم رجل قد شهد بدراً، وعلى هذا الاعتبار بعض الناس يحتسب عثمان مع البدريين، وبعضهم لا يحتسبه.

    وكذلك كان عليه الصلاة والسلام قد بعث طلحة بن عبيد الله و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى الحوراء من أجل أن يتحسسا خبر العير، فكانوا عيوناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففاتتهم الموقعة، وضرب لهم النبي صلى الله عليه وسلم بسهم رجلين قد شهدا بدراً، ولذلك بعض الناس يحسب أمثال هؤلاء، وبعضهم لا يحسبهم في شهود بدر.

    فكان المسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً ما معهم إلا سبعون بعيراً وفرسان، والفرسان أحدهم للزبير والآخر للمقداد ، وكان كل ثلاثة يعتقبون بعيراً، يعني: يركب واحد ويمشي اثنان، ثم يركب آخر ويمشي اثنان وهكذا، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشاركه في ظهره علي بن أبي طالب و أبو لبابة بن عبد المنذر الأنصاري رضوان الله عليهما، فقالا: ( يا رسول الله! نحن نكفيك، اركب ونحن نمشي، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أنتما بأقوى على المشي مني، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما ).

    ثم لما بلغ مكاناً يقال له: الروحاء، رد أبا لبابة واستعمله على المدينة بدلاً من عبد الله بن أم مكتوم ، وصار يشارك النبي صلى الله عليه وسلم في ظهره مرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    1.   

    إرسال أبي سفيان النذير إلى أهل مكة باعتراض قافلتهم

    وكان أبو سفيان رجلاً من أذكياء العالم وقد جرب الدنيا وعرفها، وتوقع الخطر؛ ولذلك استأجر رجلاً يقال له: ضمضم بن عمرو الغفاري وأرسله إلى مكة نذيراً بأن العير في خطر فاخرجوا لإنقاذها، ويبدو أنه كان محترفاً إعلامياً، ولذلك نشر الخبر في مكة بصورة درامية كما يقال، حيث إنه لما وصل إلى مكة وقف على بعيره وقد جدع أنف البعير أي: قطعه، وحول رحله، وشق قميصه ثم صاح: (يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، النجاء النجاء)، يعني يقول لهم: بأنكم لن تستطيعوا اللحاق بها، وهذا نوع من التحريض على سرعة التجهز والخروج.

    1.   

    خروج كفار قريش لإدارك قافلتهم

    فخرجت قريش مسرعة لإنقاذ عيرها ورجالها، وقد قدرت بأنها ستدخل مع المسلمين في حرب خاطفة تؤدبهم أدباً بليغاً أو تقضي عليهم قضاءً مبرماً، وإذا أراد الله أمراً هيأ له الأسباب، والمسلمون ما خرجوا يريدون حرباً، وإنما خرجوا يريدون العير كما قال الله عز وجل: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7]، والمشركون خرجوا من أجل أن يؤدبوا المسلمين ويلقنوهم درساً قاسياً، لئلا يرجعوا إلى هذه الفعلة مرة أخرى.

    وكان عدد جيش المشركين ألفاً وثلاثمائة وزيادة.

    ثم لما خرجوا في هذه الصورة كان معهم ستمائة درع ومائة فرس، وأما الجمال فلا تحصى كثرة.

    وتخوفوا من أن تغير عليهم بنو بكر؛ لأنه كان بينهم وبين بني بكر خلافات وحروب، فأرادوا أن يرجعوا خشية على النساء والذراري، فتبدى لهم الشيطان في صورة سراقة بن مالك وقال لهم: إني جار لكم، اخرجوا وأنا أحميكم ولن يخلفكم أحد بسوء تكرهونه.

    1.   

    رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب قبل وقعة بدر

    والرؤيا الصادقة من الله، فالإنسان قد يرى رؤيا يصدقها الواقع، فـعاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت قد رأت في منامها رؤيا قبل أيام: بأن صائحاً جاء إلى مكة ووقف بالأبطح وقال: انفروا يا آل بدر لمصارعكم في ثلاث، ثم انحدرت من ذلك الجبل صخرة، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، وما بقي بيت في مكة إلا ودخل منها جزء من تلك الصخرة، فحدثت أخاها العباس بهذه الرؤيا واستكتمته، وقالت له: الرؤيا هذه اجعلها سراً، فحدث بها رجلاً من قريش واستكتمه، والرجل حدث رجلاً واستكتمه، وكما قيل:

    إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه فصدر الذي يستودع السر أضيق

    فانتشر الخبر في مكة، ثم لما جاء العباس إلى نادي قريش، وإلى مجتمعهم الذي يجلسون ويتسامرون فيه، قال له أبو جهل : (يا أبا الفضل ! متى حدثت هذه النبية فيكم، أما يكفيكم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم)، يعني: رضينا في أن بني هاشم قد صار منهم نبي، لكن الآن ظهرت لنا نبية، ثم قال له: (سنمهلكم ثلاثاً، فإن لم تحصل هذه الرؤيا سنكتب كتاباً نعلقه في الكعبة بأنكم أكذب أهل بيت في العرب)، فسمع العباس رضي الله عنه هذا الكلام وسكت، ولما رجع إلى بيته قال: (ما بقيت امرأة من بني عبد المطلب إلا جاءتني لائمة، كيف تترك هذا الخبيث يشنع على رجالكم ونسائكم؟! فجاء العباس رضي الله عنه في اليوم الذي بعده من أجل أن يشتجر مع أبي جهل ويسمعه كلاماً قاسياً، لكنه لما جاء قام هذا الصارخ وهو ضمضم بن عمرو الغفاري وقال: (اللطيمة اللطيمة! يا معشر قريش! عيركم مع أبي سفيان عرض لها محمد وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث! النجاء النجاء!)، فتفرق الناس حتى لم يعد هناك سمر ولا لقاء، وإنما تفرقوا كل يهيئ بعيره وفرسه، ويجهز سلاحه.

    1.   

    تغيير أبي سفيان طريق القافلة

    وما اكتفى أبو سفيان بأن يرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة، بل كان يمشي على حذر، فلما وصل قريباً من بدر حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، جاء إلى رجل وهو: مجدي بن عمرو الجهني ، وكان حليفاً للفريقين، فسأله عن جيش محمد صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما رأيت شيئاً، غير أني رأيت بعيرين قد أناخا بذلك المكان، أبو سفيان ومن شدة حرصه أخذ البعر ففتته، فرأى فيه النوى فقال: (هذه والله نوى يثرب) أي: الإبل هذه آتية من المدينة، ومعناه أن المنطقة فيها خطر، ولذلك ضرب بقافلته ناحية الساحل فنجا.

    1.   

    إرسال أبي سفيان إلى قريش يخبرهم بسلامة القافلة

    ثم أرسل إلى قريش يقول لهم: إني قد نجوت بالعير فارجعوا، فبدأ القوم يتشاورون فيما بينهم من أجل أن يرجعوا، لكن عدو الله أبو جهل انبعث من بين الناس وقال: (واللات والعزى لا نرجع حتى نرد بدراً، فننحر الجزور، ونشرب الخمور، وتعزف القيان، فلا يزال العرب يهابوننا)، قال لهم: أبداً ما هناك رجوع، نمشي نذبح ونشرب ونغني حتى يكون عندنا منزلة، ونعمل استعراضاً ولذلك وصف الله خروجهم فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً [الأنفال:47]، أي: كبراً وأشراً، وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47]، من أجل المراءاة والمفاخرة، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:47]، أي: ما خرجوا من أجل معروف ولا من أجل خير، وإنما صداً عن سبيل الله، وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ [الأنفال:47-48]، وهو الذي ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك رضي الله عنه.

    1.   

    مشاورة النبي للصحابة في قتال كفار قريش

    وبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن قريشاً قد خرجت في جيش كبير، وأنها تريد أن تستأصل شأفة المسلمين، فالنبي عليه الصلاة والسلام على عادته استشار أصحابه، فبدءوا رضوان الله عليهم يتململون، وقالوا: يا رسول الله! ما أخبرتنا أنا سنلقى قتالاً؟ وقال بعضهم: يا رسول الله! لو أخبرتنا لهيأنا سلاحاً، يا رسول الله! لو أخبرتنا لابتعنا ظهراً، قال الله عز وجل: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ [الأنفال:5-6]، بعض الناس قد يستغرب ويقول: كيف يكون هذا؟ فنقول: الصحابة رضي الله عنهم بشر ولم يكونوا من حديد، إنهم بشر يضعفون، ويخافون، ويحبون الحياة، ويرغبون في البقاء، نعم. هم صالحون بارون راشدون مستقيمون محبون لله ورسوله، لكن النفس الإنسانية يعتريها ما يعتريها، ومهمة القائد في هذه الحالة أن يداوي تلك النفوس، وكان يمكن للرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: اسمعوا. هذه الحرب قد جاءت وهذه الجنة قد عرضت لكم، ومن أراد أن يقاتل معنا فهو بين إحدى الحسنيين: إما نصر وغنيمة، وإما شهادة وجنة، ومن أراد أن يرجع فليرجع ولست منه في قبيل ولا دبير، اعملوا ما شئتم.

    لكنه قائد، والقائد يحتاج إلى أن يتحمل الناس، وأن يترفق بهم، وأن يقيس حاضرهم بماضيهم، فلا يأخذهم بالكلمات التي قالوها. ولذلك النبي تذكر ما كان في مكة من بلاء، وكيف أنهم صبروا وتركوا الأموال والأولاد حباً لله رسوله، وتركوا الديار والوطن طاعة لله ورسوله.

    وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أشيروا علي أيها الناس! -ويختار الرجال الكمل الأقوياء- تكلم يا أبا بكر . فتكلم أبو بكر رضي الله عنه -كلاماً يدفع دم الحماسة في العروق وهو من هو- ثم قال: أشيروا علي أيها الناس! -وجد عمر رضي الله عنه يريد أن يتكلم- قال: تكلم يا عمر -فأيضاً كلامه ككلام أبي بكر فالمدرسة واحدة- ثم قال: أشيروا علي أيها الناس! فتكلم المقداد بن الأسود رضي الله عنه فأحسن، ثم قال: أشيروا علي أيها الناس! فقال الأنصار: كأنك تعنينا يا رسول الله؟ فقال: نعم، فقام واحد من الأنصار وهو سعد بن معاذ رضي الله عنه سيد الأوس فقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، إنا قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، فسر بنا حيث شئت، فوالله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك. يا رسول الله! صل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وحارب من شئت، وسالم من شئت ) فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما رأى هذه الكلمات التي ما فيها تردد وليس فيها احتمالات، وإنما هي واضحة مثل: يا رسول الله! نحن جنودك، اصنع ما شئت نحن معك لها أثر عظيم، فقال عليه الصلاة والسلام: ( سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير ) يعني: الله عز وجل وعدني إما أن آخذ هذه القافلة بما فيها، وإما أن ينصرني على من قاتلني.

    1.   

    ترك النبي الاستعانة بالمشركين في غزوة بدر

    وعند مكان يقال له: حرة الوبرة، جاء رجل من المشركين من أهل المدينة وكان ذا نجدة وبأس، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن له بأن يشترك في القتال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( ارجع فلن أستعين بمشرك )؛ لأن هذه الحرب متمحضة للإسلام وأهله خالصة لا شبهة فيها، حرب بين معسكر الإيمان ومعسكر الشرك، فجاءه الرجل ثانية ثم ثالثة، فأبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شهد شهادة الحق فقبله.

    1.   

    إرسال النبي للعيون قبل وقعة بدر

    لما وصل مكاناً قريباً من الصفراء بعث رجلاً يقال له: بسبس الجهني أو بسيسة الجهني إلى بدر يتحسس الأخبار، وما اكتفى بذلك بل خرج عليه الصلاة والسلام هو و أبو بكر ، وهذا أيضاً دليل على وجوب الأخذ بالأسباب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما عول على أنه يوحى إليه، بل كان يبعث العيون الجواسيس، لقد كان عنده جهاز استخبارات كامل، هذا الجهاز فيه خيرة الصحابة طلحة بن عبيد الله، سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، حذيفة بن اليمان، وأمثالهم رضوان الله عليهم، وكان يبعثهم صلوات ربي وسلامه عليه في هذه المهام.

    ولم يكتف النبي حتى خرج بنفسه هو وأبو بكر ، فلقيا شيخاً فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن جيش قريش؟ فقال: (ممن أنتما -أي: من أي القبائل أنت؟- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سألناك أولاً فإن أخبرتنا أخبرناك. فقال: إن قريشاً قد خرجوا من مكة يوم كذا فإن كان الذي أخبرني صادقاً فهم اليوم بمكان كذا، وإن محمداً وأصحابه قد خرجوا من يثرب يوم كذا، فإن كان الذي أخبرني صادقاً فهم اليوم بمكان كذا، -أعطاهم معلومات كافية- ثم قال: ممن أنتما؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء)، ثم انصرف هو و أبو بكر سريعاً، بقي الرجل يتفكر أمن ماء العراق، أم من أي ماء هما؟ المياه كثيرة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقصد قول ربنا: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ [المرسلات:20]، فكلنا من الماء.

    وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام أرسل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص أيضاً في مهمة استخبارية لجمع المعلومات عن العدو، وهذا يتكرر في الغزوات، مرة يرسل حذيفة، ومرة يرسل طلحة ، ومرة يرسل عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ، ومرة يرسل بسبس الجهني ، وهكذا.

    1.   

    أسر غلمان قريش قبل وقعة بدر وأخذ المعلومات منهم

    فالنبي عليه الصلاة والسلام أرسل علياً و الزبير و سعداً ، فظفرا عند ماء بدر بغلامين يستقيان الماء لقريش، فألقوا القبض عليهما، ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدوه يصلي، فبدءوا يستجوبون الغلامين: ممن أنتما؟ فإذا قالا: نحن من جيش قريش ضربوهما، وقالوا لهم: بل قولا: نحن من عير أبي سفيان ؛ لأن النفس ما زالت تهوى العير، ثم يعيدون عليهم: ممن أنتما؟ فيقولان: نحن من جيش قريش. مرة أخرى، فيضربوهم، حتى قالا: نحن من عير أبي سفيان ؛ لأن الإنسان تحت الضرب يقر بأي شيء، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى من صلاته قال للصحابة: ( إن صدقا ضربتموهما، وإنا كذبا تركتموهما، والله إنهم لمن جيش قريش )، العير أفلتت، وهذين من الجيش.

    ثم أتى بالغلامين، ( وسألهما عن عدد الجيش؟ فقالوا: ما ندري. قال: كم ينحرون في كل يوم؟ قالوا: في يوم ينحرون تسعاً من الجزور، وفي يوم عشراً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: القوم ما بين التسعمائة إلى الألف، ثم قال لهم: من في الجيش من سادات مكة؟ فذكروا له أبا جهل ، وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ، وسهيل بن عمرو ، وفلان، وفلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها )، يعني: هؤلاء لو أفلحنا في أن نقطع رءوسهم سنريح الدنيا من شر كبير، والرسول صلى الله عليه وسلم حين يقول: ( هذه مكة ألقت إليكم أفلاذ أكبادها )، إنما يريد تهيئة الصحابة لهذه الموقعة الفاصلة.

    1.   

    ابتهال النبي وتضرعه إلى ربه قبل غزوة بدر

    ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة المعركة لم ينم، وقد كان الناس ما بين نائم وقائم، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد كان في عريشه الذي بني بمشورة سعد رضي الله عنه، فقد بنوا له مقصورة في مكان بعيد عن أرض المعركة، وقال له سعد : (يا رسول الله! نضع عندها ركائبك. فإن أظهرنا الله كان الذي نحب، وإن كانت الأخرى -أي: وإن حصلت لنا هزيمة ومقتلة- جلست على ركائبك ولحقت بالمدينة، فإنا والله قد خلفنا أقواماً ما نحن أشد حباً لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك).

    وهنا نتعلم درساً بأن المسلم لا يحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بغيره، يعني هنا سعد ما قال: يا رسول نحن معك، نحن والله لن نتركك، إن أولئك الذين قعدوا في المدينة تركوك وقعدوا في بيوتهم بين أزواجهم، ولم يجرحهم أو يأكل لحومهم، وإنما أقر لهم بالفضل بل إنه يفضلهم على نفسه، (فإنا قد خلفنا بالمدينة أقواماً ما نحن أشد حباً لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك).

    لقد بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عريشه قائماً يدعو: ( اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلها وخيلائها تحادك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض، ويلح عليه الصلاة والسلام ويبالغ في رفع يديه حتى سقط رداؤه عن كتفه، فقال له الصديق : يا رسول الله! بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعد -هذا إيمانه رضي الله عنه. يقول له: يا رسول الله! أربع على نفسك لقد دعوت كثيراً- والله لن يضيعك الله ).

    1.   

    تبشير النبي للصحابة بمصارع كفار قريش قبل المعركة

    ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام أغفى إغفاءة ثم استيقظ متبسماً وقال: ( أبشروا يا معشر المسلمين! أُريت مصارع القوم، هنا يقتل أبو جهل ، هنا يقتل عتبة ، هنا يقتل شيبة ، هنا يقتل فلان، يقول الصحابة: فما جاوز أحدهم الموضع الذي عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    1.   

    الأمور التي نصر الله بها المسلمين يوم بدر

    ثم ظهرت الآيات تترى، والله عز وجل قال: إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ [آل عمران:160]، ونصر الله لا يتوقف على الأسباب الأرضية التي يعرفها الناس كمجيء المدد مثلاً، أو قوة السلاح مثلاً، لا. بل إن الله عز وجل ينصر بأسباب لا تخطر بالبال، وتأملوا هذا الذي حدث يوم بدر:

    نصر الله للمؤمنين يوم بدر بالمطر

    أولاً: نصرهم الله بالمطر، فإن الصحابة ناموا وبعضهم احتلم وليس عندهم ماء، فجاء الشيطان يوسوس لهم، تزعمون أنكم أنصار الله، وأنكم جند الله وقد أصابتكم جنابة ولا ماء، وقد حضر ما ترون من القتال ولعل أحدكم يموت على غير طهارة، فالله عز وجل أنزل من السماء ماءً: لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ [الأنفال:11]، نزل المطر، وهو ماء طهور من السماء فاغتسلوا وشربوا وملأوا أوعيتهم، وفي معسكر الشرك نزل مطر غزير كثير جعل الأرض تميد من تحت أقدامهم، كل رجل منهم لا يستطيع أن يتحرك وإذا تحرك سقط على الأرض.

    نصر الله للمؤمنين يوم بدر بتقليل الكفار في أعينهم

    ثانياً: أيدهم الله عز وجل وشجعهم بشيء لا يستطيعه البشر، يقول الله عز وجل: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال:44]، لما اصطف الفريقان، واقتربت المعركة يقول ابن مسعود: (إني لفي الصف أقول لصاحبي: أتراهم مائة؟ فيقول لي: أو دون ذلك -أي: لا. خمسة وتسعين-). لقد قلل الله المشركين في أعين المسلمين من أجل أن يروهم لا شيء، وبالمقابل قلل المسلمين في أعين المشركين من أجل أن يجترئوا عليهم؛ ليتحقق ما يريده الله.

    نصر الله للمسلمين يوم بدر بإلقاء الرعب في قلوب الكفار

    ثالثاً: نصر الله عز وجل المسلمين في ذلك اليوم بشيء لا يقدر عليه البشر: ألقى في قلوب الذين كفروا الرعب، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال:12]، لقد أسلم أحد المشركين بعد زمان، فقال له أحد التابعين الذين ما رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا شهدوا تلك الأيام، قال له: (يا عم! كيف كان الرعب في قلوبكم يوم بدر؟ فقال له: يا بني! والله ما أدري ما أقول. فأخذ حجراً ووضعه في إناء ورجَّه، قال له: تسمع؟ قال: نعم. قال: هكذا كانت قلوبنا)، يعني: ما استطاع أن يصور المعنى بالكلام، فأخذ حجراً ورجه وقال: هكذا كانت قلوبنا.

    وأرسلت قريش رجلاً يجزر جيش المسلمين، يعني: أرسلت عيناً من أجل أن يقدر جيش المسلمين، فجاء على دابته ووقف ونظر إلى المسلمين، ثم رجع فقالوا له: ماذا رأيت؟ قال: (رأيت البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، رأيت قوماً والله لا يموت واحد منهم حتى يقتل رجلاً منكم، فإذا قتلوا أمثالهم فما خير العيش بعدئذٍ -يعني: هؤلاء المسلمون بين المائة والثلاث مائة ولن يموت الواحد منهم إلا بعد أن يقتل واحداً منكم)، وطبعاً المسلم ما كان يقتل واحداً فقط، وقد مر معنا خبر جليبيب لما وجدوه صريعاً إلى جوار سبعة قتلهم ثم قتلوه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هذا مني وأنا منه ).

    فهذا الكلام ألقى الرعب في قلوب المشركين حتى مضى بعضهم إلى بعض وقالوا: أما العير فقد نجت وما نرى للقتال مصلحة فلنرجع، وقال واحد منهم: أما دم ابن الحضرمي فعلي عقله، وابن الحضرمي هو الذي قتل في نخلة في سرية عبد الله بن جحش، فقال واحد من المشركين ممن يؤثرون السلامة: أنا أتحمل الدية، لكن عدو الله أبا جهل قام وأمر أخا عمرو بن الحضرمي بأن يصرخ وأن يذكر الناس بدم أخيه، فغلت الدماء في العروق، وصارت الحرب لا مناص منها ولا مفر.

    فالله عز وجل أيد المسلمين بالمطر، وأيدهم بتقليل المشركين في أعينهم، وأيدهم كذلك بإلقاء الرعب في قلوب المشركين.

    نصر الله للمؤمنين يوم بدر بإلقاء النعاس أمنة عليهم

    وأيدهم بالنعاس، والآن لو أن الإنسان خاف واضطرب فإن الطبيب يعطيه حقنة منومة، وهذه حقنة من الله رب العالمين، إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال:11]، حتى إن أحدهم ليسقط سوطه من يده، يعني: مطمئنين كأنه لا يوجد معركة ولا شيء، مع أنه عما قريب ستسيل دماء، وتطير رقاب، وتقطع أشلاء، ويصرع أناس ويجندلون، لكن المسلمين كأنهم منتظرين حفلة، نعاس، إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال:11].

    نصر الله للمؤمنين يوم بدر بإنزال الملائكة للقتال معهم

    ثم نوع خامس من أنواع التأييد الإلهي: وهو نزول الملائكة، وقد ورد في حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه في صحيح مسلم : ( بأن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: يا رب إذاً يثلغوا رأسي -يعني: يكسروه- فيدعوه خبزة )، والخبز هو العيش الذي يأكله الناس، والإنسان إذا أراد أن يأكل فإنه يقطعها إذا كانت لينة، وإذا كانت يابسة كسرها، قال: ( إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال الله عز وجل: اغزهم نغزك، واستخرجهم كما استخرجوك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وأنفق ننفق عليك )، وفعلاً الله عز وجل أيد المسلمين: بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:125]، أو مسوّمين من السمة، بمعنى: العلامة، كان عليهم عمائم.

    والرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يطمع في خمسة آلاف، كان يقول للجيش: ( أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9]، أو مردَفين )، يردف بعضهم بعضاً، فقد جاء ألف ثم صاروا ثلاثة، ثم اكتملوا خمسة آلاف.

    ومن العجائب والعجائب جمة: أن أخاهم إبليس جاءهم أيضاً في صورة سراقة بن مالك ووقف يقويهم أن اثبتوا، ولا تخافوا، إنما هي لحظات وتنتصرون ودخل إلى أرض المعركة ويده في يد أبي جهل تضامناً وتعاوناً، وبعد ذلك رفع رأسه فسمع صوتاً يقول: أقدم حيزوم، ورأى الملائكة وهو يعرفهم؛ لأنه كان معهم في الزمن الأول، فنزع يده من يد أبي جهل، وأبو جهل يريد أن يمسك به فضربه في صدره، فقال له: يا سراقة أين تذهب؟ قال له: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:48]، (إني أخاف الله)، يقول المفسرون: ليس المراد الخوف الشرعي؛ لأن الخوف الشرعي يحمل الإنسان على فعل المأمورات واجتناب المحذورات، يعني: أنت صائم لأنك تخاف الله، وصليت العصر لأنك تخاف الله، لكن إبليس لا يخاف الله بهذا المعنى وإنما قالوا: خاف الأخذة أن يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، هذا معنى قوله: (إني أخاف الله والله شديد العقاب)، وهكذا إبليس دائماً يوقع الإنسان ثم ينسحب.

    فالملائكة جاءوا، والصحيح من أقوال أهل العلم أنهم باشروا القتال، يعني: ما جاءوا فقط تكثيراً للعدد، وإنما باشروا القتال فعلاً كما قال الله عز وجل: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ [الأنفال:12]، أي: اضربوا الأعناق، وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12]، يقول الصحابة: كنا نعرف قتلى الملائكة من المشركين بخضرة في أطرافهم، فإذا كانت أطراف المشرك مخضرة عرفوا إنه ما قتل بيد المسلمين وإنما قتلته الملائكة، وأحد المسلمين جاء بأسير له من المشركين وسلمه للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للمشرك: ( من أسرك؟ فقال المسلم: أنا يا رسول الله، فقال المشرك: لا والله وإنما أسرني رجل يلبس ثياباً بيضاء على خيل أبلق ما رأيته قبل اليوم قط )، يعني: أناس مكة يعرفون أناس المدينة وأناس المدينة يعرفون أناس مكة، لكن هذا رجل غريب ما رآه قبل ذلك، ( فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال للمسلم: ذاك ملك أيدك الله به )، يعني: أنت مسكته، لكن الذي أسره فعلاً ملك من الملائكة.

    نقف عند هذا الحد إن شاء الله ونكمل في درس الغد إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية تغيير التبرج والسفور والمعازف الموجود في القنوات

    السؤال: هناك تبرج وسفور واستحلال المعازف في معظم القنوات، كيف يمكن أن أغير من ذلك؟

    الجواب: تغير من ذلك بأنك أولاً: ما تتابعها، وتغير من ذلك بأن تحذر منها، وتغير من ذلك بأن تناصح المسئولين عن الإعلام بداية من الوزير فمن دونه؛ لأن الله سائلهم عن هذه القنوات وما يبث فيها من غثاء وما ينشر فيها من هراء، وأن هذه الأجهزة نعمة من الله علينا ينبغي أن نسخرها في طاعته لا في معصيته، لكن ما يخفى عليكم بأن الوزير مثلاً إذا كان يتحكم في قناتين أو ثلاث أو أربع أو خمس فهناك مئات القنوات الفارغة، يعني: أنا مبلغ علمي أن القنوات التي تبث باللغة العربية قد تقارب الألف قناة وأكثرها غثاء، ولذلك الإنسان لا يلتفت إليها ولا ينظر فيها، وفي الوقت نفسه يحذر غيره من تضييع وقته.

    تفسير قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)

    السؤال: أسأل عن تفسير الآية: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23]؟

    الجواب: يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كسائر الأنبياء لا يطلبون من الناس أجراً، وقد ذكر الله في سورة الشعراء بأن كل نبي كان يقول: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:109]، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما عرض عليه المشركون أن يجمعوا له مالاً، أو أن يزوجوه، أو يملكوه كان يقول: ( ما جئتكم أطلب مالاً ولا نساءً ولا ملكاً، ولا الذي يأتيني رأي من الجن، لا أطلب أجري إلا من الله عز وجل ).

    (إلا) بمعنى: لكن، لكن المودة في القربى، يعني: يوصي الرسول عليه الصلاة والسلام بآل بيته بأن نحبهم، وأن نحسن إليهم، وأن نقبل من محسنهم وأن نتجاوز عن مسيئهم، إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قراءة الجرائد في المسجد

    السؤال: ما حكم قراءة الجرائد في المسجد؟

    الجواب: والله الذي يقرأ الجرائد في رمضان خاسر، حتى لو لم يكن في المسجد ولو في البيت أو في الشارع؛ لأن رمضان ليس شهراً للجرائد، وإنما رمضان شهر الذكر والقرآن، شهر الدعاء والاستغفار، الشهر الذي ينبغي أن تغتنم أيامه ولياليه في طاعة الرحمن، أما الجرائد فلست بحاجة إليها أصلاً؛ لأنه الآن النشرات تغنيك، الجرائد تأتي بأخبار بايتة كما يقال، أما نشرات الأخبار فتأتيك بالخبر طازجاً على الهواء مباشرة كما يقال.

    أكل الدجاج الذي تغذى بالدم الفاسد

    السؤال: سمعت بأن الدجاج الذي في الأسواق يطعم بالدم الفاسد، وأنه يذبح بالطريقة الآلية، هل يحل أكله؟

    الجواب: لقد تقصيت هذا الأمر وتبين بأنه يحصل أحياناً، لكنه نسبة بسيطة جداً تستحيل في غذاء كثير، يعني: الدجاج يعطى علفاً كثيراً ويكون نسبة الدم شيء يسير، والعلماء رحمهم الله قد قرروا بأن الشيء القليل من النجاسة لا يضر، يعني: مثلاً الآن العطور التي نتعطر بها فيها نسبة من الكحول، وهو عند جمهور العلماء نجس نجاسة عينية، ومثلاً الأطعمة التي نأكلها كثير منها فيه نسبة من الجلاتين وقد يكون مستخلصاً من الخنزير، لكن العلماء رحمهم الله قالوا: إذا كانت النجاسة قليلة في طاهر كثير بحيث تستحيل ولا يظهر لها أثر، فلا قيمة لها ولا اعتبار لها، نعم. فلا حرج عليك وكل الدجاج إن استطعت هنيئاً مريئاً.

    الاحتفال بالزار وجعله من العادات

    السؤال: هل ما يقوم به بعض نساء الزار من أعمال أثناء الزار يعتبر من الشرك؟

    الجواب: لا شك بأن الزار من العادات القبيحة التي لا يباشرها إلا الجهلة من الرجال والنساء، وهي من أحابيل الشيطان، ومن تلبيس إبليس على بعض بني الإنسان، وهي مفسدة لا مصلحة فيها.

    قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة

    السؤال: هل تجب قراءة الفاتحة مع الإمام في الصلاة؟

    الجواب: الفاتحة واجبة على كل مصل إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً في صلاة فريضة أو في صلاة تطوع لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ).

    التسبيح حال قيادة السيارة والمشي ومشاهدة التلفاز

    السؤال: هناك من يسبح ويستغفر وهو سائق السيارة أو ماشي أو هو يشاهد في التلفاز ونحو ذلك، ما قولكم؟

    الجواب: والله الذي يسبح الله وهو يمشي أو وهو جالس أو وهو يسوق السيارة، فهو على خير عظيم، وهو ممن عمل بوصية النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله )، والله تعالى يقول: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191]، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً يقول: ( ألا أدلكم على خير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالو: بلى. قال: ذكر الله )، وأيضاً عند مشاهدة التلفاز لا بأس من ذكر الله إلا إذا كنت تشاهد حراماً فإنهما لا يجتمعان، ولذلك العلماء قالوا: تكره التسمية عند فعل الحرام، يعني: لا يأتي لص ويكسر الخزنة يقول: باسم الله، توكلت على الله، لا. هذا لا يجوز؛ لأن هذا يعد من السخرية، وأيضاً لو أن إنساناً جلس أمام التلفاز يشاهد حراماً ويقول: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! ما ينفع؛ لأنهما لا يجتمعان، قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة:100].

    حكم من اعتكف ونذر العمل يوم السابع والعشرين لانتهاء إجازته فأعطاه المدير أياماً يكمل بها اعتكافه

    السؤال: أنا معتكف، وقد نذرت أن أنزل العمل في السابع والعشرين من رمضان نسبة لانقضاء إجازتي، وعندما عرف المدير أعطاني يومين زيادة لكي أكمل اعتكافي، ماذا أصنع؟

    الجواب: أكرم الله المدير، هذا فعلاً مدير، جزاه الله خيراً، المدير هو الذي يعين رعيته على العبادة ونحوها؛ لأنه معروف أن الشغل ما ينقطع كما يقول الناس، ولكن هناك وقت كثير يضيع في الونسة، وفي الجرائد، وفي التسكع بين المكاتب، وفي شرب الشاي والقهوة، والزوغان والروغان والتسلل، هذا كله يحصل، وهذا معروف لدينا جميعاً، فكون أن المدير يعطيك أياماً فابق في المعتكف ولا عليك شيء، وهذا ليس نذراً، نذرت أن أعمل يوم سبعة وعشرين رمضان هذا ليس من النذر، النذر يكون طاعة، أما أن يقول أحدهم: نذرت أن آكل بامية أو ملوخية، فإننا نقول له: كله أو لا تأكله، فإن هذا لا يترتب عليه شيء؛ لأن هذا شيء مباح، وإنما النذر الذي يلزم الوفاء به هو نذر الطاعة.

    إقراض التاجر فقيراً وعده ذلك من الزكاة

    السؤال: أنا صاحب محل تجاري، وطلب مني أحد الزبائن مبلغاً من المال، وعلمت أن ظروفه لا تسمح له بالسداد، فهل يمكن أن أحسبها من زكاة هذا العام؟

    الجواب: إن حسبتها من الزكاة وأعطيته إياها بداية فلا بأس، أما أن تقرضه قرضاً، مثلاً : تعطيه مائة جنيه أو مائتين ولما تبين لك أنه لا سبيل إلى السداد قلت: نحسبها من الزكاة، لا. هذا لا يصلح بالإجماع؛ لأنك بذلك تقي مالك بمال الزكاة، يعني: تستعمل الزكاة من أجل أن تحفظ مالك.

    تفسير قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين)

    السؤال: أسأل عن تفسير الآية: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ [الإسراء:4]؟

    الجواب: المرة الأولى على ما قال كثير من المفسرين لما جاء بختنصر البابلي المجوسي وعاث في الأرض فساداً، ثم المرة الثانية لما جاء تيطس الروماني فجاس خلال الديار وعاث في الأرض فساداً، وبعض المفسرين يقول: المرة الأولى هذه التي كانت من بختنصر والمرة الثانية لم تحصل بعد، والله أعلم.

    الحالة التي يفضل فيها الصف الأول للنساء على غيره من الصفوف

    السؤال: هل فضل الصف الأول للنساء كفضله للرجال؟

    الجواب: نعم. إذا كان النساء في مكان معزولات عن الرجال، فينبغي أن يتسابقن للصفوف الأولى.

    حكم من استلف من أقاربه مبلغاً يسيراً وطالت مدته واستحيا أن يرده لكونهم لن يقبلوه

    السؤال: اشتريت شيئاً من أقاربي بمبلغ لا يتجاوز الخمسة جنيهات ديناً، ونسيت أن أسدده وطالت المدة، وبعدها استحييت أن أرده، ولأنه لا يأخذه لأنه قليل، فهل يمكن أن أوصله لهم رصيداً، وبذلك تبرأ ذمتي؟

    الجواب: نعم ممكن، بس خليها عشرة من أجل أن تدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( خيركم أحسنكم قضاءً ) فإن النبي عليه الصلاة والسلام: ( استسلف بكراً ورد رباعياً )، يعني: استسلف من واحد جملاً صغيراً ورده إليه بعيراً كبيراً، وقال: ( خيركم أحسنكم قضاءً ).

    إخراج زكاة الفطر لمن لا يكفيه راتبه

    السؤال: هل يجوز لي أن أُخرج زكاة الفطر، علماً بأني بالمعاش والمعاش لا يكفي، وليس لي مصدر دخل أكثر من المعاش؟

    الجواب: أسأل الله أن يوسع عليك، وأن يبارك لك في رزقك. زكاة الفطر واجبة على من ملك قوت يوم العيد وليلته، سواءً كان بالمعاش وإلا لم يزل بعد في الخدمة.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم إنا نسألك فواتح الخير وخواتمه وظاهره وباطنه، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ باك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب! صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا به حتى نلقاك.

    اللهم اجعل خير عملنا خواتمه، وخير عمرنا أواخره، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم اختم لنا شهر رمضان بغفرانك، وتغمدنا برحمتك ورضوانك، واجعل مآلنا إلى جنانك، اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر المبارك من النار، اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً، واجعلنا ممن قام رمضان إيماناً واحتساباً، اللهم اجعل شهر رمضان شاهداً لنا ولا تجعله شاهداً علينا، اللهم أعد علينا رمضان أزمنة عديدة، وأعواماً مديدة في حياة سعيدة، اللهم اجعل بلادنا آمنة مطمئنة سخية رخية وسائر بلاد المسلمين.

    اللهم أبدلنا بعد الفقر غنى، وبعد الذل عزاً، وبعد الخوف أمناً، وبعد الفرقة والاختلاف وحدة واعتصاماً، وردنا إلى دينك رداً جميلاً يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين، غفرانك ربنا وإليك المصير.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.