إسلام ويب

صيغة عقد النكاحللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عقد النكاح لا يصح إلا بثلاثة أركان، فالركن الأول: صيغة العقد وهي اللفظ الصادر من الزوج وولي المرأة ومن يوكلانه من إيجاب وقبول، حيث يطلب تقديم الإيجاب على القبول واتصالهما وخلو الصيغة من التوقيت، وهناك شروط قد تقترن بالعقد، فمنها ما يقتضيه العقد ومنها ما لا يقتضيه، ولكن لا تخالف الشرع، ومنها ما يناقضه بالكلية. وأما الركن الثاني للعقد فهو طرفاه من الزوج والزوجة، إذ يشترط فيهما عدم الإكراه، وأن لا تكون المرأة مما تحرم عليه تحريماً مؤبداً أو مؤقتاً لعارض.

    1.   

    تلخيص لما سبق ذكره من أحكام الخطبة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فقد تقدم معنا ذكر شيء من الأحكام المتعلقة بكتاب النكاح، وعرفنا بأن الأصل في النكاح السنية، إلا أنه قد يجب أو يندب أو يكره أو يحرم أحياناً بحسب توافر الدواعي والموانع، وعرفنا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التبتل، وأخبر أن النكاح من سنته، وربنا جل جلاله قد شرع هذا النكاح حفظاً للنوع الإنساني، وتصريفاً للشهوة فيما أحل وأباح، ومنع بذلك شيوع الأمراض، واختلاط الأنساب، وشيوع الفاحشة في مجتمع المؤمنين.. إلى غير ذلك من المصالح التي تؤدي إلى الاستقرار النفسي، وحصول المودة والرحمة بين الزوجين، وتعارف المسلمين فيما بينهم.

    وأول خطوة في هذا النكاح المشروع هي الخطبة، والخطبة بمعنى: أن يتقدم الرجل أو وكيله إلى ولي المرأة طالباً إياها، وهذه الخطبة فيها مندوبات، ومن هذه المندوبات: مشاورة أهل الفضل، واستخارة رب العالمين جل جلاله، فمن أراد أن يخطب فلا بد أن يستخير ويستشير، ومن مندوبات الخطبة كذلك: أن يعمد الإنسان إلى ذات الدين، فلا يهتم ابتداءً بالنسب أو بالمال أو بالجمال، بل يكون اهتمامه الأول بالدين؛ لقول نبينا الأمين صلى الله عليه وسلم: ( فاظفر بذات الدين تربت يداك ).

    ومن مندوبات الخطبة كذلك: أن يعمد إلى نكاح البكر؛ لوصية النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأن ينظر الخاطب إلى مخطوبته، وهي كذلك تنظر إليه.

    ومن المندوبات: الخُطبة في وقت الخِطبة، فإذا ذهب ليخطب فيقوم الخاطب أو من يوكل بذلك بتقديم خطبة بين يدي الخطبة، ويقرأ فيها الآيات الثلاث التي في سورة آل عمران، وصدر سورة النساء وخواتيم سورة الأحزاب، وكلها آيات آمرة بتقوى الله عز وجل.

    ومن المندوبات: عدم إعلان الخطبة؛ لأن ذلك يؤدي إلى تحريك عقارب الحسد والبغضاء فيما بين الناس.

    وقد ذكرنا أن المحرمات من النساء نوعان:

    النوع الأول: المحرمات من النساء سواء كانت حرمة بالنسب، أو بالمصاهرة، أو بالرضاعة.

    النوع الثاني: المرأة المخطوبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، ولا يبع على بيع أخيه ).

    وذكرنا أن المرأة التي تكره خطبتها نوعان:

    النوع الأول: من كانت محرمةً بحج أو عمرة، فخطبتها تصح، لكنها مكروهة.

    النوع الثاني: الزانية التي اشتهر عنها الزنا ولو لم يثبت عليها ذلك، ولكن إذا استفاض في الناس وشاع ففي هذه الحالة تكره خطبتها.

    وسبق الكلام أيضاً عن حكم الهدايا التي تكون وقت الخطبة ثم فسخت الخطبة، فإذا حصل فسخ للخطبة فإنه ينظر إلى جهة الفسخ، فإن كان الفسخ من جهة الرجل، فإنه لا حق له في أن يطالب بأن يعاد إليه شيء مما دفع، أو مما أنفق، أو مما أهدى، أما إذا كان فسخ الخطبة من جهة المرأة أو وليها فإنها تؤمر في تلك الحال بأن ترد المهدى؛ فإن كانت عينه باقيةً ردت العين، وإن كانت العين تالفةً أو ذاهبة فإنها ترد المثل فيما كان مثلياً، أو ترد القيمة فيما لم يكن له مثل.

    ثم كان الكلام عن الكفاءة، والكفاءة بمعنى: المماثلة والمقاربة، والأصل في اشتراط الكفاءة قول ربنا جل جلاله: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26]، فالكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدين، فلا ينبغي للمسلم أن يزوج ابنته لزان، ولا سكير، ولا تارك للصلاة، ولا من يحلف أيماناً كاذبة، ولا من يكثر الحلف بالطلاق، ولا من كان مثلهم ممن يغلب عليه التفسخ وعدم الاعتداد بأحكام الدين، فمثل هذا لا يزوج؛ لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )، ومعناه: إذا لم يكن مرضياً في دينه، أو لم يكن مرضياً في خلقه فلا يزوج.

    وهناك أمور يعتقد الناس أنها مطلوبة في الكفاءة، ولا اعتبار لها في ميزان الشرع:

    أولها: الكفاءة في السن، إذ لا يشترط أن يكون هناك مماثلة أو مقاربة بين الخاطب والمخطوبة في السن، فيمكن للإنسان أن يخطب من كانت دونه بعشرين سنة، أو من كانت فوقه بثلاثين سنة، أو من كانت مثله، فلا اعتبار للسن، ولكن الممنوع من ذلك هو التدليس، ومثاله: أن يدلس الرجل على المرأة فيظهر أمامها أنه شاب، أو يدلس على أوليائها، أو أن تدلس المرأة على خاطبها؛ فتصبغ شعرها، أو غير ذلك مما يحصل به التدليس فهذا هو الممنوع.

    ثانياً: لا اعتبار بالكفاءة في القبيلة أو النسب، فيصح للأسود أن يتزوج البيضاء، ويصح للأسيوي أن يتزوج القرشية، ويصح للحبشي أن يتزوج الهذلية، لأنه لا اعتبار في النسب؛ ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية الرئابية ، التي أمها أميمة بنت عبد المطلب زوجها من مولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي رضوان الله عليهما، وكذلك زوج عبد الرحمن بن عوف بلال بن رباح من أخته، وهي زهرية قرشية، فلا اعتبار للكفاءة بالنسب.

    ثالثاً: لا اعتبار للكفاءة في الغنى؛ فيصح للغني الموسر أن يتزوج فقيرةً معدمة، ويصح كذلك للمرأة الوارثة أو المتمولة أن تتزوج من إنسان لا يؤبه له، لكونه غير ذي مال.

    رابعاً: لا اعتبار في الكفاءة للحرفة، فيصح للحداد أن يتزوج بجزارة، ويصح للجزار أن يتزوج بحدادة، والمهنتان ليستا بمناسبتين للنساء، ولكن يصح للحداد أن يتزوج بممرضة، ويصح للنجار أن يتزوج بمعلمة، ويصح للطبيب أن يتزوج بأمية، فلا اعتبار لقضية الحرفة في اشتراط الكفاءة في الزواج.

    كذلك يصح التنازل عن شرط الكفاءة، فمثلاً: إذا كانت المرأة تريد أن تتزوج من إنسان غير كفء لها في الدين، وقد غلب على ظنها أنها ستنهض به إلى درجة الصلاح، فلا بأس، وكذلك لو أن الرجل علم من نفسه قدرةً على التأثير، وحسناً لإدارة الأمور، وأنه سيرفع زوجته إلى درجة الصلاح فلا بأس بذلك -إن شاء الله- هذا فيما يتعلق بالخطبة.

    1.   

    طرفا العقد والشروط التي ينبغي توافرها فيهما

    الركن الثاني: طرفا العقد، وهما: الزوج والزوجة.

    ويشترط في الزوج والزوجة شروطاً، وأول هذه الشروط: عدم الإكراه، فلا يكره الرجل على الزواج بمن لا يريدها، ولا تكره المرأة على الزواج بمن لا تريده، وقد تستغربون -لو علمتم- بأنه يحصل الإكراه أحياناً على الطرفين، يعني: بعض الناس يكون مغترباً فيفاجأ بأن أباه قد زوجه من بنت عمه وهو كاره، وهو لا يريدها، ولكنهم لم يستشيروه فيها؛ فهم يعتبرون هذا الرجل تبعاً كالأطيار والأشياء التي يملكونها، يزوجوه من غير رضاه، بل قد تضحكون لو علمتم بأن بعض الآباء طلق زوجة ابنه، غضب من زوجة ابنه، وولده مسافر، ولم يوكله ولا شيء من ذلك، فقال لها: اسمعي! اذهبي فأنت طالق. وقد ذكر كذلك عن الأحمق الذي كان متزوجاً من أربع نسوة فغضب على واحدة منهن فطلقها، فالثانية قالت له: لقد عمدت إلى أحسننا خلقاً فطلقتها؟! فقال لها: وأنت طالق، فقامت الثالثة وقالت له: تطلق اثنتين في ساعة واحدة؟ ما رأيت أحمق منك! فقال لها: وأنت طالق، فقامت الرابعة وقالت: لا حول ولا قوة إلا بالله! فقال لها: وأنت طالق، فطلق الأربع، فالجارة من وراء السور قالت: ما رأيت مثل جارنا يطلق أربعاً في ساعة! فقال لها: وأنت أيضاً طالق إن أجازني زوجك، فزوجها قال: قد أجزتك قد أجزتك، فالبيت أصبح فارغاً في ليلة واحدة.

    فأول شرط: ألا يكون هناك إكراه لا على الزوج ولا على الزوجة.

    الشرط الثاني: ألا تكون المرأة محرمةً على الرجل تحريماً دائماً، أو مؤقتاً لعارض، فلا تكون المرأة محرمة على الرجل، لا تحريماً دائماً؛ كالمحرمات السبع من النسب وهن: أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت، ومثلهن من الرضاعة، ولا المحرمات الأربع من المصاهرة وهن: زوجات الآباء، وزوجات الأبناء، وأمهات الزوجات، وبنات الزوجات المدخول بهن، فهؤلاء الأربع محرمات من المصاهرة، وهذه حرمة مؤبدة.

    وهناك حرمة مؤقتة لعارض، مثلاً: زوجة الغير، فزوجة الغير محرمة، لكنها حرمة مؤقتة، متى ما طلقها الغير صارت حلالاً، فهذه نسميها حرمة مؤقتة، ومثلها معتدة الغير من طلاق، ومثلها المرأة التي توفي عنها زوجها وهي في عدة الوفاة، ومثلها من كانت كافرة مشركة، هذه حرمتها مؤقتة، متى ما أسلمت فقد صارت حلالاً.

    الشرط الثالث: أن يكون أحد الطرفين متحقق الذكورة، والطرف الآخر متحقق الأنوثة، بمعنى أن يكون أحد الطرفين رجلاً لا شبهة فيه، ويكون الطرف الثاني أنثى لا شبهة فيها، أما ما يعرف بالخنثى المشكل، الذي هو صنف من خلق الله لا يدرى أذكر هو أو أنثى، فمثل هذا لا يصح تزويجه ولا الزواج به، وطبعاً الحمد لله الآن مع تقدم الطب وقوانينهم ينظرون أي الصفتين أغلب، فتجرى لهذا الإنسان جراحة يصير بها رجلاً كامل الرجولة، أو امرأة كاملة الأنوثة، ولكن فيما مضى كان هذا مبحث حتى في المواريث ينظرون الخنثى المشكل هل يعطى نصيب ذكر أو نصيب أنثى؟ فتجد بعض الفقهاء يقول: ينظر من أيهما يبول أولاً؟ أمن فرج الرجل أم من فرج المرأة؟ فإن كان يبول منهما معاً ينظر من أيهما يسبق البول؟ فإن كان يخرج منهما معاً فينظر من أيهما يكون أكثر؟

    إذا شروط طرفي العقد ثلاثة:

    الشرط الأول: عدم الإكراه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى عفا لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ).

    فالإكراه لا يصلح لأي شيء، ولا تترتب عليه أحكام، حتى الكفر، فلو أن الإنسان تلفظ به مكرهاً فالله عز وجل قال: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:106]، فالإكراه لا يصح معه نكاح؛ ففي سنن أبي داود جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (أن جاريةً جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن شاءت أمضت ما صنع أبوها، وإن شاءت ردت )؛ وكذلك في الصحيح حديث الخنساء بنت خدام رضي الله عنها قالت: ( إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة )، فرد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النكاح.

    والشرط الثاني: ألا تكون المرأة محرمةً على الرجل لا تحريماً مؤبداً، ولا تحريماً مؤقتاً لعارض، ومثال التحريم المؤقت المتزوج من أربع، فلا يصح له أن يتزوج بخامسة، ولو طلق إحدى الأربع فإنه لا يأتي بالخامسة إلا إذا انقضت عدة الرابعة، فهذا تحريم مؤقت.

    الشرط الثالث: أيكون أحد طرفي العقد متحقق الذكورة، والآخر متحقق الأنوثة.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    تابع صيغة عقد النكاح

    بعد الكلام عن الخطبة ننتقل إلى العقد، والعقد كما سماه الله عز وجل ميثاقاً غليظاً؛ لأنه يحصل به ربط للرجل بالمرأة، وهو يصح في كل وقت من ليل أو نهار، من صيف أو شتاء، في شوال، وفي غير شوال، ولا يمنع العقد إلا في حال واحدة: أن يكون أحد الزوجين محرماً بحج أو عمرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ينكح المحرم ولا ينكح ).

    والعقد يصح أن يكون في أي مكان، ولكن يستحب أن يكون العقد في المسجد في بيت الله رجاء البركة؛ لأن للمكان حرمته وهو الأفضل، وهذا الذي جرت به عادة الناس في زماننا هذا -والحمد لله-، وإلا ففي الزمن السابق لم يكن الناس يعقدون أنكحتهم في بيوت الله، لكن الآن قل أن يعقد نكاح في غير المسجد.

    وأما الذي يقال في التهنئة للمتزوج فقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول للزوج أو للزوجين: ( بارك الله لكما، وعليكما، وجمع بينكما في خير )، أما قول بعضهم: بالرفاء والبنين، فهذه تهنئة أهل الجاهلية؛ لأنهم كانوا يتمنون البنين، ويكرهون البنات، قال الله عز وجل: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل:58-59].

    وعقد النكاح في مذهب السادة المالكية له أركان ثلاثة:

    تعريف الصيغة

    الركن الأول: الصيغة، فالصيغة هي اللفظ الذي يصدر من الزوج أو وكيله، ويجاب عنه من ولي الزوجة بما يفيد أن النكاح مرضي من الطرفين معاً، وهذه مأخوذة من القرآن في قول العبد الصالح لموسى عليه السلام: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ [القصص:27]؛ فهذا إيجاب من قبل ولي المرأة، وحصل القبول من قبل نبي الله موسى عليه السلام.

    ومأخوذ هذا من السنة كذلك؛ فإن المرأة التي قالت: ( يا رسول الله! إني وهبت لك نفسي )، هذا إيجاب من قبل المرأة، ولم يحصل قبول من النبي صلى الله عليه وسلم، ( فقال الرجل: يا رسول الله! إن لم يكن بك إليها حاجة فزوجنيها )، فحصل القبول من النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره ولياً لهذه المرأة، فقال: ( اذهب فقد زوجتكها، أو أنكحتكها على أن تعلمها ما معك من القرآن ).

    الأمور المطلوبة في صيغة العقد

    والصيغة مطلوب فيها أمور:

    أولها: تقديم الإيجاب على القبول، وليس هذا بشرط، ولكنه أمر مندوب إليه، فلو بدأ الزوج وقال: زوجني، فقال ولي المرأة: قبلت فلا بأس، ولو قال ولي المرأة: زوجتك، فقال الزوج: قبلت فلا بأس، هذا تقديم للإيجاب على القبول، ولكن أحياناً لو قدم القبول على الإيجاب، مثلاً: لو قال الزوج للولي: زوجني، فقال الولي: زوجتك فقد انعقد النكاح، بشرط أن يكون الإيجاب والقبول بصيغة الماضي، يعني: لو قال الزوج: زوجني، فقال الولي: أزوجك، فلا يصلح، فلا بد أن يقول الولي: زوجتك، أو أنكحتك، وأن يقول الزوج: قبلت، ونحو ذلك.

    وبالنسبة لعقد النكاح فإن المالكية -رحمهم الله- يقولون: لما كان ميثاقاً غليظاً فلا بد أن يؤتى فيه بأحد اللفظين: إما لفظ الزواج، وإما لفظ النكاح، فلا ينعقد النكاح عندهم بلفظ الهبة ونحو ذلك، ولكن الذي عليه كثير من أهل العلم -وهذا الذي أرجح- بأن هذه الأمور يرجع فيها إلى العرف بأي لغة كانت، كما نقول في ألفاظ اليمين: إنه يرجع فيها إلى العرف؛ فلو أن إنساناً حلف بالله ألا يأكل لحماً ثم أكل سمكاً، فهل تجب عليه كفارة أم لا؟

    فالسمك في القرآن لحم، قال الله عز وجل: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً [فاطر:12]، فقوله: (لحماً طرياً) أي: من البحر الذي هو السمك، ولكن في العرف لو أن الإنسان قال: إني ذاهب لأشتري لحماً، فلا يخطر ببال أحدنا أنه ذاهب ليبتاع سمكة، بل يقال له: يا ذاهباً لشراء اللحم! اجلب لنا عجلاً أو ضأناً، وحتى لحم الجمل لا يخطر بالبال، فقد قيد العرف اللحم باللحم الأحمر أو الأبيض، وحتى اللحم الأبيض لا يوجد، فمن اللازم أن يقول له: يا ذاهباً لشراء اللحم! اجلب لنا لحماً ولا يقول: سمكاً، فنقول: المرجع في ألفاظ اليمين للعرف، وقل مثل ذلك في ألفاظ القذف، فإننا نجد في كتب الفقه أنه لو قال شخص لآخر: يا قرطبان، أو قال له: يا كشحان، أو قال له: يا من يلعب بالصبيان، أو ما أشبه ذلك، فهذه كلها في العرف عندنا لا تستعمل في القذف ولا يكاد أحد يستعملها فيه، ولكن هناك من الألفاظ ما يضاهيها ويؤدي ذات معانيها، ففي هذه الحال يعتبر في القذف العرف وليس اللغة، وكذلك في النكاح.

    ونكاح الهازل ينعقد، فلو أن إنساناً قال لرجل: أنا أشتهي الزواج، ولكن الزواج في أيامنا هذه صعب، فقال له الآخر: لا ليس بصعب، ولو شئت لزوجتك، فقال له: زوجني، فقال الرجل: قبلت، فقد انعقد بهذا النكاح، فلا يأتي بعد قليل ويقول: لا والله أنا لم أكن في الموضوع جاداً، بل كنت أمزح، نقول له: لا؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث في سنن أبي داود : ( ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة ).

    ولا بد في الإيجاب والقبول أن يتصلا، فتقول للولي: زوجني فيقول لك: زوجتك، فلو حصل فصل يسير فيما يعرف وكان وقتاً يسيراً عرفاً فلا حرج، أما أن يقول: زوجني فيحصل كلام كثير، أو دخول وخروج، ثم يأتي فيقول: زوجتك فهذا لا يعتد به، فلا بد أن يتصل الإيجاب بالقبول.

    وكذلك ينعقد النكاح بالكتابة، وبالإشارة، كما لو كان ولي الزوجة أخرساً، فلو قال الرجل له: زوجني، فأشار الولي برأسه: أن نعم؛ فقد حصل النكاح وانعقد بذلك؛ بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتبر الصمات إذناً، فقال: ( البكر تستأذن وإذنها صماتها )، وفي لفظ: (سكوتها)، فإذا سكتت فالسكوت أمارة الرضا.

    ويشترط في صحة الصيغة خلوها من التوقيت، فلا يصح أن أقول لك: زوجني ابنتك سنةً، فتقول: قبلت، لا هذا فاسد؛ لأن هذا نكاح متعة، وقد أجمعت الأمة على تحريمه، ونكاح المتعة له صيغتان:

    الصيغة الأولى: أن يقول ولي الزوجة: زوجتك وليتي أو ابنتي شهراً، أو يقول الزوج: زوجني ابنتك شهراً، فهذه الصيغة يفسد بها النكاح؛ للنص فيها على الوقت.

    الصيغة الثانية: أن يقول: زوجني ابنتك مدة إقامتي في هذا البلد، يعني: واحد مثلاً ابتلاه الله بالسفر إلى طهران، أو إلى بيروت، أو إلى غيرها من البلاد التي يكثر فيها الروافض، فإياك أن يأتي واحد فيقول لك: زوجتك ابنتي مدة إقامتك ببلدتي فتقول: قبلت، فهذا النكاح لا ينعقد لأنه فاسد؛ ولأن رسول صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي يوم خيبر: ( ألا إن نكاح المتعة حرام إلى يوم القيامة، ألا إن لحوم الحمر الأهلية حرام إلى يوم القيامة )، وقد أجمعت الأمة: حنفية ومالكية وشافعية وحنابلة وزيدية وإباضية وكل المذاهب على تحريم نكاح المتعة، فلا يبيحه ممن ينتسب إلى الإسلام إلا الشيعة الروافض فقط؛ فهم الذين يقولون: بأن نكاح المتعة جائز، ومن كذبهم يقولون: بأن نكاح المتعة ما حرمه إلا عمر بن الخطاب! وكلنا نعرف أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضوان الله عليهم لا يحلون ولا يحرمون، وإنما هم على خطا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيرون، بل ورد عن عمر رضي الله عنه أنه خاطب صحابياً يقال له: عمرو بن حريث بتحريم نكاح المتعة، وهذا ثابت في الصحيح، قال أهل العلم: يحمل ذلك على أن المخاطب الذي هو عمرو بن حريث ما بلغه النهي عن المتعة الذي صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا متصور، مثلما أن عمر لم يبلغه أن الاستئذان ثلاث، و أبو بكر لم يبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض للجدة السدس، ونحو ذلك، ومثله أيضاً ما ينسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال بحل نكاح المتعة، حتى قال القائل:

    أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس

    هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس

    فـابن عباس رضي الله عنهما لما بلغه ذلك قال: والله! ما أفتيت بهذا، ولا تحل إلا كما تحل الميتة للمضطر، يعني: إن ابن عباس رضي الله عنهما ينفي عن نفسه أنه قد أباح نكاح المتعة.

    وهنا مسألة: ما حكم نية الاستمتاع دون التصريح بها في العقد؟ ومثاله: لو أن إنساناً سافر إلى بلد غلب عليها الفتن -نسأل الله العافية- يعني: نساؤها متبرجات، ودين أهلها رقيق، والزنا فيها ميسر، والفواحش فيها مبذولة، وهذا الإنسان غلب على ظنه أنه واقع في الزنا لا محالة، فقال: بدلاً من أن يستهويني الشيطان، وتغلب علي نفسي الأمارة بالسوء فأنا أتزوج على امرأة بعقد صحيح مائة في المائة، وفيه جميع أركانه وشروطه، ولكن هذه الزوجة في نيتي أني متى ما انتهت مهمتي بعد خمسة أشهر أطلقها، ففي هذه الحالة يصح هذا العقد؛ لأمور أولاً: لأن هذا لم يصرح به، فهو أضمره في نفسه، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله عفا لأمتي عما حدثت به نفسها، ما لم تتكلم أو تفعل ).

    ثانياً: هذا الإنسان قد يتزوج بنية أن يفارق ثم لا يفارق، كما أن الإنسان يتزوج بنية ألا يفارق ثم يفارق، يعني: لا يوجد واحد منا يتزوج على أساس أنه يطلق بعد خمسة أشهر، ولكن -لا قدر الله- قد يطلق بعد خمسة أيام، أو بعد خمس ساعات، أو بعد خمس دقائق مرت، إذا كان العقل عنده خفيفاً! فأقول: النية هاهنا لا اعتبار لها؛ لأنها مجرد حديث نفس، وقد روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أقر نكاح من نكح وأضمر الفراق ليحل المبتوتة، ومنعه من الفراق ليحلها للأول، يعني: واحد من الناس طلق امرأته ثلاثاً، فبانت منه بينونة كبرى: طلقها ثم راجعها، ثم طلقها ثم راجعها، ثم طلقها، وبينهم أولاد، فقام واحد من الناس وقال: والله يا أخي! بدلاً من أن تتشتت الأسرة ويشرد الأولاد، قال في نفسه: أنا أتزوجها، وأدخل بها، وبعد ذلك أطلقها، من أجل أن ترجع للأول، ثم الرجل بعدما تزوج كأن الأمر قد حاك في نفسه، فجاء وسأل عمر رضي الله عنه، فـعمر حكم بصحة الزواج أي: أن الزواج هذا صحيح؛ لأن هذه مجرد نية في النفس، ولكن في الوقت نفسه منعه من أن يفارقها لترجع للأول؛ لأن هذا سيؤدي إلى أن الدين ملعبة، يبدأ الناس يجامل بعضهم بعضاً، فيقال -مثلاً-: طلق فلان امرأته ثلاثاً، فيذهب رجل ليتزوج هذه المرأة ثم بعد ذلك يطلقها، ثم تعتد وترجع للأول! فتكون المسألة فيها نوع من اللعب.

    الشروط المقترنة بصيغة العقد

    هناك مسألة مهمة جداً، وهي: الشروط المقترنة بالعقد، بمعنى: أن هناك شروطاً أنا أشترطها عليها، وهي تشترطها علي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج )، وهذه الشروط تنقسم إلى ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: شروط يقتضيها العقد، وهي تحصيل حاصل، فمثلاً: المرأة تشترط على زوجها أن ينفق عليها، فهذا أصلاً معروف أنك إذا تزوجت بامرأة فأنت شرعاً وعرفاً ملزم بالإنفاق عليها؛ لقول ربنا جل جلاله: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7]، ولأن معاوية القشيري رضي الله عنه قال: ( يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت )؛ مثلما تأكل تأكلها، وهذه مهمة؛ لأن بعض الأزواج قد يذهب فيأكل اللحم والشحم، ويفطر بالشوارما، والزوجة لا ترى إلا فولاً، ولو وسع عليها جعل مع الفول طعميةً وهي أخت الفول أو ابنة خالته، فهذا لا يصح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( تطعمها إذا طعمت )، لكن لو كان هناك وليمة خارج المنزل فذهبت وأكلت فهذا أمر عادي، ولا نقول لك: يلزمك أن تذهب بزوجتك في كل عزومة، ولكن لا تتعمد أن تصطفي لنفسك الطعام الهنيء، فيتصلون بك ويقولوا: أننتظرك على العشاء؟ فتقول لهم: لا، اسبقوني في العشاء ثم تأتي في آخر الليل ومعك لفافة قد فاحت رائحتها بالطعام الشهي، فهذا يزرع العداوة والبغضاء بين الزوجين، بل بين الرجل وأولاده، فانتبهوا بارك الله فيكم!

    أعيد فأقول: إذا كانت المرأة تشترط على زوجها أن ينفق عليها فهذا تحصيل حاصل، ومثله: إذا كان الرجل يشترط على زوجته ألا تخرج من بيته إلا بإذنه، فأيضاً هذا تحصيل حاصل؛ لأنه أصلاً من مقتضى العقد أن الزوجة صارت في قيد الرجل فلا تخرج إلا بإذنه، ولا تصوم متطوعة إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته لمن يكره، وهو أيضاً لا بد أن ينفق عليها، فيسقيها ويكسوها ويطعمها، وغير ذلك من الشروط، ومثله أيضاً: لو اشترطا على بعضهما حسن المعاملة، فيقول لها: أنا موافق بشرط أن تعاشريني معاشرة بالمعروف؛ فهذا الكلام ليس له معنى؛ لأن المعاشرة بالمعروف حق مشترك؛ فيجب على الرجل أن يعاشر المرأة بالمعروف وعلى المرأة أن تعاشر زوجها كذلك، فهذا النوع الأول من الشروط.

    النوع الثاني: شروط ليست من مقتضى العقد، وفي الوقت نفسه لا تخالف الشرع، مثالها: أن تشترط المرأة على زوجها ألا ينقلها من محلة أهلها، فأهلها -مثلاً- يسكنون في الخرطوم؛ فتشترط عليه وتقول له: أنت والله تعمل دائماً في سكة الحديد وكل يوم وأنت في بلد، فأنا لا أنتقل من محلة قومي، أو -مثلاً- تشترط عليه ألا يمنعها من العمل؛ فهي مدرسة أو طبيبة -مثلاً- فتشترط على زوجها ألا يمنعها من العمل، أو -مثلاً- تشترط على زوجها ألا يتزوج عليها، فهذه الشروط قال المالكية رحمهم الله: إنها جائزة، ولكن فيها كراهة، والكراهة في أن المرأة تشترط على زوجها ألا يسافر بها، أو تشترط على زوجها ألا يمنعها من العمل، أو تشترط على زوجها ألا يتزوج عليها، قالوا: يمكن لها أن تشترط هذه الشروط، ولكن مع الكراهة؛ لأن فيها تحجيراً على الزوج، وتضييقاً عليه، بما يؤدي إلى الخصام، وعدم استقرار الحياة الزوجية بينهما، وهذا كثير؛ فبعض النساء تشترط على زوجها مثلاً: تكون طالبة في الجامعة فتشترط عليه أن يدعها حتى تنتهي من دراستها، وقد يكون باقي لها ثلاث سنوات ونصف مثلاً، أو تشترط عليه أن تواصل في العمل مثلاً، ثم تزوج الرجل فقد يكون في البداية موافق لأنه كان متلهفاً، فبعد أن تزوج وجلس معها شهرين أو ثلاثة أشهر بدأ يضيق ذرعاً بخروجها ورجوعها، ويذهب فيتبعها ويسوقها إلى الجامعة، وينظر فلا يطمئن للحالة الموجودة، ولا لوجوه الأستاذة فضلاً عن الطلاب، فيقول لها: يا زوجتي! الجامعة هذه اتركيها، وهذا في البداية، وفي ثاني يوم يقول لها: يا زوجتي! الجامعة ما فائدتها؟ وفي ثالث يوم يقول لها: الجامعة هذه أصلها فرض وإلا سنة، وهي ما ادعت في البداية أنها فرض ولا سنة، ثم رابع يوم خرج في الصباح الباكر ولم يوصلها، فلما اتصلت به قال لها: أنا في بلد آخر، وعندي عمل وقد خرجت مبكراً، ثم بعد ذلك يقول لها: اسمعي إما الجامعة وإما أنا، فهذا يحصل، وقد يعكر الحياة الزوجية، ولذلك الأفضل ألا تشترط المرأة على زوجها هذا النوع من الشروط.

    ومثله شرط أقبح؛ فبعض النساء تكون موظفة، فالزوج يشترط عليها أن تعطيه نصف الراتب، فهذه من الدناءة، ومن الرذالة وقل ما شئت من أوصاف، يعني: يريد أن يستر خسيسته بزوجته، وما ينبغي له ذلك، فلو أنها طابت نفسها فأعطتك شيئاً، أو ساهمت بكيس من الموز أو ببطيخة فجزاها الله خيراً، أما أن تشترط عليها فلا، فتقول لها: النصف بالنصف، وإلا مع السلامة، فهذا الشرط فيه لؤم وخسة -نعوذ بالله- هذا النوع الثاني وهي: شروط لا تخالف مقتضى العقد، ولكنها مكروهة.

    النوع الثالث: الشروط التي تناقض العقد، ومثالها: أن يتزوج الرجل امرأةً ويشترط ألا ينفق عليها، فيقول لها: أنا موافق وليس عندي مانع ولكن أنت تعرفين أن الحالة صعبة، فإذا كنت تستطيعين أن تنفقي على نفسك وتغذينا معك فليس عندنا مانع، ونحن جالسون دون عمل، فهذا لا يصلح، أو يشترط عليها ألا يبيت معها، وهو ما يسمونه -للأسف- بزواج النهاريات، أو يشترط عليها ألاّ يقسم بينها وبين ضرتها في المبيت، فهو متزوج، فيريد أن يتزوج بثانية ويقول لها: لكن اسمعي زوجتي الأولى هذه أخاف منها فلا أقدر أن أقسم بينكما، فأنت وقت المبيت لا آتي إليك، فمثل هذا لا يجوز؛ لأنه مخالف لمقتضى العقد، ومثله أيضاً: لو اشترطت الزوجة على زوجها أن ينفق على ولدها من غيره، فهذا لا يصلح؛ لأنه إلزام بما لم يلزم الله به، أو تشترط عليه -عياذاً بالله- أن يطلق ضرتها، وهذا يحصل كثيراً وأحياناً لا يحصل من الزوجة أو المخطوبة، وإنما يحصل من أوليائها، يقولون له: والله ما عندنا مانع، لكن الزوجة الأولى هذه تطلقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستكفئ ما في صحفتها، فإنه سيأتيها ما قدر لها)؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم شبه المرأة التي تطلب طلاق ضرتها بالإنسان الذي يجد عند إنسان آخر شيئاً في إناء ويتلفه، فما ينبغي للمرأة المسلمة ذلك؛ لأن عليها أن تؤمن بقضاء الله وقدره، أما أن تشترط الإضرار بغيرها فهذا حرام، وأيضاً الحديث الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: ( من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق )؛ فلا ينبغي لإنسان أن يشترط شرطاً يناقض به كتاب الله عز وجل، ولكن لو تطوع أحد الزوجين بشيء من هذه الشروط بعد العقد فلا حرج، فمثلاً: عقد عليها، ثم وجد من طيب عشرتها، وحسن خلقها، وتمام قيامها بحق الزوجية، فقال لها: يا أمة الله! لك علي ألا أتزوج عليك ما دمت حية، طبعاً هذا تصرف غاية في الحماقة والخفة لكنه يصح، المهم هو اشترط على نفسه.

    أو المرأة وجدت من زوجها حسن خلق، وطيب معاملة، واجتهاد في قضاء الحوائج، فقالت له: يا فلان! إني رأيت الحياة صعبة، وأنت تخرج من الصباح الباكر ولا ترجع إلا مع الغروب، لك علي في كل شهر أن أعطيك من الراتب نصفه، فهي اشترطت على نفسها متطوعةً، فلا حرج في ذلك.

    إذاً: علينا أن نفرق بين شرط قبل العقد يشترطه أحدهما على الآخر، وشرط بعد العقد يبذله الإنسان من نفسه، فيصبح عندنا الشروط على ثلاثة أنواع، النوع الأول: شروط هي من مقتضى العقد، وهذا تحصيل حاصل.

    النوع الثاني: شروط لا تخالف مقتضى العقد، وليست من مقتضاه، ولا تعارض شرع الله، فهذه جائزة مع الكراهة.

    النوع الثالث: شروط تخالف مقتضى العقد، فهذه لا قيمة لها، هذا كله كلام في الركن الأول الذي هو الصيغة.