إسلام ويب

المحرمات من النساء [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ممن يحرم الزواج بهن تحريماً مؤقتاً المبتوتة؛ وهي من طلقها زوجها ثلاثاً، فمن شروط زواجها بالثاني قبل أن تحل للأول ألا يقصد الثاني بزواجها تحليلها للأول، وأن يكون العقد لازماً لا موقوفاً، وأن يحصل منه الوطء لها مع بلوغ الثاني وإسلامه. وممن يحرمن مؤقتاً المرأة الخامسة لمن كان في عصمته أربع نسوة حتى يطلق إحداهن وتنتهي عدتها. والتعدد فمعمول به في الشرائع السابقة وقد أقر في شرعنا بأربع، وأما اختصاصه عليه الصلاة والسلام بأكثر من أربع فلحكم كثيرة، منها: الكفالة، والمجاملة، لأصحابه، ولتعزيز الصلة بهم، ولمصلحة شرعية.

    1.   

    تلخيص لما سبق ذكره في المحرمات من النساء

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فقد تقدم معنا الكلام عن المحرمات من النساء، وذلك عند الحديث عن شروط طرفي العقد، وقلنا: الشرط الأول في طرفي العقد: الاختيار وعدم الإكراه، يعني: أن يكون العقد قائماً على الاختيار.

    والشرط الثاني: ألا تكون المرأة محرمةً على الرجل، لا حرمةً مؤبدة، ولا حرمة مؤقتةً لعارض.

    وذكرنا أول هذه الأنواع: الجمع بين ذوات المحارم، كما جاء في الحديث: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجمع بين المرأة وعمتها، ونهى عن الجمع بين المرأة وخالتها )؛ وعلل صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ( لئلا تقطعوا أرحامكم )؛ لأن الضرائر في الغالب يكون بينهن من العداوة والبغضاء، أو على الأقل يكون بينهن شيء من عدم الاستلطاف؛ فلو جمع الإنسان بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها؛ فإن ذلك يفضي إلى تقطيع الأرحام، وقد ذكر العلماء في ذلك ضابطاً مهماً فيمن يحرم اجتماعهن في عصمة واحدة، قالوا: كل امرأتين لو قدرت إحداهما ذكراً لم يجز نكاحه للأخرى، إذاً: لا يجوز الجمع بينهما في عصمة واحدة؛ لأن كل امرأتين لو قدرت إحداهما ذكراً، فلا يحل نكاحه للأخرى؛ فبالتالي لا يحل اجتماعهما في عصمة واحدة.

    والنوع الثاني من المحرمات حرمة مؤقتة: المحصنات، أي: زوجات الغير، قال الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ [النساء:24]؛ فالمرأة التي تزوجها غيرك لا يحل لك أن تتزوج بها، ولا أن تتقدم لها خاطباً ما دامت في عصمته.

    النوع الثالث: المشركة غير الكتابية، سواء كانت مجوسيةً، أو شيوعيةً، أو بوذيةً، أو زرادشتيةً، أو ملحدةً، أو غير ذلك من أنواع الكفر، أما الكتابية فالأصل في نكاحها الجواز؛ لأن الله عز وجل قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5]، لكنه جواز مع كراهة؛ لأن هذه الكتابية تشرب الخمر، وتطعم الخنزير، وقد تغذي ولدها في رضاعه بمثل ذلك، ثم إن أولادها قد ينشئون على غير الإسلام، وهي لا تلتزم أحكام الإسلام في خاصة نفسها، فلا تغتسل من حيضة ولا جنابة، فليست هي كالمسلمة طاهرة عفيفة طيبة.

    وفي زماننا هذا حكم بعض العلماء بتحريم نكاح الكتابية؛ بأنه لا يجوز أصلاً للمسلم أن يتزوج نصرانيةً أو يهودية؛ لأن الغالب على مسلمي هذا الزمان أنهم يتأثرون ولا يؤثرون، يعني: ليس مسلمي هذا الزمان كالصحابة والتابعين؛ فالصحابي أو التابعي إذا تزوج يهوديةً أو نصرانية فعن قريب تسلم؛ لأنها ترى من أخلاقه، ومحافظته على شعائر الإسلام وشرائعه، والتزامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يجرها إلى الإسلام، أما مسلمو زماننا -إلا من رحم الله- فالغالب أن الواحد منهم لو تزوج نصرانيةً أو يهودية فإنه يكون دينه ضعيفاً كما يقال، ولربما تجره ليصبح بغير دين أصلاً، وإذا لم تفلح في التأثير عليه، فإنها حتماً ستؤثر على أولاده، ثم إن الغلبة لها ولقومها، يعني: لو حصل خلاف بين الزوج المسلم وزوجته النصرانية الأوروبية أو الأمريكية، فسرعان ما يتدخل الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، والمنافقون ممن ينتسبون إلى الإسلام، فيحملون الزوج حملاً على الرضوخ، وفي حالة عدم رضوخه فينزع منه الأولاد وهو يرى ذلك رأي العين، فينشئون على غير الإسلام.

    النوع الرابع من المحرمات حرمة مؤقتة: تحريم المسلمة على الكافر، أياً كان كفره، سواء كان كفره بنصرانية، أو بيهودية، أو بأي ملة من ملل الكفر، والنصوص في ذلك واضحة؛ مثل قول الله عز وجل: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221]، ولا شك أن اليهود والنصارى مشركون؛ لأن اليهود يقولون: عزير ابن الله، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله.

    ثانياً: لا يمكن قياس المسلمة بالكتابية، فنقول: يجوز زواج الكتابي بالمسلمة؛ لأن الله تعالى قال: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء:34]، فالمسلم لو تزوج كتابيةً فإنه لن يذكر المسيح بسوء؛ لأن دينه يمنعه، ولن يذكر موسى بسوء؛ لأن دينه يمنعه، أما هذا الكافر -النصراني أو اليهودي- لو تزوج مسلمةً فقد يستطيل بلسانه في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالمسلمة بين شرين: إما أن تسكت، وهذه المصيبة، وإما أن تتكلم فتعكر حياتها، وتفسد أمرها، ثم إن الزوج النصراني قد يأتي لزوجته بالخنزير، ويأمرها بأن تطبخه، أو تشويه، وقد يأتيها بالخمر، وقد يأتي بأصحابه ويطلب منها أن تجلس معهم، أو تبدو أمامهم.. إلى غير ذلك من أنواع الإذلال والامتهان؛ وقد قال ربنا الرحمن: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء:141]، وهذه الآية يستدل بها المفسرون في منع نكاح المسلمة من الكافر.

    ولا يشتبهن أن يقال: بأن اليهود والنصارى ليسوا كفاراً، بل هم كتابيون، نقول: نعم، والكتابيون كفار، ولا تنافي بين الوصفين؛ فهم موصوفون بكونهم كتابيين، وهم كذلك موصوفون بأنهم كفار، وقد أجرى القرآن الوصفين معاً عليهم، فقال سبحانه في وصف كونهم أهل كتاب مع الكفر: أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [الحشر:11]، وقال تعالى في كفرهم: لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ [البينة:1]، وقال في تكفير النصارى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قَدِيرٌ [المائدة:17]، وقال تعالى في تكفير اليهود والنصارى معاً: وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ [التوبة:30].

    وقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران:70].

    وقال عز وجل: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:98].

    فهذه كلها آيات ناطقة بأن اليهود والنصارى كفار، ولذلك أفتى علماؤنا كما قال القاضي عياض رحمه الله على أن من لم يكفرهم، أو شك في كفرهم، فهو كافر مثلهم، أي: من لم يكفر اليهود والنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم فهو كافر مثلهم، وهذا الكلام ينبغي أن نعض عليه بالنواجذ، وأن نشيعه في كل حاضرة وبادية؛ لأن المسلمين الآن وقع عندهم نوع من التشويش في هذا الأمر.

    وهناك مسألة: إذا أسلم الزوجان أو أحدهما ما الحكم؟ نقول: إذا أسلم الزوجان معاً فلا إشكال فيه؛ فإنهما يقران على نكاحهما الأول، ولكن الإشكال لو أسلم أحد الزوجين، فإذا أسلم الزوج والزوجة كانت كتابية، فلا إشكال في ذلك أيضاً، أي: إذا كان الزوجان كتابيين فأسلم الزوج وبقيت الزوجة على يهوديتها أو نصرانيتها فلا إشكال فيه؛ فتبقى الزوجة معه ترغيباً لها في الإسلام، أما إذا كانت الزوجة مشركةً فأسلم زوجها وبقيت هي على شركها؛ فأنتم تعرفون قول ربنا: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]، وتعرفون قول ربنا: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10]؛ ولذلك قال أهل العلم: توقف هذه الزوجة؛ فلا يقربها زوجها، وتمهل شهرين اثنين، وينظر في أمرها؛ فإن أسلمت أقرت على نكاحها، وإلا فرق بينهما؛ أما التفريق فدليله واضح، وهو قول ربنا سبحانه: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]، أما الإقرار مدة الشهرين فإن المالكية لهم في ذلك كلام، وجهه في المذهب: بأنها يتربص بها شهرين اثنين، وبعضهم يقول: لا، إنما التربص يكون في حالة الغفلة عن الزوجة التي لم تسلم، يعني: غفلوا عن أن يعرضوا عليها الإسلام، أما إذا عرض عليها الإسلام فأبت فلا انتظار، فإما أن تسلم، وإما أن يفرق بينهما حالاً؛ لأنه لو تربص بها زوجها شهرين، ففي مدة الشهرين هذين يكون مخالفاً لقول ربنا: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]، ولو تأملنا في المسألة نجد بأن المالكية الذين قالوا: بأنه يتربص بها شهرين ليس لهم دليل واضح، لا دليل من النص، ولا دليل من النظر، ولذلك الأقرب أن يقال: لو أسلم الزوج وكانت زوجته كافرةً غير كتابية فإنه يعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا فرق بينهما حالاً.

    فالآن عندنا ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: إذا أسلم الزوجان فإنهما يقران على النكاح الأول.

    المسألة الثانية: إذا أسلم الزوج، وكانت الزوجة كتابية باقية على كفرها فإنهما يقران على النكاح الأول.

    المسألة الثالثة: إذا أسلم الزوج، وكانت زوجته كافرةً غير كتابية؛ فإنه يعرض عليها الإسلام فإن أسلمت وإلا فرق بينهما حالاً.

    المسألة الرابعة: إذا أسلمت الزوجة وبقي الزوج على الكفر سواء بقي على الإلحاد، أو بقي على اليهودية أو النصرانية وغير ذلك؛ فإنه يفرق بينهما حالاً؛ فإذا أسلم الزوج في فترة العدة -وذلك لأن الزوجة المسلمة إذا فسخنا نكاحها من أي إنسان مسلم أو كافر فلا بد أن تعتد- فإنها ترد إليه بالنكاح الأول، ولا يجدد النكاح؛ لأن كثيراً من الصحابيات رضي الله عنهن أسلمن، وبقي أزواجهن على الكفر، فلما أسلموا من قريب فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ردهم بالنكاح الأول، وذكرنا في ذلك خبر صفوان بن أمية مع زوجته التي كانت أخت عمير بن وهب الجمحي، وكذلك عكرمة بن أبي جهل، وكانت تحته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم ردهم على النكاح الأول.

    المبتوتة

    ومن المحرمات حرمة مؤقتة المبتوتة؛ وهي التي طلقها زوجها ثلاثاً، والإسلام جعل الطلاق متنفساً من أجل أن يراجع الزوجان حالهما، ويتبصران في أمرهما، هل يمكنهما استئناف الحياة الزوجية أم لا؟ فأباح الإسلام للزوج أن يطلق طلاقاً بأسبابه، ثم يراجع، ثم إذا طلق فهذه تكون طلقة ثانية، ويجوز له أن يراجع، فإذا طلقها في المرة الثالثة قال الله عز وجل: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ[البقرة:230].

    ولا بد في الزواج الذي تحل به المبتوتة لزوجها الأول أن يكون على أكمل وجه شرعي، ولا يكون زواجاً فيه هذه الحيل التي يقوم بها الناس فلا بد فيه من شروط:

    الشرط الأول: ألّا يقصد الزوج الثاني تحليل هذه المرأة للزوج الأول، فإن قصد ذلك كان النكاح باطلاً، ويجب فسخه، سواء دخل بها أو لم يدخل؛ لأن هذا فيه تلاعب بالشريعة، والشريعة تريد أن تعاقب هذا الزوج المتسرع الذي يسارع إلى الطلاق لأدنى سبب، فإذا طلق الطلقة الأولى فإن الشريعة أعطته فرصةً ثانية، وإذا طلق الطلقة الثانية فإن الشريعة أعطته فرصةً ثالثة، فلما طلق الطلقة الثالثة علم أن ثمة فساداً أصيلاً في هذه الحياة، ولا يمكن أن تستمر، ولذلك فإن الشريعة تريد أن تعاقبه فتقول له: هذه المرأة حرمت عليك، فتنتظر حتى تعتد وتنتهي عدتها ثلاثة قروء إذا كانت من ذوات القرء، أو وضع الحمل إذا كانت حاملاً، أو ثلاثة أشهر إذا كانت يائسة، وبعد ذلك يأتي رجل آخر برغبته، لا بتحريض من الأول، ولا بالتماس أو رجاء منه، يأتي زوج بكامل اختياره وطوعه فيتزوج هذه المرأة، ويدخل بها، ويصيب منها، ويعيش معها ما شاء الله أن يعيش، ثم يموت عنها، أو يطلقها، أيضاً برغبته واختياره، فتعتد من الزوج الثاني، فإذا انقضت عدتها جاز له الزواج منها، يعني: هي اعتدت من الأول ثلاثة أشهر، فيتزوجها الثاني ويعيش معها سبع عشرة سنة -مثلاً- حتى يموت، فتعتد منه أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم بعد ذلك يأتي الأول فإذا أراد أن يتزوجها فليتزوجها.

    أما ما يفعله الناس الآن: أن الرجل يطلق ثلاثاً ثم يذهب إلى واحد من الناس ويقول له: انظر لنا حلاً، فيقول له: أنا سأتزوجها، وبعد ذلك أطلقها لك، ولربما يتفقان على مبلغ؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم سمى هذا الرجل الثاني بالتيس المستعار، وجمعه تيوس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بالتيس المستعار؟ هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له)، فالاثنان ملعونان، وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما، فيُعتبر الاثنان زناة؛ لأنه هذا فيه تلاعب بالشريعة، وهذه من الحيل المحرمة التي لا ينبغي للمسلم أن يقع فيها، ولذلك فإن الله عز وجل لما ذكر آيات الطلاق قال: وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً[البقرة:231]، فالطلاق هذا من أحكام الله، ولا ينبغي للناس أن يتخذوه هزواً.

    إذاً: أول شرط: ألا يكون الزوج الجديد قاصداً تحليلها للزوج الأول.

    الشرط الثاني: أن يكون عقد النكاح لازماً، وذلك حذراً من العقد الموقوف؛ فمثلاً: السفيه إذا عقد فعقده موقوف على إجازة وليه، وتصرفاته لا تنفذ؛ لأن تصرفاته موقوفة على رضا الولي.

    الشرط الثالث: أن يحصل من الزوج الثاني وطء للمبتوتة، فلا ينفع أن نعقد له، ثم نقول له: طلق، فيطلق فتكون بذلك قد حلت للأول، لا، بل لا بد للثاني أن يدخل بها؛ والدليل على ذلك: حديث ثابت في السنن: (أن رفاعة القرظي طلق امرأته فبت طلاقها، يعني: طلقها ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! إني كنت تحت رفاعة القرظي ، فطلقها)

    ونلاحظ هنا: أنها تتكلم بضمير الغيبة، ما قالت: فطلقني، بل قالت (فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه والله ما معه إلا مثل الهدبة، وأخذت بهدبة من جلبابها، قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا -يعني: لا رجوع- حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته. أبو بكر الصديق رضي الله عنه جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، و خالد بن سعيد بن العاص جالس بباب الحجرة لم يؤذن له بعد، فطفق خالد ينادي أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله؟)، يعني: يقول له: المرأة هذه أليس عندها حياء؟ ما هذا الكلام الذي تقوله عند الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم عود الصحابيات أنهن يسألنه عن كل شيء، فبدلاً من أن يقع الإنسان في الحرام فإن عليه أن يسأل، ولكن لا نقول: يا أيها الشيخ! لا حياء في الدين، فالدين كله حياء، وإنما نقول: لا حياء في تعلم أحكام الدين، أما الدين حقيقةً لو تأملنا فإن كل ما فيه قائم على الحياء.

    وهنا مسألة: لو أن الزوج تزوج المرأة بعد طلاقها من الأول فوطئها وطئاً غير شرعي -مثلاً: وطئها في الحيض أو وطئها في نهار رمضان- فإنها لا تحل للأول؛ قالوا: لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً؛ فلا اعتداد به، ولا يكفي هذا لترجع إلى زوجها الأول، بل لا بد أن يكون الوطء وطئاً شرعياً.

    الشرط الرابع: أن يكون الزوج الواطئ بالغاً في وقت الوطء؛ فلا تحل المبتوتة بوطء الصبي، ولكنها تحل بوطء البالغ، ولو كان هذا البالغ مجنوناً، فلو تزوجها مجنون فوطئها ثم طلقها أو مات عنها، فإنه يحل أن ترجع للزوج الأول.

    الشرط الخامس: أن يكون الزوج الثاني مسلماً؛ فلا اعتداد بزواج الكتابي بناءً على القاعدة السابقة أن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً؛ لأن زواج الكتابي من مسلمة زواج باطل.

    المرأة الخامسة لمن كان في عصمته أربع نسوة

    النوع السادس من المحرمات حرمة مؤقتة: المرأة الخامسة وما بعدها لمن كان في عصمته أربع نسوة؛ فلو أن واحداً متزوجاً بأربع نسوة فلا يجوز له أن يأتي بخامسة؛ لأن الله عز وجل جعل الأربع هي غاية النكاح؛ فقال سبحانه: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[النساء:3]، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز للرجل أن يجمع في عصمته أكثر من أربع، إلا طائفة من الشيعة مجانين قالوا: يجوز له أن يجمع تسعاً؛ لأن الله قال: مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[النساء:3]، فقوله: (مثنى وثلاث) هذه خمس وقوله: (ورباع) فهذه مع السابقات تسع! فهؤلاء من أجهل خلق الله؛ لأن الله عز وجل ما قال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنين وثلاثة وأربعة، إنما قال: مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ[النساء:3]، والعرب تقول: جاء القوم مثنى مثنى، وجاء القوم ثلاث ثلاث، وجاء القوم رباع رباع، يعني: جاءوا اثنان اثنان، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، لا يقصدون بذلك أنه جاء اثنين، وجاء بعدهم ثلاثة، وجاء بعدهم أربعة، لكن بعض الناس يلحد في آيات الله؛ والله عز وجل قال: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا[فصلت:40]؛ فهذا من الإلحاد في آيات الله عز وجل.

    وقد كان أحد الصحابة اسمه غيلان الثقفي رضي الله عنه أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

    (اختر أربعاً، وفارق سائرهن)، ولم ينقل عن واحد من الصحابة ولا من بعدهم أنه جمع في عصمته أكثر من أربع؛ فلا يجوز للرجل أن يتزوج خامسة ولو طلق واحدة، إلا بعد أن تنقضي عدتها؛ لأن المرأة حال عدتها حكمها حكم الزوجة، ولذلك لو ماتت ورثها، ولو مات ورثته، إلا إذا كانت مبتوتة، ولم يتهم بأنه أراد حرمانها من الميراث، وهذا سيأتي بيانه إن شاء الله.

    ومن جمع خمس نسوة في عصمته؛ فإن كان قد نكحهن في عقد واحد فسخ نكاحه منهن جميعاً، وهذا ليس متصوراً، ولكن يمكن أن يأتي واحد فيقول: اعقدوا لي، قالوا: بسم الله الرحمن الرحيم، فإني قد زوجت فلاناً من فلانة بنت فلان، على كتاب الله وسنة رسوله بالصداق المسمى بيننا، الفاتحة، قال: لا. أريد واحدة ثانية، فقال: زوجت فلاناً من فلانة بنت فلان، قال: لا. أريد ثالثة، ورابعة، قال: وخامسة، -وكان العاقد جاهلاً- فعقد له على خمس نسوة في عقد واحد، فيفسخ نكاحه منهن جميعاً؛ لأن نكاحهن جميعاً يقع باطلاً؛ ولأنه ليست إحداهن بأولى من الأخرى، فيقع النكاح كله باطلاً، أما إذا علمت الخامسة فإنه يفسخ نكاح الخامسة ويقر على الأربع، يعني: لو علم أن الرجل كان عنده أربع، ثم نكح خامسةً؛ فإنه يفسخ نكاحه من هذه الخامسة وحدها؛ لأنه وقع باطلاً، وأما من كان له ثلاث زوجات وادعى نكاح زوجة رابعة؛ فلا يجوز له نكاح الخامسة إلا بعد أن يطلق الرابعة، وتنتهي عدتها.

    1.   

    تعدد الزوجات

    وهاهنا لا بد من كلمة في قضية تعدد الزوجات، وهي كلمة لأول مرة نقولها وآخر مرة إن شاء الله؛ لئلا تنزعجوا؛ لأني أعرف أن بعض الرجال إذا جيء بهذه القضية ولى مدبراً ولم يعقب، فنتحدث عنه بحكم المبحث الفقهي.

    التعدد معمول به في الشرائع السابقة

    إن تعدد الزوجات كان معمولاً به في الشرائع السابقة، فلم ينفرد به محمد صلى الله عليه وسلم؛ بل كان الأنبياء من قبله كإبراهيم ويعقوب وداود وسليمان صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين متزوجين بأكثر من واحدة، بل كان لسليمان عليه السلام مائة امرأة، وكان لداود عليه السلام ثلاثمائة امرأة، وهذا ثابت في كتبهم، يعني: ليس هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم فقط، وإنما ثابت حتى في العهد القديم في التوراة.

    حكمة اختصاص النبي بالزواج بأكثر من أربع

    نبينا صلى الله عليه وسلم جاء بهذه الشريعة وأقر فيها تعدد الزوجات، وحصرهن في أربع، وهو عليه الصلاة والسلام تزوج بأكثر من أربع؛ فهو عليه الصلاة والسلام تزوج بـخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنةً، وكانت بنت أربعين سنة، وعاش معها خمساً وعشرين سنةً ولم يتزوج عليها غيرها، ولا تسرى بامرأة سواها، يعني: لما ماتت خديجة كان الرسول صلى الله عليه وسلم عمره خمسين سنة، وكان عمر خديجة خمساً وستين سنة، وقد ورد أنه: ( لما ماتت خديجة رضي الله عنها جاءت امرأة يقال لها: خولة بنت حكيم فقالت: يا رسول الله! ألا تتزوج؟ فقال: من؟ فقالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً؟ قال: من البكر؟ ومن الثيب؟ قالت: أما البكر فبنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر، وأما الثيب فـسودة بنت زمعة امرأة آمنت بك وصدقتك، وقد مات عنها زوجها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهبي فاذكريهما علي )، فذهبت المرأة وسيدنا أبو بكر تردد، قال: وهل تحل له وهو أخي؟ فلما جاءت المرأة للنبي صلى الله عليه وسلم قال لها: قولي له: أنت أخي في الإسلام يعني: ليس أخاً لي أخوة رحم وإنما أخوة دين.

    والعجيب أن خولة بنت حكيم رضي الله عنها لما ذهبت إلى بيت أبي بكر لم تجد أبا بكر وإنما وجدت أم رومان التي هي زوجة أبي بكر، فلما عرضت عليها الأمر قالت: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في نكاح عائشة، فالمرأة قالت: والله! رغبت، ولكن دعيني أستأمر أبا بكر )، وما قالت: والله هذا عريس لقطة كما يقول الناس، ونحن موافقون، وبدأت تعد العدة وكأن الزوج لا قيمة له، وإنما قالت: رغبت -يعني: هذا والله شرف عظيم- ولكن انتظري حتى أستأمر أبا بكر.

    فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج سودة بنت زمعة رضي الله عنها، وعقد على عائشة ، ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر، أي: في السنة الثانية من الهجرة.

    وتزوج صلى الله عليه وسلم كذلك أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة، وكانت تحت أبي سلمة، ومات رضي الله عنه بعد بدر، فالنبي صلى الله عليه وسلم تقدم لخطبتها، فقالت المرأة الصالحة: ( يا رسول الله! وددت، ولكن يمنعني أمور ثلاثة، أني امرأة غيرى -أي: عندي غيرة شديدة- وأني مصبية -مصبية يعني: عندي أولاد قد يعملون لك إزعاجاً- وأني قد أدركني كبر السن، فماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: أما السن فقد أصابني الذي أصابك )، يعني: أنا أيضاً لست بشاب، ( وأما غيرتك فسأدعو الله يذهبها عنك )، أي: هذا أمر انتهينا منه، ( وأما صبيانك فأضمهم إلي، فأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) عليه الصلاة والسلام، فحل لها المشاكل الثلاث، ( فقالت: قم يا سلمة، أو قالت: قم يا عمر -لأحد أولادها- زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها صلوات الله وسلامه عليه ).

    وتزوج أيضاً صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة، وكانت تحت عبيد الله بن جحش، وهاجرت معه إلى الحبشة، ويقال: بأنه تنصر هناك ومات على النصرانية، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الفحل الكريم أرسل إلى النجاشي؛ لأن أم حبيبة كانت وحيدة، وأبوها كافر، وإخوانها معاوية ويزيد كانوا على الكفر، وهي في أرض غربة، وزوجها مات على الكفر، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليدعها، فأرسل إلى النجاشي يطلب إليه أن يزوجه إياها، وأصدقها النجاشي أربعمائة درهم، ولما سمع بذلك أبو سفيان قال: هو الفحل لا يقذع أنفه. يعني: ليس لدينا اعتراض؛ صحيح أن بيننا خلافاً ومشاكل وحروباً، ولكنه ما استطاع أن يقول فيه كلمةً واحدة، قال: هو الفحل لا يقذع أنفه.

    وكذلك تزوج صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الرئابية، وكانت تحت مولاه زيد بن حارثة، وزينب بنت جحش هي بنت عمته؛ لأن أمها هي أميمة بنت عبد المطلب.

    وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً جويرية بنت الحارث الهلالية، وكانت امرأةً مباركة، أو مبروكة كما يقول الناس؛ فقد وقعت معركة بين المسلمين وبين بني المصطلق، وأسرت جويرية بنت الحارث الهلالية، وجاءت تستعين برسول الله صلى الله عليه وسلم في فدائها، وهي بنت الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هل لك في خير من ذلك؟ قالت: وماذا؟ قال لها: أعتقك وأتزوجك -أي: فلا فداء ولا غيره- قالت: قد رضيت، فتزوجها صلى الله عليه وسلم. فقال الصحابة رضي الله عنهم: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيدينا، فأطلقوهم جميعاً، فأسلموا جميعاً )، ببركة هذه المرأة الصالحة جويرية بنت الحارث الهلالية .

    أما ميمونة بنت الحارث فهي التي تزوجها صلى الله عليه وسلم مجاملةً لعمه العباس ؛ لأن أختها لبابة بنت الحارث ، أم الفضل كانت تحت العباس بن عبد المطلب ، وأيضاً مجاملة لـخالد بن الوليد ؛ لأنها كانت خالته، أي: كانت خالةً لـخالد رضي الله عنه.

    ثم آخرهن صفية بنت حيي رضي الله عنها، وهي التي أسرت يوم خيبر، فهؤلاء إحدى عشرة نسوةً دخل بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعضهن تزوج بهن النبي صلى الله عليه وسلم من باب توثيق الأواصر بينه وبين أصحابه، فتزوج ببنت أبي بكر وبنت عمر ، وزوج عثمان و علياً ، وبعض هذه الزوجات كانت لحكمة تشريعية، كزواجه من زينب بنت جحش، وبعض هذه الزوجات كانت من باب الكفالة وجبر الخواطر كما يقال، كزواج النبي صلى الله عليه وسلم من المرأة الفاضلة هند بنت أبي أمية أم سلمة رضي الله عنها كان من باب الكفالة، وإلا فهي امرأة كبيرة في السن، وعندها صبيانها، فلا يوجد شيء يرغب فيها، يعني: لو عرضت عليك امرأة وقيل لك: بأنها بنت خمسين ربيعاً، وقالوا لك: عندها أربع شفع، فأنت تنتظر أن يقال لك: هي قد ورثت من المرحوم مبلغاً وقدره: مائة ألف دولار وإلا كذا؛ فعند ذلك ربما تفكر، فالمقصود أن هذا الزواج من النبي صلى الله عليه وسلم كان من باب الكفالة، وقل مثل ذلك في زواجه من سودة رضي الله عنها، فـسودة بنت زمعة وكانت تحت السكران بن عمرو وهو أخو سهيل بن عمرو ، والسكران بن عمرو رجل مسلم رضي الله عنه، وكان قد هاجر إلى الحبشة فمات بها، فالرسول صلى الله عليه وسلم تزوج سودة وكانت أيضاً امرأة قد تقدم بها السن، فتزوجها صلى الله عليه وسلم أيضاً من باب الكفالة، وزواجه بـأم حبيبة رضي الله عنها أيضاً من باب الكفالة؛ لأنها رضي الله عنها كانت وحيدة فريدة في أرض الوحشة والغربة، في أرض الحبشة، وقل مثل ذلك في زواج البقية، ولكن لا نهمل الجانب الإنساني؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم تزوج بعضهن لجمالهن، كـميمونة بنت الحارث ، و صفية بنت حيي ، فـصفية رضي الله عنها كما يذكر الذهبي في ترجمتها كانت امرأة مليحةً فاضلةً حليمة رضي الله عنها، فهي امرأة مليحة؛ ولذلك السيدة عائشة تقول: والله ما إن رأيتها حتى كرهتها؛ لأني علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآها لتزوجها، وفعلاً حصل ذلك؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم تزوجها والسيدة عائشة جاءت تنظر من ثقب الخيمة تريد أن تراها رؤية تامة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم جاء ووقف من ورائها، فلما أكملت وروت نهمها استدبرت لترجع، فرأت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: كيف وجدتها؟ -أي: ما هو رأيك فيها؟- قالت له: يهودية، ليست لها ميزة، يعني: قالت قولاً مما لا تلام عليه المرأة على ضرتها.

    فأريد أن أقول: لا ينبغي أن نبرر ونقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أصلاً ليس له اشتغال في الموضوعات هذه، لا، فهو تزوجهن من باب الكفالة.. هذه هي القاعدة المطردة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم رجل فحل، وهو الذي قال: ( حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة )، وهذا من كماله صلى الله عليه وسلم.

    نساء تزوجهن رسول الله ولم يدخل بهن

    وهناك نساء تزوجهن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بهن، فإحداهن لما دخل عليها قالت: ( أعوذ بالله منك، فقال لها: لقد استعذت بعظيم، الحقي بأهلك )، وكان بعض النساء خدعنها فقلن لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إذا دخل على المرأة أن تقول له: أعوذ بالله منك، فصدقت، وكان أهلها يسمونها المشئومة.

    وإحدى النساء أيضاً دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فوجد في كشحها بياضاً، يعني: وجد بها برصاً فطلقها.

    وإحدى النساء دخل بها النبي صلى الله عليه وسلم وقال لها: ( تعالي، فقالت له: إنا من قوم نؤتى ولا نأتي، قال لها: الحقي بأهلك )، فهذه مشوشة، والحياة معها ستكون صعبة، فهذه من البداية تقول لك: الذي يريدنا عليه أن يأتي إلينا، نحن لا نأتي؛ فهذه لا تصلح، والنبي صلى الله عليه وسلم ليس عنده وقت لمثل هذا، فقال لها: ( الحقي بأهلك )، فهؤلاء تزوجهن صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بهن.

    وأنبه أيضاً على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرزق بأولاد إلا من خديجة رضي الله عنها؛ فإنه رزق من خديجة بـالقاسم وهو أكبر أولاده، وبه كان يكنى -أي: بأبي القاسم- عليه الصلاة والسلام، ثم عبد الله ، ولهما لقبان، الطيب والطاهر، ثم بناته الأربع رضوان الله عليهن: زينب كبراهن، ثم رقية ، فـأم كلثوم ، وأصغر بناته جميعاً هي أم السبطين فاطمة رضي الله عنها وأرضاها.

    إماء تسرى بهن رسول الله

    وأما الإماء اللائي تسرى بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهن أيضاً معدودات، وقد أحصاهن الإمام ابن القيم رحمه الله في المجلد الأول من زاد المعاد، وأشهرهن عند الناس مارية بنت شمعون القبطية، التي يقال لها: أم إبراهيم، وهي التي أهداها إليه المقوقس حاكم مصر والإسكندرية، وكانت هذه المرأة على دين النصرانية، ولكنها أسلمت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ورزق منها بـإبراهيم، وقد مات رضي الله عنه بعدما دب على الأرض، يعني: بعدما صار يمشي، ويقال: بأن ديكاً نقره في عينه، فحمى أياماً ثم مات، وقد حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لموته، فهذه هي الحياة الزوجية بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام.

    ولكن الكلام الذي سيأتي بالتفصيل في درس مستقل إن شاء الله المصالح التي يحققها تعدد الزوجات، لماذا شرع الله تعدد الزوجات؟ وهل تعدد الزوجات حق للرجل وحده أم حق للرجل والمرأة؟ وسنلاحظ هذا إن شاء الله في كلام مفصل، ثم بعد ذلك كيفية القسم بين الزوجات فيما يتعلق بالنفقة والمبيت، مع ذكر بعض المسائل المفصلة التي ينبغي أن تحرصوا عليها؛ لأن بعض الناس يعتقد بأن العدل شيء مستحيل وليس ممكناً، فنقول: لا، فلو كان مستحيلاً ما كلفنا الله به؛ لأنه سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها، فالعدل مستطاع ميسور سهل لمن يسره الله عز وجل عليه، وسيأتي معنا الكلام فيه تفصيلاً. نسأل الله أن يزوج شباب المسلمين أجمعين.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.