إسلام ويب

المحرمات من النساء [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شروط الزواج بالمرأة ألا تكون محرمة على من أراد الزواج بها تحريماً مؤبداً ولا مؤقتاً، فمن المحرمات على التأبيد من حرمن بسبب النسب، كالأمهات والبنات والأخوات وغيرهن، ومن حرمن بسبب الرضاع وهن كالمحرمات بالنسب، ومن حرمن بسبب المصاهرة كزوجة الأب وحليلة الابن والربائب وأمهات الزوجات، ومن المحرمات مؤقتاً كالجمع بين المحارم والمحصنات والكافرة غير الكتابية وزواج المسلمة بكافر والمبتوتة من زوجها.

    1.   

    تلخيص لما سبق ذكره من أحكام عقد النكاح

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فتقدم معنا الكلام في الدرس الذي مضى في أن عقد النكاح له أركان ثلاثة، وهذه الأركان الثلاثة هي: الصيغة، وطرفا العقد -أي: الزوج والزوجة- والولي.

    أما الصيغة فقد عرفنا بأنها: اللفظ المعبر عن إرادة الطرفين في إتمام العقد، كأن يقول ولي المرأة: زوجت فلانة من فلان، فيقول الزوج أو وكيله: قبلت هذا الزواج، وليس شرطاً أن يتقدم الإيجاب على القبول، ولكنه مندوب إليه، فلو بدأ الولي فقال: زوجتك، وقال الزوج: قبلت، صح، كما أنه يصح أن يقول الزوج: زوجني، فيقول ولي الزوجة: قد فعلت، أو أنكحتك، أو قبلت.

    وتقدم معنا الكلام في أن الصيغة يشترط أن تكون بلفظ الماضي مثل: زوجتك، أو زوجت فلانة من فلان، والآخر يقول: قبلت، فلا يصح أن يقول: أزوج فلانة من فلان، ولا يصح أن يقول الآخر: أقبل، أو سأقبل، بل لا بد أن تكون الصيغة في الإيجاب والقبول بلفظ الماضي.

    وتقدم معنا الكلام في أن النكاح ينعقد بكل ما دل عليه عرفاً، فليس بالضرورة أن يقول: أنكحتك، وليس بالضرورة أن يقول: زوجتك، بل ينعقد النكاح بلفظ الهبة، وينعقد النكاح بلفظ الإعطاء، فلو قال: أعطيتك، أو كما نعبر باللهجة العامية: أديتك، فهذا كله ينعقد به النكاح، ويصح به، والدليل على ذلك: ( أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال للرجل: اذهب فقد ملكتكها )؛ ولذلك الآن إخواننا في الخليج يسمون العقد الملكة، بمعنى: أن الرجل قد تملك المرأة.

    وتقدم معنا: أن النكاح لا يصح فيه الهزل؛ فلا يصح فيه أن يقول الإنسان: أنا كنت هازلاً، ومثله الطلاق، وهذا يسأل عنه كثير من الناس، يقول: أنا قلت للمرأة: أنت طالق، من باب المزاح، أو من باب التهديد ونحو ذلك، فنقول لهؤلاء جميعاً: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة ).

    والنكاح ينعقد بالكتابة، وكذلك ينعقد بالإشارة من الأخرس.

    وتقدم معنا الكلام في أن نكاح المتعة حرام وباطل، وأن له صيغتين: الصيغة الأولى: أن يقول الولي: زوجتك ابنتي شهراً، فيقول الآخر: قبلت.

    الصيغة الثانية: أن يقول الزوج: زوجني ابنتك أو زوجني أختك مدة إقامتي في هذه البلد، فيقول الآخر: قبلت، وهاتان الصيغتان لا ينعقد بهما النكاح لكونه فاسداً، وهذا النكاح محرم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد انعقد الإجماع على تحريمه.

    أما إذا كانت نية التوقيت في القلب، ولم يصرح بها في العقد فلا حرج في هذا، فمثلاً: لو أن إنساناً تزوج امرأةً بنية أن يطلقها متى ما غادر البلد فلا حرج في ذلك؛ لأن الله تعالى عفا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عما حدثت به نفسها، ما لم تتكلم أو تفعل. والإنسان قد يتزوج وينوي الطلاق ثم لا يطلق، كما أنه يتزوج وينوي البقاء ثم لا يبقى.

    وتقدم معنا: أن الشروط في العقد على ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: شروط هي من مقتضى العقد، فهذه لا حرج فيها، كما لو أن المرأة اشترطت على زوجها أن ينفق عليها، أو الرجل اشترط على امرأته ألا تخرج من بيته إلا بإذنه، أو اشترط عليها أن تطيعه، فهذا لا حرج فيه؛ لأن هذه الشروط ذكرها كعدمها، ولكن من باب التوكيد قد تذكر.

    النوع الثاني: شروط ليست من مقتضى العقد لكنها لا تخالف العقد، كما لو أن المرأة اشترطت على زوجها ألا يسافر بها من دار قومها، أو اشترطت عليه ألا يمنعها من العمل خارج البيت. إن كانت مدرسةً -مثلاً- أو تشترط عليه ألا يتزوج عليها، فهذه الشروط مكروهة، ولا يجب على الزوج الوفاء بها، ولكن يستحب لو أنه وفى بها فجزاه الله خيراً، وإلا فشرط الله أسبق؛ لأن الأصل في أن المرأة تنتقل مع زوجها حيث انتقل ما لم يكن في ذلك محظوراً، فمثلاً: بعض الناس يريد من زوجته أن تنتقل معه إلى أمريكا، وهو مقيم هناك، وقد حصل على الجواز الأمريكي، أو ما يسمى بالجرين كارد، وليس عنده نية في العودة إلى بلده، فمثل هذا لا يجب على المرأة أن تذهب معه؛ لأنه ينقلها من دار الإسلام ودار الخير والبر إلى دار الكفر والفسوق والعصيان، حيث لا تأمن على دينها، ولا على عرضها، ولا على نفسها، فمثل هذا لا طاعة له.

    النوع الثالث: الشروط المناقضة للعقد، كما لو أن الزوج اشترط ألا ينفق على زوجته، أو ألا يقسم لها مع ضراتها، أو أن المرأة اشترطت على الزوج أن يطلق ضرتها، فمثل هذه الشروط باطلة، ولا قيمة لها؛ لأن الشرع قد نهى عنها، ولكن لو أن الزوج أو الزوجة تطوع أحدهما للآخر بشيء من الشروط بعد العقد فلا حرج في ذلك إن شاء الله.

    الركن الثاني من أركان العقد: الزوجان، ويشترط في صحة العقد بالنسبة للزوجين ثلاثة شروط:

    الشرط الأول: عدم الإكراه، أي: أن يكون قبول الزوجة بزوجها، واختيار الزوج لزوجته عن رضا وقناعة؛ لأن الإكراه تسقط به المؤاخذة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عفا لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ).

    فلا يجوز للرجل أن يكره ابنته على الزواج بمن لا تريد، ومن باب أولى لا يجوز للأب ولا للأم أن يكرها الولد على النكاح بمن لا يريد؛ لأن أي عقد في الإسلام لا بد أن يكون قائماً على الرضا، كما قال الله عز وجل: إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، يعني: إذا كان كيس عيش بجنيه لا بد أن يكون هناك تراض بين البائع والمشتري، فما بالكم بهذا العقد الخطير الذي سماه الله ميثاقاً غليظاً، فلا بد أن يكون هناك رضا تاماً بين الزوجين، ( ولما جاءت الخنساء بنت خدام رضي الله عنها وشكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أباها قد زوجها من ابن أخيه ليرفع خسيسته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها )، يعني: حكم بأن ذلك النكاح لا تترتب عليه آثاره.

    الشرط الثاني: ألا تكون المرأة محرمةً على الرجل تحريماً مؤبداً، أو تحريماً مؤقتاً لعارض، وهذا ظاهر.

    الشرط الثالث: أن يكون أحد طرفي العقد متحقق الذكورة، أي: أن أحد الطرفين يكون رجلاً تاماً، والآخر أنثى تامة، فبمثل هذا نتخلص من قضية الخنثى المشكل.

    1.   

    المحرمات تحريماً مؤقتاً

    وهناك نساء محرمات تحريماً مؤقتاً وليس تحريماً دائماً، وهن أنواع:

    الجمع بين ذوات المحارم

    النوع الأول: الجمع بين ذوات المحارم في عصمة واحدة؛ ومثاله: أن أتزوج بامرأة وأريد أن أتزوج بخالتها معها، فهذا لا يجوز، أو أتزوج بامرأة وأريد أن أتزوج بعمتها معها، فهذا لا يجوز، أو أتزوج بامرأة وأريد أن أتزوج بابنة أختها، أي: التي تكون زوجتي خالتها، أو بابنة أخيها، وهي التي تكون زوجتي عمتها، وهذا أيضاً لا يجوز؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها؛ لئلا تقطعوا أرحامكم )؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يأت بهذه الشريعة لملائكة، وإنما جاء بها لبشر، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم أنه تكون بين الضرائر حزازات، يعني: دائماً الضرة لا تحب الثانية، هكذا بالواضح، حتى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، يقع بينهن ذلك والأحداث كثيرة، ومنها: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـزينب في سفر: ( صفية قد تعثرت دابتها )، يعني: مثل الآن السيارة تعطلت، ( وزينب لها بعيران، فقال لها: أعطي صفيةواحداً تتبلغ به، قالت له: أنا أعطي اليهودية؟ والله لا أعطيها!)، وصفية مسلمة موحدة، لكن جعلتها يهودية.

    ومنها: ما حصل ( للسيدة عائشة لما بعثت زينب بصحفة من طعام رمت بها فكسرتها وتلف الطعام، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: غارت أمكم، غارت أمكم )، وقام يلملم الأكل، ويلملم ما انكسر من الصحفة، وهذا كله حصل في أشرف البيوت وأطهرها وهي بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فلو أنك تزوجت بامرأةً وتزوجت معها عمتها فالعلاقة بينهما لن تكون سمناً على عسل؛ بل ستكون سماً على بصل، والسم للفأر يضعونه في بصلة، فهذه ستكون العلاقة بينهما متصدعة، فيحصل قطيعة رحم فيما بينهما، لذلك الشريعة تقول: إذا كان عندك زوجة، وأردت أن تتزوج واحدة أخرى فاجلب واحدة بعيدة، ولا تجمع بين ذوات المحارم في عصمة واحدة.

    وتكون الحرمة مؤقتة؛ لأن المرأة لو ماتت جاز لك أن تتزوج بعمتها أو بخالتها، أو لو أنك طلقتها جاز لك أن تتزوج بعمتها، أو بخالتها، أو بابنة أخيها، أو بابنة أختها، وهذا المعنى قد أشار إليه ربنا جل جلاله في قوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ [النساء:23]، أي: لا يجوز لك أنك تتزوج بامرأة وأختها معاً، ولكن لو أنك طلقتها أو ماتت عنك فلا بأس أن تتزوج بأختها.

    المحصنات

    النوع الثاني من المحرمات حرمة مؤقتة: المحصنات، يعني: المتزوجات، فزوجة فلان علي حرام، وزوجتي عليه حرام؛ لأن الله عز وجل قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:24]، وقوله: (إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) مثاله: لو حصل جهاد، وأسرن فيه نساء كافرات كتابيات، فحتى لو كن متزوجات، فالواحدة منهن تعتد بحيضة، ثم يجوز لك أن تعاشرها بملك اليمين.

    الكافرة غير الكتابية

    النوع الثالث من المحرمات حرمة مؤقتة: الكافرة من غير أهل الكتاب، أي: التي لا تكون على دين النصرانية أو اليهودية مع أن الكتابية كافرة، ولكن المحرمة هي من كانت على نوع خاص من الكفر، أما قولنا: كافرة كتابية، يعني: أصل دينها سماوي، ولكن حصل فيه تبديل وتغيير وزيادة ونقص حتى نسخ، ولكنها كافرة بنص القرآن؛ فقد قال تعالى في حق النصارى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17]، وقال فيهم أيضاً: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73]؛ وقال تعالى في حق اليهود والنصارى معاً: وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ [التوبة:30]؛ أي: يساوون، بل حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؛ لأن إيمانهم بالله إيمان مشوه، وإيمانهم باليوم الآخر إيمان مشوه، قال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29].

    يعني: إن النصراني الذي يعتقد بأن المسيح عليه السلام هو الذي يحاسب الناس يوم القيامة، وهو الذي يخلص هذا، ويهلك ذاك، فهذا غير مؤمن باليوم الآخر؟ فالمسيح نفسه يوم القيامة يقول: نفسي نفسي، حين يلجأ الناس إليه للشفاعة يقول: (إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله، اذهبوا إلى غيري، ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى ما خلق بشراً أكرم عليه منه )؛ فالمسيح وغيره سواء، ولذلك يوم القيامة من شدة الهول إذا قال الله للرسل: مَاذَا أُجِبْتُمْ [المائدة:109]، يعني: أقوامكم ماذا قالوا لكم؟ فالرسل يقولون: لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [المائدة:109]، أي: لا نعرف ماذا قالوا لنا؛ وذلك من شدة الهول، فلا يستطيعون أن يتكلموا، قال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ [النبأ:38]، فالكل ساكت بمن فيهم الرسل.

    فأقول: الكافرة غير الكتابية مثل: المجوسية، والبوذية، والوثنية، والشيوعية، واللادينية، أي: التي ليس لها دين أصلاً، فهي تعيش كالسائمة من البهائم، فهذه لا يجوز لك نكاحها بحال.

    أما الكتابية، وهي: اليهودية والنصرانية فيجوز لك نكاحها، ولكن بشرط أن تكون محصنة، يعني: عفيفة، أما الكتابية الزانية فلا يجوز لك أن تتزوج بها، والآن غالب الناس الذين يتزوجون بأوروبيات وأمريكيات الأعم والأغلب منهن زانيات، وهذا ليس فيه شك، وليس الزنا عندهم عيباً، بل يمكن للبنت أن تأتي بخدنها في بيتها على مرأى من أبيها وأمها، ولا حرج في ذلك ألبتة -نعوذ بالله من الضلال-؛ ولذلك الآن بعض المسلمين ممن عاشوا في تلك البلاد، واستمرءوا الإقامة في ديار الكفر، ونشأ أولادهم على تلك المفاهيم، يفاجأ الأب أن ابنته بعدما أصبح عمرها ثلاث عشرة سنة بدأت تأتي بصديقها، أو بشباب في البيت، فيبدأ الأب يعترض، أما ابنته فتأتي له بالشرطة، والشرطة تقول له: اسمع واسكت فيسكت، ولو لم يسكت فإنه يسجن ويؤدب، ويقال له: لا تتدخل في حريات الناس، ومن الناس ابنتك، فلا تتدخل في حريتها، وليس لك ذلك، سواء أتت بواحد أم باثنين حتى لو جاءت في كل ليلة بسبعة عشر رجلاً!

    والكتابية نكاحها عند طائفة من أهل العلم ممنوع، فإذا أراد مسلم أن يتزوج بنصرانية أو بيهودية، فبعض أهل العلم وعلى رأسهم عبد الله بن عمر يقول: لا يجوز؛ لأن الله قال: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ [البقرة:221]، قال: وأي شرك أعظم من أن تقول اليهودية: عزير ابن الله، وتقول النصرانية: المسيح ابن الله؟ قال: هذا القول شرك. وهذا رأي طائفة من أهل العلم.

    ولكن الجمهور يقولون: نكاح الكتابية جائز مع الكراهة؛ قالوا: لأن الكتابية تتغذى بالخمر والخنزير، فهذه الكتابية إذا أنت تزوجتها، فإنها قد تجلب لنفسها ذات يوم رطلاً من لحم الخنزير، فتأتي أنت إلى البيت فتلقى الرائحة التي لا تطاق، فتقول لها: ما هذا يا أمة الله؟! تقول لك: والله! الليلة طبخت لك أكلة -ما شاء الله- فتقول: ما هي؟ فتقول لك: طبخت لحم خنزير، فتقول لها: أنا لا آكل الخنزير، فتقول لك: ولكني أنا آكله، فهل تستطيع أن تمنعها؟ لا؛ لأنها تزعم أن دينها قد أباح لها الخنزير، وبعدما أكلت الخنزير تجلب لها قارورة خمر، وتقول لك: جرب، فتقول لها: هو حرام، فتقول لك: أنت حر، وكل إنسان حر، ولكني سآخذ لي كأسين، فما عندك حل غير إلا أن تقول لها: أوتري وخليهم ثلاثة، لماذا؟ لأنها تزعم أن الخمر في دينها حلال، وبعد ذلك المصيبة الأكبر أنها إذا حملت منك؛ فهذا الولد الذي في بطنها سيتغذى بالخمر والخنزير، وبعد ذلك سيرضع خمراً وخنزيراً.

    وبعد ذلك هذه الكتابية قد تحيض وبعد انتهاء الحيضة إذا أردت جماعها وقلت لها: اغتسلي، قالت لك: أغتسل لماذا؟ فتقول لها: بسبب الحيض، فتقول لك: أي حيض! ليس الاغتسال أمراً مطلوباً فيه، وليس فيه فائدة، فمعنى ذلك أنك في كل يوم ستكون معها في مشاكل، وإذا كنت تريدها أن تخرج معك فتقول لها: تحجبي، تقول لك: أبداً، نحن في ديانتنا هذا الشعر نعمة من النعم لا بد من إظهارها، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، وتأتي لك بآية. فبهذا ستكون الحياة -والعياذ بالله- معها ضنكاً، وخاصةً إذا كنت مقيماً معها في دار الكفر، يعني: هي ليست معك هاهنا في دار الإسلام، وإنما أنت معها، فالقانون الذي يحكم هناك هو قانون الكفر، والغلبة لأهل الكفر، وأنت لا تملك أن تعترض على مثل هذا.

    ثم بعد ذلك المصيبة الكبرى أنها تريد أن تذهب بالأولاد للكنيسة، وكثير من الناس والله! تزوجوا بكتابيات، ثم بعد ذلك تنصر الأولاد.

    بل أعجب من ذلك وهذا من العجب العجاب: أن أحد الشيوخ الفضلاء يحكي لي فيقول: واحد من الناس كان أستاذاً في جامعة الخرطوم وتزوج إنجليزية وهذا في الماضي لما كان الناس الواحد منهم يسافر إلى بريطانيا أو فرنسا ويمكث لسنوات ثم يرجع وهو لابس رداء، وهذه المناظر رأيناها، فهذا الرجل تزوج إنجليزيةً، وأنجب منها بنتاً، قال: لما كنا في حصة الدين هذه البنت خرجت مع النصارى في المدارس التي يقال لها: كامبوني، يقول لها: يا بنت! أنت مسلمة قالت: لا، فلان وفلانة اللذان هما أبوها وأمها قالوا لها: أن تبقى مسيحية، وأبوها اسمه سيد أحمد، والمديرة نصرانية، قالت لها: غداً تأتيني بوالديك، فجاء أبوها وأمها، فالمديرة قالت لها: أنا أريد أن أتأكد من الكلام من أجل ألا تحصل مشاكل مستقبلاً، فأبوها قال لهم: نعم، أنا أريد أن تكون ابنتي مسيحية، وطبعاً هذا الرجل قد هلك الآن ومات وانتهى.

    وأذكر تماماً في أواخر السبعينات كان هناك صحيفة اسمها الأيام، وهذا الرجل كتب مقالةً يسخر فيها من حديث: ( من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو ماشية نقص كل يوم من أجره قيراطان )، ويتكلم عن مميزات الكلب، وفوائد الكلب، وأخلاق الكلب، ولكن لا يحب الكلب إلا كلب، أما المسلم الذي فطرته سليمة فلا يشتهي الكلاب أبداً، ولا يدافع عنها، بل يعتقد فيها ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث.

    فالمقصود أن الزواج من الكتابية هذا أمر ينبغي أن ينظر فيه لشخصية الإنسان الذي يريد أن يتزوج، هل سيؤثر أو سيتأثر؟ هل سيفعل أم سينفعل؟ هذه قضية مهمة.

    ومن باب أولى تحريم المسلمة على الكافر، فلا يجوز لغير المسلم أن يتزوج المسلمة؛ لقول الله عز وجل: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء:141]، وهذا الحكم مجمع عليه ولم يخالف فيه أحد ممن ينتسب إلى الإسلام قط، فلا يوجد أحد من الأولين ولا من الآخرين قال: بأنه يجوز للمسلمة أن تتزوج من كافر، سواءً كان الكافر كتابياً أم غير كتابي -نسأل الله العافية- ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب.

    وهنا مسألة: ما الحكم إذا أسلم الزوجان الكافران أو أحدهما؟ يعني: لو كان عندنا زوجان نصرانيان أو يهوديان أو مجوسيان، فأسلما جميعاً، فالحكم أنهما يقران على نكاحهما الأول، ولا يجددانه بعد إسلامهما؛ لأن كثيراً من الناس أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فأقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على النكاح الأول، ولم يأمرهم بأن يجددوا، إلا إذا كان النكاح مخالفاً لأصل الدين؛ فلو أن مجوسياً أسلم وهو متزوج بأخته -مثلاً- فلا بد أن يفرق بينهما.

    فقد ورد أن رجلاً اسمه غيلان الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( أمسك أربعاً، وفارق سائرهن )، أي: اختر لك أربعاً، وسرح ستاً.

    فنقول: إذا أسلم الزوجان الكافران معاً فإنهما يقران على نكاحهما الأول، ولا يجددانه بعد إسلامهما.

    أما ذا أسلم أحدهما دون الآخر ففي هذه المسألة حالات:

    الحالة الأولى: إذا أسلم الزوج فقط ولم تسلم الزوجة، فإذا كانا من أهل الكتاب أقرا على نكاحهما، يعني: إذا كان هناك زوجان نصرانيان فأسلم الزوج وزوجته باقية على الكفر فيقر النكاح بينهما؛ لأنه يجوز للمسلم أن يتزوج بكتابية، يعني: بناءً على الأصل.

    الحالة الثانية: أن يكون الزوجان على الكفر، وقد أسلم الزوج، ولكن زوجته كافرة غير كتابية، فالرجل أسلم، والزوجة ما زالت مصرة على كفرها؛ فإنه يفرق بينهما حالاً؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10].

    الحالة الثالثة: أن يكون الزوجان كتابيين وقد أسلمت الزوجة، والزوج ما زال على كفره، ففي هذه الحالة نقول: بأنه لا يجوز بقاء المسلمة تحت كافر، بل يفرق بينهما، إلا في حالة واحدة: إذا أسلم الزوج قبل خروجها من العدة، فإنها ترد إليه بالنكاح الأول.

    إذاً: لو أن الزوجة أسلمت، وزوجها ما زال نصرانياً أو يهودياً، فإنه يفرق بينهما، وبعد ذلك لو أن الزوج في فترة العدة التي هي ثلاثة قروء بالنسبة لذوات الحيض، لو أن الزوج أسلم فإنها ترد إليه بالنكاح الأول؛ لما رواه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ: ( أن نساءً كن يسلمن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأرضهن، وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن ابنة الوليد بن المغيرة أخت خالد ، وكانت تحت صفوان بن أمية ، أسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية ، ثم أسلم بعد ذلك بنحو من شهر، واستقرت عنده بالنكاح الأول، فابنة الوليد بن المغيرة أسلمت، وزوجها صفوان هرب من مكة، والرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إليه أحد أصهاره وهو عمير بن وهب الجمحي ، وأعطاه عمامته عليه الصلاة والسلام، وقال له: الحق بـصفوان وأمنه، أي: قل له: أنت في أمان فارجع، فذهب عمير بن وهب وأدرك صفوان بن أمية وقال له: يا صفوان ! جئتك من عند أرحم الناس، وأبر الناس وخير الناس عليه الصلاة والسلام، وبين له بأن الرسول صلى الله عليه وسلم عفا عن أهل مكة، وأنه أرسلني إليك أنت على الخصوص، وهذه عمامته فارجع، فجاء صفوان -والرسول صلى الله عليه وسلم تعامل معه معاملة راقية وفيها كثير من الصبر- وهو راكب على فرسه ووقف أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: انزل أبا وهب ، انزل، فأبى أن ينزل، وقال له: يا محمد! زعم رسولك -الذي هو عمير بن وهب- أنك أمنتني شهرين، قال: بل أربعة، انزل، فنزل صفوان وقعد في مكة كافراً، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى حنين، استعار منه دروعاً، قال له: علمت أن معك دروعاً كثيرة ونحن نحتاج إليها، قال له: أغصباً يا محمد؟ يعني: بالقوة؟ وقد كان من الممكن أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم له: نعم بالقوة، وغصباً عنك نأخذها، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: بل عارية مستردة، فأخذ منه الدروع، وذهب إلى حنين، وغنم صلى الله عليه وسلم، ونصره الله، فجاء فأعطى صفوان مائةً من الإبل، وهو كافر، وعرض عليه صلى الله عليه وسلم -وكان هناك بعض الدروع قد تلفت في المعركة- عليه الضمان أنه يعوضه، فقال صفوان : بل أنا اليوم في الإسلام أرغب ). لما وجد هذه المعاملة، يحكي بعد ذلك بسنوات رضي الله عنه يقول: ( والله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس إلي، فو الله! ما زال يعطيني ويدنيني حتى صار أحب الناس إلي ) عليه الصلاة والسلام، ولذلك لما ارتد الناس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أهل مكة لم يرتدوا.

    والمقصود من هذا الكلام أن ابنة الوليد بن المغيرة كانت تحت صفوان ، فأسلمت وزوجها باق على الكفر، فلما أسلم بعد ذلك بشهر أي بعد حنين، أقرهما الرسول صلى الله عليه وسلم على النكاح الأول.

    وكذلك أم حكيم ابنة الحارث بن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل وهو ابن عمها، فأسلمت عام الفتح، و عكرمة هرب، وركب البحر، أي: ذهب إلى ساحل جدة وركب البحر، فاضطربت بهم السفينة، فبدأ الناس يقولون: يا ألله! يا ألله! فقال عكرمة : إن كان لا ينفع في البحر إلا الله، فلا ينفع في البر إلا الله، لله علي إن نجاني أن آتي محمداً وأضع يدي في يده، ولأجدنه رءوفاً رحيماً. وفعلاً نجاه الله فذهب من وقته إلى المدينة، والرسول صلى الله عليه وسلم علم بمجيئه عن طريق الوحي، فقال للصحابة: ( سيأتيكم عكرمة بن أبي جهل ، فلا تسبوا أباه؛ فإن السب يؤذي الحي، ولا يضر الميت )، فجاء عكرمة رضي الله عنه وأسلم، و أم حكيم أقرت معه على النكاح الأول.

    فالمحرمات حرمة مؤقتة أول واحدة منهن المحصنة، وهي زوجة الغير.

    والثانية: الجمع بين ذوات المحارم، فلا يجوز لك أن تتزوج بأختين، كما لا يجوز لك أن تتزوج بالمرأة وعمتها، أو بالمرأة وخالتها، أو بالمرأة وابنة أخيها، أو بالمرأة مع ابنة أختها.

    والثالثة: الكافرة غير الكتابية.

    المسلمة لا تتزوج بكافر

    الرابعة من المحرمات حرمة مؤقتة: المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج بالكافر؛ لأن الله تعالى قال: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221]، أي: من أي أنواع الشرك كان، سواء كان شركه كشرك النصارى، أو كشرك اليهود، أو كشرك المجوس، أو غيرهم.

    المبتوتة

    الخامسة من المحرمات حرمة مؤقتة: المبتوتة، وهي: المرأة التي طلقتها ثلاثاً، أي: طلقتها مرة وصالحوكم، فقعدت معها شهرين -مثلاً- ثم طلقتها مرة ثانية ثم صالحوكم، وبعد شهر ونصف -مثلاً- طلقتها الطلقة الثالثة؛ فهذه تسمى المبتوتة، والله عز وجل قال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [البقرة:229] إلى أن قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:230] -يعني: في المرة الثالثة- فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة:230].

    ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    المحرمات تحريماً مؤبداً

    المحرمات بسبب النسب

    وأما قضية المحرمات وهو الشرط الثاني فقد تقدم معنا أن المحرمات حرمة مؤبدة أنواع وهن كما يلي:

    محرمات بسبب النسب وهن سبع: قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23].

    أولاً: قوله: (أمهاتكم)، الأم: هي كل أنثى لها عليك ولادة، سواء مباشرةً أو بواسطة، يعني: جدتك لم تلدك، ولكن ولدت من ولدتك وهي أمك، أو ولدت من كان سبباً في ولادتك وهو أبوك؛ ولذلك لما قال الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23]، دخلت في ذلك أمك التي خرجت من رحمها، وكذلك أم أمك وإن علت، وأم أبيك وإن علت، فهؤلاء كلهن يشملهن لفظ: (أمهاتكم).

    ثانياً: قوله: (وبناتكم)، البنت على العكس، فهي: كل أنثى لك عليها ولادة، سواء كانت مباشرةً أو بواسطة، فيدخل في ذلك البنت الصلبية، التي هي بنتك مباشرةً، ويدخل في ذلك بنات البنين وإن نزلن، وبنات البنات وإن نزلن، وقس على ذلك، فهؤلاء كلهن يشملهن لفظ: (بناتكم).

    ثالثاً: قوله: (أخواتكم)، الأخت: هي كل أنثى اشتركت معك في أصليك، أو في أحدهما؛ فيدخل في ذلك الشقيقة، وأختك من أبيك، وأختك من أمك، فهؤلاء كلهن عليك محرمات.

    رابعاً: قوله: (عماتكم)، العمة: هي كل أنثى اشتركت مع أحد آبائك في أصليه أو في أحدهما، فيدخل في ذلك عمتك شقيقة أبيك، وعمتك أخت أبيك من أبيه أو أخته من أمه، ويدخل في ذلك عماتك اللائي هن أخوات الأجداد، سواء كانوا أجداداً من جهة الأب، أو أجداداً من جهة الأم.

    وبعض الناس يقول: هل يجوز أن أتزوج بعمة أبي؟ نقول له: لا يجوز؛ لأن عمة أبيك هي عمتك، ولا تستغربوا هذا الأمر، فبعض العوائل تكون متشابكة، حتى أن عمة أبيك قد تكون في مثل سنك، أو قريباً منه؛ لأن جده كان فحلاً مزواجاً، وكان ينجب كثيراً، فلا تستغرب من مثل هذا الأمر فهو موجود في الواقع.

    خامساً: قوله: (وخالاتكم)، الخالة: هي كل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما، فيدخل في ذلك خالتك التي هي شقيقة أمك، أو أختها من أبيها أو من أمها، ويدخل في ذلك خالاتك اللائي علون؛ كخالات أمك، وخالات أبيك مهما علون؛ فخالة أبيك هي خالتك، وخالة أمك هي خالتك، وخالة جدتك هي خالتك، سواء كانت جدة من جهة الأب، أو جدة من جهة الأم.

    سادساً وسابعاً: قوله: (بنات الأخ وبنات الأخت)، وابنة الأخ: هي كل أنثى لأخيك عليها ولادة، سواء كانت ابنته مباشرة أو ابنته بواسطة، وكذلك ابنة أختك نفس الكلام، فهؤلاء محرمات بسبب النسب.

    المحرمات بسبب الرضاع

    ومثلهن المحرمات بسبب الرضاعة:

    أولاً: قوله: (أمهاتكم من الرضاعة)، فالأم التي أرضعتك حرام عليك الزواج بها هي ولا بأمهاتها مهما علون.

    ثانياً: قوله: (وبناتكم) أي: ابنتك من الرضاعة، وهي البنت التي أرضعتها زوجتك بلبنك حال قيام الزوجية الصحيحة بينكما؛ فهذه ابنتك من الرضاعة محرمة عليك كابنتك التي من صلبك.

    ثالثاً: قوله: (وأخواتكم من الرضاعة)، وهي: الأنثى التي رضعت من المرأة التي رضعت منها سواء كانت رضعت قبلك أم بعدك؛ لأن بعض الناس يظن أن المحرمة هي التي رضعت معه في وقت واحد، وهذا غير صحيح؛ بل إنها أخته من الرضاعة وإن كان بينه وبينها أربعون سنة، فهي أخته من الرضاعة؛ لأنهما اجتمعا في ثدي واحد، وسيأتي معنا الكلام عن الرضاعة تفصيلاً، فأخواتكم من الرضاعة هي الأنثى التي رضعت معك.

    رابعاً: قوله: (وعماتكم) عمتك من الرضاعة هي أخت الرجل الذي أرضعتك زوجته، والدليل على ذلك: ( أن أمنا عائشة جاء يستأذن عليها رجل اسمه أفلح )، و أفلح هذا أخو رجل اسمه أبو القعيس ، وأبو القعيس زوجته أرضعت عائشة .

    فالسيدة عائشة ترددت هل تأذن له بالدخول أم لا تأذن؟ فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ائذني له تربت يمينك! إنما هو عمك من الرضاع )، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجابها جواباً فيه شيء من الإنكار بقوله: ( ائذني له تربت يمينك! إنما هو عمك من الرضاع ).

    خامساً: قوله: (وخالاتكم) أي: من الرضاعة.

    سادساً: قوله: (وبنات الأخ) أي: من الرضاعة.

    سابعاً: قوله: (وبنات الأخت) أي: من الرضاعة؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ).

    المحرمات بسبب المصاهرة

    ويحرم علينا بسبب المصاهرة أربع:

    أولاً: أم الزوجة، فأم الزوجة عليك حرام، بمجرد عقدك على ابنتها، قال الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23]، ويشمل ذلك الجدات، يعني: أم الزوجة حرام، وكذلك أمها وأم أمها مهما علت، وكذلك أمهات أبيها مهما علون، فكلهن حرام.

    ثانياً: بنت الزوجة وهي التي سماها الشارع ربيبة؛ فقال تعالى: وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23]، وهنا ننبه على مسألتين:

    المسألة الأولى: قول الله عز وجل: وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23]، قوله: (في حجوركم) هذا ليس قيداً للاحتراز، بل هو وصف كاشف ونوضحه، فنقول: إن ابنة زوجتك من غيرك حرام عليك، وليس شرطاً أن تكون في حجرك، وليس شرطاً أن تكون أنت مربيها؛ بل حتى لو كانت ابنة زوجتك مقيمة في الصين، وأنت لم ترها قط، فهي عليك حرام.

    المسألة الثانية: إن هذه الحرمة شرطها: أن تكون قد دخلت بأمها، فأم زوجتك تكون عليك حرام بمجرد العقد على ابنتها؛ ولكن ابنة زوجتك لا تحرم عليك إلا إذا دخلت بأمها، والله عز وجل قد شرط ذلك، فقال: مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23]، ووضح ذلك بقوله: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23]، فهذا أمر ينبغي أن ندركه جيداً.

    ثالثاً: من المحرمات بالمصاهرة: زوجة الابن، فزوجة ابنك عليك حرام بمجرد أن يعقد عليها ابنك؛ لأنها صارت كأنها ابنتك، فلا يجوز لك بحال من الأحوال أن تتقدم إليها، ولا أن ترجو نكاحها.

    رابعاً: من المحرمات بالمصاهرة: زوجة الأب، قال تعالى: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [النساء:22]؛ فبمجرد عقد أبيك على امرأة ثم يطلقها بعد العقد بنصف ساعة أو بربع ساعة فهي عليك حرام؛ لعموم قوله تعالى: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [النساء:22]، إذ لم يشترط في ذلك دخولاً.

    فزوجة الأب تحرم وإن علت، يعني: زوجة جدك عليك حرام، وزوجة جدك أبي أمك عليك حرام وزوجات آبائهم، وكذلك زوجة الابن يدخل فيها الأبناء مهما سفلوا، فزوجة ولدك الذي من صلبك عليك حرام، وزوجة ابن ابنك وزوجة ابن ابنتك كلهن عليك حرام.

    وهنا نقول قاعدة: (الدخول بالأمهات يحرم البنات، والعقد على البنات يحرم الأمهات) يعني: البنت لا تحرم عليك إلا إذا دخلت بأمها، أما المرأة فإنها تحرم عليك بمجرد العقد على ابنتها.

    وهاهنا قاعدة أخرى: (الحرام لا يحرم الحلال)، واسمعوا هذه المسألة -يعني قد أؤذي بها أسماعكم ولكن من أجل أن تعرفوا- من زنى بامرأة، فإنه يجوز له نكاح ابنتها، وأما من تزوج بامرأة ودخل بها فلا يجوز له أن يتزوج ابنتها إجماعاً، فلو أن إنساناً زنى بامرأة، فإنه يجوز له أن يتزوج ابنتها؛ لأن الحرام لا يحرم الحلال.

    ومثال آخر: لو أن رجلاً زنى بامرأة، جاز لأبيه أن يتزوج بها، يعني: لا تدخل هذه المسألة في قوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ [النساء:23]؛ لأنها ليست حليلة، وإنما هو قد أتاها في الحرام، والحرام لا يحرم الحلال، هذا الذي عليه جماهير العلماء، ولكن لا شك بأن الورع يقتضي ألا يتزوجها الإنسان؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك )، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ).

    وقوله صلى الله عليه وسلم والحديث في سنده كلام: ( لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس )؛ لأنه لو فتحنا هذا الباب فستأتينا مشكلة كبيرة جداً، وهي: لو أن إنساناً زنى بامرأة -عياذاً بالله، نسأل الله أن يصوننا وإياكم، وأن يحفظنا وإياكم- ثم هذه المرأة وضعت منه بنتاً من الزنا؛ فهل يجوز له الزواج بتلك البنت؟ وهذه مسألة مزعجة، فجرياً على كلام المالكية رحمة الله عليهم وغيرهم قالوا: يجوز؛ لأن الحرام لا يحرم الحلال، وماء الزنا لا حرمة له، وهذه البنت ليست بنتاً شرعية للزاني؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( الولد للفراش، وللعاهر الحجر )، ولكن نقول: إنها ليست ابنته شرعاً، لكنها ابنته واقعاً، فالبنت في الواقع وفي القدر هي ابنته، فيصدق عليها وصف البنت واقعاً وقدراً، وإن لم يكن يصدق عليها ديناً وشرعاً.

    وعندنا مسألة أخرى وهي الوطء بشبهة، فلو أن رجلاً وطئ امرأةً بالخطأ، ويضربون لها أمثلة في الحقيقة هي بعيدة في واقعنا هذا، قالوا: لو أن إنساناً جاء إلى البيت، فوجد نساءً كثيرات، فوقع على إحداهن يظنها امرأته وهي ليست امرأته، فلو أنه وطئها مخطئاً، أي: هو أراد وطء زوجته فوطأ غيرها غلطاً منه ولم يتعمد ذلك، فقدر الله أنها حملت، فالولد ولده، فهذا نسميه نكاح الشبهة، يعني: لا يوجد تعمد.

    وهناك مثال أوضح من هذا ويحصل كثيراً: بأن يتزوج رجل امرأةً، وينجب منها ستةً، ثم تأتي جدته فتتونس معهم، وتقول لهم: والله ما شاء الله! كبرتم، وأنا منذ زمن قد أرضعتكما كثيراً، أي: أرضعتك أنت وهذه، فيؤتى بالناس لكي يشهدوا على هذا الأمر، فتبدأ المرأة تتملص وتقول: أنا الظاهر قلت كلاماً لا ينبغي، فتذكر بالله ويقال لها: اتق الله! والكلام الصحيح لا بد أن تقوليه، هل حصل الرضاع أم لم يحصل؟ وتذكر بالله، وتخوف فتقر بأن ابنتها لما وضعت تلك البنت، وكانت ابنتها الثانية أتت بولدها هذا عندي، وكانوا يخرجون في مشاوير وكذا كعادة النساء الشابات، وهذه العجوز كانت ترضع الاثنين، فهذا نسميه نكاح شبهة، وحكمه أن يفرق بينهما حالاً، والأولاد أولاده، ولا نقول: هؤلاء أولاد كذا أو أولاد كذا، لا، بل هم أولاده، ونسمي هذا النكاح نكاح شبهة، أي: أنه قد تزوج بها خطأً ولم يتعمد؛ والله عز وجل قال: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5].