إسلام ويب

آداب النكاحللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للنكاح أحكام وآداب، فمن أحكام النكاح الوليمة، وهي مندوبة في العرس، وكذلك إجابتها مندوبة، فلا ينبغي للرجل أن يتخلف عن دعوة أخيه إذا دعاه إلا بعذر شرعي، وتصح الوليمة بأي طعام كان. وينبغي تنبيه المرأة عند زفافها إلى عظم حقوق الزوج عليها.

    1.   

    تلخيص لما سبق من أحكام الصداق في النكاح

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فتقدم معنا أن للنكاح الصحيح شروطاً ثلاثة:

    الشرط الأول: حل كل من الزوجين لصاحبه.

    والشرط الثاني: الإشهاد.

    والشرط الثالث: الصداق.

    وفي الكلام عن الصداق تبين لنا أن النكاح إما أن يكون فيه صداق معلوم يتفق عليه بين الزوج وولي المرأة، وإما ألا يكون، فإن لم يكن هناك صداق متفق عليه وهو ما يسمى بنكاح التسمية، فنلجأ ها هنا إلىى ما يسمى بنكاح التفويض، أو ما يسمى بنكاح التحكيم، فنكاح التفويض أن يفرض لها مهر المثل، وأما نكاح التحكيم إذا تنازعا فإنهما يحكمان رجلاً. وهذا الصداق -الذي يدفع للمرأة دلالة على رغبة الرجل في الاقتران بها- لا بد أن يكون طاهراً، ولا بد أن يكون ذا قيمة، وتقدم معنا أن الإمام مالكاً رحمه الله قد جعل لذلك حداً أدنى؛ وهو ربع دينار ذهب، أو ثلاثة دراهم فضة، قياساً على القطع في حد السرقة، بجامع أن في كلا الأمرين استباحة عضو، فلا بد أن يكون الصداق ذا قيمة، والذي عليه جمهور العلماء أن الصداق يصح بكل ما ينتفع به، سواء كان عيناً أو كان منفعةً، كتعليمها القرآن، أو أن يعمل لها في شيء يخصها، فهذا صداق صحيح، ونحن نقرأ في القرآن قول العبد الصالح: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27].

    أيضاً يشترط في الصداق أن يكون مقدوراً على تسليمه، وأن تكون منفعته مشروعة، فلا يصح أن يكون الصداق خمراً، ولا يصح أن يكون الصداق خنزيراً، ولا يصح أن يكون الصداق أن يعزف لها على عود ونحوه، بل لا بد أن تكون منفعته مشروعة، ثم لا بد أن يكون الصداق معلوم المقدار ومعلوم الأجل.

    وقد مضى معنا أيضاً الكلام عن الأركان، وعرفنا بأن أركان النكاح ثلاثة: الولي، والصيغة، والزوجان، وتكلمنا عن الشروط وعرفنا أن الشروط ثلاثة: حل كل من الزوجين لصاحبه، والإشهاد، والصداق.

    والآن نتكلم عما يسميه الناس الآن بالمرحلة التنفيذية، بمعنى: كيف يكون النكاح؟ وكيف يكون الزواج؟

    1.   

    وصايا للمرأة قبل زفافها

    والآن نتكلم عن الزفاف فنقول: الزفاف المقصود به: ليلة العرس حين تنقل العروس من بيت أبويها إلى بيت زوجها، وللزفاف آداب وأحكام تسبقه وتصحبه، ومن ذلك: تنبيه الرجل ابنته إلى حقوق الزوج قبل الزفاف، فمثلاً: لو أنك زوجت ابنتك، وحُدد أن تزف إلى زوجها في وقت ما، فتجلس مع بنتك، وتبين لها بأن هذا الزوج حقه عظيم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه ( إذا ماتت المرأة وزوجها راض عنها دخلت الجنة )، وأخبر صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أخبركم بنساء أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: من إذا غاضبها زوجها جاءت فوضعت يدها في يده وقالت: والله لا أذوق غمضاً حتى ترضى )، فهذه من أهل الجنة بمعنى: أنه إذا حصل خلاف بينها وبين زوجها في ليلة من الليالي فإنها لا تبيت وزوجها غاضب، وإنما تأتيه وتقول له: والله لا أذوق غمضاً حتى ترضى، فلا تأخذ المسألة تحدياً: أنا سأريك الرجل فينا من هو، وإنما تكون هينة لينة، سهلة طيبة مباركة.

    وصية عمر لحفصة عند زفافها لرسول الله

    ولذلك لما أكرم الله سيدنا عمر عندما طلب الرسول صلى الله عليه وسلم منه حفصة ، فـ عمر رضي الله عنه فرح بذلك فرحاً عظيماً، وذهب فأتى بـحفصة ، ثم بعد ذلك جلس معها رضي الله عنهما، يبصرها بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مما قاله لها والحديث صحيح، قال لها: ( يا بنية! لا تستكثري النبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك، وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم منك )، يريد عائشة رضي الله عنها.

    ثم بعد فترة عمر رضي الله عنه شعر بأن حفصة أخلت بهذه الشروط نوعاً ما، فجاءها رضي الله عنه مهدداً، وقال لها: ( لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، والله لقد علمت بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا لطلقك ).

    فالرجل الصالح يوصي ابنته قبل الزواج، ويقول لها: الآن زوجك هو جنتك ونارك، فإياك أن تأتيني وأنت مغاضبة له وقد فعل بعض الناس الصالحين هذا -وهو والله من أطيب الرجال وأكملهم عقلاً- فبينما هو خارج لصلاة الجمعة، جاءته ابنته ومعها أطفالها، فعند الباب قال لها: ما الذي أتى بك؟ قالت له: زوجي عمل وعمل وعمل، فقال لها: لو جئتُ من صلاة الجمعة ولقيتك هنا فلا تلومي إلا نفسك، قال: فلما جئت من صلاة الجمعة ما لقيتها، وإذا هي قد رجعت إلى بيت زوجها.

    وقال علماؤنا: من التخبيب -يعني: من الإفساد- أن تأتي البنت مغاضبةً زوجها، فيحسن أهلها استقبالها، وهذا يفعله الآن كثير من الحمقى، تأتي المرأة مغاضبة لزوجها في شيء تافه، فيقول لها: اقعدي، فبيت أبيك واسع، إلى غير ذلك من الجهالات التي يفعلها الناس، فينتج من ذلك أن ابنته تشمخ بأنفها، ولربما يكون الزوج أجهل، فيقول: والله لا أسأل ولا آتي، كما خرجت ترجع، ويحصل بذلك فساد عظيم.

    وصية عبد الله بن جعفر لابنته

    وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زفوا امرأةً إلى زوجها يأمرونها بخدمة الزوج ورعايته حقه، وأوصى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ابنته، فقال لها: إياك والغيرة، فإنها مفتاح الطلاق، وإياك وكثرة العتب، فإنه يورث البغضاء، وعليك بالكحل؛ فإنه أزين الزينة، وأطيب الطيب الماء.

    فقوله: (إياك والغيرة، فإنها مفتاح الطلاق)، بمعنى: أن المرأة التي تحاسب زوجها قبل أن يخرج فتقول له: أنت لابس نظيف وتسرح شعرك.. إلى أين أنت ذاهب؟ لا بد أن تعلمني. وإذا رجع أيضاً تحاسبه: أين تأخرت؟ فهذا مفتاح الطلاق.

    وقوله: (وإياك وكثرة العتب، فإنه يورث البغضاء)، بمعنى: أن المرأة التي تعتب على زوجها فتقول له: لماذا لم تتصل بي؟ وقبل عشر سنوات لم يكن هناك تلفونات أصلاً. والآن حين أنعم الله بالتلفونات صارت نقمة ومفتاحاً للمشاكل، فيبدأ بالاعتذار لها، فتقول له: أنا اتصلت بك مرتين فلماذا لم تجب؟ فتبدأ تعاتبه وتعاتبه إلى أن يحنق، وبعد ذلك تبدأ الحكاية في الطلاق، والشيطان يوسوس له: لماذا أنت ساكت؛ طلقها، وغالباً ما يكون هذا بالليل حيث تنشط الشياطين.

    وقوله: (وعليك بالكحل فإنه أزين الزينة) وهذا طبعاً كان في الماضي، أما الآن فهناك أشياء أخرى كثيرة، وقوله: (وأطيب الطيب الماء) يأمرها أن تكون مغتسلة متطيبة.

    وينبغي أن توصى العروس قبل زفافها بطاعة زوجها، ومراعاة حقوقه، والتعرف على ما يحبه من العادات والسلوك مما لا يكون معصيةً لله عز وجل، فتحافظ عليه.

    وصية أمامة بنت الحارث لابنتها ليلة الزفاف

    والوصية الطريفة الظريفة العالية وصية تلك المرأة أمامة بنت الحارث التي أوصت بها ابنتها ليلة زفافها إلى الحارث بن عمرو ملك كندة، والكلام هذا قبل الإسلام، قالت لها: يا بنية! احفظي عني عشراً تكون لك ذخراً: الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة.

    (الصحبة بالقناعة)، فمثلاً: إذا جاءك بفول فلا تطلبي سمكاً، وإذا جاءك بشيء فقولي له: بارك الله فيك، وأحسن الله إليك، وكثر الله مالك وخيرك، ونحو ذلك، وللأسف أن بعض الزوجات تتأفف من أي شيء يأتي به زوجها، وتقول له: هذا رخيص، فإذا جاءها بالنعال وهو قد أتى بها من العمرة أو من الحج، قالت له: هذه في السوق الشعبي بألفين، وتلقي بها، فتوغر صدره. فهذا لا ينبغي.

    (والمعاشرة بحسن السمع والطاعة)، بأن تكون طيعة، هينة، لينة، (والتعهد لموقع عينه، والتفقد لموقع أنفه، فلا تقع عينه على قبيح، ولا يشم إلا أطيب ريح)، ولذلك المرأة الذكية العاقلة تخفي الكرسف أو القطنة الذي فيه الحيض، فلا تقع عين الزوج على هذا الشيء الذي خرج من زوجته، مع أنه يخرج منه ما هو أنتن مما يخرج منها؛ فهو يخرج منه البول، وهو أنتن من الدم، ويخرج منه الغائط وهو أنتن من البول والدم، لكن الإنسان نتنه لا يراه، أو لا يشمه، لكن نتن غيره يتأفف منه.

    ثم قالت: (والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود، وتعهدي وقت طعامه ومنامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة)، وفي رواية: (ملهبة)، يعني: تعاهدي أوقات طعامه، مثلاً: إذا كان الرجل يفطر في الساعة العاشرة مثلاً على ما جرت به عادة الناس، فلا تتعمد أن تجلس مع رفيقاتها الساعة العاشرة، ثم العاشرة وعشر دقائق، ثم العاشرة والربع، ثم العاشرة والنصف، فإذا جاءها فجأة ونظر إليها قامت أمام صاحبتها وقالت له: هاهنا جئت؟! كذلك لو كان معتاداً الغداء مثلاً في الساعة الثالثة، فجاء فوجدها غير موجودة كأن كانت تحوم وتصول وتجول، ثم بعد ذلك وصلت في الثالثة والربع فبدأت توقد النيران وتقطع البصل.

    ثم بعد أن أكل نام، فلما نام بدأت تشاجر الأولاد: تضرب هذا، وتخبط هذا، وتصيح مع ذاك وكذا، أو اعتادت أن يأتيها النساء وتكون هناك أصوات عالية، وتعرفون أن النساء إذا تكلمن تكلمن كلهن، ولا تدري من الذي يسمع، فهذه أيضاً تورث العداوة والبغضاء، والزوج يريد عشاً هادئاً، يجد طعامه، ويجد منامه من غير تعكير.

    قالت: (والاحتفاظ ببيته وماله، والرعاية على نفسه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على العيال حسن التدبير)، يعني: الرجل يحب الزوجة ألا تكون مبذرة مسرفة، ويحب الزوجة أن تدبر نفسها مع عيالها، بمعنى: الآن كثير من الناس يعمل بالراتب، ومعلوم بأن الراتب لا يكفي إلا لأسبوع، أو أسبوعين أو ثلاثة، وعندما يأتي الأسبوع الأخير تبدأ تلح عليه أن يعطيها؛ لكن من أين يعطيها؟ فهو ينتظر إلى أن يفرج الله بطلوع الهلال، فحتى يأتي الراتب ينبغي لها أن تدبر نفسها، وتطعم العيال بما تيسر.

    قالت: (ولا تفشين له سراً، ولا تعصين له أمراً، فإنك إن أفشيت سره أوغرت صدره، وإن عصيت أمره لم تأمني غدره)، يعني: لو أنك أفشيت سر الزوج مشكلة، ومن إفشاء السر: أن تحدث المرأة رفيقاتها بأن زوجها غطيطه بالليل عال، وشخيره عال، فيجد أن الحارة كلها تعرف أنه هذا رجل له شخير وزئير، فهذا من إفشاء السر ولا ينبغي، بل المفروض أن تستر عليه. وكذلك ينبغي ألا تعصي أمره، بل تتقي الله عز وجل فيه.

    ثم قالت: (ثم اتقي مع ذلك الفرح إن كان ترحاً، والاكتئاب إن كان فرحاً)، يعني: الزوجة الطيبة تفرح مع فرح زوجها، وتحزن مع حزنه، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير.

    ثم قالت: (واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببته وكرهته، والله يخير لك).

    وهذه الوصية أيضاً ينبغي أن نعلمها بناتنا.

    1.   

    أمور تحبب المرأة إلى زوجها

    ومن أهم الأمور التي تحبب المرأة إلى زوجها: حسن الأدب في مخاطبته، فإذا خاطبت زوجها لا تخاطبه بما يكره؛ لأن هذا داخل في قوله تعالى: فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، وفي قول الله عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، فكما أن الرجل يجب عليه أن يعاشر زوجته بالمعروف فإنه يجب على المرأة أن تعاشر زوجها بالمعروف، فتخاطبه بأحسن الأدب، وتتلطف معه، وإلى أهله، فلا تتحدث إليه عنهم بما يكرهه، ولتتجنب الغيرة منهم، ونقل الكلام الذي يوغر صدره عليهم، فلا يأتي من العمل وتقول له: أمك قالت، وأختك فعلت، وفلانة قالت كذا؛ فإن هذه بداية الفتنة والفرقة.

    وكذلك نوصي الزوجة بالاهتمام بمظهرها، وحسن هندامها، والمحافظة على الطيب والنظافة والزينة، فلا يرى منها ما يكره، ولا يشم منها ما يكره، بل إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وتكون تلك عادتها في بيتها لأجل زوجها، وليس العكس، فالآن تجد أن الزوج يأتي بالزينة، ويأتي بالحلي، ويأتي بالثياب، لكن نظره لا يقع على تلك الثياب والزينة والحلي إلا إذا كانت الزوجة خارجة، وهذا يوغر صدر الزوج؛ لأنه أنفق ماله من أجل أن يتمتع هو، ومن أجل أن يسر هو، فكونها تلقاه بالثياب الرثة البالية القديمة، ثم بعد ذلك إذا خرجت ادهنت، وتزينت، واكتحلت، وتعطرت، وتمكيجت، وما إلى ذلك، فهذا من سوء المعاشرة.

    كذلك توصى العروس بحسن التبعل، وعدم هجر الزوج في الفراش، فإن ذلك سبب للطرد من رحمة الله عز وجل.

    أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    وليمة العرس

    حكم الوليمة

    ونبدأ من أول الكلام عن الوليمة، فقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته أن الزواج لا بد أن يصحبه طعام، وهذا الطعام تسميه الشريعة: وليمة، وهذه الوليمة سنة مندوب إليها؛ لأن ( عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: مهيم؟ ) يعني: ماذا حصل؟ ( قال: يا رسول الله! تزوجت امرأة، قال: هل أولمت؟ قال: لا، قال: فأولم ولو بشاة )، فقوله: (فأولم) هذا أمر من الرسول عليه الصلاة والسلام، وصرف الأمر من الوجوب إلى الندب بقرينة ذكر الشاة؛ لأن الشاة ليست واجبة، فليس بالضرورة أن يذبح العريس خروفاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على بعض نسائه بسويق وتمر، والسويق هو عصير الشعير، وليس بالضرورة أن تكون الوليمة تمراً، بل يمكن أن تكون الوليمة خبيزاً كما يحصل الآن في المسجد، ويمكن أن تكون ببعض الأشياء التي اعتاد الناس تقديمها، فلا حرج في ذلك، وأولم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه بمدين من شعير.

    قال ربيعة رحمه الله وهو شيخ مالك : إنما استحب الطعام في الوليمة لإظهار النكاح ومعرفته؛ لأن الشهود قد يهلكون، بمعنى: الآن لو أشهدنا على النكاح اثنين، فهذان الاثنان ربما يموتان، لكن كل الناس الذين أكلوا الطعام عرفوا أن فلاناً قد نكح فلانةً.

    وقت الوليمة

    وأما وقت الوليمة فالأمر في ذلك واسع، فيمكن أن تولم مع العقد، ويمكن أن تولم قبل البناء -يعني: قبل الدخول- أو معه، أو بعده، والأمر في ذلك واسع إن شاء الله، وقد جاء في حديث أنس في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم في بنائه بـزينب بعد الدخول، قال أنس : ( أصبح النبي صلى الله عليه وسلم بها عروساً، فدعا القوم فأصابوا من الطعام ).

    وفي هذه الحادثة نزل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب:53]؛ وذلك لأن بعض الصحابة جاءوا فأكلوا ثم بقي بعضهم، وفي بعض الروايات: ( أنهما كانا رجلين يتحدثان، وكان المكان ضيقاً، و زينب رضي الله عنها جلست ووجهها إلى الجدار، والنبي صلى الله عليه وسلم استحى أن يقول لهما: قوما فاذهبا، فخرج عليه الصلاة والسلام ودخل وخرج ودخل، فنزلت الآية: وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب:53] )، أي: لا تجلسوا بعدما أكلتم، وهذا الأدب فرط فيه كثير من الناس الآن خاصة في يوم العرس؛ فإنهم يتعشون ويجلسون ويطيلون، والزوج يغالبه النعاس؛ لأنه غير مرتاح، وفي قلبه أن يقول لهم: انتشروا، لكنه يستحي من ذلك، والقوم في ونس وعن حاله غافلون، والمسكين ربما لا يستطيع التخلص منهم إلا بعد الواحدة أو الثانية، فنعوذ بالله من الثقلاء.

    وكان بعض الصالحين إذا جاءه ثقيل يقول: اللهم اغفر له، وأرحنا منه.

    مقدار الوليمة

    وأما مقدار الوليمة فلا حد لأقل الوليمة ولا حد لأكثرها، فمهما تيسر أجزأ، فالمتيسر يجزئ إن شاء الله، سواء الشاة الواحدة أو الأقل أو الأكثر، لكن تكره المباهاة والسمعة، والأولى أن تكون على قدر حال الزوج، فلا يكلف الإنسان نفسه ما لا يطيق؛ لئلا يفتتح حياته بديون، ثم يعجز ويرى بعد ذلك أن هذه المرأة كانت شؤماً عليه، فالذي يستطيع أن يذبح خروفاً واحداً فبها ونعمت، ويمكن أن يكون أقل من ذلك كأن يشتري لحماً، فإن لم يستطع أن يشتري لحماً فإنه يولم بأي نوع من الطعام: بتمر، بسويق، بخبز، وغير ذلك.

    حكم إجابة دعوة الوليمة

    ويندب لك أيها المسلم! أن تجيب الدعوة، فلو قال لك المتزوج: يا فلان! إن شاء الله دعوتي غداً الخميس وإن شاء الله الغداء عندنا، أو العشاء عندنا، فيسن لك أن تجيب الدعوة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب، فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصل )، فمثلاً: لو قال لك أحد: غداً الوليمة عندنا: فلا تقل له: غداً خميس وأنا صائم؛ بل اذهب وبعد ذلك ادع له: بارك الله لكما وعليكما، وأسأل الله أن يجعلها قرة عين لك، ثم تعتذر إليه بأنك صائم؛ لأنه ليس غرضه أن تأكل، وإنما غرضه أن تكثر سواده، وأن تشهد وليمته، وأن يصيب من دعائك، فهذا أطيب لقلبه: أن تحضر وتدعو له.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب )، قال علماؤنا المالكية: الوجوب هنا وجوب السنن، لا وجوب الفرائض، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم )، قالوا: ليس فرضاً وإنما سنة مؤكدة، ولذلك يكره لك أيها المسلم! أن تدعى إلى وليمة فلا تجيب.

    ولذلك: إذا لم تكن صائماً فأولى لك أن تأكل ولو قليلاً، فمثلاً: لو لم يكن عندك شهية في الطعام، فكل منه ولو شيئاً قليلاً؛ لما في ذلك من إدخال السرور على أخيك، وتطييب قلبه.

    أعذار تبيح لك التخلف عن إجابة الدعوة

    وهناك أعذار تبيح لك التخلف عن إجابة الدعوة في الوليمة: أول هذه الأعذار: أن يكون في محل الدعوة منكر، فلو أنه دعاك إلى العشاء، وغلب على ظنك أن هذه الدعوة يصاحبها منكر من سكر، أو اختلاط رجال بنساء، والنساء قد جئن كاسيات عاريات، كل واحدة صففت شعرها، ولطخت وجهها، ولبست الضيق والمشقوق وما أشبه ذلك. وكذلك لو كان في الدعوة غناء محرم -وسيأتي معنا بيان الغناء المحرم ما هو- أو أعطوا لكم الأكل في آنية من الذهب والفضة، فلا يجوز لك الجلوس في مثل هذا المكان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه في القرآن: إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء:140]، وأنزل الله عليه في القرآن: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:78-79].

    وفي الحديث: ( والذي يشرب في آنية الذهب والفضة أو يأكل في صحافهما، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم )، وهو حديث صحيح عن أم سلمة رضي الله عنها.

    فلا يجوز لك إجابة الدعوة إذا كان فيها منكر، والدليل على ذلك: ( أن علياً رضي الله عنه أضاف رجلاً في بيته، فصنعت فاطمة رضي الله عنها طعاماً، وقالت له: لو دعونا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل معنا، فدعوه فجاء فوضع يده صلى الله عليه وسلم على عضادتي الباب -الخشبتان المثبتتان في جانبي الباب- فرأى صلى الله عليه وسلم قراماً في ناحية البيت -والقرام: الستارة الرقيقة التي عليها تصاوير- فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحقه علي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ليس لي أن أدخل بيتاً مزوقاً )، كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره دخول بيت فيه تصاوير.

    العذر الثاني مما يبيح التخلف عن الوليمة: ألا يدعى الشخص بذاته على التعيين، فمثلاً: لو جاء واحد بعد صلاة المغرب وأمسك بمكبر الصوت وقال: يا قومنا! أجيبوا دعوتنا غداً في مكان كذا بمناسبة نكاح فلان على فلانة، وأنتم مدعوون، والسلام عليكم ورحمة الله. فهذه ليست دعوة على التعيين، فأنت في حل: إن شئت أجبت، وإن شئت فلا حرج عليك.

    وكذلك لو أن شخصاً أرسل آخر وقال له: كل من لقيت فادعه، فهذه ليست دعوة على التعيين، لكن أحياناً تكون على التعيين مثل: أن يلقاك فيدعوك بذاتك، أو يبعث إليك ببطاقة: فلان والأسرة الكريمة، فها هنا قد عينك وقصدك، فيندب لك أن تجيب.

    العذر الثالث: أن يكون المكان بعيداً، بحيث يشق على المدعو الذهاب إليه، فمثلاً: لو دعاك أحدهم إلى وليمة في مدينة مدني وأنت بعيد، فهذا من الصعب أن يترك الإنسان أسرته وعياله وأعماله ويذهب إلى مدني، ومثل ذلك: لو دعاك واحد آخر وقال: عندي وليمة في القضارف، فمعنى ذلك أني سأقضي حياتي كل يوم في مكان، والله ما أمر بهذا، قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286]، فهذا من الكلفة المادية، والإرهاق الجسدي، وتضييع الحقوق التي هي أوجب وآكد.

    العذر الرابع: أن يكون على رءوس الآكلين من ينظر إليهم، فمثلاً: أنا أعرف أن فلاناً هذا لو أجبت دعوته فسيأتي وينظر في صحني ماذا فيه، وماذا أخذت، وماذا أكلت، وماذا تركت، وهذه عادة بعض الناس، ولذلك قالوا: من أدب الطعام: ألا ينظر المضيف إلى ضيفه نظراً دقيقاً، يعني: لا يحدق فيه النظر: كيف لقمته؟ هل ملعقته كبيرة أم صغيرة؟ هل أخذ من اللحم كثيراً أو قليلاً؟ وإنما ينظر إليه من أجل أن يعينه، ومن أجل أن يزيده: هل نقص له عيش فيعطيه، أما أن يدقق النظر ويتابع الناس فنعوذ بالله من تلك الحال، ولذلك الأعرابي لما أكل مع عبد الملك بن مروان ، رفع اللقمة إلى فيه، فقال له عبد الملك : أزل منها الشعرة، أي: لقمتك فيها شعرة، فقال: لا إله إلا الله، نظرت إلي حتى رأيت الشعرة، والله لا أكلت معك أبداً، وخرج وهو يقول:

    وللموت خير من زيارة باخل يلاحظ أطراف الأكيل على عمد

    فإذا كنت تعرف بأن صاحب الوليمة من هذا الصنف فلا تجبه.

    العذر الخامس: أن يفعل طعام الوليمة بقصد المباهاة والفخر، مثلاً: يقول: إن شاء الله بكرة الوليمة عندنا في البيت، غداً زواجي، والعشاء يأتون به من مكان كذا وكذا، فهذا مباهاة وفخر، ولله در القائل:

    الجوع يطرد بالرغيف اليابس فعلام تكثر حسرتي ووساوسي

    العذر السادس: أن يترتب على الإجابة تفويت واجب ديني كترك الجمعة، أو ارتكاب محرم كاختلاط الرجال بالنساء، أو يخشى المدعو أن تلحقه إهانة أو ذلة بغلق باب دونه، أو بتقديم آخر عليه لا يستحق التقديم، فمثلاً: لو بعثوا إليك بكرت دعوة، وكتبوا لك ملحوظة تحت: نرجو اصطحاب البطاقة معك، فلما أردت الذهاب نسيت البطاقة في المواصلات، أو في كتبك، أو ضاعت تلك البطاقة، فلا تقل: سأذهب لعلي أدخل، لا؛ لعلهم لا يدخلونك، وما ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، وليس من أجل تحصيل السنة أعرض نفسي لمذلة أو إهانة.

    العذر السابع: أن يكون هناك من يتأذى بحضوره، أو لا تليق مجالسته من الأراذل والفساق، بمعنى: لو كنت أعلم بأن هذه الدعوة سيحضر فيها من الطبالين، والزمارين، وأصحاب اللهو والباطل، فهذا يدخن، وهذا ينفخ، وهذا يسخر من الدين وأهله، وذاك يلمز المؤمنين، ونحو ذلك، فمثل هذه الدعوة أنت معذور في ترك إجابتها.

    العذر الثامن: أن تعلم أن فلاناً هذا يخص بدعوته الأغنياء دون الفقراء؛ لأنه ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها الأغنياء، ويمنع منها الفقراء ).

    وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أمرنا ألا نجيب إذا خص الأغنياء.

    العذر التاسع: أن يكون في الطعام شبهة حرام، كطعام آكل الربا، والمرتشي، والمكاس -والمكاس: هو من يفرض على الناس مالاً ما فرضه الله عليهم- أو أن يكون صاحب الطعام ممن يمن بأكله على الحاضرين.

    ويجوز للمدعو كذلك أن يتخلف إذا كان له عذر يمنعه من الحضور، كالمريض، والممرض، مثل: أن يكون عندك مريض في البيت تلازمه من أجل أن تمرضه، أو إذا كان هناك مطر، أو كان هناك وحل، بمعنى: أن الأعذار التي يباح بها التخلف عن صلاة الجماعة يباح بها التخلف عن إجابة وليمة العرس.

    إجابة الدعوة المتكررة

    وإذا كانت الدعوة متكررةً أكثر من يوم مثل ما تجد من بعض الناس الذين تكون أعراسهم مفتوحة، يقول لك: اليوم الأول في كذا، واليوم الثاني في نادي كذا، ويشرفنا حضوركم في اليوم الثالث في كذا، ومسك الختام في اليوم الرابع في كذا.

    فنقول: تتأكد الإجابة في اليوم الأول، ولا بأس باليوم الثاني، أما في اليوم الثالث فلا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -والحديث في المسند-: ( الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، واليوم الثالث سمعة ورياء )، ولذلك حفظ هذا الكلام علماء هذه الأمة كـسعيد بن المسيب رحمه الله؛ فقد دعي أول يوم فأجاب، وثاني يوم فأجاب، ودعي ثالث يوم فلم يجب، وقال: أهل رياء وسمعة.

    إذا دعي الإنسان من أكثر من شخص

    وإذا دعي إنسان من جهتين -وهذا يحصل كثيراً- مثلاً: في يوم الخميس تكون مدعواً إلى عرسين أو ثلاثة، ويوم سبعة وعشرين رجب تكون مدعواً من عشرة أو عشرين، ولا أدري ما السر في ذلك، فأي الولائم تجيب؟ قال علماؤنا رحمهم الله: من سبق تعينت إجابته، يعني: الذي يدعو أولاً هو صاحب الحق أولاً.

    لكن إذا كانت دعوتان في وقت واحد، مثلاً: بعد صلاة العشاء، وأنت جالس في مكانك جاءك اثنان كلاهما يدعوانك إلى وليمة غداً، ففي هذه الحالة تقدم من كان أقرب رحماً إذا كان كلاهما من الأرحام، أما إذا كان أحدهما رحماً والآخر جاراً فتقدم الرحم على الجار؛ لأن الله عز وجل وصى بالأرحام قبل الجيران، قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى [النساء:36]، ثم بعد ذلك قال: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [النساء:36].

    فإذا استويا، كأن كان هذا ابن خالتك، وهذا ابن عمتك مثلاً، وكلاهما جاء في وقت واحد، فإنك تقرع من أجل أن تجيب. والكلام هذا كله للناس الذين وقتهم عزيز، وإلا فبعض الناس ما عنده مانع أن يتعشى سبع مرات.

    قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما باباً، فإذا سبق أحدهما فأجب الذي سبق ).

    حضور غير المدعو في الوليمة

    ويحرم على غير المدعو حضور الوليمة، سواء أكل أو لم يأكل، إلا إذا استأذن عند مجيئه فأذن له، أو أن يكون تابعاً لذي قدر يعلم أنه لا يجيء وحده عادةً، مثلاً: الآن لو أنك دعوت كبيراً، سواء كان كبيراً جاهاً، أو كبيراً علماً، فهذا الكبير في الغالب لن يأتي وحده، فمثلاً: لو جاءك الرئيس فغالباً أن الرئيس معه جماعة، فهناك السائق الذي يقود له السيارة، وهناك الحرس الذين يحرسونه، إذاً لو أنك دعوته فضمناً قد دعوت معه جماعةً من الناس، ولذلك هذا الأمر لا بد أن يعرف، وهذه قد شكا منها أناس كثيرون؛ بأنهم يصنعون طعاماً يكفي لألف فيفاجأ بأن الحضور ثلاثة آلاف، فيدخل في حيص بيص، وربما بعض الناس وهم مدعوون يرجعون في جوع شديد، وقد أتوا من مكان بعيد، فمثل هذا لا يجوز، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما دعي إلى بيت أحد الصحابة وتبعه واحد، لما وصل صلى الله عليه وسلم إلى الباب قال لصاحب البيت: ( إن هذا تبعني، فإن شئت دخل، وإن شئت رجع )، وهذا من الأدب النبوي الكامل، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم من معجزاته: أنه يكثر الطعام القليل، وكان من الممكن أن يقول له: يا أخي! ادخل وربنا يبارك، ويدعو بدعوات صلى الله عليه وسلم، والطعام يزيد ويكثر ويأكلون ويفيض، لكنه صلى الله عليه وسلم يريد أن يقرر لنا مبدأً أني إذا دعيت لا ينبغي أن أصحب معي الأولاد والجيران.

    إذاً عرفنا بأن الوليمة تصح بكل طعام، ولا يشترط فيها لحم، بل يمكن أن تكون خبزاً أو تمراً، وعرفنا أن إجابة الوليمة سنة، وعرفنا الأعذار التي يباح بها التخلف عن الوليمة، وعرفنا بأن الإنسان الذي لم يدع لا ينبغي له الحضور.