إسلام ويب

تفسير سورة النور - قصة الإفك [7]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • استلبث الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الإفك، وأشاع أهل النفاق الإفك وأكثروا منه حتى قام رسول الله على المنبر يستعذر من عبد الله بن أبي، وسادت أجواء المسجد شيء من الفوضى بين المهاجرين والأنصار، وتناور الناس للاقتتال حتى أسكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مدة تأخر الوحي عن رسول الله في حادثة الإفك

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    قالت: ( فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما يدخل على أهلي إلا معي. قالت: فقام أسيد بن حضير أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا يا رسول الله أعذرك ).

    طالت المدة، كما قالت رضي الله عنها: ( فاستلبث الوحي )، قيل: كانت المدة شهراً، وقال بعض المفسرين: بل كانت سبعةً وثلاثين يوماً، وقال بعضهم: بل بلغت خمسين يوماً، أي: المدة بين قول الإفك وبين نزول براءة عائشة قال الحافظ رحمه الله: من قالوا: شهراً أي: من حين علمت عائشة إلى أن نزل الوحي، ومن قالوا: خمسين يوماً من حين قيل ما قيل، ومعلوم أنهم لما تكلموا بالإفك ما علمت عائشة إلا بعد زمان، فمن قالوا: خمسين يوماً، فإنما حسبوا المدة من أول ما قيل إلى أن نزلت براءتها، ومن قالوا: شهراً، فإنما حسبوا المدة من حين بلغها ما قاله أهل الإفك إلى أن نزلت براءتها.

    1.   

    استعذار النبي من عبد الله بن سلول من على المنبر وما دار حوله من جدل بين الصحابة

    ولما استلبث الوحي وضاق رسول الله صلى الله عليه وسلم صدراً، والمدينة تغلي بهذا الكلام، قام صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: ( من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ )، (من يعذرني) قيل: المعنى من ينصرني، والعاذر الناصر، وقيل: من ينتقم لي منه، فقام أسيد بن حضير ، وبعضهم ذكر سعد بن معاذ رضي الله عنه وقد جزم كثيرون بأنه وهم؛ لأن سعداً رضي الله عنه كان استشهاده عقب حكمه في بني قريظة، وغزوة بني قريظة كانت عقب غزوة الخندق، وغزوة الخندق كانت قبل المريسيع، فالذي قام هنا هو أسيد بن حضير رضي الله عنه، ( فقام أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله! أنا أعذرك منه )، يعني: أنا أتصرف معه، ثم فصل رضي الله عنه، فقال: ( إن كان منا معشر الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك )، يعني: انظر المناسب.

    وورد في بعض الروايات أنه قال: ( إن كان من إخواننا الخزرج فهم أهل أن تضرب أعناقهم )، فرجع لموضوع الخلافات التي كانت قبل أن يكرمهم الله بالإسلام، فتولى الرد عليه رجل صالح سعد بن عبادة بن دليم رضي الله عنه وأرضاه.

    قالت: ( فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه).

    فقام رجل من الخزرج، وهو سعد بن عبادة بن دليم رضي الله عنه.

    قالت: ( وهو سعد بن عبادة ، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية، فقال لـسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل ).

    وهاهنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( فقام سعد بن عبادة ، وكان قبل ذلك يرى رجلاً صالحاً )، لا تقصد بذلك بأن سعداً كان يؤيد عبد الله ابن سلول أو غيره فيما قال -معاذ الله- ولكن ما كان يعلم أنه يحامي عن أهل النفاق أو يدافع عنهم، لكنها عذرته فقالت: (احتملته الحمية)، أي: حمية الجاهلية، التعصب للحي والقبيلة والجنس، (فقال للآخر -الذي هو أسيد بن حضير -: كذبت، لا تقتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل )، وكأنه يقول له: أنت تعرف بأن القائل هو عبد الله بن أبي ابن سلول

    ، وأن عبد الله ابن سلول من الخزرج، وتعرف بأن القائل حسان بن ثابت ، و حسان بن ثابت من الخزرج، ولو كان بعض هؤلاء أوسياً ما قلت الذي قلت.

    رمي أسيد بن حضير سعد بن عبادة بالنفاق

    قالت: ( فقام أسيد بن حضير ، وهو ابن عم سعد ، فقال لـسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين ).

    هنا أسيد قال لـسعد بن عبادة : إنك منافق. فهل يجوز لمسلم أن يقول لمسلم: يا منافق؟ لا ما يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال لأخيه: يا كافر، أو يا منافق، أو يا عدو الله فقد باء بها أحدهما )، فلا يجوز لك أن تقول لمسلم: يا كافر، ولا أن تقول له: يا منافق، ولا أن تقول له: يا عدو الله؛ لأن الله تعالى قال: وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11]، فالرمي بالنفاق والرمي بالكفر من المصائب العظام، وهاهنا قال أسيد رضي الله عنه لـسعد بن عبادة : إنك منافق، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام أولاً لأنه صادر في حال الغضب، وقد كثر اللغط، كما سيأتي معنا الآن ( فثار الحيان )، وفي بعض الروايات: ( فسل سعد سيفه )، وهذا كله في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأولاً أسيد قال هذا الكلام في معرض غضب، ثم ثانياً قال هذا الكلام غيضاً وحنقاً لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أن أسيداً رضي الله عنه ما غضب لنفسه، ولا من أجل عرضه هو، وإنما من أجل عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال هذه الكلمة: ( إنك منافق تجادل عن المنافقين )، يعني: أنت يا سعد بن عبادة رضي الله عنك، تعلم بأن المتكلم فيه هو عبد الله ابن سلول رجل مؤصل في النفاق، ليس مرة ولا مرتين وإنما عنده صحيفة سوابق تنوء بحملها الجمال، ومع ذلك أنت تجادل عنه، فلما قال ذلك في معرض الغضب، وقال ذلك غيضاً وحنقاً لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفاعاً عن عرضه الشريف عليه الصلاة والسلام احتمل ذلك منه رضي الله عنه.

    تهدئة النبي للأوس والخزرج عند ثورانهم للقتال

    قالت: ( فثار الحيان: الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ).

    الحيان أي: القبيلتان، والحي بمعنى القبيلة.

    قالت: (ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت ).

    النبي عليه الصلاة والسلام ما زال يشير لهم بيده، ويذكرهم بالله عز وجل، حتى أذهب الله عنهم نزغة الشيطان، وسورة الغضب، وسكتوا رضوان الله عليهم، بعدما صار الأمر كما يقال: قضية رأي عام، طرحها النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، ومعلوم أنه خلال الشهر، أو الخمسين يوماً كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة، ويلقي المواعظ، ويفتي الناس؛ لكنه ما أراد صلى الله عليه وسلم أن يجعل من ذلك الشأن الخاص قضيةً عامة إلا بعدما برح به الحزن، وزاد عليه الغم صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يحسم القضية، خاصةً أن عدو الله عبد الله ابن سلول ما كان مستكيناً ولا ساكتاً، وإنما كان ينمي هذا الخبر ويستوشيه ويزيده بكل الوسائل التي يحصل بها الضرر لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    بكاء الأنصارية مع عائشة رضي الله عنها

    قالت: ( فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوماً لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي ).

    لا إله إلا الله، هذه هي المرأة الأنصارية رضي الله عنها جاءت تجامل عائشة رضي الله عنها، وجلست تبكي عندها، وقد كانوا يعلمون أنها من بيت طاهر كريم، وأنها شريفة حصان رزان، وقد عاشروها وجاوروها وعرفوا مدخلها، ومخرجها ومظهرها ومخبرها، وأنها أبعد الناس عما يقول أهل الإفك فيها، وقد أحزنهم وساءهم ما قيل فيها، ولذلك جاءت هذه المرأة من الأنصار رضي الله عنها وجزاها الله خيراً فجلست عند عائشة تبكي.

    قالت: ( فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل قبلها ).

    انظروا إلى عظيم البلاء، تقول: ( ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل )، كانت هذه أول مرة خلال شهر كامل أو خلال سبعة وثلاثين يوماً يجلس عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصوروا حال امرأة صغيرة محببةً عند زوجها خلال شهر كامل يدخل عليها ويقول: ( كيف تيكم؟ ) ثم ينصرف شهراً كاملاً وهي على تلك الحال، وهذه أول مرة يجلس عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    عدم علم رسول الله بحقيقة الإفك دليل على اقتصار علمه على ما علمه الله

    قالت: ( ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة ! إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه ).

    ونحن نأخذ منه أصلاً عقدياً مهماً وهو أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: ( يا عائشة ! أما بعد: فإنه قد قيل فيك كذا وكذا، وإن كنت بريئةً فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن العبد إذا أذنب ثم تاب تاب الله عليه )، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وهذا هو منطوق القرآن في قول ربنا الرحمن في سورة الأعراف: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ [الأعراف:188].

    وفي قول ربنا جل جلاله: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النمل:65].

    وفي قوله سبحانه: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27]، ويدل على هذا المعنى حوادث من السيرة من ذلك مثلاً أن نبينا صلى الله عليه وسلم فقدت راحلته في غزوة تبوك، فقال بعض المنافقين: يزعم أنه رسول الله ولا يدري أين راحلته، فقال عليه الصلاة والسلام: ( إن رجالاً قالوا: كذا وكذا، وإني لا أعلم من الغيب إلا ما علمنيه الله، وإن الله قد أعلمني أنها بوادي كذا قد أخذ بزمامها جذع نخلة )، فذهبوا فوجدوا الناقة كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك ( لما وعده جبريل يوماً ولم ينزل عليه في الميعاد، فدخل صلى الله عليه وسلم وفي يده عصاً فألقاها وقال: لا يخلف الله وعده ولا رسله، ثم جلس فإذا جرو -يعني كلب صغير- فقال لـعائشة : متى دخل هذا الجرو؟ قالت: والله ما علمت به يا رسول الله! فأمر به فأخرج، فنزل جبريل وقال: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب أو صورة )، والرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يعلم أن في بيته كلباً، ولذلك نقول: النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب إلا ما علمه الله، وربنا جل جلاله أطلعه على كثير من الغيوب، ولذلك أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عمر بأنه مقتول، وأخبر عثمان بأنه مقتول، وأخبر علياً بأنه مقتول، وأن أشقاها الذي يخضب هذه من هذه، وأخبر صلى الله عليه وسلم كذلك عماراً بأنه تقتله الفئة الباغية، وكذلك أخبر عن فتح البلاد العظيمة مثل فتح العراق، وفتح الشام، وفتح مصر، وأخبر عن فتح القسطنطينية، وكان يقول هذا الكلام عليه الصلاة والسلام وهو في الحجاز، بل كان يخبر عن أشياء وهو في مكة، وأصحابه معذبون، فكان يقول لهم: ( والله ليتم الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت )، يتكلم عن صنعاء وحضرموت، وقال صلى الله عليه وسلم لـعدي بن حاتم : ( أتعرف الحيرة؟ قال: سمعت بها عدي لا يعرفها، قال صلى الله عليه وسلم: ( يوشك إن طالت بك حياة أن ترى الظعينة تخرج من الحيرة، حتى تطوف بالبيت ليست في جوار أحد إلا الله، ويوشك إن طالت بك حياة أن ترى المال يعطى صحاحاً فلا يقبله أحد، ويوشك إن طالت بك حياة أن تفتح كنوز كسرى بن هرمز )، وهذا الكلام كله يقوله صلى الله عليه وسلم، وهم في حال من الضيق والحصار، والاضطهاد، فالمقصود بهذا أن نؤكد على هذا المعنى أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم سيد البشر وخير الرسل لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله فمن باب أولى غيره من الناس ممن هو دونه.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.