إسلام ويب

تفسير سورة النور - قصة الإفك [5]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ترك النبي صلى الله عليه وسلم ملاطفة عائشة خلال حادثة الإفك، ولم تعلم عائشة بالحادثة إلا بعد شهر من إشاعتها، واستأذنت رسول الله عند ذلك في الذهاب إلى بيت والديها، وقد تأثرت تأثراً عظيماً بهذه الحادثة وتأثر لها أبو بكر الصديق رضي الله عنه

    1.   

    تابع خروج عائشة رضي الله عنها مع أم مسطح إلى المناصع

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ( ثم ينصرف، فذلك يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت، فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع ).

    الشيخ: الناقه: هو المريض الذي لم تتكامل صحته، يعني: مريض تعافى من مرضه، ولكن ما زالت آثاره باقية، فـعائشة رضي الله عنها كأنها بدأت تشعر بالعافية، فخرجت مع أم مسطح إلى البراز قبل المناصع، فعلمت بما يقوله أهل الإفك.

    قالت: ( وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا ).

    الكنف: جمع كنيف، وهو الساتر، ويراد به المكان المعد لقضاء الحاجة، وكانت العرب من عادتها أنها لا تتخذ الكنف في البيوت، وإنما إذا أرادوا قضاء الحاجة يخرجون إلى الفضاء فيقضون حاجتهم، رجالاً كانوا أو نساءً.

    قالت: ( وأمرنا أمر العرب الأول في البرية قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا و أم مسطح )، وهي سلمى ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف ، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق .

    وأم أبي بكر كذلك اسمها سلمى ، فهي مسماة على خالتها.

    قال: وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب .

    قالت عائشة رضي الله عنها: ( فأقبلت أنا و أم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح ).

    وفي بعض الروايات: بأن عائشة رضي الله عنها قالت لها أم مسطح هذه الكلمة وهي في الطريق إلى المناصع قبل أن تقضي حاجتها، قالت: فلم أعد أشعر بشيء مما كنت أشعر به.

    والحافظ رحمه الله جمع بأنها قالت هذه الكلمة مكررةً، يعني ( تعس مسطح ) قالتها وهم في الطريق قبل المناصع، وقالتها وهم رجوع.

    1.   

    صور من تقديم الصحابة ما يحبه رسول الله على ما تحبه أنفسهم

    (تعس) بمعنى: كب لوجهه، أو بمعنى: هلك، فهي تدعو على ولدها لما تعثرت في مرطها -أي: في ثوبها- قالت: ( تعس مسطح )، وفي هذا دليل على قوة عقيدة الولاء والبراء عند الصحابة رضوان الله عليهم، فإن هذه المرأة الصالحة قدمت حبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته على حبها لولدها، وهذا متكرر.

    ولذلك فإن عمر رضي الله عنه لما ركض خلف أبي سفيان من أجل أن يقتله، و العباس رضي الله عنه يحمي أبا سفيان حتى دفع به في خيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عمر رضي الله عنه وفي يده سيف وقال: يا رسول الله! هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه من غير عهد ولا عقد، دعني أضرب عنقه، فقال له العباس : مهلاً يا عمر ، فلو كان من بني عدي ما قلت الذي قلت. يعني: إنما قلت هذا لأنه من بني أمية بن عبد شمس، ولو كان من أهلك لما قلت هذا الكلام، فقال له عمر مصححاً: مهلاً يا عباس ! فوالله إن إسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ وما ذاك إلا لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك في العطاء فقد كان عمر رضي الله عنه يعطي ولده عبد الله ألفين، ويعطي أسامة بن زيد ألفين وخمسمائة، فقال له عبد الله ولده: يا أبتي! ما شهد أسامة مشهداً غبت عنه. يعني: أنا و أسامة في السن أتراب، و أسامة ما شهد مشهداً وأنا غائب، فقال له عمر رضي الله عنه: يا بني! ما فعلت ذلك إلا لأن أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وكان أبوه زيد أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك. فـعمر رضي الله عنه يقدم محبة النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه.

    وكذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بينا هي في ليلة من الليالي مع النبي عليه الصلاة والسلام فرحة مسرورة لكونه معها في فراشها يكلمها ويؤانسها، فقال لها: ( يا عائشة ! دعيني أناجي ربي )، يعني: أريد أن أقوم للصلاة والذكر والقرآن، ( فقالت: يا رسول الله! والله إني لأشتهي قربك، ولكن ما تحب أحب إلي مما أحب )، يعني: الذي يريحك ويرضيك أحب إلي مما يريحني ويرضيني.

    ومثله أيضاً ( أبو أيوب رضي الله عنه لما نزل بالطعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء فأخذه وما أصابته يد النبي صلى الله عليه وسلم، ووجد الطعام كما هو، فقال: يا رسول الله! نستغفر الله مما كان، وربما ارتكبنا جرماً منعك من أن تأكل طعامنا، فقال له عليه الصلاة والسلام: لا، ولكن في طعامكم شيء من تلك الشجرة -يعني الثوم- وإني أكرهه، فقال له أبو أيوب : وأنا أكره ما تكره يا رسول الله )، فلم يعد يجعل في طعامه ثوماً منذ ذلك اليوم.

    ومثله ما ثبت في الصحيح أن أنساً رضي الله عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الدباء -يعني القرع- يتتبع أثره في الصحفة، فوالله ما زلت أحب الدباء منذ يومئذ )، يعني: منذ أن رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الدباء بشهية، صار يحب الدباء من أجل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم له.

    1.   

    منافحة عائشة عن مسطح بن أثاثة قبل معرفتها بخوضه في حادثة الإفك

    قالت: ( فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح ، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ ).

    هنا فائدتان:

    الفائدة الأولى: وجوب منافحة المسلم عن أخيه المسلم، فأم المؤمنين عائشة أنكرت على أم مسطح أنها تدعو على ولدها، وقالت لها: ( بئس ما قلت )، وهذا هدي مفترض من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك في غزوة تبوك لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال أحدهم -الله أعلم بحاله هل كان من المؤمنين أم من المنافقين-: ألهاه النظر في عطفيه، فقال معاذ : بئس ما قلت، والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيراً )، فـمعاذ رضي الله عنه دافع عن كعب بن مالك رضي الله عنه، وسيأتي معنا كلام أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها لما سألها النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة في حديث الإفك فقالت: ( أحمي سمعي وبصري، ما علمت عنها إلا خيراً )، مع أن العادة بأن الضرة تتكلم بالسوء في ضرتها؛ لكنها رضي الله عنها غلبت عاطفة الأخوة الإيمانية على الأثرة التي تميز الضرائر.

    الفائدة الثانية: إطلاق السب على الدعاء بالشر، فـأم مسطح قالت: ( تعس مسطح )، بمعنى: هلك، أو كب على وجهه، فقالت لها عائشة : ( أتسبين رجلاً شهد بدراً )، فأطلقت على الدعاء بالشر سباً، وهذا أيضاً يدل على فضيلة أهل بدر ومزيتهم، وقد جاء في الحديث: ( أن جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ فقال: هم خيارنا، فقال له جبريل: كذلك من شهدها من الملائكة )، يعني: من شهد بدراً من الملائكة هم خيار الملائكة، وكذلك من شهدها من الصحابة هم خيار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

    قالت رضي الله عنها: ( فقالت: أي هنتاه ).

    (أي هنتاه)، (أي) أصلها النداء للبعيد، ولما نقول: أي فلان! معناه أنه بعيد مني، وهنا عائشة رضي الله عنها كانت إلى جوارها قريبةً منها، لكن كما قال أهل الحديث: نزلتها منزلة البعيد من أجل أن تبين لها أنها غائبة عما يقول الناس فيها، وقولها: (هنتاه) قيل: المراد يا هذه، وقيل: (يا هنتاه) المراد: يا امرأة، وهي كلمة تدل على التفجع والحنو والعطف، (أي هنتاه).

    ( ولم تسمعي ما قال؟ قالت: وقلت: ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضاً على مرضي ).

    يعني بسبب ما أصابها من ألم النفس، ظهرت آثار ذلك على أعضاء الجسم، ( فازددت مرضاً على مرضي )، رضي الله عنها وأرضاها ورفع درجتها في الجنة.

    1.   

    استئذان عائشة من النبي في الذهاب لأبويها رغم عظم مصابها

    قالت: ( فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم، ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ).

    تقول: ( أتأذن لي أن آتي أبوي؟ )، لم تذهب رضي الله عنها لتجمع متاعها وتذهب، لا، المرأة المسلمة لا يجوز لها الخروج من بيت الزوجية إلا بإذن زوجها، إما أن يكون الإذن صراحةً بأن يقول لها: اذهبي، وإما أن يكون إذناً ضمنياً، مثل: أن يأذن بعض الرجال لزوجته في أن تخرج إلى بعض جاراتها القريبات، أو أذن لها في أن تبتاع ما تحتاج إليه من حاجيات مما هو قريب.. ونحو ذلك، فلا يلزمها في كل يوم أن تستأذن منه، أما إذا قال لها: استأذني متى ما خرجت، إذ لا بد من إذن، فيجب عليها أن تستأذن، وطبعاً بعضكم قد يضيق صبراً، ويقول: هذا كلام من الوضوح بمكان، لكنني أقول: ليس واضحاً، فبعض النساء الآن تعتبر بأن هذا حجر على حريتها، فأم المؤمنين عائشة رغم عظم ما أصابها إلا أنها رضي الله عنها تأدبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ( أتأذن لي أن آتي أبوي؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لا عليك ).

    قالت: ( فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: يا أمتاه! ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية! هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله! أو لقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم ) رضي الله عنها.

    1.   

    تأثر أبي بكر من حادثة الإفك

    وفي بعض الروايات: ( بأن أبا بكر رضي الله عنه كان فوق البيت يقرأ القرآن ) يعني: فوق ظهر البيت ( فلما سمع بكاءها قال لـأم رومان: ما شأن هذه؟ فقالت أم رومان : قد سمعت بالذي قال الناس فيها، تقول عائشة : ففاضت عينا أبي بكر )، وكان رضي الله عنه مهموماً مغموماً موجوعاً، وكان يقول: ( سبحان الله! والله ما رمينا بهذا في الجاهلية، أفنرمى به في الإسلام؟ )، يعني: لما كنا في الجاهلية عباد وثن ما قيل فينا هذا الكلام، أفنرمى به حين صرنا في الإسلام؟ فكان بلاءً عظيماً ابتلى الله به أهل هذا البيت المبارك، وكان هذا كما قال الله سبحانه: لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11]، خير لكم في تكفير سيئاتكم، ومحو خطيئاتكم، ورفع درجاتكم، وأن يذكر أبو بكر و أم رومان و عائشة في حلق العلم ومجالس الذكر كلما مر الناس بهذه الآيات.

    نقف عند هذا الحد إن شاء الله.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.