إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الحي يوسف
  4. أسرار التأويل
  5. تفسير سورة النور - الآيات [4-5] السادس

تفسير سورة النور - الآيات [4-5] السادسللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف أهل العلم في كون حد القذف حق محض لله أو للمقذوف، ويترتب على هذا الخلاف مسائل، وقد ذكر أهل العلم أن القاذف لمن أسلم وكان قد ارتكب الفاحشة له حالات يقام عليه الحد في بعضها دون بعض، واختلفوا في إقامة الحد على من قذف صغيراً وكان لكل قول دليله.

    1.   

    تلخيص لما سبق من الأحكام المتعلقة بحد القذف

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور:4] هذه الآية قد طال الوقوف عندها، وآخر ما مر معنا ذكره هي مسألة: ما لو قذف الإنسان جماعةً بكلمة واحدة، فقال: كلكم كذا ورماهم بالوصف القبيح، فهل يلزمه حد واحد، أم يلزمه حد بعدد من قذف؟

    وتقدم معنا أن أكثر العلماء على أنه لا يلزمه إلا حد واحد؛ لأن ربنا جل جلاله قال: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4]، ولم يفرق بين رمي الواحد ورمي الجماعة، ثم إن إقامة الحد مرةً واحدة يثبت به كذبه على الجميع، وتزول المعرة عنهم.

    وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحد يقام عليه مراراً بعدد من قذفهم؛ لأن حد القذف من حقوق الآدميين فلا يتداخل، شأنه شأن الديات وشأن القصاص، فلو أن إنساناً قتل مجموعة من الناس خطأ فإنه تلزمه الدية بعدد من قتلهم، وكذلك هنا يلزمه الحد بعدد من قذفهم.

    وأيضاً من المسائل التي ذكرت: لو أن إنساناً قال لآخر: أنت أزنى من فلان، ففي هذه الحالة يكون هذا الشخص قد قذف شخصين اثنين؛ لأن أفعل التفضيل تقتضي المشاركة في أصل الفعل، أو في أصل الوصف وإن كان أحدهما أكثر من الآخر، وهذا الذي عليه جمهور العلماء.

    وبعضهم قال: بأنه لا يلزمه إلا حد واحد؛ لأن أفعل التفضيل قد تأتي على غير بابها، كما في قول الله عز وجل: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنعام:81]، وكما في قول لوط عليه السلام لقومه: هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود:78]، ومعلوم أنه لا مفاضلة بين إتيان النساء في الحلال، وهن موضع الحرث، وبين إتيان الرجال في أدبارهم عياذاً بالله.

    ومنه أيضاً قول القائل:

    لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول

    أو في قول الآخر:

    تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد

    وكما في قول الثالث:

    وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل

    ففي هذه الأمثلة كلها أفعل التفضيل ليس على بابه، ففي قول القائل: فتلك سبيل لست فيها بأوحد، أي: فتلك سبيل لست فيها منفرداً وحدي، وكذلك قول القائل: إذ أجشع القوم أعجل، أي: إذ أجشع القوم العجل في الأكل، وهكذا، لكن نقول: الأصل أن لفظ أفعل تأتي للمفاضلة، وتفيد الاشتراك في الفعل أو في الوصف.

    وأيضاً من المسائل التي ذكرت: لو أن إنساناً قال لجماعة من الناس: أحدكم زان، فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه لم يعين واحداً تلحقه المعرة.

    وأكرر التنبيه على أن الفقهاء رحمهم الله حين يقولون: بأنه لا يقام عليه الحد، فليس معنى ذلك أنه يترك، بل يعزر؛ لأن الغرض أن يكون المجتمع المسلم طاهراً من مثل هذه القبائح، وهذه الألفاظ التي تصك الأسماع، وتؤذي القلوب.

    1.   

    عودة الحق في حد القذف

    نبدأ بهذه المسألة إن شاء الله: اختلف أهل العلم: هل حد القذف حق لله أو للآدمي، أو فيه شائبة من حقين؟ فبالقول الأول: قال أبو حنيفة ، والثاني: قال به مالك والشافعي، والثالث: قال به بعض المتأخرين.

    ومعلوم بأن هناك حقوقاً لله خالصة، وحقوقاً للآدمي خالصة، وحقوقاً فيها شائبة، مثل الزكاة، فالزكاة حق لله، وأيضاً حق للفقير والمسكين، ومثل القصاص، فالقصاص حق للآدمي، وحد الزنا حق لله عز وجل، لكن ما الفرق بين أن نقول: هذا حق لله، وهذا حق للآدمي؟

    هناك عدة فروق، فمثلاً حد القذف نقول:

    أولاً: أنه لو كان حقاً لله لوجب على الإمام إقامته متى بلغه.

    ثانياً: لا يسقط بعفو المقذوف.

    ثالثاً: إذا تاب القاذف نفعته التوبة فيما بينه وبين الله.

    رابعاً: يتشطر في حق العبد والأمة كحد الزنا.

    أما الفرق الأول فمعناه أنه إذا كان حد القذف حقاً لله فإنه يجب على الحاكم إقامته متى بلغه، سواء طالب المقذوف أو لم يطالب، فلو جاء إلى الحاكم شخصان فشهدا بأن فلاناً قذف فلاناً أو فلانةً، ففي هذه الحالة يجب على القاضي أن ينفذ حد الله في هذا المشهود عليه بأنه قذف سواء طالب المقذوف أو لم يطالب، وليس من حق القاضي أن يقول للشاهدين: هذا الأمر ليس إليكما، وإذا كان المقذوف متضرراً فسيشتكي! لأن هذا الحق لله وليس للمقذوف، وبهذا يتضح معنى القول الثاني: بأنه حق للآدمي، فإنه لا يقام إلا إذا طالب المقذوف.

    ثم الفرق الثاني: أنه إذا كان حقاً لله فإن التوبة تنفع القاذف فيما بينه وبين الله، أما إذا كان حقاً للمقذوف فالتوبة لا تنفع إلا أن يتحلله، كأن يأتي إليه ويقول له: يا أخي! اعف عني. فهو كإنسان سرق من شخص، ثم قال: تبت إلى الله. فالتوبة لا تسقط عليه حق الآدمي، بل لا بد أن يعيد المسروق، أو يتحلله بأن يقول له: يا أخي! أنا أخذت منك كذا وكذا فاعف عني عفا الله عنك.

    ثم الفرق الثالث: إذا كان حقاً لله فإنه يتشطر في حق العبد والأمة، فيكون على النصف، أي يكون أربعين جلدة، مثل حد الزنا قال الله عز وجل: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ [النساء:25]، أما إذا كان حقاً للمقذوف فإنه لا يتشطر، وإنما يجب إقامته كاملاً.

    والشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله يرجح أن فيه شائبةً من حقين، فحق الله عز وجل أن تتطهر الألسنة من هذا الفحش، وهذا القبح، وحق الآدمي أن تزول المعرة عنه بإقامة الحد على من رماه وقذفه.

    1.   

    قذف الرجل بلفظ يا زانية والمرأة بلفظ يا زان

    المسألة الثانية: لو أن رجلاً رمى رجلاً فقال له: يا زانية، أو رمى امرأةً فقال لها: يا زان، فهل يقام عليه الحد أم لا؟ طبعاً في السودان يقام عليه الحد بدون شك؛ لأن بعض الناس يؤنثون المذكر، ويذكرون المؤنث، فلو أن رجلاً قال لرجل: يا زانية، بعض العلماء قالوا: لا يقام عليه الحد؛ لأنه ربما أراد أن يصفه بالعلم بالزنا، فيكون المعنى: أنت رجل عالم في باب الزنا، تعرف مسائله وفروعه، وتفسر آياته وما إلى ذلك، كما يقال: علامة لمن كان كثير العلم، ونسابة لمن كان عارفاً بالأنساب، وفهامة لمن كان واسع الفهم، ومثلما يقال: راوية، لمن كان كثير الرواية، ولو رجعت مثلاً إلى ترجمة أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي تجد الإمام الذهبي رحمه الله يقول: الإمام العلامة راوية الإسلام؛ لأن أبا هريرة هو أكثر الصحابة تحديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك وصفه بأنه راوية الإسلام، إذاً بعض العلماء قالوا: لا يقام عليه الحد؛ لأنه ربما يكون المقصود من هذا الكلام نسبته إلى العلم بالزنا.

    والذي عليه المحققون أنه يقام عليه الحد؛ لأن قائل هذا الكلام لا يخلو من حالتين: إما أن يكون جاهلاً باللغة العربية، وإما أن يكون عالماً بها؛ فإن كان جاهلاً باللغة العربية فيؤنث المذكر ويذكر المؤنث. فواضح أنه قاصد، وإن كان عالماً باللغة العربية فهو يعلم أن العرب قد تطلق المؤنث على المذكر والعكس. ومنه قول حسان عليه من الله الرضوان:

    منع النوم بالعشاء الهموم وخيال إذا تغار النجوم

    من حبيب أصاب قلبك منه سقم فهو داخل مكتوم

    قوله (من حبيب) يقصد بذلك من حبيبة، والدليل على أنه يريد الأنثى أنه قال بعدها:

    لم تفقها شمس النهار بشيء غير أن الشباب ليس يدوم

    والآن تسمعون المطربين يقولون: يا حبيبي وهو يقصد بذلك حبيبته، ومن كان يسمع المطربين فليتب إلى الله.

    ومثله أيضاً قول القائل:

    أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال

    فالعرب قد تطلق على المؤنث وصف المذكر، وعلى المذكر وصف المؤنث، ولذلك نقول: من قال لآخر: يا زانية، أو قال لامرأة: يا زان، فإنه يقام عليه الحد، سواء كان عالماً باللغة العربية أو جاهلاً بها.

    1.   

    قذف المشرك أو الكتابي بالزنا بعد إسلامه

    المسألة الثالثة: لو أن مشركاً أو كتابياً زنى ثم أسلم، فرماه بعض الناس بالزنا، وقالوا له: يا زان، أو مثلاً لو أن مجوسياً، والمجوس هم الذين يعبدون النار، والعياذ بالله، ومنه قول سلمان رضي الله عنه: كنت رجلاً مجوسياً من أصبهان من بلد يقال لها: جي، وكنت مجتهداً في دين المجوسية حتى جعلوني قاطن النار لا أدعها تخبو لحظة.

    فـسلمان رضي الله عنه كان في الأصل مجوسياً، وكان مجتهداً يقعد دائماً عند النار، يسجد لها ويعبدها، حتى رقوه فجعلوه قاطن النار، أي: الذي يغذيها فلا تخبو لحظة، كما لو أن المسجد ليس فيه مؤذن فوجدنا واحداً من الناس دائماً يبكر، ويلازم المسجد، فنقول له: يا أخي! عليك الأذان، والمجوس -عياذاً بالله- قد يتزوج الرجل منهم أخته، وقد يتزوج أمه، فلو أن إنساناً مجوسياً أسلم وتحته أخته، فماذا نصنع؟ نفرق بينهما، لحديث: ( وفرقوا بين كل ذات محرم من المجوس )، حتى لو لم يسلم فإننا نفرق بينهما، فلو أنه أسلم فقال له قائل: يا ناكح أخته، أو يا ناكح أمه، فهذا القائل لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: إما أن يقول له ذلك ذاكراً أيام شركه، أي: يا من زنيت حين كنت مشركاً، أو يا ناكح أخته لما كنت مجوسياً، فهذا لا يقام عليه الحد.

    الحالة الثانية: أن يتهمه بذلك بعد إسلامه، ويقول له: يا من زنيت بعدما أسلمت، أو يا ناكح أمه بعد إسلامه، فهذا يقام عليه الحد بغير خلاف.

    الحالة الثالثة: لو أبهم، فقال له: يا زان، أو قال له: يا ناكح أمه، ولم يعين هل كان ذلك قبل إسلامه أم بعد إسلامه، فهذا يقام عليه الحد كذلك. فعندنا ثلاث حالات: إما أن يتهمه بذلك أيام كان على غير دين الإسلام فلا يقام عليه الحد لكن يعزر، وإما أن يتهمه بذلك بعد الإسلام فإنه يحد، وهذان الفرعان ليس فيهما خلاف، والحالة الثالثة: أن يتهمه مبهماً ولم يعين أكان ذلك قبل الإسلام أم بعده، فهذه محل خلاف بين أهل العلم، والصحيح بأنه يقام عليه الحد.

    1.   

    قذف من ثبت عليه الزنا بعد إقامة الحد عليه

    إن ثبوت الزنا إما أن يكون بإقرار وذلك بأن يعترف على نفسه، وإما أن يكون ببينة وهي شهادة الشهود، وهناك طريق ثالث عند المالكية وهو الحمل، فإذا حملت امرأة ولم يكن لها زوج فحملها دليل على أنها قد زنت.

    فلو أن إنساناً ثبت عليه الزنا إما بإقراره، وإما بشهادة الشهود، وأقيم عليه الحد، وشهد العذاب طائفة من المؤمنين، ثم بعد ذلك بسنة أو سنتين أو عشر سنين قال له واحد من الناس: يا زان، فهل يحد أم لا؟

    الآية تقول: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور:4] والمحصنات هنا في الآية معناها: العفائف، أو العفيفون من الرجال والنساء، ومن ثبت عليه الزنا بإقراره على نفسه، أو بشهادة الشهود فليس عفيفاً، فالآية لا تتناوله، فمن رماه فإنما أخبر بالواقع، من قال له: يا زان، أو قال لها: يا زانية فقد أخبر بالواقع، فلا يحد إجماعاً، لكن ليس معنى ذلك أن نترك عرض هذا الذي أقيم عليه الحد نهباً لكل من أراد أن يشتمه، بل إننا نعزر من فعل ذلك؛ لأنه أظهر ما أمر الله بستره، وتكلم بالفحش وبالقبح حين قال له: يا زان، أو قال للمرأة يا زانية، ثم إننا قد نرى الإنسان يزني ويقام عليه الحد، ثم بعد ذلك يصلح حاله ويصير من أفضل الناس.

    وممكن أن إنساناً يشرب الخمر ويقام عليه الحد، ويكون عنده من الإيمان ومن العمل الصالح ما يمحو الله به تلك السيئة، ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جيء إليه بالرجل وقال: ( اضربوه، يقول الصحابة: فمنا الضارب بيده، ومنا الضارب بنعله، ومنا الضارب بثوبه، ثم جيء به مرةً أخرى، ثم جيء به ثالثة ورابعة )، قال الحافظ ابن حجر : لقد ضرب هذا الرجل في الحد خمسين مرة ( ولما قال له أحد الصحابة: لعنك الله ما أكثر ما يؤتى بك، -أي: كل يوم يأخذونك ويضربونك- قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله )، مع أنه سكران.

    فليس معنى أن الإنسان إذا زنى أن من أراد أن يشتمه فليشتمه، ومن أراد أن يعيره فليعيره، ومن أراد أن يسيء إليه فليسئ إليه، لا، بل لا بد أن يوضع لذلك حد، فنقول: لا يقام عليه الحد المنصوص عليه في الآية، لكن في الوقت نفسه يعزر تعزيراً بليغاً يردعه ويزجر غيره عن تعاطي مثل هذه الكلمات القبيحة التي تسوء ذلك الإنسان المسلم وإن كان قد وقع في الزنا فيما قبل.

    1.   

    إقامة حد القذف على من رمى صغيراً لم يبلغ

    المسألة الرابعة: من قذف صغيراً أو صغيرة دون البلوغ، هل يقام عليه الحد أم لا؟ فلو أن إنساناً قذف صبياً ابن سبع سنين، وقال له: يا كذا، أو قذف صبية لا يوطأ مثلها، كأن تكون بنت أربع سنين أو ثلاث سنين، وقال لها: يا كذا، فهل يقام على هذا القاذف الحد أم لا؟

    هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم: فبعضهم أجرى الآية على ظاهرها وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4]، والحافظ أبو بكر بن المنذر رحمه الله قال: لا يقام عليه الحد؛ لأن المقذوف لا يلزمه حد، يعني حتى لو أن صبياً جيء عليه ليس بأربعة شهود بل بأربعمائة وشهدوا عليه بأنه زنى فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأن القلم مرفوع عنه، فالإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله قال: لا يقام عليه الحد؛ لأنه لا يلزمه حد حتى لو ثبت عليه الزنا، ثم إنه لا تلحقه المعرة، يعني: أن الصبي الصغير لا يشعر بالمعرة، ولا الصبية الصغيرة تشعر بالمعرة مثلما يشعر بها الكبير، بدليل أن الصغير أو الصغيرة قد تغاضبه أمه، وربما تضربه ثم بعد حين يكون طبيعياً جداً ويضحك ويلعب وكأنه ما أصابه شيء، ولا لحقه شيء، بخلاف الإنسان الكبير.

    إذاً المسألة الأولى التي ذكرناها: أن حد القذف هل هو حق لله أو حق للآدمي؟

    المسألة الثانية: لو أن رجلاً رمى آخر بهاء التأنيث الفارقة، بأن قال لرجل: يا زانية، أو قال لامرأة: يا زان.

    المسألة الثالثة: لو أن مشركاً أو كتابياً وقع في الزنا حال كفره، ثم بعد ذلك أسلم، فرماه رجل. قلنا: إن الأمر لا يخلو من ثلاثة أحوال.

    المسألة الرابعة: لو أن إنساناً ثبت عليه الزنا ببينة أو إقرار، ثم بعد ذلك رماه رام، فهل هذا الرامي يقام عليه الحد أو لا؟ فهذه أربع مسائل.

    والمسألة الخامسة: من رمى صغيراً لا يتأتى منه الزنا، أو صغيرةً لا يشتهى مثلها، فهل يقام على هذا الرامي الحد أو لا؟

    نقف عند هذا الحد إن شاء الله، وإن شاء الله غداً يكون ختام الكلام عن أحكام هذه الآية، أسأل الله أن ينفعني وإياكم.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.