إسلام ويب

تفسير سورة النور - الآية [3] الثانيللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المؤمن الطيب يتخير له في النكاح طيبة الأخلاق، كريمة الأصل، والزاني ينكح زانية مثله، وتوبة الزانية والزاني تعيدهما إلى ما كانا عليه قبل فعلهما، فيصح تزويجهما، والزواج منهما، ويصح العقد على الحامل ممن زنى بها، وشك الرجل في امرأته لا يفسخ النكاح، ومن نكح زانية بقصد حفظها وعفتها فأجره على الله

    1.   

    تلخيص لما سبق من الأحكام المتعلقة بنكاح الزاني والزانية

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فيقول الله عز وجل: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3].

    وقد تقدم معنا الكلام في أن النكاح في كلام ربنا جل جلاله يطلق مراداً به العقد، كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ[الأحزاب:49]، فهنا نكحتم بمعنى عقدتم، ويطلق مراداً به الوطء، كما في قول الله عز وجل: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ[البقرة:230]، وقد قال بعض أهل العلم: بأن النكاح حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، من باب إطلاق المسبب على السبب، بمعنى أن الوطء سببه النكاح، وقد استدلوا على ذلك ببعض كلام العرب، كقول من قال:

    إذا سقى الله قوماً صوب غادية فلا سقى الله أهل الكوفة المطر

    التاركين على طهر نساءهم والناكحين بشطي دجلة البقرا

    فلا يمكن أن تحمل إلا على الوطء، وإلا فإن البقر لا ينكح، بمعنى: أنه لا يعقد عليه.

    وجمهور العلماء على أنه لو عقد إنسان عفيف -نسأل الله أن يرزقنا جميعاً العفة- على امرأة زانية، أو العكس لو أن رجلاً زانياً -عياذاً بالله- عقد على امرأة عفيفة فإن هذا النكاح صحيح استدلالاً بعموم قول الله عز وجل: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ[النساء:24]، وقول الله عز وجل: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ[النور:32]، واستدلالاً بالحديث الذي صححه جماعة من أهل العلم: أن رجلاً شكى للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا رسول الله! إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال: غربها قال: أخشى أن تتبعها نفسي، قال: فأمسكها )، وهذا الذي عليه جماهير العلماء.

    وذهب الإمام أحمد رحمه الله وجماعة من أهل الحديث إلى أن نكاح العفيف للزانية باطل، ونكاح الزاني للعفيفة باطل، ولا يصح هذا العقد، استدلالاً بهذه الآية، وهي: قول الله عز وجل: وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]، قالوا: وحرم ذلك أي: التزويج، تفسيراً للنكاح هاهنا بأنه التزويج، واستدلالاً أيضاً بقول الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ[المائدة:5]، فاشترط ربنا في الرجل الناكح أن يكون محصناً غير مسافح، ومحصن أي: عفيف، غير مسافح، أي: غير زان.

    وكذلك في النساء قال: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ[النساء:25]، ثم استدلوا بسبب نزول هذه الآية فإنها نزلت في شأن مرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه حين قال: ( يا رسول الله! أنكح عناقاً، فنزلت هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تنكحها )، أو أنها نزلت في شأن رجل يريد أن ينكح امرأة يقال لها: أم مهزول وكانت معروفة بالزنا عياذاً بالله.

    فهذه هي مجمل أدلة الفريقين، وتقدم معنا الكلام في أنه لا يمكن حمل الآية هنا على التزويج؛ لوجود قرينة في الآية تدل على فساد هذا القول، وهو أن الله عز وجل ذكر المشركة بعد الزانية، وذكر المشرك بعد الزاني، ولا يقول أحد من أهل العلم بجواز أن ينكح الزاني المسلم مشركة، ولا يقول أحد من أهل العلم بجواز نكاح المشرك لمسلمة زانية، فالزاني أو الزانية في نهاية الأمر هما مسلمان، ولا يجوز نكاحهما لمشرك؛ لأن الله قال: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ[البقرة:221]، وقال: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ[الممتحنة:10]، وقال: وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا[البقرة:221]، وقال: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ[الممتحنة:10]، فهذه آيات ونصوص قطعية مانعة من تزويج المسلم أو المسلمة، للمشركة أو المشرك.

    أيضاً قالوا: لو كان معنى النكاح في الآية التزويج، للزم من ذلك أن العفيف الذي يتزوج بزانية يقام عليه حد الزنا، والعفيفة التي تتزوج بزان يقام عليها حد الزنا؛ لأن الله قال: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً[النور:3]، المعنى: أن الزاني لا يتزوج إلا بزانية أو مشركة؛ إذاً لو أن عفيفاً تزوج بزانية فقد حكم عليه بالزنا؛ ولزم أن يقام عليه الحد.

    بقي بعد ذلك أن أنبه على خمس مسائل:

    1.   

    نكاح الزاني والزانية إذا تابا

    المسألة الأولى: اتفق أهل العلم على أن الزاني والزانية إذا تابا جاز نكاحهما، فلو أن إنساناً وقع في الزنا ثم تاب، أو أن امرأة وقعت في الزنا ثم تابت، أو لو أنه زنى بها -عينها- ثم تابا إلى الله عز وجل فإن نكاحهما جائز؛ استدلالاً بآية الفرقان، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً [الفرقان:68-69]، ثم قال: إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:70]، واستدلالاً بحديث أمنا عائشة رضي الله عنها موقوفاً عليها، قالت: لا يحرم الحرام الحلال. والحرام هو الزنا، والحلال هو الزواج.

    فالزنا الذي حصل منهما لا يحرم الحلال الطيب الذي أباحه الله عز وجل، واستدل بعض الصحابة بالقياس، قالوا: لو أن رجلاً سرق ثمراً من بستان رجل آخر، ثم اشترى منه ذلك البستان. فما سرقه قبل فهو حرام، وشراؤه إياه حلال، فالأكل الأول حرام؛ لأنه نتج من طريق حرام، ولو أكل بعدما اشترى فإنه حلال.

    فكذلك من وطئ في الزنا فإن وطأه حرام، ثم إنه إذا وطئ في نكاح حلال فوطؤه حلال.

    هكذا قاس بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

    إذاً لو أن إنساناً جاءك - وهذا يحصل كثيراً الآن - يقول لك: بأني زانٍ، زنيت فيما مضى، وأريد أن أتزوج بمن زنيت بها، وقد تبنا إلى الله عز وجل وندمنا، فإننا نقول له: على بركة الله إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، وإن الله تعالى لا يمحو الخبيث بالخبيث، ولكن يمحو الخبيث بالطيب.

    كذلك لو أن إنساناً أتاك فقال لك -وهذا أيضاً كثير- يقول لك: بأني قد كانت لي فيما مضى علاقات مشبوهة، وقد استقام أمري وصلح حالي والحمد لله، وأريد أن أتزوج بفتاة دينة وقد قبلت بي، أيلزم أن أخبرها بما كان؟ قولاً واحداً نقول له: لا تخبرها يا عبد الله! فإن الله تعالى حيي في الدين، والله قد ستر عليك، فلم تفضح نفسك؟! والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله )، فالإنسان لا يفضح نفسه، ولا يتكلم بما كان منه حال جاهليته، وحال إقدامه على معصية الله عز وجل.

    1.   

    انفساخ نكاح الزانية

    المسألة الثانية: من تزوج امرأة يظنها عفيفة ثم زنت وهي في عصمته، فإن نكاحه لا ينفسخ بذلك، ولا يفسد، ولا تحرم عليه، وهذا يسأل عنه الناس كثيراً.

    نقول: الدليل على ذلك أولاً: حديث عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه قال: ( شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فخطب فينا، فوعظ وذكر، ثم قال: استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فاهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً )، عوان: جمع عانية، والعاني هو الأسير، ماذا قالت أمنا خديجة لما جاءها النبي صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، وقد خشي على نفسه؟! ( كلا والله، يا ابن عم! لا يخزيك الله أبداً، إنك لتحمل الكل -أي: الضعيف- وتفك العاني -أي: الأسير- وتقري الضيف )، تقري بمعنى: تكرم الضيف، يعني: تقول له: الجزاء من جنس العمل، أنت أعمالك كلها طيبة، عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك تقول له: لا يخزيك الله أبداً.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يشبه المرأة عند زوجها بالأسير، والمرأة فعلاً عند زوجها أسيرة؛ ولذلك يوصي بها صلى الله عليه وسلم خيراً، فهذه الأسيرة لا يكرمها إلا الكريم، ولا يهينها إلا اللئيم، فالإنسان الطيب يستوصي بزوجه خيراً، يحسن إليها، يعطف عليها، يعاشرها بالمعروف، يلين لها الكلام، إذا دخل عليها يفشي السلام، وإذا نادها يناديها بأحب أسمائها، وإذا طلب منها يطلب بطريقة طيبة، وإذا أحسنت إليه دعا لها وأثنى عليها، وينفق عليها من ماله يبتغي بذلك وجه الله، ويعدها صدقة، حتى اللقمة تجعلها في فمها صدقة ونحو ذلك مما هو امتثال لقول ربنا: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ[النساء:19].

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون من أمرهن شيئاً غير ذلك.. )، أي: إلا المعاشرة بالمعروف والاستيصاء بالخير، قال: ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح.. )، والضرب غير المبرح كما قال أهل العلم هو: الذي لا يكسر عظماً، ولا يبضع لحماً، ولا يسيل دماً، ولا يسبب عاهة، ويقصد به التأديب والتقويم، لا الانتقام ولا الإرهاب، ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً )، ومحل الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرجال إذا أتت المرأة فاحشة مبينة بأن يعمدوا إلى تأديبهن بالهجر والضرب، ولم يقل: بأن النكاح قد فسد، ولم يقل صلى الله عليه وسلم: طلقوهن.

    ومر معنا أيضاً أن الصحابي لما قال له: ( إن امرأتي لا ترد يد لامس، فقال: غربها، قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: إذاً فأمسكها ).

    فما يظنه بعض الناس أن المرأة إذا حصل منها الفحش -نسأل الله أن يحفظنا وإياكم والمسلمين- أنها تحرم عليه، والنكاح ينفسخ ظن فاسد.

    1.   

    شك الرجل في امرأته وما يترتب عليه

    مسألة: لو أن الرجل شك في امرأته وهذا الآن وسواس يصيب كثيراً من الرجال والعياذ بالله، ويقول للمرأة: أنت كذا وكذا.. فتمتنع المرأة منه، وتقول له: أنت حرام علي، تفتي نفسها تقول: لأنه شك فيّ، والشك يحرم المرأة على الرجل، هكذا يقول بعض الناس، وهذا ليس بصحيح، بل هذا أيضاً ظن فاسد، وفي حديث الإفك، بأن النبي عليه الصلاة والسلام لما كثر كلام الناس، وضاق صدره، صعد على المنبر وقال: ( من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عنه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي -يقصد بذلك صفوان بن المعطل رضي الله عنه وأرضاه- فقام رجل من الأوس، فقال: يا رسول الله! إن كان منا معشر الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك، فإنهم أهل أن تضرب أعناقهم، فقام رجل من الخزرج فقال له: والله لا تستطيع أن تضرب عنقه )، وهو يعرف أن المقصود من الخزرج هو عبد الله ابن سلول لعنه الله، ( فقال له: بل إنك منافق، تجادل عن المنافقين، وثار الناس في المسجد، فسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكتهم، ثم دخل على عائشة فحمد الله وتشهد، ثم قال: يا عائشة ! إن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله )، فجاء الفرج من الله عز وجل ونزلت براءتها من السماء، بعدما استجارت بأبيها وأمها فأبيا أن يتكلما، قالت: ( يا أبتِ! أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله ما أدري ما أقول، ولا أعلم الغيب، قالت: يا أمي! أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما أدري ما أقول! فقالت رضي الله عنها: والله قد علمت أني لو تكلمت ما صدقتموني، ولا أقول إلا كما قال أبو يوسف : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]، ثم حولت وجهها إلى الجدار رضي الله عنها، فنزلت براءتها من السماء ).

    والمقصود أن الشك من الرجل في المرأة لا يحرمها عليه.

    إذاً: الزاني والزانية إذا تابا صح نكاحهما، ومن تزوج امرأة عفيفة ثم زنت وهي في عصمته فإن هذا الزنا لا ينفسخ به العقد، ولا يحرمها عليه وهذا القول: بأنها لا تحرم عليه قال به حتى بعض من قالوا: بأن النكاح في الآية بمعنى التزويج؛ لأنهم يفرقون بين ابتداء النكاح واستدامته.

    1.   

    إطلاق لفظ الديوث على من نكح زانية لإعفافها

    المسألة الثالثة: لا يلزم من القول بإباحة نكاح العفيف للزانية أن يكون ديوثاً، فالديوث -أجارنا الله وإياكم والمسلمين- هو الإنسان الذي يرى في أهله الخبث والمنكر والمشي البطال -كما يقول الناس- ثم يغض طرفه عن القذى، أو يغمض عينيه على القذى، ويجر ذيله على الأذى ولا يبالي، كأن هذا الأمر لا يعنيه، فهذا هو الديوث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يدخل الجنة ديوث ).

    طيب لو أن إنساناً -عفيفاً على استقامة- نكح امرأة وقد عرف من حالها الزنا فلا يجوز أن نقول: هذا الرجل ديوث؛ لأنه إنما نكحها من أجل أن يعفها ويصونها ويغنيها بالحلال عن الحرام، ويقوم على تقويمها وتهذيبها وتأديبها، وإقامتها على شرع الله عز وجل.

    ثم بعد ذلك إذا أخذ أسباب الحياطة كلها، وأبت المرأة -والعياذ بالله- إلا أن تزني فحسابها على الله، وإلا فالأصل أن الفاسد فاسد، حتى لو كان مؤذناً أو إماماً؛ ولذلك في فساد الزمان قال بعضهم:

    ليتني في المؤذنين نهاراً إنهم ينظرون فوق السطوح

    فيشيرون أو يشار إليهم حبذا كل ذات دل مليح

    يعني قال: والله يا ليت وأنا مؤذن؛ لأن المؤذن يصعد فيرى فوق السطوح فينظر إلى النساء.

    والآخر الخبيث ذهب يحج من أجل أن يرى معشوقته، حتى وجدها في الطواف، فقال:

    قف للطواف ترى الغزال المحرما حج الحجيج وعاد يقصد زمزما

    لو أن بيت الله كلم عاشقاً من قبل هذا كاد أن يتكلما

    ومن ثم مشى عند الجمرات قالوا: وظل يرمي، وقال:

    والله ما أدري وإن كنت دارياً بسبع رميت الجمر أم بثمان

    فالمقصود بأن الإنسان إذا كانت نيته طيبة، وتزوج امرأة سلوكها غير منضبط، يريد من نكاحه بها أن يصلحها، فإنه ليس ديوثاً، والأعمال بالنيات، وبعد ذلك لو أنها أبت إلا أن تفحش -والعياذ بالله- وأن تطلب الحرام بديلاً عن الحلال فحسابها على الله، والله لا يضيع أجر المحسنين.

    1.   

    العقد على الحامل من الزنا

    المسألة الرابعة: العقد على الحامل باطل عند المالكية والحنابلة و أبي يوسف من الحنفية، وهذا من باب طرح المسائل العلمية، وإلا والله أنا أعلم بأن هذه الأشياء تصك الأسماع صكاً، وتؤذي القلوب، لكن هذه أسئلة الناس في زماننا، أحياناً يحصل بأن إنساناً يقع في الفاحشة مع امرأة، أو مع فتاة ثم بعد ذلك هذا الإنسان فيه بذرة خير، فإذا تبين بأنها قد حملت منه فإنه يريد أن يصلح خطأه، وأن يتدارك ما فرط منه في جنب الله، ويقول: أريد أن أتزوجها، أي: يريد أن يعقد عليها وهي حامل.

    أقول: هذا الإنسان فيه بذرة خير؛ لأن معنى ذلك أنه يعلم بأن قدمه قد زلت، وأنه قد أتى منكراً، ولا يريد أن يتفاحش هذا المنكر، وتمتد آثاره فتصيب بريئاً، وأعني بالبريء الحمل، وإلا فالخبيث -والعياذ بالله- يزني ثم يولي مدبراً، فإذا قالت: بأن فلاناً زنى بها، انكرها وتنكر لها؛ لأنه متمرس والعياذ بالله.

    فأقول: لو أن إنساناً زنى بامرأة فحملت منه ثم أراد أن يعقد عليها، فالمالكية والحنابلة وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم من الحنفية يقولون: هذا عقد باطل.

    وأدلتهم:

    أولاً: قول الله عز وجل: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ[الطلاق:4]، فجعل الله للحامل عدة لا بد أن تستبرئ بها.

    ثانياً: ما رواه أبو داود و الحاكم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا توطأ حامل حتى تضع ).

    ثالثاً: ما رواه الترمذي و ابن ماجه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسقين ماءه زرع غيره ).

    رابعاً: ما روي عن سعيد بن المسيب رحمه الله: أن رجلاً تزوج امرأة فلما أصابها إذا هي حبلى، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما.

    أما الشافعي رحمه الله و أبو حنيفة فيقولان: إن العقد على الحامل صحيح، قالوا:

    أولاً: لأن الحرام لا يحرم الحلال، وقد مضى معنا كلام أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا يحرم الحرام الحلال.

    ثانياً: قالوا: لأن ماء الزنا لا حرمة له، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الولد للفراش وللعاهر الحجر ).

    وأقول: يمكن أن نتوسط بين القولين، أي: بين من يبطلون العقد مطلقاً ومن يصححونه مطلقاً، فنقول: إن كان العاقد هو الفاعل صح العقد؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فلا يسقين ماءه زرع غيره )، لا ينطبق في هذه الحالة.

    وكذلك ما ذكره سعيد بن المسيب : أن رجلاً تزوج امرأة فلما أصابها إذا هي حبلى، فهذا واضح بأنها حبلى من غيره.

    أما هذا فهو الذي وطئها أولاً، فاختلاط الأنساب غير حاصل والتدليس والتغرير والغش غير حاصل، فإنه يعرف ذلك وهي تعرفه.

    ثم أيضاً في ذلك إصلاح للفساد، وستر للأعراض، فالزنا فساد نريد أن نصلحه، وأيضاً نريد أن نستر على عرض رجل مسلم، وامرأة مسلمة، والشريعة متشوفة للستر على الأعراض؛ ولذلك نقول: لو أن إنساناً زنى بامرأة -عياذاً بالله-، ثم أراد أن يتزوجها، يعني: ينكحها نكاحاً شرعياً صحيحاً، فهذا العقد نصححه إن شاء الله، وقد قال بذلك هؤلاء الأئمة الكبار: الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة.

    أما عن الولد فقد ذهب سليمان بن يسار و عروة بن الزبير و إسحاق بن راهويه إلى أنه ولده، وانتصر لهذا أبو العباس بن تيمية و أبو عبد الله بن القيم ، ويفتي به بعض المعاصرين المحققين، فلو أن إنساناً زنى بفتاة فحملت منه ثم تزوجها على ما شرع ربنا فهذا الولد الذي كانت بدايته سفاحاً ولده، ينسب إليه، ويرث منه، واستدلوا بما يلي:

    حديث في الصحيحين، وهو حديث جريج العابد ( الذي كان يصلي فنادته أمه: يا جريج ! فقال: يا رب! أمي وصلاتي، فاستمر في صلاته، وأمه لا تدري أنه يصلي، فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، أي أنها دعت عليه، فتعرضت له -رحمه الله ورضي عنه- بغي من بغايا بني إسرائيل فأعرض عنها، فمكنت منها راعياً فأصابها فحملت منه، فلما وضعت تلك المرأة اجتمع بنو إسرائيل عليها، فقالوا لها: من أين هذا الغلام؟ قالت: من جريج العابد ، فجاء الرعاع والدهماء على عادتهم في عدم التثبت فضربوه، وشتموه، وأهانوه، وهدموا صومعته، فصلى جريج رضي الله عنه ودعا الله بأن يكشف عنه هذه الغمة، ثم جاء فطعن في خاصرة الغلام، وقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، أنطق الله هذا الرضيع، فجاء القوم واعتذروا إليه وقبلوا رأسه وقالوا: نعيد لك الصومعة ذهباً، فقال: أعيدوها طيناً كما كانت ).

    والشاهد من هذا أن الله أنطق الغلام بشيء لا يحتمل الكذب؛ لأنها معجزة، وسمى من زنى بأمه أباً، فقد قال: أبي فلان الراعي، فثبتت له الأبوة مع كونه مسافحاً غير ناكح في الحلال، فلما كان أبوه في الحقيقة صار أبوه شرعاً.

    ثانياً: القياس، فإن هذا الولد الناتج من السفاح يلحق بأمه، فينسب إليها، يقال: فلان بن سمية مثلاً، ويرث منها، فلم لا يلحق بأبيه الذي ادعاه ولم يجد من يعارضه؟ والولد معلوم بأنه متخلق من ماء الأب والأم؛ إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ[الإنسان:2]، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:6-7]، صلب أبيه، وترائب أمه على تفسير الأولين.

    ثالثاً: قالوا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الولد للفراش وللعاهر الحجر )، هذا إنما يكون عند التنازع، فإذا تنازع اثنان في ولد نحكم به لصاحب الفراش، وهو زوج أمه، وإن كان شبهه بالآخر بيناً، وهنا لا يوجد تنازع، ففي هذه الحالة نحكم به له.

    ولو أننا نظرنا إلى هذه المسألة على ضوء واقعنا المعاصر نجد بأن هذا القول الذي قال به سليمان بن يسار و عروة بن الزبير و إسحاق بن راهويه والإمام أحمد وبعض المعاصرين قول وجيه، لماذا؟

    لأنا لو قلنا له: أنت ما نكحت نكاحاً شرعياً فلا يكون ولدك، فإن النتيجة ستكون مؤلمة، إما أن يقتل هذا الرضيع بأن يرمى به في بئر أو في المزابل فتنهشه الكلاب كما يصنع من لا خلاق له، وإما أن يسلم إلى دار اللقطاء، فيخرج لا يعرف له أباً ولا أماً، فيصاب بمشاكل نفسية وما إلى ذلك، ولربما في النهاية يؤخذ من بعض النصارى ويسافر به إلى هولندا أو إلى غيرها فيرجع إلى البلد منصراً، وهو من نتاج رجل مسلم وامرأة مسلمة، وإن كانا زانيين؛ ولذلك نقول: هذا القول هو الأقرب للصواب على ضوء الواقع المعاصر، والعلم عند الله تعالى، نقف عند هذا الحد.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.