إسلام ويب

تفسير سورة النور - الآية [2] الخامسللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حرص الإسلام على الستر، ومن هنا اشترط لإثبات فاحشة الزنا أربعة شهود، أو الإقرار أربع مرات ولم يقبل إقرار المكره، وجعل أيضاً حد القذف على من رمى غيره بالزنا بدون بينة، وأما من أقر بحدٍ لم يسمه فإنه ليس عليه حد، والحكم فيمن أقر بالزنا مراراً قبل أن يقام عليه الحد أن يقام عليه حد واحد.

    1.   

    اشتراط الإقرار بالزنا أربع مرات

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    قال تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2].

    المسائل التي سبق الكلام عنها تتمثل في تعريف الزنا، ثم بيان الحد الذي أوجبه الله عز وجل، وهو الجلد مع التغريب لمن كان بكراً، والرجم لمن كان ثيباً، ثم الكلام عن الوسائل التي يثبت بها الزنا، والتي تتمثل في البينة والإقرار، ثم الكيفية التي ينفذ بها حكم الله عز وجل في هذه الآية، ويتحقق بها قوله سبحانه: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النور:2].

    لعل هذا الدرس إن شاء الله يكون مسك الختام في الكلام عن الأحكام التي تتعلق بهذه الآية، وأختم في هذا الدرس إن شاء الله بذكر عشر مسائل على سبيل الاختصار:

    المسألة الأولى: هل يشترط في الإقرار أن يكون أربع مرات؟ فلو أن إنساناً جاء فأقر على نفسه بأنه قد زنى؛ رجلاً كان أو امرأة، فهل يكتفى بإقراره مرة، أم لا بد من أن يكرره أربع مرات؟

    الإمامان الجليلان أبو حنيفة و أحمد قالا: لا بد من الإقرار أربع مرات، استدلالاً بالنص وبالقياس.

    أما النص فما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه: ( أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إني زنيت فطهرني، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم، فجاءه من قبالة وجهه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت فطهرني، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم، فجاءه في الثالثة فأعرض عنه، فجاءه في الرابعة، بعد ذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أبك جنون؟ أسكران أنت؟ لعلك ما زنيت؟ لعلك قبلت؟ لعلك غمزت )، فالشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أخذ ماعزاً بإقراره إلا بعدما كرره أربع مرات.

    ثم من ناحية القياس قالوا: إذا كانت البينة لا تقبل إلا إذا كان الشهود أربعة فكذلك الإقرار مثله.

    أما الإمامان مالك و الشافعي فقد قالوا: يكفي الإقرار مرةً واحدة، استدلالاً بالنص كذلك، واستدلالاً بالمعقول.

    أما من ناحية النص فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها )، ما قال له: فإن اعترفت أربع مرات.

    وكذلك في قصة الغامدية رضي الله عنها، النبي عليه الصلاة والسلام ما طلب منها أن تقر على نفسها أربع مرات، لما قالت: ( يا رسول الله! إني حبلى من الزنا )، اكتفى النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام، وأقام عليها الحد بعدما وضعت ثم فطمت.

    ثم من ناحية المعقول فإنه يبعد أن الإنسان يقر على نفسه بشيء لم يفعله، وهو يعلم بأن هذا الإقرار سيترتب عليه إما جلد وإما رجم.

    ويمكن أن نجمع بين القولين فنقول بأن الأمر موكول إلى الحاكم أو إلى القاضي، فإن رأى أن المقر رجل عاقل بصير بما يقول، ويعلم عاقبة إقراره فإنه يكتفى بمرة واحدة، أما إذا داخله الشك في كلامه أو لاحظ أن زيغاً قد يكون في عقله، أو أنه لا يعلم عاقبة أمره، فها هنا لا بد من أن يطلب أن يكرر الإقرار مراراً حتى يصل إلى قناعة بأن هذا الإنسان فعلاً قد أتى هذه الجريمة.

    1.   

    إقرار المكره

    المسألة الثانية: لا يقبل إقرار المكره، فالإقرار لا بد فيه من الاختيار، أما إذا كان إقراراً تحت التهديد، وهذا يحصل كثيراً ليس في جريمة الزنا وحدها؛ بل في جرائم كثيرة، فربما تقبض الشرطة على واحد من الناس، ثم بعد ذلك تحت التهديد والوعيد والتخويف يقر بما لم يكن.

    وحصل في بعض بلاد لله أن إنساناً صدمته سيارة فقتل، فقبض على خمسة أشخاص كلهم أقر بأنه القاتل؛ لأنهم يعلمون بأن من لم يقر فإنه سيتعرض لما لا تتحمله الجبال، ولا شك أن هذا أسلوب غير مقبول، وغير إنساني، وغير شرعي، ولا يؤيده أبداً من كان عنده ذرة من إنسانية، فقد تجد إنساناً يهدد بأنه سيصب عليه زيت يغلي، أو أنه ستنزع أظافيره، أو أنه ستنتف لحيته بالكماشة ونحو ذلك مما يفعله عتاة البشر ممن لا يرجون لله وقاراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا )، والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحداً.

    1.   

    إقرار شخص زناه بامرأة أنكرته في دعواه

    المسألة الثالثة: إذا أقر إنسان على نفسه بالزنا، وسمى المرأة التي زنى بها فكذبته، لزمه حدان: حد الزنا بإقراره على نفسه، وحد القذف بتسميته للمرأة وليس ثمة بينة.

    نكرر مرة ثانية: لو أن إنساناً أقر على نفسه بالزنا بامرأة سماها، قال: والله أنا زنيت بفلانة، ثم بعد ذلك المرأة كذبته، فإنه يلزمه حدان، يحد حد الزنا؛ لأنه أقر على نفسه، ثم يحد حد الفرية؛ لأنه قذف تلك المرأة بغير دليل، فقد يكون كاذباً، وقد يكون صادقاً -الله أعلم- الغيب لا نعلمه؛ ولذلك الشريعة أراحتنا بأن الذي يتكلم إما أن يأتي بالبينة وإلا حد في ظهره.

    وقد ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن رجلاً جاء فأقر على نفسه بالزنا، وسمى المرأة التي زنى بها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فجلد مائةً، ثم سأله البينة على المرأة فأكذبته )، المرأة كذبته قالت: أبداً ما زنى بي ولا رأيته ( فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد ثمانين )، فصارت مائةً وثمانين جلدة.

    1.   

    الإقرار بالحد مع عدم تسميته

    المسألة الرابعة: من أقر على نفسه بحد لم يسمه، فإنه لا يقام عليه، فيما مضى ذكرنا أن الحدود سبعة وهي الزنا والقذف، والحرابة، والسرقة، والخمر، والردة، والبغي.

    فإذا جاء شخص فقال: أنا أصبت حداً، ولم يسم هذا الحد، فكأنه ما قال شيئاً، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله! إني أصبت حداً فأقمه علي، فلم يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أقيمت الصلاة فصلى، ثم قال: يا رسول الله! إني أصبت حداً فأقم علي كتاب الله )، في المرة الأولى قال: (فأقمه علي)، وهذه المرة قال: (فأقم علي كتاب الله)، ( فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أليس قد صليت معنا؟ فقال: بلى. قال: فإن الله قد غفر لك حدك )، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما سأله، ما قال له: ما هو الحد الذي فعلته؟ وهذه طريقته صلى الله عليه وسلم، ما عندنا نحن المسلمين كرسي الاعتراف، أن يذهب الإنسان إلى القسيس ويقول له: إني فعلت مصيبة، يقول له: وما هي؟ يقول له: لقيت امرأةً، ثم ذهبت معها، ثم فعلت معها كذا وكذا، ما عندنا هذا الكلام أبداً؛ ولذلك لو جاءك واحد من الناس وقال لك: يا فلان، أنا والله أذنبت ذنباً ما تقول له: ذنبك ماذا؟ لا، الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه رجل قال: ( يا رسول الله! أذنبت ذنباً، قال له: ألك أم؟ قال: لا. قال: ألك خالة؟ قال: نعم، قال: برها )، اذهب فبر خالتك هذه، أعطها كيس موز، أو اذهب إليها وامسح على رأسها، أو قبل يدها، إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، فالإنسان لا يفضح نفسه -أسأل الله أن يستر علينا في الدنيا والآخرة- وهذا يخطئ فيه كثير من الناس، حتى والله مرة واحد من الناس جاءني وقال لي: والله أنا أزني كثيراً، لم يقل: أنا زنيت؛ بل قال: أنا أزني كثيراً، أسأل الله العافية.

    1.   

    الإقرار بالزنا مراراً قبل أن يقام الحد

    المسألة الخامسة: من أقر على نفسه بالزنا مراراً قبل أن يقام عليه الحد فإنه يكفيه حد واحد، مثل هذا الذي قال: أنا زنيت كثيراً، فمن أقر على نفسه بالزنا مراراً قبل أن يقام عليه الحد فإنه يكفي حد واحد.

    1.   

    الحفر للمرجوم ومقداره

    المسألة السادسة: هل يحفر للمرجوم؟

    وقد مر معنا أنه يحفر له حتى حقويه، وبعضهم قال: حتى ثندوتيه، أي إلى محل الثدي، استدلالاً بحديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أنهم حفروا لـماعز حفيرة؛ لأنه مضى معنا أن ماعزاً هرب، وبعض الناس قد يقول: كيف حفر له ثم هرب؟ فنقول: الموت إذا جاء الإنسان فإنه يتصرف، ربما تكون حفيرة صغيرة استطاع أن يتخلص منها، وبعض أهل العلم قالوا: لا يحفر له، استدلالاً بحديث أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال: ( فما أوثقناه ولا حفرنا له )، هذا بالنسبة لـماعز قال: (ما أوثقناه)، أي: ما ربطناه (ولا حفرنا له).

    فلو طبقنا القاعدة الحديثية أو القاعدة الأصولية التي تقول: بأن المثبت مقدم على النافي، فسنأخذ بقول بريدة رضي الله عنه، وليس بقول أبي سعيد ؛ لأن أبا سعيد يقول: ما أوثقناه ولا حفرنا له، و بريدة يقول: فحفرت له حفيرة.

    مثال آخر: السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: ( من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً )، و حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم مر على سباطة قوم فبال قائماً )، هنا حذيفة يثبت، و عائشة تنفي، فنأخذ بقول حذيفة؛ لأن مع المثبت زيادة علم ليست عند النافي، وهذا ينطبق على كثير من النصوص التي تعارضت فيها أقوال الصحابة عليهم من الله الرضوان.

    وبعض أهل العلم فرق بين صنفين من الزناة، فقال: من كان زناه ثابتاً بالبينة فإنه يحفر له، ومن كان زناه ثابتاً بالإقرار فلا يحفر له، فإذا كان الزنا ثابتاً بالبينة وبالشهادة يحفر له، أما من كان زناه ثابتاً بإقراره على نفسه فلا يحفر له، من أجل أن يعطى فرصة للهرب إن كان يريد أن يهرب، أما من ثبتت عليه الجريمة بالشهادة فلو هرب فإنه يدرك إجماعاً، هذه ما فيها خلاف، فلا بد أن يؤتى به ويقام عليه حد الله عز وجل.

    1.   

    إقامة حد البكر على المحصن

    المسألة السابعة: لو أن إنساناً زنى، فظنه الإمام بكراً، فجلده مائةً، ثم استبان له أنه ثيب، فإنه يرجمه، والإمام نعني به القاضي الآن، ففي هذه الحالة ما نقول: يكتفى بالجلد، وإنما يرجم؛ ( لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده زنى رجل فظنه بكراً فأقام عليه الحد مائةً، ثم قيل: يا رسول الله إنه محصن، فأمر به صلى الله عليه وسلم فرجم ).

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، صل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.