إسلام ويب

تواضع المصطفى عليه الصلاة والسلامللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان الأنبياء كما في الخبر (إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد)، والنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان أفضل الأنبياء، فقد كان ينهى عن أن يفضله أحد على غيره منهم، كما كان يثني عليهم ويمدحهم ويوضح ويجلي ما قد يفهمه البعض منقصة في حق بعضهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين

    1.   

    مدح النبي صلى الله عليه وسلم لأخيه يونس عليه السلام ودفاعه عنه

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    وأسأله سبحانه أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا.

    لقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن ننزل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم منازلهم، وأن نعرف لهم أقدارهم وأن نحبهم ونجلهم، وهذا من تواضعه صلوات ربي وسلامه عليه، فقد كان دائماً يثني على إخوانه الأنبياء وقد علمنا أن (الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد).

    ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام أن بعض الأنبياء الذين ذكر القرآن عنهم أموراً ربما تشتبه على بعض الناس، ولربما يتبعها من في قلوبهم زيغ للطعن فيهم، فحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبرئهم وعلى أن يجلهم.

    إن نبي الله يونس عليه السلام الذي ذكرت قصته في سورة الأنبياء، قال سبحانه عنه: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ[الأنبياء:87]، أي: أن لن نضيق عليه، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، ونقرأ في القرآن أن الحوت ابتلعه وهو مليم، وأن الحوت نبذه بالعراء، ونحو ذلك من الآيات، فربما يظن بعض الناس أن فيها انتقاصاً لقدر نبي الله يونس عليه السلام، ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم قد قطع الطريق أمام هذا الظن؛ حيث ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قال: ( لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى )، (لا ينبغي لعبد)، هكذا على العموم، ( أن يقول: أنا خير من يونس بن متى ).

    ولما أوى صلوات ربي وسلامه عليه إلى بستان شيبة بن ربيعة في طريق قفوله من الطائف بعدما رجم بالحجارة حتى دمي عقباه صلوات ربي وسلامه عليه، وكان الدم يسيل منه، فعطفت بـشيبة بن ربيعة الرحم، يعني أنه شعر بنوع من العطف نحو النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر غلامه عداساً بأن يحمل قطفاً من العنب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فمد الرسول صلى الله عليه وسلم يده للقطف وقال: (بسم الله، فقال عداس: ما سمعت أحداً من أهل هذه البلاد يقول هذا الكلام)، فهم لا يعرفون الله! ويقولون: باسم اللات، باسم العزى، باسم مناة الثالثة الأخرى، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ( من أي البلاد أنت؟ قال: أنا من نينوى، قال: من قرية العبد الصالح يونس بن متى، فقال له عداس: وما أعلمك ما يونس بن متى؟ فقال له: ذاك أخي هو نبي وأنا نبي، فأكب عداس يقبل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه، فقال عتبة بن ربيعة لأخيه: إن محمداً قد أفسد عليك غلامك )، والشاهد هنا: أن النبي عليه الصلاة والسلام وصف يونس بأنه عبد صالح عليه الصلاة والسلام.

    ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على لوط عليه السلام

    ونقرأ في سورة هود قول الله عز وجل على لسان لوط مخاطباً الملائكة: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80]، يعني: يا ليتني كنت شاباً جلداً قوياً؛ من أجل أن أخرج معكم فنضرب هؤلاء الفسقة الفجرة ونقتلهم.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يرحم الله لوطاً فقد كان يأوي إلى ركن شديد ).

    ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على يوسف عليه السلام

    وسيأتي معنا في سورة يوسف أن يوسف عليه السلام دخل السجن ظلماً ولبث فيه بضع سنين، حتى رأى الملك في منامه رؤيا: أن سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات ضعاف -عجاف-، ورأى سبع سنبلات خضر وأخر يابسات، وطلب تأويل تلك الرؤيا، فجاء رفيق يوسف عليه السلام في السجن إليه، وحكى له تلك الرؤيا فأولها، فطلب الملك أن يخرج يوسف عليه السلام للقائه، لكنه أبى، وقال: قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف:50]، أنا لا أرضى بالخروج إلا بعد أن يعاد التحقيق في تلك الواقعة التي اتهمت فيها ظلماً بأنني أردت بامرأة العزيز سوءاً، فلابد أن يعاد التحقيق.

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم مثنياً على يوسف: ( لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم دعيت لأجبت الداعي )، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: لو كنت مكان يوسف ومكثت في السجن ثلاث سنين إلى تسع سنوات؛ لأن البضع من الثلاث إلى التسع، يقول الله عز وجل: فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [يوسف:42]، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: لو كنت مكانه فقيل لي: اخرج، لخرجت، ولما طلبت أن يعاد التحقيق، فهذا ثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم على يوسف بأنه كان رجلاً صبوراً، شكوراً، محتسباً، مفوضاً أمره إلى الله، حريصاً على تبرئة ساحته صلوات ربي وسلامه عليه.

    ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على إبراهيم عليه السلام ودفاعه عنه

    وحين نقرأ قول الله عز وجل: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي[البقرة:260]، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نحن أولى بالشك من إبراهيم ).

    فبعض الناس قد يقرأ هذه الآية فيظن أن إبراهيم عليه السلام شك في قدرة الله، حين قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى[البقرة:260]، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ينفي عن إبراهيم هذه التهمة، فيقول: لو أن إبراهيم قد شك فنحن أولى بالشك منه، كأنه عليه الصلاة والسلام يجل هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه أن يتسرب إلى نفسه شك، أو أن يتطرق إلى إيمانه ريب، عليه الصلاة والسلام.

    ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على موسى عليه السلام

    وكذلك لما آذاه ذو الخويصرة التميمي الأعرابي الجاهل، وقال له: ( يا محمد! اتق الله واعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام حتى تغير وجهه ثم مسح على وجهه وقال: يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر )، يثني على موسى عليه السلام بأنه أوذي أكثر من الأذى الذي وجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأنه صبر.

    ونبينا عليه الصلاة والسلام قال: ( ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله )، يرفع الله عز وجل المتواضعين في الدنيا والآخرة، وبالمقابل فإن المتكبرين موضوعون، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم).

    فهذا الذي كان منتفخاً، مغروراً، يحشر يوم القيامة كالنمل الصغار، يطؤهم الناس بأقدامهم.

    1.   

    صور أخرى من تواضعه صلى الله عليه وسلم

    لقد كان من تواضع نبينا عليه الصلاة والسلام أنه يقبل على محدثه بوجهه، وما رؤي مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له، وكان يركب الحمار ويردف خلفه، ويدخل السوق ويحمل متاعه بنفسه صلوات ربي وسلامه عليه.

    ومن تواضعه: أنه كان ينهى أصحابه عن القيام له، فيقول: ( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم لملوكها )، وكان ينهاهم أن يطروه وأن يبالغوا في مدحه، فيقول: ( لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ).

    ومن تواضعه صلوات ربي وسلامه عليه: أنه كان إذا صافحه إنسان لا ينزع يده حتى يكون الآخر هو الذي ينزع.

    ومن تواضعه: أنه كان إذا استدناه أحد الناس ليكلمه فإنه يرخي أذنه، ولا يتنحى حتى يكون الآخر هو الذي يتنحى.

    ومن تواضعه: أنه كان يجيب دعوة من دعاه، وربما دعي إلى إهالة سنخة فأجاب صلوات ربي وسلامه عليه.

    أسأل الله أن يهدينا لأحسن الأخلاق.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.