إسلام ويب

من سورة النور [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وصف الله تعالى نفسه بأنه نور السموات والأرض، فهو منورها وهاديها ومزينها، وتفسير النور الوارد في القرآن يكون بحسب السياق الوارد فيه، وقد مثل الله لنوره بالمصباح الذي يوقد من زيت شجر الزيتون المبارك. وقد يوصف الله تعالى بالنور، وكذلك رسوله والمؤمنون، والقرآن والإسلام كل بحسب السياق الذي ذكر فيه.

    1.   

    تشبيه الله تعالى لنوره بمصباح في زجاجة

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    في الآية الخامسة والثلاثين من سورة النور يقول ربنا تبارك وتعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

    قوله جل جلاله: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ[النور:35].

    قال ابن عباس : المعنى: الله هادي أهل السموات والأرض، وقال مجاهد رحمه الله: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ[النور:35]، أي: الله مدبر أمر السموات والأرض، وقال الحسن رحمه الله: الله منور السموات والأرض، وقال أبو العالية : الله مزين السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء.

    وفي قراءة غير متواترة: (الله نور السموات والأرض).

    أما كونه جل جلاله نوراً فقد وصفه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح أن أبا ذر رضي الله عنه سأله، فقال له: (يا رسول الله! هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟)، وفي لفظ: ( رأيت نوراً )، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ).

    ورود وصف النور في القرآن لأكثر من موصوف ومعنى ذلك

    الله جل جلاله وصف نفسه بأنه نور، وفي آية وصف القرآن بأنه نور فقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً[الشورى:52]، وفي آية أخرى وصف التوراة بأنها نور فقال: قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ[الأنعام:91]، وفي آية أخرى وصف محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه نور، فقال سبحانه: قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15]، قال أهل التفسير: النور هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم.

    قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: والذي يقتضيه السياق القرآني أن تفسر كلمة النور في كل موضع بما يناسبها، يعني: كلمة النور ليست على وتيرة واحدة في كل موضع، ولا على معنى واحد، فمثلاً إذا وصف الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه نور فليس معنى ذلك ما يعتقده بعض الناس أنه عليه الصلاة والسلام كان نوراً محسوساً، وإنما كلامه نور وأفعاله نور وهديه نور، صلوات ربي وسلامه عليه، وإلا لو كان نوراً محسوساً لنقل إلينا الصحابة ذلك، لكننا نقرأ في الحديث الصحيح عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( افتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء، فقمت ألتمسه في الظلام، فوقعت يدي على بطن رجله وهو ساجد يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )، فلو كان نوراً محسوساً كما يظن بعض الناس؛ لما احتاجت عائشة رضي الله عنها أن تلتمسه في الظلام.

    ما يجب من الاعتقاد في صفات الله سبحانه وتعالى

    يقول الله عز وجل: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ[النور:35]، إذا وصف الله جل جلاله نفسه بأنه نور، وسمى نفسه نوراً، ومثل هذا في سائر الصفات نمرها كما جاءت، ونعتقدها على ظاهرها ونفوض كيفيتها إلى عالمها جل جلاله، لكن آثار نوره في الكون حسية ومعنوية ظاهرة.

    وورد في بعض الآيات أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً [نوح:15-16]، فهذه من آثار نوره جل جلاله.

    كذلك الأنوار المعنوية التي يهتدي بها الناس، فيميزون الخبيث من الطيب والهدى من الضلال.

    1.   

    معنى المشكاة ومكونات المصباح

    اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ[النور:35]، المشكاة: الكوة في الجدار، وهي غير النافذة، فهي ما يسميه الناس الآن بالمنور، يعني أن توجد كوة في الجدار من أجل أن يوضع فيها المصباح فيستجمع الضوء.

    كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ[النور:35]، هذا المصباح كما هو معروف يتكون من عناصر أربعة: يتكون من فتيل يضيء، وزيت أو مادة تغذي ذلك الفتيل وتشتعل، ثم بعد ذلك زجاجة، هذه الزجاجة تمنع هذا الضوء من أن تعتوره الرياح فتذهب بنوره أو تطفئه، ثم الجسم السفلي.

    يقول الله عز وجل: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ[النور:35]، الزجاجة ليست كسائر الزجاج، بل هي صافية نيرة.

    كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ[النور:35]، أي: كأنها خلقت من الدر.

    علة وصف الشجرة بالمباركة ووصف منبتها

    وهذا المصباح يوقد من شجرة مباركة، قيل: سمى الله عز وجل شجرة الزيتون شجرة مباركة؛ لأنها من شجر بلاد الشام، وبلاد الشام مباركة بنص القرآن، يقول الله عز وجل عن إبراهيم: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:71]، ويقول الله عز وجل: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ[الإسراء:1]، قال المفسرون: باركنا حوله بكثرة ما أنبت الله من الأشجار والثمار، وبكثرة من دفن هنالك من الأنبياء والصالحين.

    يقول الله عز وجل: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ[النور:35]، هذه الشجرة شجرة الزيتون.

    ثم يصفها جل جلاله بأنها لا شرقية ولا غربية، أي أن هذه الشجرة ليست نابتة في ناحية الشرق من أجل ألا يأتيها الضوء إلا صباحاً، وليست هي في ناحية الغرب من أجل ألا يصيبها الضوء إلا مساء، لكنها شجرة متوسطة، تستفيد من الضوء صباحاً ومساء، لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ[النور:35]، وهو أجود ما يكون لشجرة الزيتون وأصفاه.

    أقوال أهل العلم في مرجع الضمير في قوله تعالى: (مثل نوره)

    قال الله عز وجل: يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ[النور:35]، هذا الزيت من قوته وجودته وصفائه يكاد يضيء بنفسه، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:35].

    قال أهل التفسير: مَثَلُ نُورِهِ[النور:35]، الضمير يرجع إلى الآيات البينات؛ لأن الله قال في الآية التي قبلها: وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [النور:34].

    وقال بعضهم: بل النور هنا هو نور محمد صلى الله عليه وسلم، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ[النور:35]، والمشكاة صدره عليه الصلاة والسلام، فِيهَا مِصْبَاحٌ[النور:35]، المصباح قلبه عليه الصلاة والسلام.

    كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ[النور:35]، قالوا: المراد بالزجاجة هي ما أنزل الله عليه من الملائكة وما جاءه من العلم والوحي، صلوات ربي وسلامه عليه.

    يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ[النور:35]، قالوا: الزيت: الحجج البينات والآيات الساطعات التي أيد الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم.

    وقال بعض المفسرين: بل الضمير في كلمة النور هاهنا يعود للمؤمن، مَثَلُ نُورِهِ[النور:35]، أي: نور المؤمن كمشكاة. أيضاً صدره فيه مصباح، أي نور الإيمان في قلبه؛ ولذلك قال علماؤنا: نور الإيمان في القلوب ليس سواء، فبعض الناس نور الإيمان في قلبه كالسراج الوهاج، لا يصادف شبهة إلا أحرقها، ولا شهوة إلا أطفأها.

    وبعض الناس نور الإيمان في قلبه كالمصباح، وبعض الناس نور الإيمان في قلبه كنور الشمعة الخافتة التي تحركها الرياح؛ فإذا اشتدت لا تلبث أن تنطفئ والعياذ بالله!

    فنور الإيمان في القلوب ليس سواء، يؤيد هذا المعنى قول ربنا جل جلاله: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا[الأنعام:122]، فالمؤمن في هذه الدنيا يمشي بين الناس كالحي بين الأموات؛ لأنه يرى بنور الله عز وجل ويهتدي بنور الله.

    وخلاصة القول هذا المثل يطول شرحه وقد دون فيه المفسرون كلاماً كثيراً، لكن نقول: بأن الله نور، ومحمداً صلى الله عليه وسلم نور، والقرآن نور، والإيمان نور، والإسلام نور، والنور في كل موضع من هذه المواضع يفسر بما يناسبه.

    أسأل الله أن ينور قلوبنا.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.