إسلام ويب

من سورة إبراهيمللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى يخبر في كتابه العظيم أن أعمال أهل الكفر والشرك مثلها كالرماد الذي اشتدت به الريح في اليوم العاصف فلم تبق منه شيئاً؛ وما ذلك إلا لكونها غير مقبولة عند الله سبحانه، وكما مثّل للإيمان والعمل الصالح بالشجرة الطيبة العالية المثمرة، فقد مثل للكفر والشرك بشجرة خبيثة هشة غير ثابتة هي شجرة الحنظل أو الزقوم

    1.   

    تشبيه أعمال الكفار بالرماد في اليوم العاصف

    الحمد لله، وصلى الله وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ذكر الله في سورة إبراهيم ثلاثة أمثال:

    المثل الأول: في الآية الثامنة عشرة يقول الله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم:18]، الذين كفروا هم الذين أنكروا الألوهية أو الربوبية أو النبوة أو البعث أو المعاد، يضرب الله عز وجل مثلاً لأعمالهم بالرماد وهو بقايا الحريق، وهذا الرماد (اشتدت به الريح) أي: أصابته ريح شديدة (في يوم عاصف)، والعصف هو الريح الشديد، لكن الله عز وجل يصف به اليوم من باب المبالغة، كما يقال: يوم ماطر، وليل غائم، وهذا الرماد إذا أصابته الريح الشديدة فذهب ذات اليمين وذات الشمال فلا يستطيع أحد من الناس أن يجمعه، مهما أوتي من قوة، وهكذا الكفار يوم القيامة، أعمالهم التي قدموها في الدنيا: من صلة الأرحام، وكفالة الأيتام، وإغاثة المحتاجين، وإيواء المشردين، وإطعام المساكين، وغير ذلك من الأعمال التي هي في عرف الناس صالحة إلا أنها يوم القيامة مثلها كمثل ذلك الرماد.

    كما قال ربنا سبحانه: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23]، لا يقدرون على شيء من تلك الأعمال، لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا[البقرة:264].

    ولذلك لما قالت عائشة: ( يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يقري الضيف، ويفك العاني، ويحمل الكل، فهل ذلك نافعه؟ قال عليه الصلاة والسلام: ليس ذلك بنافعه إنه لم يقل: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )، فهم لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ .

    1.   

    تشبيه الله تعالى كلمة التوحيد الطيبة بالشجرة الطيبة

    المثل الثاني: في الآيتين الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين يقول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:24-25]، فالله جل جلاله يشبه الكلمة الطيبة، وهي كما قال أكثر المفسرين: كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، وقال بعضهم: بل هي العقيدة كلها، وليس مجرد الكلمة، فالله يشبهها بشجرة طيبة، ومعلوم أن الشجر منه ما هو طيب، كالتين والزيتون والنخيل والأعناب، ومنه ما هو خبيث، كالحنظل.

    والرسول عليه الصلاة والسلام شبه المنافق الذي لا يقرأ القرآن (بالحنظلة، لا ريح لها وطعمها مر)، فالله جل جلاله يشبه تلك الكلمة الطيبة بشجرة طيبة، وهذه الشجرة الطيبة يصفها بثلاثة أوصاف:

    الوصف الأول: أَصْلُهَا ثَابِتٌ، جذورها ضاربة في الأرض، قائمة بساقها شامخة، لا تؤثر عليها الرياح ولا الأعاصير، بل هي ثابتة ثبوت الجبال الرواسي؛ أَصْلُهَا ثَابِتٌ.

    الوصف الثاني: وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ، أي: أن هذه الشجرة المباركة الطيبة فروعها عالية، وأغصانها وارفة.

    الوصف الثالث -وما أحسنه!-: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، والمعنى: تؤتي أكلها في الحين الذي أذن الله لها بأن تؤتي فيه أكلها، في الصيف والشتاء، وليس المقصود بأن هذه الشجرة أبدية سرمدية لا تزول ولا تبيد، فليس لشيء في الدنيا خلود، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ.

    فهذه أوصاف ثلاثة أَصْلُهَا ثَابِتٌ، وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا.

    وكذلك كلمة التوحيد والعقيدة الحقة أصلها ثابت في القلب لا يتطرق إليها شك ولا ريب، وفرعها في السماء تنفع العبد عند الله عز وجل في الدنيا والآخر.

    ثم تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا[إبراهيم:25] أي: بما تثمر من قول طيب وعمل صالح، كما قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ[فاطر:10]، فهذه صفاتها.

    1.   

    تشبيه الله للكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة

    يقول الله عز وجل: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [إبراهيم:26].

    الكلمة الخبيثة كلمة الكفر، كقول الكفار حين يطوفون بالبيت الحرام: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.

    أو كقول الملاحدة المعاصرين: لا إله والحياة مادة، هذه كلمة خبيثة، يشبهها الله عز وجل بشجرة خبيثة، وهي شجرة الحنظلة، أو شجرة الزقوم. ويصف ربنا جل جلاله هذه الشجرة بوصفين:

    الوصف الأول: أنها (اجتثت من فوق الأرض) أي: قطعت وذهبت وبادت.

    ثم الوصف الثاني: (ما لها من قرار) أي: ليس لها ثبوت، ولا رسوخ، ولا استقرار.

    وهكذا يضرب الله عز وجل المثل للكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة.

    1.   

    مخاطبة الله لأهل النار بأنه قد ضرب لهم أمثال الأمم السابقة وهلاكهم

    المثل الثالث: في الآية الرابعة والأربعين وما بعدها يقول الله عز وجل مخاطباً الكفار في جهنم والعياذ بالله: وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ [إبراهيم:45]، بعدما قال سبحانه: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ))[إبراهيم:42-44]، فهذا وصف لحال هؤلاء الكفار.

    الله جل جلاله يقول لهم: وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ ، أي: بما ذكر في كتابه من أخبار أولئك الطغاة المكذبين الذين أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر؛ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].

    أحسن الله لي ولكم الختام.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.