إسلام ويب

من سورتي هود - الرعدللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • امتدح الله سبحانه عباده المؤمنين بالإيمان وعمل الصالحات والاستسلام له، وشبههم بالسميع البصير، ووصف الكافرين بالصد عن سبيل الله وشبههم بالأعمى والأصم، وأن الذين يدعونهم من دون الله لن يستجيبوا لهم، وشبههم بالظمآن يقف على شفير بئر ويبسط كفه إلى الماء البعيد عنه ليبلغ فاه وما هو ببالغه

    1.   

    بعض صفات المؤمنين

    الحمد لله، وصلى الله وسلم على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    في الآية الثالثة والعشرين وما بعدها من سورة هود يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:23-24].

    هاتان الآيتان المباركتان بين ربنا سبحانه في الأولى منهما أن عباده الطيبين موصوفون بثلاث صفات:

    الصفة الأولى: الإيمان، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا[هود:23]، تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان.

    الصفة الثانية: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ[هود:23]، (الصالحات): جمع صالحة، وهي كل خصلة دل الكتاب أو السنة على أنها حق وخير وصلاح.

    الصفة الثالثة: الاستسلام لله عز وجل: وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ[هود:23]، ثم ذكر جزاءهم فقال الله عز وجل: أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [هود:23].

    1.   

    بعض صفات الكافرين

    قبل ذلك وصف الله الكفار بأنهم ظالمون: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18]، ثم ثانياً: وصفهم بالصد عن سبيل الله: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمْ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ * لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ [هود:19-22]، ثم يقول الله عز وجل: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود:20]، أي: ما كانوا يستطيعون أن يستمعوا إلى الحق، وما كانوا يستطيعون أن يبصروا الآيات البينات والدلائل الواضحات التي تقود إليه.

    1.   

    تشبيه المؤمن بالبصير السميع والكافر بالأعمى الأصم

    يضرب الله عز وجل المثل للفريقين؛ فريق المؤمنين الطيبين وفريق الكافرين المضلين؛ فيقول سبحانه: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ[هود:24] وهم الكفار، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ[هود:24] وهم المؤمنون، هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:24].

    ولو رجعنا إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإننا نجد أن هذه الأمثلة واضحة، وهؤلاء الكفار يوم القيامة سيشهدون على أنفسهم بعدما يلقى بهم في جهنم والعياذ بالله! سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:8-10]، يشهدون على أنفسهم بأنهم كانوا صماً مجانين.

    نموذج للعبد المؤمن السميع

    هذه جارية مسكينة ضعيفة رومية يقال لها: زنيرة ، أسلمت وتابعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه، فعذبوها، وكانت هي جارية لبني المؤمل، قوم من قريش، كانت سيدتها تأمر الجواري والعبيد بأن يضربوها على رأسها بالنعال حتى فقدت بصرها رضي الله عنها من كثرة الضرب؛ فكانوا يسخرون منها، وكانت تطلب الماء وهي عطشى من شدة العذاب، فيقولون لها: الماء أمامك، ويضعون حجارة فإذا مشت تعثرت وسقطت، فكانوا يضحكون منها، ثم قالوا لها: أذهب بصرك اللات والعزى، قالت: كذبتم، وبيت الله! لا تنفع اللات والعزى ولا تضر، ما أذهب بصري إلا الله وهو وقادر على أن يرده، فرد الله بصرها، هذا هو السميع البصير، المؤمن، الطيب، الذي يرى بنور الله عز وجل.

    نموذج للعبد الكافر الأصم

    وبالمقابل: كفار فجار، كانت عقولهم في دنيا الناس راجحة، لكنهم والعياذ بالله صدوا عن السبيل، فهذا عتبة بن ربيعة الذي كان رجلاً يضرب به المثل في العقل، حتى إن ولده أبا حذيفة بن عتبة رضي الله عنه : ( لما رآه مجندلاً في التراب بعدما انجلى غبار بدر، وجده قتيلاً، تغير وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا حذيفة ! لعله ساءك ما قد أصاب أباك؟ قال: لا والله يا رسول الله! ولكنني كنت أرى لأبي عقلاً وحلماً، وكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام )، هذا الرجل، سبحان الله! كان يتذوق الكلام ويعرف الخطاب، ( يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له: يا محمد! ما رأيت أشأم منك! لقد عبت آلهتنا، وسفهت أحلامنا وفتنت صبياننا، فانظر ما تريد، إن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كنت تريد مالاً جمعنا لك حتى تصير أغنانا، وإن كنت تريد نساء فانظر أجمل نساء قريش نزوجك عشراً، فلما قال له هذا الكلام، قال الرسول صلى الله عليه وسلم له: أوقد فرغت يا أبا الوليد ؟ -أي: انتهيت من كلامك- قال: نعم، فاردد علي إن استطعت؟ قال له: فاسمع، بسم الله الرحمن الرحيم: حم * تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [فصلت:1-4] ) إلى أن قال: ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13]، فأتى هذا الرجل ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: يا محمد! ناشدتك الله والرحم أن تكف! ثم رجع إلى قومه بغير الوجه الذي ذهب به، فقال له القوم: ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال: ما عقلت من كلام محمد شيئاً غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ).

    هذا هو الأصم الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:24]، تجد الواحد ربما يكون عالماً في الكيمياء، وربما يكون داهية في الفيزياء، وربما يكون عالماً في الذرة، لكنه والعياذ بالله! يعبد البقر، أو أنه يعتقد بأن الله ثالث ثلاثة، فأين عقله؟ كما قال ربنا جل جلاله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:6-7].

    1.   

    تشبيه من يدعو غير الله بالظمآن الذي يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فمه

    المثل الثاني: في سورة الرعد، قول الله عز وجل في الآية الرابعة عشرة: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ [الرعد:14].

    الدعاء شأنه خطير، (فالدعاء هو العبادة)، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ومن لم يسأل الله يغضب عليه وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، هذا الدعاء نتوجه به لله وحده، ( إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله )، الله جل جلاله يبين هذه القضية في كثير من آي القرآن، منها قوله تعالى: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ[فاطر:14]، فقد سمى الله دعاء غيره شركاً، ومن دعا غير الله فقد أشرك؛ لأنه صرف شيئاً من العبادة لغير الله.

    يقول سبحانه: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ[الرعد:14]، قالوا: هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الدعوة الحقة لله، بمعنى أن الذي يدعو الله عز وجل فدعاؤه هو الدعاء الحق.

    لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ[الرعد:14]، لو دعوت غير الله لن يستجيب لك بشيء؛ لأن هذا المدعو إما أنه لا يسمع ولا يقدر، مثل الأصنام التي كانوا يدعونها من دون الله، فإنها لا تسمع ولا تقدر، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ[الحج:73]، قال المفسرون: كان الكفار يطلون أصنامهم بالزعفران، فتأتي الذباب فتسرق ذلك الزعفران، ولا تستطيع الأصنام أن تدفع عن نفسها، لأنها لا تسمع ولا تقدر.

    وإما أنه يسمع ولكنه لا يقدر كالبشر مثلاً، لو أنك دعوت واحداً من الناس الأحياء، يا شيخ فلان! أو يا سيدي فلان! المرأة عاقر وأريدها أن تحمل، الولد بليد وأريده أن يتفوق، البنت مريضة وأريدها أن تعافى، ونحو ذلك، فإنه يسمع ولا يقدر؛ ولذلك قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ[الرعد:14]، قط! وهذا نكرة في سياق النفي يفيد العموم، ثم استثنى صورة هي كالخيال، قال سبحانه: إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ[الرعد:14]، كإنسان عطشان وجد بئراً فجلس على شفيرها، وبسط يده وبينه وبين الماء أربعون متراً، إذا كان في أم درمان يكون بعده أربعين متراً، أو إذا كان هاهنا خمسة عشر متراً، كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ[الرعد:14]، يصور الله عز وجل هذا الذي يدعو غيره بهذه الصورة، كإنسان عطشان مضطر سيموت يجلس على شفير البئر، وبدلاً من أن يأخذ بالأسباب فيبحث عن دلو، أو ينزل إلى مكان الماء، يجلس عاجزاً على شفير البئر ويبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه، قال الله عز وجل: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ[الرعد:14].

    أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.